تاريخ سقوط الأندلس

قصر الحمراء (ويكيبيديا)

قصر الحمراء (ويكيبيديا)

يا أهل أندلس حثوا مطيّكـــــــمُ     فما المقام بها إلا من الغلـــــــــــط

لثوب ينسل من أطرافـه وأرى     ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط

لا يوجد في التاريخ الأندلسي ما يلخّص أبعاد سقوط طليطلة أكثر من هذين البيتين المنسوبين إلى الفقيه الزاهد ابن العسال. وإذا أضفنا إليهما قولين مشهورين آخرين هما ”رعي البعير ولا رعي الخنازير“ و”الأمارة لو على الحجارة“ فربما اكتملت سيرة ملوك الطوائف الذين تقاسموا حكم الأندلس بعد انهيار الخلافة الأموية. ولم تكن السيرة المقابلة للممالك الشمالية خلال القسم الأعظم من تلك الفترة سيرة الوحدة والقوة إذ كانت لا تزال على التنازع والتفرّق اللذين طبعا معظم تاريخها. لكن ما حدث في منتصف القرن الحادي عشر كان تبادلاً واضحاً في المواقف فصار الشمال فجأة أكثر وحدة، أو أقل تفرّقاً، من الجنوب الذي تقاسم سادته ألقاب الفخامة والعظمة والتمجيد والانتصارات التي لم تكن يوماً.

وفي التاريخ الأندلسي أن ألفونصو السادس (أسبغت عليه البابوية صفة القداسة عام 1671) تظاهر بالنوم وهو في حمى طليطلة هرباً من أخويه وراح يصغي إلى حديث دار بين حاكم المدينة المأمون يحيى بن ذي النون وبعض وزرائه عن مناعة طليطلة، الواقعة على تل مرتفع يحيط به نهر تاجه العظيم، وانتهوا إلى التقرير بأن أخذ هذه المدينة يستوجب سبع سنوات من الحصار المسبوق بتخريب الأرض والأحواز وحرق الغلال وانقطاع المؤونة. ولا نعرف إن كانت هذه الحادثة وقعت فعلاً لأن أمراً عظيماً مثل الوضع العسكري لطليطلة لا يُبحث في حضور شخص مثل ألفونصو نائماً كان أو صاحياً، إلا أن الثابت أن ألفونصو كان يعرف المدينة جيداً.

ونهج ألفونصو السادس في البداية نهج سابقيه فأنفق على نفسه وزوجاته الكثيرات وجيشه من الجزية السنوية التي كان يحملها إليه ملوك الطوائف، إلا أنه صار يكثر في المطالب فقل الذهب وبدأ غش العملة ولمس ضعف هؤلاء الملوك وحاجتهم إلى المهادنة فعاث في بلادهم كما شا. وحدث في ذلك الوقت أن فلت زمام الأمور من يد حاكم طليطلة القادر ذي النون بعد مقتل أحد الفقهاء المحبوبين فثار الناس وخلعوه وأجلسوا مكانه المتوكل بن الأفطس لكنّ الأخير ترك المدينة لمصيرها عندما سمع بقدوم ألفونصو ومعه القادر. ولم يجد أهل طليطلة نصيراً في باقي ملوك الطوائف فسلّموا المدينة لألفونصو بعد سبع سنوات من الحصار. وما كاد ألفونصو يستقر في عاصمته الجديدة حتى بدأت الهدايا والتهاني على هذا النصر المبين تفد إليه من بعض ملوك الطوائف. ومن هؤلاء حسام الدين بن رزين حاكم شنتمرية الذي حمل له هدية سنية فجازاه عليها ألفونصو بقرد. ولم ييأس بعض ملوك الطوائف من استعطاف ألفونصو وكسب ودّه ورضاه إلا عندما بدأ يغير سياسته مطالباً بالحصون والقلاع والأراضي. وعندما رد ألفونصو الجزية التي بعث بها المعتمد بن عباد اللخمي، حاكم أكبر دول الطوائف، لم يعد أمامه مفر من مواجهة الواقع فانصاع للضغط الشعبي ووافق وغيره من الحكام على استدعاء المرابطين وبدا له الخيار واضحاً بين رعي الخنازير عند ألفونصو أو رعي البعير عند سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين.

وفي الثلاثين من حزيران عام 1086 عبر يوسف العدوة على سفن اسطول إشبيلية ونزل الجزيرة الخضراء قرب جبل طارق، ثم سار إلى بطليوس ومعه جيوش من إشبيلية وغرناطة ومالقة وبطليوس. والتقى الجمع بجيش ألفونصو في منطقة تبعد ثمانية كيلومترات شمال شرقي بطليوس ونشبت معركة كبيرة تُعرف باسم”الزلاقة“ انتهت بهزيمة ألفونصو. غير أن المرابطين والأندلسيين لم يستثمروا هذا الانتصار ليأخذوا طليطلة فظلت في يد ألفونصو وتحولت إلى قاعدة مهمة كان يثب منها إلى المراكز الأندلسية كما حدث عندما بدأ يهدد مرسية. واستدعى المعتمد يوسف بن تاشفين ثانية بعد استفحال خطر ألفونصو وحاصر جيش المرابطين والأندلسيين حصن لييط Aledo قرب مرسية فاستعصى فانسحب قبل وصول ألفونصو لنجدة قواته.

وجاز ابن تاشفين إلى الأندلس مرة ثالثة وحاصر طليطلة فاستعصت عليه أيضاً فارتد إلى غرناطة وملكها من عبدالله بن بلقين. وترك ابن تاشفين لقادته تصفية ملوك الطوائف فملكوا قرطبة بعد قتل حاكمها الفتح بن المعتمد فوضعت زوجته سائدة نفسها في حمى ألفونصو. وانتقل جيش المرابطين إلى المعتمد في إشبيلية فخف ألفونصو لنجدته بحملة أوكل بها أحد قادته لكن الأخير انهزم. وقاوم المعتمد جيش المرابطين عبثاً وحُمل إلى أغمات عاصمة المرابطين الأولى الواقعة جنوب شرقي مراكش، ومات هناك أسيراً عام 1095. أما سائدة فأصبحت زوجة ألفونصو وحملت له ابنه الوحيد سانشو (شانجة(الذي قتل وهو في الحادية عشرة من عمره عام 1108/501 في معركة أقليش Ucles التي انتصر فيها المرابطون. ودهم ألفونصو غم عظيم لخسارة صغيره ففاضت روحه بعد سنة من ذلك تاركاً عرش قشتالة وليون وأشتوريش لابنته أراكة.

واكتشفت أراكة وغيرها مع مرور الوقت عقم محاولة التصدي للمرابطين لأن هؤلاء أدخلوا فنونا حربية لم تعرفها الأندلس من قبل مثل الجمّالة واستخدام الطبول لإصدار الأوامر والإشارات الحربية، والهجوم العريض بالفرسان بدلاً من الزحف، واشتراك الزنوج وغير ذلك من المفاجآت التي دبّت الذعر في الشمال الأندلسي والدول الأوروبية. ولم يتمكن الشمال من تحقيق أي تقدم حاسم خلال فترة طويلة، إلا أن أحوال المرابطين آلت إلى الضعف مع الزمن فتمكن الشماليون عام 1118/512 من احتلال سرقسطة والمدن الرئيسية الأخرى التي تقع في الثغر الأعلى بمساعدة الفرنسيين والإيطاليين وغيرهم، وتضاعفت بذلك الرقعة التي سيطر عليها الشماليون معززين مركزهم باحتلال طرطوشة عام 1148 /543. وبعد سنة من ذلك احتلت مملكة أرغون لاردة وافراغة ووسّعت حدودها حتى نهر ابرة. لكن العمليات القتالية الشمالية لم تكلل كلها بالنجاح إذ حاول ألفونصو السابع احتلال قرطبة بمساعدة سكانها من النصارى المستعربين فأخفق، لكنه توج حكمه باحتلال المرية، فبقيت تلك العملية أوج انجازاته، كما كان إحتلال طليطلة أوج انجازات ألفونصو السادس.

أما باقي الصورة فكانت تراجعاً جديداً أمام قوة جديدة نهضت على أنقاض المرابطين هي دولة الموحدين 1123-1245 (540-620).

وبدأ الموحدون فترة سيادتهم بانهاء ما بقي للمرابطين من سلطة في الأندلس واستعادوا مدينة المرية بعد عشر سنوات من سقوطها. وفي الشمال جدد ألفونصو الثامن (1214-1158) الحملات على الجنوب، وبات يشكل خطراً كبيراًً فجاز الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور العدوة إلى طريف في الثلاثين من نيسان 1195 ((جمادى الآخرة 591) ومنها إلى إشبيلية ثم قرطبة فقلعة رباح التي تقع على بعد عشرة كيلو مترات إلى الشمال الشرقي من المدينة الملكية وسط الأندلس. وفي الثامن عشر من تموز التقى الخليفة الموحدي جيش ألفونصو في معركة سميت بالأرك، نسبة إلى حصن استخدمه الملك القشتالي لشن هجماته المتكررة على الأراضي الأندلسية، فكانت هزيمة ساحقة لألفونصو الذي انسحب من المعركة جريحاً، وفر إلى طليطلة ومعه 20 فارساً. أما الناجون فهربوا إلى الحصون القريبة واستسلم معظمهم بعد ذلك.

ولم تلجم هذه النكسة ألفونصو الثامن طويلاً إذ شرع اعتباراً من عام 1209 في مهاجمة بعض القواعد الأندلسية القريبة من منطقة سلطانه في فترة تميزت بتأجج الحماس الديني في أوروبة. وتنادت الكنيسة لنجدة الممالك المسيحية في الشمال الأندلسي، وأصبحت الفرصة مواتية لشن هجوم واسع النطاق على الدولة الإسلامية. وفي العشرين من حزيران عام 1212 انفتحت أبواب طليلطة وخرجت جيوش قشتالية وأرغونية وفرنسية ومعها أوروبيون آخرون قصدوا سهلاً يقع جنوب غربي حصن العقاب شمال مدينة جيان. والتقت هذه الجيوش مع جيش الموحدين والأندلسيين في السادس عشر من تموز (٤١ صفر سنة 609) فدارت معركة شرسة انتهت بهزيمة الموحدين والأندلسيين وانفتح الباب على مصراعيه لاجتياح الجنوب. أما الخليفة الموحدي محمد الناصر لدين الله فعاد إلى إشبيلية فمراكش وتوفى بعد سنة.

وحقق ألفونصو الثامن الموصوف بالنبيل انتصاره الحاسم في معركة العقاب لكن الفتوحات الشمالية العظمى التي لم تعرفها الأندلس من قبل كانت من نصيب فرناندو الثالث 1217-1252) الذي نزل على قرطبة في التاسع والعشرين من حزيران عام 1236 واتبعها بجيان (1246)) فاشبيلية ( (1248) ولم يتوقف إلا والسلطة الإسلامية مقصورة على الرقعة الجنوبية من البلاد، وانتقلت عاصمة قشتالة إلى إشبيلية. وخلال هذه الفترة كانت أرغون والبرتغال تتقدمان في اتجاه الجنوب لترسما حدودهما الجديدة.

وكما توافر لقشتالة ملك مهم مثل فرناندو الثالث، توافر لأرغون ملك لا يقل أهمية هو خايمي الاول 1213-1276) الذي احتل جزيرة ميورقة بمساعدة الايطاليين عام 1229، واستكمل في السنوات الخمس التالية احتلال الجزائر الشرقية قبل ان يسجل انتصاراً كبيراً باحتلال بلنسية عام 1238.

القرن الأسود حلّت بالعرب نكبات لا تُعد ولا تحصى وعرفوا كذلك انتصارات لا تُعد ولا تحصى هي الأخرى إلا أنه لا يوجد في التاريخ العربي أكثر حلكة ويأساً من القرنين الثالث عشر والسادس عشر الميلاديين فكلاهما شهد هجوماً واسع النطاق استهدف المشرق والمغرب معاً ولم تعد هناك قوة كافية لايقافه. وحل منتصف القرن الثالث عشر في الأندلس فإذا مئات الألوف من الأندلسيين إما قتلى أو أسرى أو مشردين أو لاجئين فتمزّق النسيج الاجتماعي وانهار الاقتصاد وضاعت الثروات بين ليلة وأخرى وعمّ الجوع. وخلال تلك الفترة الحالكة من التاريخ الأندلسي وجد الأندلسيون أنفسهم في وضع تحرّك دائم مدفوعين أبداً نحو الجنوب أمام جيوش فرناندو الثالث وخايمي الأول فلا يكادون يحلّون في المدينة التالية حتى يكون دورها جاء فتبدأ دوّامة الجلاء مرة أخرى. وفي سنوات الكارثة تلك تفرّق الأطفال عن الامهات والأباء عن الأولاد والزوجات عن الأزواج وانفرط عقد المجتمع وعصفت الفوضى بكل ما كان إلى الجنوب من وسط الأندلس، ولم يعد مُتاحاً لجمهور الأندلسيين خيار”رعي البعير“ ولا حتى خيار”رعي الخنازير“ بعد تنفيذ سياسة قامت على تفريغ معظم الأراضي والمدن الأندلسية.

أما مدد العدوة فتوقف هو الآخر ولم يعد المغرب قادراً على حشد القوات الكافية لوقف الاجتياح الشمالي بعدما كان دفع الجيش تلو الآخر إلى الأندلس حتى انهكت قواه وعجز عن صد الشمال المتحالف مع البابوية والمدعوم بصليبيي فرنسا وإيطاليا.أما قشتالة فتحوّلت إلى آلة حرب يسيّرها مجتمع مؤلف إما من مقاتلين أو كهنة لا تعرف الفئة الاولى منه سوى الحرب مصدراً رئيساً للثروة، ولا تريد الثانية التوقف قبل طرد العرب والإسلام من شبه جزيرة آيبرية. هذا في المغرب، إلا أن المشرق لم يكن أفضل حالاً إذ كانت الحروب مستمرة هناك ضد الممالك الصليبية.

وفي عام 1258/٦٥٦ دهم الوطن العربي خطر هائل عندما زحف المغول في اتجاه العراق واقتحموا ”مدينة السلام“ وأزالوا ما بقي من الخلافة العباسية. وعندما انسحب المغول من عاصمة المشرق لم يعد وصف”مدينة السلام“ مناسباً. أما الدمار الذي نالها وأهلها فكان هائلاً واستمر عشرات السنين حتى أن الرحالة ابن بطوطة وجد بعض الخراب قائماً عندما زارها في القرن الرابع عشر.

وعلى رغم المقاومة الخارقة التي أبداها الأندلسيون بات واضحاً أن قواتهم العسكرية الذاتية كانت أضعف من ان تتصدى للمد الشمالي نتيجة 120 سنة من الاتكال على الآخرين لحمايتها، وهكذا بدأت الأندلس تدخل مرحلة التصفية قبل النهائية. وإزاء تردي الأوضاع إلى هذا الدرك جمع الأندلسيون كل ما تبقى من قوتهم وهاجوا في انتفاضة شعبية شاملة في حزيران/يونيو 1264 واستعادوا مناطق كثيرة بينها مدينة مرسية التي احتفظوا بها نحو سنتين. غير أن تلك القوة الجديدة لم تحتمل الجيوش التي سيّرها خايمي الأول فسقطت مرسية ثانية. ولم يبق لأرغون بعد ذلك ما تحتله فانصرفت إلى بناء امبراطوريتها في البحر الابيض المتوسط تاركة استكمال احتلال الأندلس لملوك قشتالة، وان كان دعم أرغون لجارتها في الحروب التي دارت في فترات لاحقة مع الأندلسيين لم يتوقف.

ونهجت البرتغال هي الأخرى نهجاً منفصلاً عن قشتالة، وبرزت كياناً متميزاً منذ اعترف البابا بها مملكة مستقلة عام 1179. وما ان حلت سنة 1236 حتى كانت البرتغال أخذت مدينة طبيرة الساحلية في الجنوب منهية بذلك توسعها وراسمة حدودها التي بقيت في صورة عامة على تلك الحال.

وفي الفترة بين 1297 و1325 عمل الملك البرتغالي ديونيسوس الاول الملقب بـ”العامل“ على تطوير البنية الاقتصادية لمملكته معتمداً على توسيع نشاطات التعدين والتجارة، وتابع من جاء بعده الطريق نفسه واستمر الصراع مع قشتالة للاحتفاظ باستقلالية البرتغال حتى عام 1385، عندما انتصر البرتغاليون على القشتاليين في المعركة المعروفة بإسم”الجبروت.

وفي عهد الملك يوحنا الاول (1385-1433) بدأت فترة توسع كبيرة نحو أفريقية كانت فاتحتها احتلال مدينة سبتة عام 1415، ثم كان للبرتغال بعد ذلك دورها المعروف في الاهتداء إلى طريق التوابل بمساعدة ملاح عربي مشهور في نهاية القرن الخامس عشر، وبناء أمبراطوريتها في أفريقية والمحيط الهندي والبرازيل.

 

خرائط أندلسية تاريخية بتنسيق بي دي اف

أحوال مملكة غرناطة

بين سقوط مرسية واستسلام غرناطة 226 سنة خرج خلالها العالم من حقبة ودخل أخرى وتبدلت مواقع القوى وتغيرت الأولويات. وانحسر شأن البلاد العربية المشارقية التي حكمتها مجموعة أخرى من سلاطين وملوك وأمراء الطوائف فانحسرت مخاوف المسيحية وخمد توقّد الروح الصليبية. ولم يعد للبابوية دورها المهم فانصرف أمراء الفاتيكان إلى الاهتمام بالدنيا وشؤونها.

وفي الأندلس كانت قشتالة وأرغون قضمت في القرن الثالث عشر لقماً فاضت بكثير عن قدرتها على الابتلاع فلم تستطع إعادة إعمار معظم المدن الرئيسية التي اجتاحتها. واتسعت آنذاك رقعة الأراضي في صورة بات معها توفير الحماية المناسبة لها صعباً لذا كان استئناف الحرب مع غرناطة جهداً لم تكن قشتالة قادرة عليه فعاد الطرفان إلى النهج المعروف في الأندلس وارتضت قشتالة قبول جزية السلام من غرناطة وتقلبت العلاقة بينهما بين الصداقة والعداء والهدنة والقتال. ولم يكن انشغال ملوك غرناطة بأنفسهم أقل حدة مما كان يحدث في قشتالة ولطالما توجه هذا الطرف أو ذاك إلى الآخر طلباً للمساعدة على قهر الخصوم أو دعم السلطة.

ولا تخفي هذه الصورة الكبيرة من الهدنة والسلام صوراً حربية أقل حجماً وأقصر عمراً حاولت مملكة غرناطة الالتفاف عليها عن طريق تجنّب الصدام مع قشتالة بوسائل شتى بما في ذلك التنازل، ولو موقتاً، عن المناطق الاستراتيجية بل حتى التعاون العسكري مع القشتاليين كما حدث آخر أيام الشيخ محمد الأول بن الأحمر”الغالب بالله“ مؤسس مملكة غرناطة 1238-1272، وكثيرين ممن خلفوه في حكم آخر الممالك الإسلامية في الأندلس. ونجحت هذه السياسة حيناً وأخفقت حيناً آخر.

وفي لحظات اشتداد الضغط القشتالي لجأ حكام غرناطة إلى الاستنجاد بسلاطين المغرب كما حدث عندما قاد السلطان المريني أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق الملقب بـ”المنصور“ جيشا عام 1275 (673) عبر به الزقاق وهزم القشتاليين قرب مدينة استجه، ثم عبر الزقاق ثلاث مرات بعدها لوقف القشتاليين عند حدود غرناطة. وفي فترات أخرى ساهمت مشيخة الغزاة المغربيّة في مساعدة أهل غرناطة على صد الشماليين. وكان قادة المشيخة من أقارب السلطان المريني لكن العلاقات بين السلطتين، الغرناطية والمغربيّة، لم تكن جيدة على الدوام. ونمت في أوقات أخرى أزمة من عدم الثقة شبيهة بأزمات مماثلة سابقة بين الأندلسيين وكل من المرابطين والموحدين الأمر الذي زاد ضعف غرناطة وفتح الطريق أمام الشماليين ثانية.

وفي بداية القرن الرابع عشر دخلت غرناطة وقشتالة مرحلة جديدة من الصراع أحرزت خلالها قوات بحرية مشتركة من قشتالة وأرغون والبرتغال انتصاراً حاسماً على غرناطة عام 1340 (740) وتوغلت قوات برية مشتركة من الممالك المسيحية الثلاث في أراضي غرناطة فاستنجدت بالسلطان المريني ابي الحسن علي بن ابي يعقوب. وخاض الطرفان معركة ضارية مع القوات المسيحية في الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر(السابع من جمادى الأولى) انتهت بهزيمة القوات الإسلامية في وقعة طريف التي يُقال إن المرينيين فقدوا خلالها مصحف عثمان. وانقطع المدد المغربي عن الأندلس بعد ذلك، وضعف شأن السلطان في المغرب واقتصرت مساعدة غرناطة على إمدادات محدودة.

وعلى رغم هذه النكسات تمكّنت غرناطة من الاستمرار 152 سنة تلت معركة طريف، ونعمت بفترات طويلة من السلام والإزدهار الحضاري والتجاري، وتطورت فيها العلوم والآداب والصناعات والعمارة التي تشهد عليها الآثار المتبقية حتى اليوم في عاصمة بني الاحمر الذين اكتسبوا صفتهم هذه بسبب شقرة شعر مؤسسها.

وتقوّت هذه المملكة بالنازحين إليها من المدن والمناطق التي وقعت تحت سيطرة ممالك الشمال ممن رغبوا في البقاء في الأندلس وعدم جواز العدوة، فتجمّع في غرناطة على مدى السنين أكثر من مليون أندلسي انضمّ اليهم في القرن الثالث عشر نحو نصف مليون أندلسي آخر جاء أكثر من نصفهم من مدن قرطبة وإشبيلية وشريش وقادس ( (300.000 تقريباً، ونحو 50.000 شخص من مملكة بلنسية وما حولها.

ولم تكن هذه القوة كافية لانتزاع الأراضي التي احتلتها قشتالة وأرغون إلا أنها كانت قادرة على صد الشماليين فترة طويلة من خلال مجموعة من الحصون كانت من بين الأمتن في أوروبة آنذاك. وفي بعض الحالات استغل الغرناطيون ضعف قشتالة فتوقفوا عن دفع الجزية التي وصلت أحياناً إلى 12.000 قطعة ذهب سنوياً، ونشبت بسبب ذلك معارك متفرقة أثبت الأندلسيون فيها قوتهم لذا احتفظت هذه المملكة عموماً بمعظم الاراضي التي قامت عليها دولة بني الأحمر في البداية.

الحرب ضد غرناطة اضطربت التوازنات الدولية بعنف في بداية النصف الثاني من القرن الخامس عشر عندما أخذ محمد الخامس القسطنطينية عام 1453 وبدأ يدق أبواب جنوب أوروبة فتخلّعت مفاصلها وبات العثمانيون خلال وقت قصير نسبياً أكبر خطر يتهدد أوروبة والمسيحية. وعلى رغم تحرّك ملوك أوروبة والبابوية لحشد الصفوف بغية وقف تقدم العثمانيين فإنّ معظم تلك المحاولات انتهى إلى الإخفاق. ولم تتمكن أوروبة والبابوية من الرد على انتصارات العثمانيين إلا عندما دخلت قوات قشتالة غرناطة مطلع 1492 تتقدمها ملكة ولدت قبل سنتين من سقوط القسطنطينية لذا هيمن على وعيها منذ بداية طفولتها أكبر هزيمة لحقت بالمسيحية على يد الإسلام بسقوط عاصمة الكنيسة الشرقية وما تلاها من الانكسارات التي أوقعها العثمانيون بأوروبة بعد ذلك.

وماتت إيزابيلا في الثالثة والخمسين من العمر وهاجس محاربة الإسلام، أو الدفاع عن قشتالة، لا يزال يسيطر على تفكيرها. وحدث هذا في وقت لاحق برعاية البابوية التي أججت التعصب للكاثوليكية والحقد على الإسلام، أما قبل ذلك فربما لم يكن تفكير إيزابيلا يختلف عن تفكير الفتيات في عمرها عندما تزوجت وهي في الثامنة عشرة من العمر قريبها الأرغوني الأمير فرناندو الذي كان أصغر سناً منها(17) سنة.

ولم تمض خمس سنوات على زواجهما حتى ورثت إيزابيلا عرش قشتالة وليون، وصار زوجها ملكاً لقشتالة باسم فرناندو الخامس. وبعد خمس سنوات من ذلك آلت إلى فرناندو مملكة أبيه فجمع إلى اسمه الملكي القشتالي لقب فرناندو الثاني الأرغوني لكنه عُرف عموماً وحتى موته عام 1516 باسم فرناندو الخامس. وكانت البرتغال وقتها مملكة ناهضة، إلا أن حجمها لم يزد كثيراً على سُدس مساحة شبه جزيرة آيبرية التي عرفت للمرة الأولى في تاريخها اتحاداً حقيقياً ضمّ القوة البحرية الكبيرة التي تمتعت بها أرغون والقوة البرّية التي سيطرت عليها قشتالة.

ولا يوجد سبب واحد وراء اندلاع الحرب بين قشتالة المُتحدة مع أرغون وبين مملكة غرناطة يمكن اعلاؤه على الأسباب الاخرى كافة. وبرزت في تلك الفترة مخاوف قشتالية من احتمال استخدام العثمانيين أو الفرنسيين مملكة غرناطة للضغط على قشتالة وأرغون. كما أن بعض الاصلاحات التي أقدمت عليها إيزابيلا بهدف تدعيم سلطتها أضرّت بالنبلاء وكان توجيه كل الانظار إلى العدو الغرناطي المشترك وسيلة لاسكات أصوات المعارضة. ولا يمكن التقرير بالضبط ماهية العامل الأقوى، إلا أن الظاهر أن الأزمة بين قشتالة وغرناطة تطورت بين الجانبين في بداية الثمانينات من القرن الخامس عشر مثلما تطورت بين ألفونصو السادس وملوك الطوائف في بداية الثمانينات من القرن الحادي عشر وكان أساسها الجزية.

وكما غالى ألفونصو في مطالبه آنذاك نجد إيزابيلا تفعل الشيء نفسه فرفض أبو الحسن علي بن سعد دفع الجزية وأبلغ إلى سفير إيزابيلا أن سلاطين غرناطة الذين تعودوا دفع الجزية ماتوا، وان دار السك لا تنتج إلا السيوف هذه الأيام.

ولما سمع فرناندو ردّ السلطان صاح:

Yo arrancaré uno a uno los granos de esa Granada

أي” سانتزع حبّات غرناطة واحدة واحدة“، مستخدماً المعنى المجازي لأن كلمة Granada تعني بالقشتالية الرمّانة.

ويبدو من سير العمليات العسكرية الأوليّة بين الجهتين أن إيزابيلا وفرناندو كانا يريدان تشديد الضغط على غرناطة لاستئناف دفع الجزية والتنازل عن بعض القلاع والحصون المنيعة. لذا أخذت العمليات شكل المناوشات والإغارات المتبادلة على المواقع فكانت الغلبة لهذا الفريق مرة وللثاني مرة أخرى إلى أن تمكن مركيز قادس من تحقيق أهم انتصار عندما احتل قلعة الحمة (الحامة) الواقعة جنوب غربي غرناطة عام 1482.

وخلال هذه الفترة نشب نزاع بين أبي الحسن وابنيه أبو عبدالله محمد، ويوسف سببه استنصارهما لأمّهما عائشة من ضرتها القشتالية الحسناء إيزابيلا دي سوليس (ثريا) التي أسرها أبو الحسن خلال احدى غاراته. ولم تعد عائشة تحتمل البقاء في الحمراء فانتقلت إلى رباض البيازين مع ولديها اللذين رفعا راية العصيان ضد أبيهما. وخلال المعارك التي دارت بين الطرفين بعد ذلك قُتل يوسف، ثم نظّم بنو السرّاج حركة عصيان في مدينة غرناطة فأبعدوا الأب، وأحلّوا محله ابنه أبا عبدالله.

وقاد السلطان الجديد الغرناطيين في القتال ضد قشتالة لكنّه وقع في الأسر جنوب شرقي قرطبة عام 1483. ويبدو أن أسر الملك أبي عبدالله محمد ساهم في انتقال تفكير إيزابيلا وفرناندو من مجرد إخضاع غرناطة وإجبارها على استئناف دفع الجزية إلى محاولة شن حرب شاملة لانهاء وجود هذه المملكة.

وكان تحت إمرة فرناندو جيش ضخم قوامه نحو 52.000 جندي إلا أنه كان يفتقر إلى المدفعية الثقيلة لدك أسوار القلاع والحصون، وإلى شقّ الطرق لنقل تلك المدافع في المناطق الغرناطية المعروفة بوعورتها. وتطلب هذا كله توفير مبالغ طائلة لم تكن قشتالة تملكها فعمدت إيزابيلا إلى الحصول على تمويل من بعض الأثرياء اليهود والألمان والإيطاليين وكتبت إلى البابا تعرض عليه الخطة وتطلب منه المساعدة على تمويل هذه الحرب.

أما أهم أوراق إيزابيلا خلال تلك المرحلة فكانت أسيرها الملكي أبو عبدالله المعروف في الروايات الأندلسية والإسبانية باسم ”الملك الصغير“. وفي عام 1485 أطلقت إيزابيلا أسيرها فقام يطلب الملك من أبيه.

واستمر القتال بين الأب وابنه حتى أصيب الأب بالعمى والصرع ومات، فآل السلطان إلى أخيه الملقّب بـ”الزغل“. واستمر الخلاف بين الملك الصغير وعمه، وتطور إلى حرب شطرت في وقت متقدم مدينة غرناطة إلى نصفين أولهما في قصبة الحمراء وثانيهما في رباض البيازين قبالتها. وضج الناس من هذه الحرب الأهلية، ويئس الزغل من الاستمرار فعمد إلى ابرام اتفاق مع إيزابيلا عام 1489 (895) لضمان سلامته وحاشيته وهجر غرناطة إلى تلمسان حيث سجنه سلطان المغرب محمد الشيخ وسمل عينيه وأخذ أمواله.

وخلال سنوات الاقتتال الداخلي الحاسمة دار اقتتال أشدّ ضراوة منه بين جيش فرناندو الذي قاد دفة المعارك وبين المدافعين عن المدن والحصون الغرناطية، فيما ضربت أساطيل البرتغال وأرغون وإيطاليا الحصار على السواحل الغرناطية لقطع خطوط الإمداد. وبعد عدد من المعارك الطاحنة التي لم تعرف شبه جزيرة آيبرية مثيلاً لها من قبل، احتلت جيوش فرناندو رندة عام 1485 (890) ومالقه عام 1487 (892) وبدأت تنصب مدفعيتها حول غرناطة اعتباراً من نيسان /إبريل 1490، أي 895 هجرية.

وفيما لجأ قسم من سكان مملكة غرناطة إلى الجبال، احتمى أهل غرناطة بأسوار مدينتهم الحصينة فأسند فرناندو إلى نحو 30 ألف جندي مهمة تخريب الحقول والمروج وقطع الشجر وحرق المحصول لتشديد الضغط على المحاصرين لأن هذا الجهد كان من الجهود الرئيسية لاخضاع المدن. لكن الماء ظل يتدفق إلى غرناطة من الجبال المحيطة بها عبر قنوات سرّية مدفونة تحت الأرض لذا لم يكن الوضع يائساً.

وكان العقد الممتد بين 1481 و1491 دامياً وعصيباً وحاسماً. وكانت المعارك تدور عادة خلال فصلي الربيع والخريف، وكان قسم منها لا يزال تقليدي الطابع مثل الكر والفر والزحف والمبارزات الفردية بين الفرسان بالسيوف والرماح، بينما عكس القسم الثاني تطور آلة الحرب في تلك الفترة خصوصاً البنادق الأوّلية والمدفعية”الثقيلة“التي استخدمتها قشتالة على نطاق واسع بإدارة خبراء استقدمتهم من ألمانيا وايطاليا. ويبدو أن تأثير المدفعية لم يكن كبيراً إذ ظلت الأسوار صامدة وبقيت معنويات المدافعين عن غرناطة عالية. وفي هذه الأثناء اشتدت الضغوط على الخزانة القشتالية، وبدأ الشك يتسلل إلى كل من إيزابيلا وفرناندو باحتمال تحقيق النصر على مملكة غرناطة قبل نفاد ما تبقّى من التمويل في تلك الفترة.

ولعب عاملان آخران دورهما في تغيير استراتيجية إيزابيلا وفرناندو تجاه غرناطة خلال المرحلة الأخيرة من الحرب: الأول توجيه غرناطة الرسل الى الدول العربية والإسلامية القوية لمساعدتها وارتفاع الأصوات في العالم الإسلامي للتدخل لوقف الهجوم القشتالي، والثاني تسبب استمرار الحرب مع غرناطة في إعاقة جهد قشتالة دخول السباق الحاسم مع البرتغال للوصول إلى مصادر التوابل في الهند حيث الثروة الهائلة التي كانت تنتظر أول الواصلين إليها. ولم يأت المدد العربي أو الإسلامي الذي توقعته غرناطة وكان هذا خطأ كبيراً لم ينتبه إليه العرب إلا بعدما بدأ الإسبان مهاجمة السواحل المغاربية واحتلال عدد منها. لكن أسباب السباق مع البرتغال وارتفاع تكاليف الحرب واحتمال صمود غرناطة ست أو سبع سنوات أخرى كانت كافية لإعلان إيزابيلا وفرناندو رغبة قوية في بدء المفاوضات مع المملكة العربية.

تسليم غرناطة ورحيل الملك الصغير جرى معظم مفاوضات تسليم غرناطة سراً، وكان أغلبها ليلاً في غرناطة نفسها أو في قرية قريبة منها. ومثّل الملك الصغير في هذه المفاوضات عدد من وزرائه بينما مثّل إيزابيلا أمين سرها فرناندو دي زفره ومسؤول رفيع آخر هو غونثالو القرطبي الذي كان ناطقاً بالعربية عارفاً بعادات العرب وتقاليدهم.

وساهم في الترجمة بين الجانبين يهودي هو جبرائيل إسرائيل Gabriel Israel. وبعد عدد من الاجتماعات توصل الطرفان إلى الاتفاق على شروط المعاهدة في الخامس والعشرين من تشرين الثاني /أكتوبر عام 1491 (21 محرم897) على ان تدخل قوات قشتالة المدينة بعد 60 يوماًًً.

ولما تسربت أنباء هذه المعاهدة ثار أهل مدينة غرناطة فعُرضت عليهم بنود المعاهدة وبُيّن لهم”أن صاحب رومة (البابا) يوافق على الالتزام والوفاء بالشروط إذا أمكنوه من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون، ويحلف على عادة النصارى في العهود، وتكلم الناس في ذلك، وذكروا أن رؤساء أجناد المسلمين لما خرجوا للكلام في ذلك أمتن عليهم النصارى بمال جزيل وذخائر، ثم عقدت بينهم الوثائق في شروط قرئت على أهل غرناطة، فانقادوا إليها ووافقوا عليها.“

ولم يبق بعد ذلك ما يمنع تنفيذ المعاهدة فاتفق الملك الصغير وإيزابيلا على تقديم أجل تسليم المدينة إلى الثاني من كانون الثاني /ينايرعام 1492.

وفي الموعد المحدد دخلت طلائع جيش قشتالة المدينة ورفعت العلم على قصبة (قلعة) الحمراء وبدأ الملك الصغير تجهيز نفسه وحاشيته لإخلاء المدينة لإيزابيلا وفرناندو استعداداً لدخولهما إليها. وبعد ستة أيام من دخول الجيش القشتالي غرناطة وقف فرناندو وحاشيته أمام مسجد يقع جنوب غرناطة حوّله فرناندو إلى كنيسة تُعرف باسم”كنيسة القديس سباستيان“، وانتظر الملك الصغير الذي عبر نهر شنيل ومعه كوكبة من نحو 50 فارساً وحاشية بعدد مماثل وتبادلا التحية لحظات، ثم أمر فرناندو بتسليم أبي عبد الله ابنه الأسير ونحو 400 من أعيان غرناطة احتفظ بهم فرناندو رهائن خوف انقلاب أهل غرناطة عليه.ولم يبق عندها سوى الوداع فأكمل الملك الصغير طريقه إلى سكناه الجديد في أندرش في جبل البشرات. وفي الروايات الإسبانية والأندلسية أن الملك الصغير توقف عند نقطة مرتفعة في الطريق تطل على غرناطة وتنهّد وبكى فنهرته أمه عائشة وقالت بيتها الشهير:

 

ابك مثل النساء ملكا مُضاعا     لم تحافظ عليه مثل الرجال

 

ولم تطل إقامة الملك الصغير في أندرش إذ باعت إيزابيلا الضيعة التي أقطعتها له وهو لا يزال يعيش فيها، وسلمته ثمن الأرض الذي يزعم مؤرخون إسبان إنه وصل إلى نحو 80.000 دوقة ذهبية. وعرف الملك الصغير ان إيزابيلا لم تعد تريده في البلاد فعبر الزقاق عام 1493 إلى مليلة في المغرب. ويروي لنا المقري ما حدث لهذا الملك بعد ذلك فيقول إن أبا عبد الله الصغير”استقر في فاس بأهله وأولاده معتذراً عما أسلفه، متلهّفاً على ما خلّفه. وبنى بفاس بعض قصور على طريق بنيان الأندلس، رأيتها ودخلتها، وتوفي رحمه الله تعالى بفاس عام أربعين وتسع مئة (1518، ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلّف ولدين اسم أحدهما يوسف والآخر أحمد، وعقب هذا السلطان بفاس إلى الآن. وعهدي بذريته بفاس عام 1027، يأخذون من أوقاف الفقراء والمساكين، ويُعدّون من جملة الشحاذين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم“.

ولم يكن تسليم غرناطة خيار الجميع إذ فضل موسى بن أبي الغسان ترك المدينة وخرج من باب البيرة ولم يُسمع عنه بعد ذلك. وينقل ارفنج عن القس أنطونيو أجابيدا2 مصير موسى فيقول إن سرية من فرسان قشتالة التقت به على ضفة نهر شنيل ”فلما رأوه يعدو على ذلك النحو طلبوا اليه ان يقف وان يعرّف بنفسه فلم يجب الفارس المسلم، لكنه وثب إلى وسطهم، وطعن أحدهم برمحه وانتزعه من سرجه فألقاه على الأرض، ثم انقض على الباقين. وكانت ضرباته ثائرة قاتلة، كأنه لم يشعر بما أثخنه من جراح، ولم يرد إلا ان يقتل دون رغبة في ان يعيش لينعم بظفره. وهكذا لبث يبطش بالفرسان حتى أفنى أكثر من نصفهم. غير أنه جرح في النهاية جرحاً خطراً، ثم سقط جواده من تحته قتيلاً بطعنة أخرى، فسقط على الأرض، لكنه ركع على ركبتيه واستل خنجره وأخذ يناضل عن نفسه، فلما رأى قواه نضبت، ولم يرد أن يقع أسيراً في يد خصومه ارتد إلى ورائه بوثبة أخيرة، والقى بنفسه إلى مياه النهر، فابتلعه لفوره، ودفعه سلاحه الثقيل إلى الأعماق“.

ويروي القس أجابيدا إن هذا الفارس هو موسى بن أبي الغسان، وأن بعض العرب المتنصّرين في المعسكر الإسباني عرفوه من جواده المقتول. لكننا لا نجد أي ذكر لهذا الفارس في المصادر العربية، ولا نعرف ماذا جرى لكل اولئك الذين عارضوا تسليم غرناطة.

 

ملوك الطوائف

عادل بشتاوي
تكمن وراء نهوض الممالك الشمالية في الأندلس عوامل عدة تطورت مع الزمن استجابة لمتطلبات اقتصادية واجتماعية وسكانية محددة. وبما أن الأنظمة في كل مكان لا تقوم إلا على هذه العوامل فإن كل ما سواها، مثل العوامل الدينية والفكريّة والسياسية وغيرها، رديف أو حتى هامشي إلا في حالات بعينها لأن جلّ البشر يريد أن يأكل ويشرب ويتزاوج قبل أي شيء آخر، أي أنه يريد، باختصار، اشباع حاجات بطنه وفرجه.

وخلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين سجل عدد سكان الممالك المسيحية في الأندلس ارتفاعاً كبيراً نتيجة ثلاثة أسباب رئيسة: الأول تدفق المهاجرين الأوروبيين لاستيطان المناطق الجديدة التي احتلتها الممالك الشمالية، والثاني نزوح جماعات من النصارى المستعربين الذين كانوا يقيمون في الجنوب ثم فضّلوا الانتقال إلى الشمال لسبب أو آخر، والثالث ازدياد ملحوظ في نسبة التزايد السكاني في الشمال بعد مرحلة من الاستقرار النسبي التي أعقبت عجز قرطبة عن التصدي للشمال لانشغالها بالفتن الداخلية في عهدي الولاية والأمارة.

وفي البداية كان التحرك الشمالي نحو الجنوب استجابة لحاجة ملحة اقتضت مزيداً من الاراضي لاستيعاب العدد المتزايد من السكان، لكنه أصبح مع الزمن سياسة مرسومة سارع ملوك الشمال إلى تطبيقها كلما ضعفت مقاومة الأندلسيين خصوصاً عند نشوب الحروب الأهلية أو شيوع الفتن. وحيثما تمكن ملوك الشمال من تحقيق مكاسب جديدة على الأرض عمدوا بسرعة إلى إسكانها ليساهم المستوطنون في الدفاع عنها وابقائها بيد الشماليين.

وبحلول بداية العقد الثاني من القرن العاشر الميلادي كان ملوك أسترياس بسطوا سلطانهم على خُمس آيبرية فحققوا مطالب السكان الذين كانوا ينظرون إلى الملوك في تلك الحقبة من الزمن على أنهم مفتاح الخير والثراء. إلا أن هذا لا يستثني وجود عوامل أخرى ساهمت في الاندفاع نحو الجنوب مثل الجفاف أو المجاعة أو السعي إلى تحقيق انتصار إضافي لنصرة الدين أو إبعاد الأنظار عن المشاكل الداخلية وغيرها من الأسباب التي كمنت دائماً وراء نشوب الحروب في العالم، وفي صورة لا تختلف كثيراً عما يحدث اليوم.

وتتصف المناطق الجبلية التي قامت فيها الممالك الشمالية بوعورتها وفقرها وقلة خصوبتها مما يفسر سبب تجنّب معظم الغزاة الذين دخلوا آيبرية هذه التخوم منذ أقدم العصور. وعكس اقتصاد الممالك الشمالية الأولى أوضاعها الجغرافية والمناخية فتألفت عناصره الأساسية من تربية الماشية والاتجار بالصوف الخام والتجارة المحدودة وبيع العبيد الصقالبة إلى أن فتح ضعف الأندلسيين بوابة هائلة أمام مصدر لا ينضب من الثروة التي تدفقت على الشمال. ولم يملك الشماليون في أي وقت من الأوقات التي سبقت القرن العاشر قوة كافية لاكتساح الجنوب.

والسبب ليس عسكرياً فقط لأن الشماليين ما كانوا سيتوغلون في الجنوب كثيراً حتى لو قدروا وحسبهم إذ ذاك السعي إلى الإغتراف من ثروة الجنوب. وعندما بدأ الشماليون النزول إلى سهول نهر دويرة وجدوا الأراضي الخصبة لكن قسماًً كبيراً منهم كان ينأى عن مزاولة هذه الحرفة وظل هكذا في القرون اللاحقة. أما الخيار الأسهل من صنع الثروة فهو اقتناصها لكنّ اقتناصها لم يكن ممكناً قبل الوصول إلى تخوم وديان النهر الكبير حيث الثروة الأندلسية الكبيرة. وهذا ما حدث في صورة ملفتة أيام ملوك الطوائف عندما صارت الأندلس »بنك« ملوك الشمال يتلقون منه التحويل بعد الآخر في أوقات معلومة ويلوّحون بسيوفهم كلما تأخّر فيأتيهم متعجلاً نفسه حتى باتت الجزية أكبر مصدر دخل للممالك الشمالية.

وماذا كان ملوك الشمال يفعلون بكل ذلك المال؟

كانوا ينفقون جزءاً منه على بناء القصور وتجميلها بأيد أندلسية في حالات كثيرة، وكان جزء منه يتسرب إلى العامة إلا أن جزءاً كبيراً كان يُصرف على الجيش والمرتزقة، أي في الاستثمار في أدوات الحصول على مزيد من الجزية. وكان ملوك الطوائف في معظم سنوات القرنين الحادي عشر والثاني عشر يرشون الشمال خوفاً على عروشهم، إلا أنهم كانوا في الوقت نفسه يغذّون الحرب ضدهم صاغرين. وإذا اخذنا في الاعتبار المبالغ الهائلة التي دفعها ملوك الطوائف لقشتالة فربما أمكن القول إن العصور الوسطى لم تعرف إلا في حالات قليلة جداً وضعاً يماثل وضع الملوك الأندلسيين الذين وجدوا أنفسهم يموّلون الحرب ضد أنفسهم بأموال الشعوب التي حكموها.

وخلال القرنين المذكورين والعقد الأول من القرن الثالث عشر دخل الشمال والجنوب في الأندلس في حلقة عجيبة فصار التهديد بالحرب ضد الجنوب يغذّي الخزائن في الشمال ثم تعود الخزائن فتغذي التهديد بالحرب. وكلما ازدادت نفقات التهديد ازدادت الجزية وهكذا تسارع انتقال الثروة من الجنوب إلى الشمال وعجز ملوك الطوائف عن دفع المستحقات وبدأ غش العملة والتلاعب بأوزانها.

وماذا يحدث عندما يتوقف البنك عن إرسال التحويلات؟

يعلن متلقي التحويلات الإفلاس أو يفتّش عن مصدر آخر. وأحياناً يحدث شيء ثالث مختلف تماماً فيذهب الشخص الذي كان يتلقى التحويلات إلى البنك بنفسه ويستولي عليه كاملاً غير منقوص. وهذا ما فعله ألفونصو السادس عندما ذهب بنفسه إلى واحدة من أغنى مدن الأندلس هي طليطلة وأخذها عنوة، وحلتّ محل سياسة استدرار الثروة من مصادر الثروة سياسة جديدة قامت على الاستيلاء على مصادر الثروة نفسها.

 

spain cities.shf(RSG7)

 

معالم الاقتصاد الأندلسي

كان استتباب الوضع السياسي في الأندلس في عهد الإمارة بمثابة ضوء أخضر اعطى اشارة بدء عملية بناء الاقتصاد الأندلسي إذ أغلق عبدالرحمن الداخل باب السلطة في وجه الفئات المتنازعة والشخصيات الطموحة وتحولت القوى المهدورة في النزاعات السياسية إلى المساهمة في زيادة الانتاج وتحقيق الرخاء الذي قام على الزراعة والتجارة والصناعة المتوافرة في ذلك الوقت. لكن أسس قيام تلك النهضة الزراعية والتجارية وُضعت عندما تقوض حكم القوط الغربيين في آيبرية (عام 711)، وانتهى وجودهم الذي فرضوه على السكان المحليين فترة زادت على قرنين من الزمن.

ولم يكن الفلاحون بمنأى عن السياسة القوطية المتبعة في آيبرية، إذ كانوا عبيدا أجراء لدى النبلاء يقدمون لهم بين 50 و80 في المئة من المحصول. ولم تكن حصة الفلاحين تكفي أحيانا لبذار الموسم التالي أو لسد حاجة العاملين في الحقول، الأمر الذي أدى إلى تضاؤل الاهتمام بالأرض فأهملتهم عندما أهملوها. ونزلت بآيبرية قبل ثلاث سنوات من الفتح العربي مجاعة شديدة، وعصف بالسكان وباء فأودى بحياة الكثيرين.

وأعيد توزيع الاراضي الأندلسية بعد الفتح طبقا للطريقة التي سقطت بها هذه الاراضي، فمنها ما استبقاه السكان المحليون على صلح، ومنها ما ملكه الفاتحون بعد حرب أو بعدما فر أصحابها، ومنها أيضاً ما مُلك بطرق مختلفة أخرى. أما السكان المحليون الذين استمروا في العمل أو السكنى في أراضيهم، فكانوا عموماً يدفعون جزية وخراجاً على أرضهم من الغلة يراوح بين 20 و53 في المئة وأحيانا 50 في المئة طبقاً لنوع المحصول وفترة إثماره والكمية الفائضة عن الاستهلاك والبذار.

وتوضح المعلومات الاقتصادية المتوافرة عن تلك الفترة من تاريخ الأندلس أن القمح كان المحصول الرئيسي، ويبدو انه كان يزيد على حاجة السكان في أغلب الاحايين. كما احتل الزيتون مرتبة مهمة فعُمد إلى توسيع نطاق زراعته وتحسينه لا سيما في المناطق المحيطة بمدينة جيان التي لا تزال حتى اليوم تعيش على الزيتون مصدراً رئيسيا لاقتصادها. وأدخل العرب في سنوات ما بعد الفتح مزروعات جديدة إلى الأندلس شملت الحمضيات واللوز والتين والدراق والرمان والموز والزعفران والحلفاء والقطن والكتان وقصب السكر والمشمش ومع الزمن أصبحت بلاد الأندلس كأنها بستان واحد متصل، كثيرة المبنى والثمار، وإذا سافر المرء من مدينة إلى أخرى، سار في مناطق عامرة مأهولة تتخللها قرى كثيرة نظيفة ومبيّضة الدور من الخارج، ولم يحتج المسافر أن يحمل معه زاداً أو ماءً.

وحيثما وجد عرب أو بربر في منطقة أو أخرى، اعطى هؤلاء المكان سمات متميزة كما حدث بالنسبة للسوريين في كورة البيرة (غرناطة) والمصريين في باجة وتدمير (مرسية) والفلسطينيين في مناطق شذونة، والاردنيين في رية، وأهل حمص في إشبيلية، والبربر في المناطق المرتفعة التي تلائم طبيعتهم وتتشابه مع المناطق التي قدموا منها قبل الفتح. وكان لادخال الحمير إلى الأندلس بعد جلبها من مصر مفعول هائل في «تثوير» طرق الفلاحة والحصاد وارتفاع حجم المحصول. وربما بدا هذا غريباً اليوم، لكن أحد مفاهيم الرخاء في ذلك العصر، كان توافر حمار لكل شخص يستخدمه في غاياته المختلفة.

وسدّ تطوّر الزراعة في الأندلس حاجة الاستهلاك المحلي وقدم جزءاً كان يُصدر إلى الشمال الافريقي ومنه إلى مصر وربما وصل بعض المنتوجات إلى بغداد.لكن هذا لا يعني ان الخير كان عاماً إذ تسببت عوامل كثيرة في إضعاف المحصول في بعض السنين وحتى في وقوع مجاعات عدّة، كما حدث عام 815 (199) و915 (302) عندما مات أكثر الخلق جهداً. أما في الأوقات غيرها فقد استطاعت الأندلس النهوض من محنتها ومتابعة صنع الرخاء الذي عرفته حتى في أوقات ضعف سلطتها السياسية. واستفاد الأندلسيون في نشاطهم الزراعي من القنوات التي بناها الرومان في القرن الأول المسيحي لكنهم زادوا عليها وأصلحوا القديم منها وحسّنوه وشقوا قنوات جديدة.

واتقن الأندلسيون التعامل بفنون السقاية وجلب المياه من مسافات بعيدة. كما استخدموا النواعير، وكانت من النوع الذي تربط إلى إطاره قلال من نوع لا يزال موجوداً في بعض مناطق الصعيد المصري حتى الآن. ومع انحسار الوجود العربي في منطقتي غرناطة وبلنسية تكثّفت الخبرة وتحولت المنطقتان إلى اثنتين من أخصب بقاع أوروبة، وبقيتا كذلك حتى رحّلت السلطات القشتالية الأندلسيين في بداية القرن السابع عشر. وتعرض النشاط الزراعي إلى كارثة نتيجة الاهمال استمرت حتى مطلع القرن التاسع عشر عندما تجدّد الاهتمام به اعتماداً على الكتب الزراعية التي وضعها الأندلسيون. ومع الزمن أصبحت إسبانيا من بين أكثر الدول انتاجاً للزيتون والدرّاق، وهي اليوم أكبر مصدر للزعفران ومركز الاتجار به مدينة البسيط جنوب غربي بلنسية.

الصناعة

وفّر تطور زراعة القمح والقطن والكتان والتوت وازدياد الاعتناء بتربية الماشية المواد الأولية اللازمة لقيام صناعات خفيفة، لقيت تشجيعا مناسباً فنمت في معظم أرجاء الأندلس مستفيدة من الخبرات التي توافرت لدى السكان المحليين في بداية عهد الفتح، ومن الخبرة التي حملها العرب الذين استوطنوا الأندلس في سنوات لاحقة. وبتوافر المواد الأولية والخبرة تطورت صناعة المنسوجات والسكر والخزف والسجاد والعطور والمواد الكيماوية المختلفة لا سيما الاصباغ، وكذلك صناعة الزجاج والصناعات اليدوية الأخرى.

وترد إشارات كثيرة إلى هذه الصناعات إذ أنشأ عبدالرحمن الداخل داراً خاصة للطراز، تُصنع فيها ملابس أصحاب الخدمة. وتطورت صناعة الملابس في ما بعد لتغطي الاستهلاك المحلي مع تخصيص قسم كان يُصدّر إلى المغرب أو الشمال. وربما اعتبرت مدينة شقوبية من أهم مراكز صنع الملابس في الأندلس حتى سقطت بأيدي الشماليين عام 1085 (478). أما غرناطة فكانت أهم مراكز تربية دود القزّ وصناعة المنسوجات والملابس الحرير في أوروبة حتى أمر فيليب الثاني بتغريب معظم سكان المملكة بعد الثورة الكبرى إلى مناطق منحوسة كثيرة في القشتالتين القديمة والجديدة.

وأحسن الأندلسيون استغلال عدد كبير من المعادن المحلية مثل الحديد والزئبق والنحاس، فكان ذلك عاملاً مهماً في تطوير صناعة الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت. وشجع عبد لرحمن الثاني هذه الصناعة وذاع صيت طليطلة كمركز رئيس لصناعة الأسنّة والرماح والسيوف وغيرها من الأسلحة، ثم تطورت هذه الصناعة في العصور الأحدث فصارت تُنتج البنادق والأسلحة الفردية وغيرها.

ومع تقدم الصناعة في القرن التاسع الميلادي تمكّن الأندلسيون من انتاج الزجاج المعروف بالظرابي الصواني والزجاج الشفاف والورق. ولمع اسم مدينة شاطبة Jativa مركزاً مهماً لانتاج المادة الاخيرة، مما ساهم إلى حد كبير في تطوير صناعة الوراقة. ونشطت هذه الصناعات على نطاق »ورشات« صغيرة يعمل فيها عدد محدود من الاشخاص، سواء كان ذلك في ورشات صناعة الأسلحة أو المصابيح أو في معاصر الزيتون والمطاحن التي لا تزال انقاض بعضها باقية حتى اليوم في قرطبة على رغم مرور أكثر من الف سنة على بنائها.

أما الصناعات الاثقل فشملت السفن بكل أنواعها السفري والتجاري والحربي استجابة لمتطلبات الدفاع والتجارة والتنقل، وتركزت في الجنوب الأندلسي، وعلى الساحل الشرقي في مدن مثل المرية ولقنت ودانية وغيرها. ويبدو أن انتاج السفن كان كبيراً نظراً إلى توافر معظم المواد الأوليّة اللازمة لذلك في الأندلس وبلاد المغرب وصقليّة التي كانت تُجلب منها أخشاب السفن مثل الصنوبر والأرز والبلّوط. ومن هذه الأخشاب كانت تُصنع ألواح السفن والصواري والمجاذيف، فيما توافرت المواد الأخرى بكثرة مثل الحديد لعمل المسامير والمراسي والروابط والخطاطيف والعرادات والفؤوس واللتوت والدبابيس والجواشن وغير ذلك من الآلات والأسلحة، والنحاس الذي تصنع منه السلاسل، والألياف لعمل حبال المراسي، والقطران والزفت لقلفطة السفن حتى لا تؤثّر المياه في ألواحها المغمورة في البحر، والقطران والكبريت اللازمين لصناعة النفط البحري وهو نوع لا ينطفىء إذا سقط في الماء، وكذلك القطران والكتّان لصناعة النار الحارقة.

وتذكر وثائق تاريخية أن عدد السفن التي استخدمت في إخضاع سكان جزيرتي ميورقة ومنورقة عام 849 (234) كان نحو 300 سفينة مما يدّل على اتساع صناعتها. كما استخدم عدد كبير من السفن لحراسة الشواطئ الأندلسية، لا سيما إثر الهجمات التي شنها النورمان اعتباراً من عام 844. ولا شك في ان توافر مثل هذا الاسطول لغرضي الدفاع والتجارة كان سبباً مهماً في إيجاد الاستقرار المطلوب للاستمرار في تطوير البنية الصناعية الأندلسية وزيادة رخاء البلاد.

التجارة

ساهم وجود فائض في المنتوجات الزراعية والصناعية في تشجيع تجارة نشطة عادت على الأندلس بالرخاء ومنحتها القوة التي مكنتها من التصدي للشماليين حتى بعد انهيار الخلافة، وإن كان هذا الرخاء أجّج أطماع الممالك الشمالية. ومنذ نشوء الأمارة القرطبية تكاملت القدرات الإدارية اللازمة لبدء عملية بناء الاقتصاد الأندلسي، فاعتمد الناس في بداية الأمر الأوزان والمقاييس ذات الأصل الروماني. وسك عبدالرحمن الداخل الدينار القرطبي فأصبح عملة مقبولة في كل الأندلس، وفي كثير من دول أوروبة.

وكانت المبادلات التجارية الدوليّة تتم بالدينار العربي ودينار بيزنطة ودينار غالة الذي سكّه للمرة الأولى الملك شارلمان. ولم تكن العملة التي سكت بأمر عبدالرحمن الأولى التي تضرب في الأندلس إذ سعى موسى بن نصير في بداية عهد الفتح إلى إبراز مظهر السلطة الإسلامية في آيبرية فضرب أول النقود التي كانت صورة عن النقود المستخدمة في آيبرية قبلا، سواء من ناحية المعدن أو الكتابة بالحروف اللاتينية مع استبدال المعاني المسيحية بأخرى إسلامية وإضافة التاريخ الهجري عليها. وتطورت عملية سك العملة في عهد عبد الرحمن فأنشأ داراً خاصة لها في عاصمة الامارة. ولا تتوافر احصاءات تجارية يُعوّل عليها عن تلك الفترة لكن كتب التاريخ تذكر أنّ السفن التجارية كانت تبحر بين الموانىء الأندلسية وموانىء المغرب والاسكندرية والشام وصقلية والجزر الأخرى في البحر الأبيض المتوسط وبعض الموانىء الأوروبية القريبة. وكان الأندلسيون يصدّرون إلى المغرب ومصر والشام وغيرها المنسوجات والوشي والبسط والزجاج والزعفران والورق والجلود وزيت الزيتون والأسلحة والزئبق والتوتياء والعنبر والعبيد الصقالبة، فيما كان التين يُحمل من مالقة ويباع في بغداد.

واستوردت الأندلس عدداً كبيراً من المصنوعات والمواد الأوليّة والفستق والجلود والزنوج الأفارقة، وظل الميزان التجاري لصالحها في أغلب الأوقات. وكان التجار الأندلسيون يحملون إلى قرطبة وإشبيلية وبلنسية وغيرها الذهب الذي كان يُستخرج من ضفاف أنهار غرب افريقيا ويُنقل عبر المغرب. وظل ذاك المصدر أهم مصادر المعدن الثمين إلى حين اكتشاف الذهب والفضة في بلاد أفريقية أخرى والعالم الجديد.

ولعبت الأندلس أيضاً دوراً رئيسياً كمصدر ومستورد مع الممالك الأوروبية فشملت الصادرات المنسوجات والملابس والمصنوعات اليدوية المتنوعة وغيرها الكثير. ولا شك ان تجارة العبيد الصقالبة كانت اهم تجارة تعاملت بها الممالك الشمالية الصغيرة، وكان هؤلاء يُؤسرون من مناطق وسط أوروبة ودول البلقان حاليا، وينقلون إلى الأندلس ومنها إلى المغرب ومصر والشام وباقي الدول و«جميع من على وجه الأرض من الصقالبة الخصيان فمن جلب الأندلس لأنهم عند قربهم منها يُخصون ويفعل ذلك بهم تجار اليهود والصقالبة».

وكانت هذه التجارة مصدر رخاء كبير لمدن مثل بمبلونة وبرشلونة، وعادت على الشماليين بدخل استخدموا بعضه لشراء المنتوجات الأندلسية المتنوعة، والبعض الآخر للإنفاق على الجيوش. فالتجارة في تلك الفترة، كما هي اليوم، كانت تتم من دون الالتفات كثيراً إلى بعدها العسكري، حتى أن ملوك الشمال الآيبري درجوا على شراء ملابسهم من الجنوب، لا سيما الحريرية، خلال فترات اندلاع الحروب بين الجهتين.

كما أدّت الأندلس دوراً رئيسياً كمركز لإعادة تصدير البضائع الشرقية والمغربيّة إلى الشمال وأوروبة خصوصاً التوابل والأفاوية والمكسرات والعطور وغيرها من المواد. وكان الأمان النسبي الذي ساد البحر الابيض المتوسط عاملاً مهماً في زيادة التبادل التجاري مع الأندلس، إذ كان هذا البحر خاضعاً للنفوذ العربي اعتباراً من منتصف القرن السابع الميلادي في إثر معركة ذات الصواري (654)، لكن الحركة التجارية كانت أنشط مع المغرب لا سيما المغربين الاوسط والاقصى لسعة أسواقهما وارتفاع عدد سكانهما.

ووفر هذا الوضع الاقتصادي الجيد للأندلس رخاء كبيراًً ربما فاق في بعض الفترات رخاء المشرق في القاهرة وبغداد ودمشق، ومكّن الأندلسيين من تطوير الزراعة والصناعة والتعامل التجاري تحت غطاء الأمن والاستقرار. إلا أن الأمر بدأ يتغير بعد انهيار الخلافة واهتزاز الأمن في الأندلس، على رغم ان وضع الأندلسيين ظل جيداً في صورة عامة حتى بعد تراجعهم وانحسار سلطتهم تدريجاً. ثم تكررت القصة ذاتها في مملكة غرناطة كما تشهد بذلك المزارع والأقنية والصناعات التي لا يزال بعضها، أو آثارها الدارسة، باقياً حتى اليوم.

اقتصاد الممالك الشمالية

كان الشماليون يتعاملون بدينار بيزنطة (دولار ذلك الزمان) وديناري قرطبة وغالة. وكان المصدر الرئيس للدخل الماشية التي يملكونها بالإضافة إلى دخل محدود من الزراعة والصناعة وتجارة العبيد الصقالبة. واستمر التعامل التجاري ضمن المناطق الشمالية بالمقايضة، إلى ان أدخل هؤلاء بعض مظاهر النظام المالي من عاصمة الأندلس.

كما ساهم بعض من رحل إلى الشمال من المستعربين واليهود في ايجاد نشاط أفضل، سواء في تطوير الزراعة أو الصناعات. وتوافر للشماليين بعد انهيار الخلافة وقيام ممالك الطوائف دخل جديد سهل جاء عن طريق فرض الجزية. وفي القرن الثالث عشر انهت ممالك الشمال احتلال معظم اراضي الأندلس واتبعتها باحتلال غرناطة عام 1492. وخلال تلك الفترة الطويلة من الزمن طرأت جملة تغييرات على طبيعة اقتصاد البلاد.

في أرغون مثلاً بقي عدد كبير من العرب، خصوصاً المزارعين الذين تابعوا فلاحة اراضيهم وانتاج المحاصيل والاستمرار في الصناعات التي اتقنوها، فلم تتضرر تلك المملكة كما تضررت المناطق التي احتلها ملوك قشتالة. ولا ينطبق هذا الوضع على كل الحالات فالمعروف ان خايمي الأول الأرغوني طرد عدداًً كبيراًً من المزارعين من أراضي مرسية مما أدّى إلى خرابها.

وانفصل اقتصاد أرغون عن قشتالة منذ القرن الثالث عشر حين بنت أرغون أمبراطوريتها في البحر الابيض المتوسط، فطورت أسطولها التجاري وأقامت أمبراطورية تجارية زاحمت الإيطاليين حتى تعرضت إلى الاضمحلال في القرن الخامس عشر قبل ان تلتهمها قشتالة، كما التهمت الأندلس، وكما حاولت بعد ذلك التهام البرتغال. ثم نزلت بأرغون نازلة كبيرة عندما نفت إسبانيا معظم الأندلسيين الجدد في مطلع القرن السابع عشر لم تتخلّص منها إلا بعد فترة طويلة.

ويعود اعتماد اقتصاد قشتالة على الماشية إلى إخفاقها في تطوير أي صناعة حقيقية. فمعظم ما وجد من صناعات في الشمال كان في صورة أساسية في أيدي المستعربين النازحين من الأندلس، أو اليهود. ومع احتدام القتال مع الأندلس اعتباراً من القرن الثاني عشر أضحى الاعتماد على الماشية امراً فرضته طبيعة الحرب فلو حدث مثلاً وأغار جيش على قلعة أو مدينة ما فمن السهل على الرعاة جمع ماشيتهم خلال ساعات والعودة بها إلى داخل اسوار المدينة. وكان المحاربون في تلك الفترات يعرفون أهمية الحرب الاقتصادية في إنهاك قوى الخصم وإضعاف قدرته على الصمود. وكانوا في الغالب يستعملون أسلوب الأرض المحروقة لتسريع سقوط المدينة، إذ كان عامل تجويع سكان المدينة أو القلعة وقطع الماء عنهم من أهم عوامل إنهاكها.

وكان الهجوم المباشر على الاسوار يسبب في العادة خسائر كبيرة في الأرواح، وكان معظم المدن قادراً على الصمود في وجه هجوم مباشر أو حصار قصير الأمد نسبيا. يُضاف إلى ذلك ان الجيوش المحاصرة كانت قلما تستطيع الصمود نتيجة حصار طويل الاجل ما لم يكن المدد مضموناً في صورة دائمة. وعلى هذا فإن اسقاط مدينة معينة كان يتم في العادة على ثلاث مراحل: الأولى الإغارة على المنازل المكشوفة المحيطة بتلك المدينة، وإحراق الزرع وقطع الأشجار والماء أو تحويل الجداول الصغيرة. ويشير بعض المعلومات إلى ان إيزابيلا وفرناندو وظفا أكثر من نصف القوات المحشودة للحرب مع غرناطة لشن حرب اقتصادية شاملة ضد غرناطة، أحرقوا خلالها الزرع والمحاصيل حتى قلّت الأقوات وارتفعت أسعارها.

أما المرحلة التالية من الحصار فهي الاستيلاء على نقاط التحصين القريبة أو المنابر، وقطع طرق التموين المستخدمة لنقل المؤن على البغال والحمير في العادة كما بين مدينة غرناطة وقرى جبل شلير (الثلج). وإذا انتهت المرحلة الثانية ضرب الجيش المحاصر النطاق حول المدينة إلى ان يجوع أهلها وربما اضطروا بعد ذلك إلى الاستسلام. وهكذا كان حصار مدينة متوسطة الحجم يستغرق سنوات عدّة في بعض الاحايين قبل سقوطها لكن معظم المدن كان يستعصي ويضطر الجيش في النهاية إلى رفع الحصار.

ولم يملك القشاتلة في بداية نهوضهم الخبرة اللازمة لإدارة اقتصاد معقد يقوم على دعائم مشتركة ذات أداء يعتمد قسمه على القسم الآخر. وتوغّل القشاتلة في الأندلس خلال القرن الثالث عشر فدخلوا مناطق لا يعرفون كيف يديرون عجلة الزراعة والتجارة فيها، ويعرفون الأقل من ذلك عن الصناعة. وأدى احتلال المدن الأندلسية الكبيرة إلى تقويض دعائم الصناعة والتجارة فيها على الفور تقريباً، وكان همّ النبلاء الذين يحصلون على قطع من الأرض بعد احتلالها التمكن من الاحتفاظ بالمزارعين الأندلسيين.

وفي الحالات التي بقي فيها عدد كاف من المزارعين الأندلسيين، كما حدث في أرغون مثلاً وبعض مناطق الأندلس، تابعت الأرض انتعاشها. أما في معظم الحالات الأخرى فإن الأرض تحولت إلى بلقع من الزمن فباع أصحابها الأرض التي أقطعهم الملك إياها ورحلوا إلى الشمال ثانية في انتظار حرب أخرى يشاركون فيها للحصول على أراض غنيّة جديدة. واستفاد من تخريب الأرض عمداً أصحاب الماشية التي ملكها الافراد أو الفرق الدينية أو الرهبانيات أو الكنيسة، خصوصاً وسط البلاد الذي لا يزال إلى اليوم يبدو كأنه ساحة قتال فقيرة بالشجر والخضرة بسبب كثافة الرعي في أراضيه آنذاك.

على الساحل الشرقي لشبه جزيرة آيبرية أدى انهيار مدن مثل المرية ومرسية وغيرها إلى مساعدة مدن شمالية مثل برشلونة على تطوير تجارتها مع أوروبة والمشرق. وتوجد سجلات تشير إلى ان أرغون كانت تتاجر مع تونس ومصر وتلمسان اعتباراً من القرن الثالث عشر عندما قررت الاتجاه إلى منطقة البحر الابيض المتوسط لتنافس البندقية وفلورنسا وجنوة حتى وصل التنافس إلى حرب سافرة. ثم نمت برشلونة إلى ان أصبحت خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر واحدة من أكبر ورشات صناعة السفن في البحر الابيض المتوسط.

وكانت برشلونة مركزاً مهماً لتصدير عدد كبير من المنتجات الزراعية والصناعية الأندلسية قبل سقوط معظم مناطق الأندلس في القرن الثالث عشر، بل ان دورها يمتد إلى فترة الخلافة القرطبية. ولأن الوجود الأندلسي فيها كان كبيراًً، تمكنت برشلونة من تصدير الأسلحة والجلود والأقمشة وجميع ما تحتاج اليه السفن، بالإضافة إلى عدد من المنتجات الزراعية من المناطق المحيطة ببلنسية مثل الزبيب والجوز، وكذا إعادة تصدير التوابل إلى فرنسا وإنكلترا وهولندا وغيرها من الدول قبل أن تضيف إلى صادراتها العبيد خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

لكن أوج الرخاء الذي عرفته أرغون كان في القرن الثالث عشر والقسم الأعظم من القرن الرابع عشر حينما حاولت اللحاق بركب الممالك الايطالية التي كانت أول من استفاد من «الثورة التجارية» التي قامت في آخر القرن الحادي عشر استجابة لمتطلبات الحروب الصليبية ومد خطوط التموين والنقل بين أوروبة والمشرق.

وما ان جاء عام 1381 حتى نزلت بأرغون مشاكل مالية معقدة اضطرت بعدها إلى التقهقر أمام تقدم التجار الايطاليين. ومنذ اكتشاف العالم الجديد ساهمت أرغون في الاتجار مع المستعمرات في ما وراء الاطلسي، لكن التجارة المباشرة كانت محصورة بقشتالة التي احتكرتها فترة طويلة إلى أن بدأ الهولنديون والانكليز في كسر هذا الاحتكار.

وفي قشتالة نفسها ظلت آثار عملية تخريب الاقتصاد الأندلسي التي رافقت اجتياح القرن الثالث عشر واضحة المعالم، وبقيت الزراعة بدائية للغاية. لكن بعض الصناعات الأساسية نما في القرن الرابع عشر، مثل صناعة الصابون والورق والجلود وغيرها من الصناعات الخفيفة. كما تطورت صناعة السفن في مدينة سنتندير الواقعة على خليج بسقاية في الشمال وكذلك في إشبيلية. ومع ذلك ظلّت قشتالة تعتمد على تصدير الصوف الخام كدخل رئيسي بعدما حسّنت نوع الصوف القشتالي نتيجة نجاح تهجين نوع الخراف المغربي المعروف باسم مورينو مع الأنواع المحلية آخر القرن الثالث عشر.

وخلال تلك الفترة تفوقت قشتالة في حجم صادراتها من الصوف على إنكلترا التي كانت قبل ذلك أكبر مُصدّر لهذه المادة. وبحلول القرن الرابع عشر باتت قشتالة أهم مصدري الصوف الجيد، وساهم ارتفاع حجم الصادرات في مطلع القرن الخامس عشر في بناء اسطول تجاري قشتالي كبير كانت سفنه تحمل الصوف والجلود إلى إيطاليا وهولندا وغيرها من الدول الأوروبية.

وعملت إيزابيلا في نهاية القرن الخامس عشر على سك عملة رئيسية هي »الاكسلنته« التي ساوت الدوقة المعتمدة في البندقية. ووحّدت المقاييس والأوزان وحسّنت الطرق والموانئ، ثم حدّدت كمية الصوف الممكن تصديرها بثلثي الانتاج لتشجيع صناعة المنسوجات. لكن إيزابيلا أصرت على الاهتمام بتربية المواشي دون سائر القطاعات الأخرى وأصدرت عام 1491 مرسوماً منع إقامة الحواجز في غرناطة كي لا تعيق رعي الماشية. وكان لسياسة إيزابيلا المعادية للزراعة أثر كبير في إضعاف الثروة الزراعية، وفضّل الإسبان في تلك الحقبة توظيف الاستثمارات في الماشية على الزراعة والتجارة والصناعة.

ووراء هذه السياسة خلفية نفسانية مهمة ميزت القشتاليين عن غيرهم إذ كان هؤلاء يترفعون عن القيام بالأعمال اليدوية، ويعتبرونها تحقيراً لشأنهم لذا ظلت الأقليات تسيطر على جزء مهم من النشاطات الصناعية والزراعية. وبقي القشتاليون يعتقدون أن وظيفة الآخرين فلاحة الأرض وانتاج المصنوعات لكن رسالتهم هي القتال والسيطرة على شعوب الأرض الأخرى وتسخير ثرواتها لخدمة أهدافها إلى أن بدأ نجم قشتالة في الهبوط في القرن السابع عشر.

انهيار مبدأ التعايش في آيببرية وتأثير ذلك في عملية الطرد الكبير عام ١٦٠٩

نوافير جنة العريف في قصر غرناطة (ويكيبديا)

نوافير جنة العريف في قصر غرناطة (ويكيبديا)

 

أسباب انهيار مبدأ التعايش في آيببرية وتأثير ذلك في عملية الطرد الكبير

 

ورقة المؤرخ عادل سعيد بشتاوي إلى المؤتمر العالمي العاشر للدراسات الموريسكية في زغوان (تونس)

The Collapse of the Principle of Coexistence in Iberia and its effect on the Expulsion of the Moriscos

محور الورقة: خرجت قشتالة إلى الوجود من تحت عباءة حربها مع الأندلس وخرجت إسبانيا إلى العالم من تحت عباءة حربها مع غرناطة. وخلال رحلة الأندلسيين من السيادة في وطنهم إلى الاستعباد دفع الإسبان ثلاثة ملايين عربي خارج بلادهم لذا يمكن اعتبار الأندلسيين من أكثر الشعوب المنكوبة آنذاك. وحاولت إسبانيا خلال أكثر من 100 عام تلت تسليم غرناطة في 1492 قطع صلة الأندلسيين بدينهم ومجتمعهم وتذويب شخصيتهم إلا أنهم صمدوا وبقيت روحهم المعنوية عالية، وظلوا في سوادهم محافظين على دينهم وعروبتهم وعاداتهم حتى يئست الكنيسة من تنصيرهم، ويئست السلطة من إرهابهم فقررت تغريب قسم كبير منهم مطلع القرن السابع عشر وببدأ هؤلاء تغريبة لم يستطع الباحثون حتى الآن رسم خريطة وافية لها. وكان الأندلسيون المٌبعدون عن وطنهم أكبر ضحية لهذا القرار الإسباني، إلا ان أسبانيا خسرت أيضاً لأنها أبعدت مواطنين منتجين، ولم تنتبه إلى خطأ قرارها إلا عندما بدأت تبحث عن مكامن القوة في جسد الأمبراطورية الذي بدأ يترنح تحت ضغوط أعدائها في كل مكان خلال القرن السابع عشر. إلا أننا نعتقد عموماً ان الضحية الأهم في كل هذا هو مبدأ التعايش الذي عرفته شبه جزيرة آيبرية في فترات كثيرة من تاريخها الطويل، وكان في مراحل عدّة أحد أهم أسباب النهضة التي قامت على تضافر جهود أصحاب الأديان السماوية الثلاثة: الإسلام والنصرانية واليهودية. من هذه الزاوية بالذات نعتقد أن قرار طرد الأندلسيين الجدد كان طعنة قاتلة لمبدأ التعايش، وإقراراً من جانب الإسبان بعجزهم عن اعتماد هذا المبدأ وفتحوا بذلك، ربما من دون قصد، بوابة من العنصرية والقهر الديني وانعدام التسامح لا يزال العالم يعاني من تأثيراتها حتى اليوم.

الجزء الأول

١- المقدمات

١)- مدخل:

تتجلّى مأساة الأمّة الأندلسية في انقطاعها عن باقي الأمتين العربية والإسلامية خلال صدامها مع إيزابيلا وكارلوس الخامس وفيليب الثاني ثم فيليب الثالث في مرحلة من أكثر مراحل التاريخ إضطراباً. وسيطر الصراع بين العثمانيين ومعظم الأوروبيين، بمن فيهم الإسبان، على أحداث القرنين السادس عشر والسابع عشر. لكن عين الإسبان، واسلحتهم أيضاً، كانت موجهة إلى الفرنسيين الواقفين للتوسع الإسباني بالمرصاد، وإلى البرتغاليين سعياً وراء فرصة يُمكن اقتناصها لأخذ بلدهم الصغير، وإلى عرب المغرب لاعتماد بعض مدن الساحل المغاربي نقاط دفاع متقدمة ضد العثمانيين، ثم جاءت حركة الإصلاح الديني اللوترية وبدأت تهدد ممالك إسبانيا في هولندا وألمانيا والعالم الجديد.

وكان الأندلسيون، في رأي القسم الأكبر من الإسبان، القاسم المشترك الأعظم بين كل أعدائهم. فهم مسلمون مثل العثمانيين، وعرب مثل أهل العدوة، وأنصار لفرنسا وفقاً للقول المشهور ”عدو عدوي صديقي“، وإخوان الشقاء مع الهولنديين البروتستانت الذين خاضوا معركة دامية مع إسبانيا للحصول على استقلالهم استمرت 80 سنة. وكان الأندلسيون في إسبانيا أقليّة كبيرة لا يُستهان بها وملكوا معرفة جيدة بأحوال البلاد ومنافذها لذا كانوا، في نظر الإسبان وعلى حد قول محدث منهم هو الدكتاتور فرانكو، ”طابوراً خامساً“ مستعداً للتعاون مع أعداء إسبانيا للخلاص من الاضطهاد الذي عانوا منه فتحينوا فرصهم دائماً. وفهم بعض ملوك إسبانيا هذا الوضع فحاولوا تخفيف الاضطهاد والتشدّد خلال فترات الاستقرار الداخلي والخارجي. لكن هذه الفترات كانت قصيرة جداً، وبدأ ارتفاع حدّة الضغوط ضد الأندلسيين داخلياً يواكب ارتفاع حدّة الضغوط الخارجية، ثم استقرت هذه الضغوط في مستوى مرتفع اعتباراً من بدء الحرب ضد البروتستانت في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر. حدث هذا لاحقاً، ففي السنوات القليلة التي اعقبت القضاء على الثورة الأندلسية الأولى لم تصل الضغوط الخارجية إلى الحد الذي كان معه التضييق الكبير على الأندلسيين ضرورياً. وكانت جماهير قشتالة آنذاك مبهورة من سرعة استجابة إيزابيلا لمطالبها بتمزيق المجتمع اليهودي وتمتّع المجتمعات القشتالية المحيطة بمملكة غرناطة بالفورة الاقتصادية التي ولّدتها الحرب الطويلة مع المملكة العربية لذا كانت الجماهير تخرج في الطرقات وتغني: ”مهما ارتفعنا ومهما علونا ستبقى إيزابيلا وفرناندو أعلى منّا“.

ويجب القول إن الذي كان يُناسب المجتمع القشتالي في المئة سنة التي تلت تسليم غرناطة لم يكن يناسب المجتمع الأندلسي، وإن المجتمع القشتالي هو الذي استفزّ الأندلسيين لإعلان الثورة الأولى ثم لإعلان الثورة الكبرى. ويجب القول كذلك إن الملوك الإسبان الذين كتبوا مراسيم العفو عن الأندلسيين هم أنفسهم الذين كتبوا مراسيم العقوبات بالحبر نفسه، وإن الكاهن الذي كان يحاول أن يقنع الأندلسي في الكنيسة بفضيلة إدارة الخد الأيسر ينتمي إلى المؤسسة نفسها التي ينتمي إليها من كان يضرب الأندلسي في أقبية التعذيب تحت قصور محاكم التحقيق على خده الأيمن ثم الأيسر، ثم يركله بهذه القدم ثم تلك قبل أن يبدأ التعذيب الحقيقي بعد ذلك. كيف كان الأندلسي المسكين يستطيع أن يتصوّر الشخصيتين في شخصية واحدة وهو يرى فيهما الشيء ونقيضه؟ كيف كانت الأندلسيّة ستقتنع بقول القسيس إن الكنيسة محل الرحمة فيما هي تعرف أن الدير القريب منه قصر محكمة التحقيق التي لا تفرّق بين رجل وأمرأة، ولا شاب وعجوز؟

٢)- الحقوق والواجبات

ورأى مؤرخون أن الأزمة بين الأندلسيين ومحاكم التحقيق ذات طابع ديني واضح لكنها أيضاً أزمة في شأن طبيعة الدور الذي أراد المجتمع الإسباني من الأندلسيين القيام به. إن حديث بعض المؤرخين عن مواجهة جدلية استمرت بين الإسبان والقشتاليين 100 عام لتحديد واجبات كل من الطرفين وحقوقه لا يستند إلى أرضية يمكن إثبات وجودها لأن الإسبان لم يقدموا للأندلسيين على مدى أكثر من قرن سوى خيار واحد هو التنصّر الذي لم يستطع معظم الأندلسيين قبوله. وخلال المئة عام تلك كان على الأندلسيين دائماً أن يقدموا التنازلات. لكن حتى لو قدّم الأندلسيون هذا التنازل الأخير وتنصّروا من المشكوك فيه أن يؤدي هذا إلى تغيير جذري في العلاقة التي نظر اليها بعض الإسبان من زاوية العلاقة المعروفة بين العبد والسيد. وماذا يحدث إذا استاء الإسباني من الأندلسي المُتنصر؟ سيتهمه بعدم الإخلاص في اعتناق النصرانية. وإذا استاء القشتالي من الأندلسي المخلص الإيمان بالنصرانية فبماذا سيتهمه؟ سيتهمه بأنه عربي. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين الأندلسية والإسبانية.

وكان الأندلسيون يؤدون أعمالاً لم يتقنها القشاتلة أو تعففوا عن الاشتغال بها فهم الأطباء والبياطرة والخبّازون والحدادون والنجارون والخياطون والحذّائون وتجّار المواد الغذائية والبغّالون والفلاحون وموزعو الماء ومئات الوظائف الاخرى. وعلى مر العصور اعتاد القشاتلة حمل السلاح والاتجاه جنوباً نحو مراكز الانتاج الأندلسية والاستيلاء عليها وإغراء الأندلسيين بالبقاء فيها ليستمروا في إعمار البلاد ودفع الضرائب والأتاوات التي أغنت الخزانة. وكان الأندلسيون يؤدون هذا الدور في القرن الثالث عشر مثلما كانوا يؤدونه في القرن السادس عشر وفي عصر الخلافة القرطبية قبلهما. وها قد صدرت مراسيم التنصير وصار كل الأندلسيين في قشتالة يُعتبرون متنصرين فمن سيتولى القيام بالأعمال التي كان الأندلسيون يقومون بها إذا صار هؤلاء متساوين في الحقوق مع القشاتلة فكان من بينهم القاضي ورئيس البلدية وقادة الجيش والمسؤولون الحكوميون وانفتحت فرص شغل المناصب الرفيعة أمامهم؟ بماذا سيتميّز القشتالي عندها؟.

هذا الوضع لم يكن يقلق الإسبان لأن قوانينهم واعتباراتهم كانت تحتوي آليّات ثابتة تضمن تميزهم في الهرم الاجتماعي. واعتباراً من مطلع العشرينات من القرن السادس عشر صدّرت مراسيم تعميد الأندلسيين فوضع الإسبان آليّة جديدة ميّزت بين النصراني الجديد والنصراني القديم. متى يمكن أن يصبح النصراني الجديد قديماً؟ لن يصبح في معظم الحالات نصرانياً قديماً مهما فعل لأن النصارى القدامى (الإسبان) سيكونون دائماً أقدم منه. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين الإسبانية والأندلسية.

إن الحل المثالي القشتالي بالنسبة للأندلسيين هو إبادتهم عن بكرة أبيهم لكن تحقيق هذا الحل كان مستحيلاً لأسباب عسكرية ودولية ومحلية عدّة. صحيح أن المغاربة والعرب الآخرين والعثمانيين المسلمين لم يكونوا مع الأندلسيين في صف المواجهة الأول، إلا أن كل هؤلاء كانوا في الصف الثاني. وكان على إسبانيا أن تأخذ هذا في الاعتبار دائماً ففي ذلك الوقت لم يكن أحد في أوروبة أو الشرق الأوسط يعرف متى يمكن أن يأسره الطرف الآخر. أما الحل الثاني الذي فكّرت به السلطة بعد تسليم غرناطة فهو طرد جميع الأندلسيين كما طردت اليهود، لكنّ هذا الحل أيضاً كان مستحيلاً لأسباب عسكرية واقتصادية ودولية عدّة. الحل الذي أرتأته السلطة في النهاية كان محاولة إجبار الأندلسيين على قبول واجبات قشتالية وحقوق أندلسية؛ على محاولة إقناع الأندلسيين بمعاملة القشتاليين معاملة نصرانية تفضيلية وقبول معاملة القشتاليين لهم كمسلمين. أي باختصار أن يتخيل الأندلسيون أنفسهم أخوة القشاتلة في النصرانية لكن أن يتصرفوا في الواقع كعبيد مسلمين. إذاً أين المخرج من هذه الأزمة؟ لم يكن هناك مخرج لهذا استمرت المواجهة بين الأمّتين، ولهذا كان تحقيق المعادلة التي أرادها الإسبان مستحيلاً ولهذا بدأ مفهوم التعايش يقترب من التلاشي. وعندما كشف الجانبان أوراق بعضهما البعض وعرف الأندلسيون الدور الحقيقي الذي كانت محاكم التحقيق تريد القيام به لمصلحة السلطة والمجتمع المدني القشتالي، لم يعد هناك خيار آخر سوى المواجهة النهائية فإمّا أن يدمّرالأندلسيون القشاتلة، أو أن يدمّر القشاتلة الأندلسيين. وكانت هذه الرغبة مُتبادلة والإصرار عميقا ًوالقرار نهائياً والتماثل تاماً وشاملاً باستثناء اختلاف واحد حاسم هو نوع السلاح الذي استخدمه الطرفان.

٣)- صراع الحضارات

يجب أن يكون واضحاً تماماً أن رغبة الأندلسيين على مر العصور في استعادة بلادهم من الإسبان اصطدمت دائماً بضعفهم العسكري لذا لم يملك الأندلسيون في أي وقت تلى انهيار غرناطة القوة التي كانت ستسمح لهم بتحقيق انتصار عسكري شامل. صحيح أن القضاء على الثورة الأولى تطلب جهداً عسكرياً كبيراً من فرناندو، وصحيح أن القضاء على الثورة الأندلسية الكبرى تطلب من فيليب الثاني حشد قوات لم يكن يتصوّر أنه سيكون في حاجة إلى حشدها إلا لقتال دولة مثل فرنسا، لكن النتيجة لم تكن أيضاً محل شك. العامل الوحيد الذي ربما كان سيغير الميزان العسكري هو تدخل العثمانيين على نطاق واسع في إسبانيا (200-300 ألف جندي و300-400 سفينة) وهذا لم يكن ممكناً بسبب المشاكل اللوجستية الهائلة التي كانت ستنجم عن مثل هذا التدخل.

وحتى عندما تجاوز العثمانيون هزيمتهم في ليبانت عام 1571 وساهموا في الانتصار العظيم الذي حققه المغاربة على البرتغال في معركة القصر الكبير عام 1578 اختارت الدولة العثمانية توجيه آلتها الحربية الهائلة إلى الصفويين في إيران بدلاً من احتلال إيطاليا وارتكبت بذلك واحداً من أهم أخطائها التاريخية. وكانت إيزابيلا تعرف أن الغرناطيين لن يحصلوا على أي مساعدة مهمة من الخارج عندما جرّت الأندلسيين الغرناطيين إلى ثورة كانت تعرف أنها ستخرج منتصرة منها، وكان فيليب الثاني يعرف أن العثمانيين لن يتدخلوا على نطاق واسع عندما جرّ هو الآخر الغرناطيين أنفسهم إلى ثورة ثانية كانت نتيجتها النهائية معروفة سلفاً.

وفي الفترة بين هاتين الحربين، ثم بعد ذلك باستثناء سنة التغريب، لم يكن احتكام الأندلسيين إلى السلاح ممكناً، ولم يعد احتكام القشاتلة إلى السلاح ضرورياً فاشتبك الطرفان في حرب إبادة لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية السابقة كان سلاحها الإرادة، وكان هدفها الاستئصالي واحداً وواضحاً: إما أن يسحق القشاتلة إرادة الأندلسيين أو أن يسحق الأندلسيون إرادة القشاتلة. وبينما كان السلاح واحداً (الإرادة) كانت الذخيرة المستعملة مختلفة ومرنة ومتغيرة استجابت لحالات بعينها في فترات بعينها.

وربما بدا لبعضنا اليوم أن صدور مراسيم ملكية وأمبراطورية وإرادات بابوية تمنع الأندلسيين من التخاطب بالعربية أو ارتداء الزي الأندلسي أو الوقوف في اتجاه القبلة أو تمنحهم الغفران إذا اعترفوا ”بذنوبهم“ الإسلامية مجرد أشكال تقييدية تعرف السلطة أنها لا تستطيع فرضها على الأندلسيين. فكيف كانت السلطات ستمنع البنت الأندلسية من التخاطب بالعربية مع أمّها في البيت وهما تطبخان عشاء الأسرة؟ وكيف كانت السلطة ستعرف من يقف في اتجاه القبلة في الليل أو في الجبال بعيداً عن عيونها؟ إنّ إعادة النظر في مثل هذه القيود وغيرها المئات ستكشف هدفاً نهائياً هو إخراج الأندلسي من خندقه الإرادي الديني والاجتماعي والحضاري أولاً، ثم قطع حبال الصلة واحداً واحداً مع رموزه الدينية والحضارية ثانياً، ثم إحلال الرموز القشتالية والكاثوليكية محل الرموز العربية والإسلامية. ويجب أن يكون واضحاً هنا أن قشتالة زجّت خلال أكثر من 100 عام طاقات هائلة لتحقيق هذه الغاية قادتها محاكم التحقيق بدعم شبه شامل من المجتمع القشتالي وكنيسته وملوكه وحكومته.

ولم يكن واضعو هذه الاستراتيجية يشكّون في البداية في نجاحها لأنهم طبقوها بنجاح شبه شامل على اليهود وبنجاح كامل على المواطنين الأصليين في أميركا الجنوبية. لكن بدأ يتضح بعد الحرب الأندلسية الأولى أن التجربة اليهودية لا يمكن تطبيقها على الأندلسيين على رغم الامكانات التي خصصتها قشتالة لهذه الغاية. ووجد الإسبان بعد ذلك أن التجربة التي أدت إلى تحقيق نجاح هائل في العالم الجديد حيث تكثلك ملايين الهنود (الحمر) بجزء بسيط من الجهد المُخصص لكثلكة الأندلسيين، لم تكن أيضاً مجدية مع الأندلسيين في إسبانيا الذين كانوا ”يرجعون إلى بيوتهم من الكنيسة بعد إقامة القدّاس“، كما تقول الأندلسية خوانا هرنانديث، ”وهم يشعرون أنهم باتوا أكثر انتماءً للعروبة مما كانوا قبل الذهاب إلى الكنيسة“.

لماذا يا ترى؟ لأن الذخيرة المعنوية والدينية والحضارية التي استخدمتها قشتالة في الحرب ضد الأندلسيين لم تكن بفاعلية ذخيرتها الحربية، لذا لم يقتنع الأندلسيون بعد 100 سنة من التبشير الاضطهادي القسري بأن الكاثوليكية القشتالية أفضل من الإسلام، وبأن اللغة القشتالية أكثر تعبيراً من العربية، وبأن لحم الخنزير أفضل من لحم الضأن، وبأن شرب الخمر أفضل من شرب الحليب بالعسل، وبأن السروال القشتالي أفضل من السروال الأندلسي، وبأن مسح المؤخرة بورقة أفضل من غسلها. وباختصار خرجت قشتالة من معركتها العسكرية ضد الأندلسيين بانتصار كبير، لكنها خرجت من معركتها الحضارية والدينية مع الأندلسيين بهزيمة كبيرة لم تعترف بها إلى بعد قرن من المحاولة فعادت ولجأت إلى الحل الوحيد الذي تعرفه جيداً وهو القضاء العضوي على خصومها بالقتل أو التغريب. وباختصار أيضاً كانت قشتالة عملاقاً عسكرياً فيما كان الأندلسيون أقزاماً، لكنها كانت قزماً حضارياً جديراً بالاحتقار في عيون الأندلسيين الذين نظروا دائماً إلى القشاتلة على أنهم محتلون لأرضهم ولم يتمكّنوا من غرناطة إلا بالخديعة والمكر.

وتتجلى هذه الرؤية في ما يخاطب به القائد الأندلسي ابن أميّة رسولاً قشتالياً قبل إعلان الثورة الأندلسية الكبرى: ”الا تعرف أننا في إسبانيا، وأننا ملكنا هذه الأرض 900 سنة؟“،3 ثم تتجلى بعد القضاء على الثورة بما سجّله كاتب أندلسي موريسكي: ”نظراً إلى عدم استطاعة (الإسبان) شد قلوب الأندلسيين الموريسكيين بعيداً عن عقيدتهم الصلبة وجلبها إلى دينهم الشيطاني (النصرانية)، فإن البعض كان يقترح إبادتنا جماعياً، فيما أراد البعض الآخر خصينا بقضيب أحمر مُحمّى في مكان من الجسم حتى لا ننسل ونفنى كأن في يدهم القدرة على تغيير ما أملته العناية الربّانية الأزليّة“.4 وفي المقابل رأى الإسبان الأندلسيين من منظار العداوة لهم والصداقة مع أعدائهم العثمانيين والمغاربيين والبروتستانت والفرنسيين. وكان كثيرون من المخلصين الإسبان يطالبون بزيادة الجهد لمساعدة الأندلسيين على التنصّر وينادون بالصبر والاعتدال، إلا أن كثيرين غيرهم كانوا يرون في استمرار ذلك الجهد عبثاً ونفقات لا يمكن تسويغها. وساق هؤلاء لتأكيد استنتاجاتهم أمثلة لا تُعدّ ولا تُحصى منها مثلاً أن الأندلسيين كانوا يذهبون إلى الكنيسة لتفادي عقوبات محاكم التحقيق لكن ما أن يرفع الكاهن القربان المُقدس حتى يدير الأندلسيون ظهورهم إليه ويؤدّون حركات ”مخلّة بالحياء“، بل تجرأ ”أحد الكلاب الملعونين من هؤلاء الكفّار (أي الأندلسيين) اثناء قدّاس على رمي القربان المقدس بقطعة قماش قديمة فيها فضلات بشرية“.5 ووجد مبعوث لمحكمة التحقيق بعد التقاء كهنة كثيرين إجماعاً على الشكوى من ”سوء أدب“ الأندلسيين لكنّه خصّ السيدات الأندلسيات اللواتي كن يأتين إلى الكنيسة محجّبات ويرفعن أصواتهن خلال القّداس أو يقرقرن أو يجلسن جلسة لا احترام فيها للكنيسة ولا لراعيها. ويجب الا يُفسر هذا على أنه احتقار للكاثوليكية بل تعبير عن احتقار أساليب الإسبان، ونوع واضح من أنواع الاحتجاج على سوء المعاملة التي كانوا يلقونها على أيديهم خصوصاً بعدما أصبحت الكنيسة رمزاً صارخاً من رموز اضطهاد الأندلسيين.

٤)- حرب الإرادة

وبدأت مناوشات هذه الحرب الحضارية والدينية منذ الأيام القليلة التي لحقت بتسليم غرناطة، ثم بدأت بعد ذلك تأخذ أشكالاً دينية وثقافية واجتماعية وعسكرية وعصيانية. ولم يعد الأندلسيون قادرين على ممارسة دينهم وثقافتهم وعاداتهم علناً فصاروا يمارسونها بعيداً عن عيون محاكم التحقيق والكنيسة والقشاتلة، ولم يكن الأندلسيون قادرين على بناء دولتهم في العلن فبنوها عبر شبكة سرية هائلة من المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية، تضمّنت في بعض مراحلها، وفي صورة أكثر سرّية، جمع الأسلحة والتدريبات العسكرية.

ولو كان الأمر يتعلق بقشتالة وحدها فربما كانت اندفعت إلى حرب شاملة مع الأندلسيين بصرف النظر عن النتائج العسكرية والاقتصادية التي كانت ستنجم عنها، إلا انه كان على إيزابيلا أن تأخذ في الاعتبار ليس مصالح النبلاء في قشتالة ومملكة غرناطة فقط بل أيضاً مصالح زوجها فرناندو ملك أرغون. وخلال عهد فرناندو ومن جاء بعده ظلّ الأندلسيون قوة كبيرة في أرغون اعتمد عليهم استقرار اقتصاد تلك المملكة ورخاء عدد كبير من نبلائها. ولم يكن إضعاف ذلك الاقتصاد واستفزاز مراكز القوى في أرغون عملاً حكيماً في الوقت الذي احتاجت فيه إسبانيا إلى المحافظة على طاقتها ووحدتها لمواجهة العثمانيين والفرنسيين وأمراء حركة الاصلاح الديني البروتستانتي في ألمانيا. وهكذا لجأت قشتالة إلى محاكم التحقيق لتفتيت إرادة الأندلسيين شيئاً فشيئاً ودفعهم إلى اليأس من الصمود إلى ما لانهاية. وقابل الأندلسيون هذا الجهد بالسعي إلى زيادة لحمتهم وفق ما تسمح به الظروف، والارتداد إلى دينهم وتاريخهم وحضارتهم وعروبتهم وكل الرموز الأخرى التي باتت أهم أسلحتهم وآخرها حتى اللحظات النهائية من وجودهم في إسبانيا.

ويوجد إجماع لدى معظم المؤرخين الذين وضعوا مئات المؤلفات عن تغريب الأندلسيين من إسبانيا في مطلع القرن السابع عشر على أن التغريب (نفي أو طرد أو إبعاد الخ…) قرار إسباني. إلا أن في تردد الإسبان وطول فترة التغريب وشروطه وبعض مواقف الأندلسيين أنفسهم ما يقود إلى استنتاج مختلف هو أن قسماً مهماً من الأندلسيين لم يكونوا أقل رغبة من معظم الإسبان في هجر بلادهم إلى مناطق أخرى يستطيعون فيها ليس فقط ممارسة دينهم وعاداتهم علناً بل أيضاً تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاستفادة من الفرص التي لم تكن متوافرة لهم في إسبانيا، ولن تكون متوافرة في إسبانيا مهما فعلوا. ولم يكن صعباً على معظم الأندلسيين إبراز الوثائق التي تثبت ذلك عبر 100 سنة من النهب والاضطهاد والملاحقة والتضييق الديني والفكري والاقتصادي والاجتماعي وانعدام الفرص الجيدة التي ربط الإسبان الحصول عليها بمجموعة من الشروط الدينية والعرقية انطبقت عليهم فقط.

وربما كان استنتاج بعض المؤرخين الإسبان بأن الحكومة وجدت نفسها مضطرة إلى طرد الأندلسيين الجدد ”لأنهم لم يقبلوا ديننا الكاثوليكي الطاهر“ جهداً ضائعاً أحد أهدافه غسل الضمير من عار تلك العملية البائسة وحشد تعاطف الكاثوليك الآخرين وتفهمهم لذلك القرار. ولا بأس في استنتاج مثل هذا لأنه يبقى مجرد رأي والرأي ليس فرضاً إلا أن الانتقاد الأول الذي يمكن أن يُوجه إليه هو العودة إلى استغلال الكاثوليكية لإخفاء الأسباب الأخرى التي كانت أهم بكثير من العامل الديني.

إن الانطباع بأن الأندلسيين في إسبانيا القرن السابع عشر كانوا بقايا المحتلين المسلمين الأوائل وهمٌ في عقول بعض العرب المشارقة فقط. الأندلسي لم ير نفسه هكذا. الأندلسي رأى نفسه صاحب أرض عاش عليها ٠٠٩ سنة وصاحب بيت ضمّه وضم أباه وجده وربما جد جده إلى ما لانهاية، لذا له حق في استمرار البقاء في إسبانيا يعادل حق الإسباني إن لم يتفوّق علىه. إن أحفاد الآيبريين والآيبريات الذين كانوا يعيشون في بلنسية وغرناطة والمرية ومرسية وطليطلة ومئات المدن الأخرى قبل الفتح العربي الإسلامي ليسوا فقط النصارى الذين كانوا يسكنون المدن نفسها في القرن السابع عشر، بل الأندلسيون أيضاً. من أين جاء جنود طارق بن زياد وموسى بن نصير بزوجاتهم؟ من الآيبريات. ومن كان أبناؤهم سوى أبناء الآيبريات اللواتي كن يعشن في شبه الجزيرة آنذاك؟

إذاً كان هناك دينان في إسبانيا هما الكاثوليكية والإسلام، لكن كانت هناك أيضاً قوميتان لكل منهما ميزات وخصوصيات متفرّدة، وبينهما دائرة تلاق محدودة أمكن من خلالها تعايش أبناء القوميتين وفق الشروط والضغوط الدينية والاقتصادية والاجتماعية التي عرضنا بعضها في مكان آخر. ولا يمكننا من موقعنا الزمني الحالي تقديم تصوّر عن طبيعة العلاقات بين الأندلسيين والإسبان لو لم تعصف المشاكل السياسية والدينية والعسكرية بممالك كارلوس الخامس وابنه من بعده في أوروبة. لكن يمكن القول ان الأندلسيين عرفوا حدودهم وقوتهم العسكرية وحاولوا التصرف كمواطنين صالحين والتعايش مع أدنى حدود الحريات الدينية والاجتماعية، وسددوا دائماً ثمن هذه الحريات نقداً أو دعماً أو تعاوناً حتى مع محاكم التحقيق.

ومع ذلك فاقت الأمور في حالات عدّة حدود الاحتمال وأدت إلى ثورتين رئيسيتين وانتفاضات عدّة اشترك في إحداها نحو 130 ألف أندلسي، إضافة إلى انتفاضات أخرى رافقت تغريب الأندلسيين. ولو درسنا أسباب كل تلك الثورات والانتفاضات لوجدنا أن الإسبان دفعوا الأندلسيين إلى كل واحدة منها عن سابق إصرار وترصّد. فالإسبان هم الذين زاحموا الأندلسيين على اقتصادهم، وهم الذين صادروا أراضي الأندلسيين، وهم الذين أحرقوهم وسجنوهم وفرضوا عليهم محظورات بلا نهاية في لوائح بلا نهاية كان أولى بالإسبان اعتماد بعضها مثل الإغتسال مثلاً أو ارتداء قميص نظيف يوم الجمعة بدلاً من اعتبارها جريمة تستحق مصادرة الأموال.

وعندما أخفق الأندلسيون في الحصول على الحد الأدنى من الحريات علناً أعطوا لنفسهم كل الحريات التي يريدونها في السر فصار سلوك المجتمع الأندلسي أشبه بجبل الثلج العائم في البحر- قسم صغير منكشف على عيون محاكم التحقيق ومعظم الإسبان، وقسم أكبر منه بكثير تحت الماء أو في الخفاء، تحوّل مع الزمن ومع تحسّن التنظيم إلى ما يشبه الدولة الأندلسية الإسلامية العربية السرّية. وكما يفعل كل المُضطهدين، سعى الأندلسيون مدفوعين بالرغبة في البقاء والاستمرار إلى التحالف مع كل الجهات التي تستطيع المساعدة سواء كانوا أهل الساحل المغاربي أو العثمانيين أو الفرنسيين أو البروتستانت. لكن هذا حدث في مرحلة لاحقة لأن الأندلسيين حاولوا قبل ذلك مساعدة المجتمع الإسباني على تغيير تعامله معهم من دون جدوى، واتضح بعد 100 عام من التجربة عقم كل هذه المحاولات لاستمرار تعايش من نوع ما، ووصل الجانبان إلى طريق مسدود، ولم يعد احدهما قادراً على تقديم التنازلات التي يريدها الآخر لأن جعبة الأندلسيين من التنازلات كانت خوت تماماً ولم يبقَ شيء يستطيعون التنازل عنه والاستمرار في استبقاء الحد الأدنى من الكرامة والوجود.

٢- تغريب الأندلسيين من اسبانيا: الاعتبارات الأندلسية

١)- 100 عام من النهب

في استطاعتنا اليوم اعتماداً على الأبحاث الجديدة المتصلة بالأندلس تقديم الدافع الاقتصادي على الدافع الديني الكاثوليكي لتفسير اجتياح الجنوب الأندلسي، بل ربما وضع الدافع الديني جانباً في الحالات التي عيّن فيها ملوك إسبانيا أنفسهم ملوكاً على الملل الكاثوليكية والإسلامية واليهودية. ويجب أن نلاحظ ونحن نتحدث عن سقوط الأندلس ان وديان أنهر دويرة وإبرة وشقّورة والوادي الكبير لم تكن فقط مواطن المسلمين بل أيضاً مواطن الثروة والانتاج. وعمل الإسبان في الزراعة والصناعة والتجارة والتمويل مثلهم مثل الأندلسيين أو اليهود، غير أن باقي الإسبان، سواء في القرن الثالث عشر أو في القرن السادس عشر، كانوا إما جنوداً في جيوش إسبانيا في العالمين القديم والجديد، أو كهنوتيين في 18000 دير وكنيسة وظّفت أكثر من 200000 شخص من أصل نحو ثمانية ملايين نسمة. ولم يكن هناك فرق كبير بين مهمة الجندي والكهنوتي فكلاهما كان يعتقد أنه يخدم الكاثوليكية والملك والبلاد في آن، وكلاهما كان غير منتج اقتصادياً. وحتى المشتغلون منهم بالزراعة – عماد اقتصاد كل الدول الأوروبية في تلك الفترة – كانوا ذوي انتاجية ضعيفة كما يعترف الإسبان أنفسهم، لذا لم يشجع النبلاء المزارعين الأندلسيين على العمل في ضيعهم فقط بل عملوا على تحفيزهم وحمايتهم من السلطة في الحالات التي تمكّنوا فيها من ذلك.

وكان من بين الأمّة الأندلسية، إضافة إلى ما عرضناه، الأثرياء الكبار والمتمولون والتجار وأصحاب مصانع الحرير وتكرير السكّر والصابون وملاك الكروم والأراضي الواسعة التي يُزرع فيها الرز وآلاف المشتغلين بالتأليف والمحاماة والبيطرة والطبابة حتى أننا نجد الحاكم العام في مدينة طليطلة يشتكي الى البلاط الملكي عام 1607 من ارتفاع عدد الأندلسيين الذين يدرسون الطب في مدرسة طليطلة ويحذر من استغلال الأندلسيين هذه المهارة لقتل المسيحيين. لكن ألا يغالط هذا الحديث السابق عن تردي أحوال الأندلسيين؟ والجواب هو النفي إذ علينا أن نتذكر أن الأندلسيين ملكوا المهارات التي مكّنتهم من تجاوز النكسات التي تعرضوا لها عبر تاريخهم. وحتى في بعض المناطق الفقيرة التي نفاهم إليها الملوك نرى كثيرين منهم يعودون إلى تحقيق مستوى مقبول من العيش، بل وبناء الثروة بفضل ما اشتهروا به من حرص في الإنفاق وقدرة على جمع المال ومهارة في إحياء موات الأراضي الزراعية التي أهلكها القشاتلة. ونجد ان الحكومة الإسبانية التي نفت معظم الأندلسيين من غرناطة بعد الثورة الكبرى وهددتهم بالقتل ان اقتربوا من المدينة، تغيّر موقفها وتسمح لهم بالعودة إلى تلك المملكة بعد عشر سنوات من النفي بأعداد كبيرة لأنهم كانوا ”أصحاب الحوانيت والخبّازين والقصابين وأصحاب الحانات وحملة الماء وبهذه الطريقة يجمعون المال ويخفونه كله فلا يشتري أحد منهم العقار ولا يملكه ولذا فهم أغنياء جداً وأقوياء جداً“.

وتباينت حظوظ الأندلسيين الاقتصادية من مكان إلى آخر فكان وضع سكان أرغون وغرناطة أفضل من وضع الأندلسيين في مدن وقرى القشتالتين القديمة والجديدة، وكان الأكثر فقراً من الفئتين الأخيرتين سكان قشتالة الجديدة (مناطق مدريد ووادي الحجارة وطليطلة وقونقة والمدينة الملكية) إذ عاشوا في هذه الرقعة التي تُعتبر من بين أنحس بقاع إسبانيا وأجفّها في وضع نفي أو قريب من النفي، وتحت إقامة جبرية أو قريبة منها. ومع الزمن انضم إلى هؤلاء الفقراء عدد كبير من الأندلسيين الذين بدأت محاكم التحقيق تصادر أموالهم وأملاكهم لأسباب يبدو بعضها تافهاً، أو توقيع غرامات مالية في حقهم. وتحولت هذه المصادرات إلى عملية نهب منظمة انتقل خلالها قسم كبير من ثروة الأندلسيين وأراضيهم إلى الخزانة الحكومية أو صُرفت على محاكم التحقيق. ومن سلم من الأندلسيين من هذه المعرات وجدوا انفسهم مضطرين إلى تقديم مبالغ كبيرة جداً إلى الملوك ثمناً لبعض الحريات، أو تقديم مبالغ أقل الى النبلاء والرسميين والمتنفذين وبعض عمّال محاكم التحقيق في شكل رشاوى وعطايا وهدايا ثمناً للسلام أو إبعاداًً للشرور والتضييق وغيرها من الاسباب المماثلة كثير.

وكان من الممكن أن يعود عدد كبير من الأندلسيين إلى تحسين أوضاعهم الاقتصادية وبناء ثرواتهم المنهوبة لكن مساعيهم اصطدمت في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن بعده بتردي الاقتصاد الإسباني نتيجة عدد من السياسات الداخلية والخارجية التي اتبعها فيليب الثاني. فداخلياً أدّت طريقته في قمع الثورة الأندلسية الكبرى وما تبعها من نفي قسم كبير من الغرناطيين إلى إلحاق أضرار بالغة باقتصاد مملكة غرناطة. وساهمت القيود التي فرضها على النبلاء الأقل وزناً المعروفين باسم Hidalgos في تضييق فرص التحسّن الاقتصادي فبدأوا يهاجرون إلى العالم الجديد. كما تسبّب تدفق الفضة إلى إسبانيا في ارتفاع الأسعار ووصول التضخم الى مستويات فاحشة في وقت بدأت فيه النفقات العسكرية تسجل زيادات حادة. وبدلا من خفض الضرائب في أوقات الشدّة هذه لتعزيز السيولة وزيادة الإنفاق عمد فيليب الثاني إلى زيادة الضرائب7 فتعمّقت الأزمة الاقتصادية ووجد فيليب الثاني نفسه مضطراً إلى إعلان إفلاسه مرة ثم ثانية.

 

وتوافق ارتفاع النفقات الحربية مع تغيّرات جذرية في طبيعة الاقتصاد الاسباني سببت هي الأخرى أزمات اقتصادية خانقة. وسبب ذلك أن الحركة التجارية التي قامت بين إسبانيا ومستعمراتها في العالم الجديد تركّزت على سد حاجات المستعمرات من الثياب (حتى لو عن طريق إجبار الهنود على ارتداء السراويل الصوفية) والقمح والزيت والخمور والمواد الأخرى المُنتجة أو المصنوعة في إسبانيا. لكن في نهاية القرن السادس عشر بدأت المستعمرات تغطي جزءاً مهماً من استهلاكها المحلي فضرب الكساد إسبانيا لأول مرة منذ اكتشاف العالم الجديد قبل 100 عام من ذلك.

وحدث شيء غريب بعدها إذ وافق انحسار صادرات إسبانيا إلى العالم الجديد ازدياد حصة هولندا التي ملكت أكبر أسطول تجاري في العالم آنذاك، وكانت سفنها تنقل الكمية الأكبر من البضائع إلى العالم الجديد. وعصت الأقاليم الشمالية من هولندا على فيليب الثاني وأعلنت انفصالها فمنع الملك الإسباني التعامل مع السفن الهولندية عام 1585 وقصر نقل البضائع على السفن القشتالية، ثم عاد وأكد منع الهولنديين ثانية من التعامل التجاري مع المستوطنات الأميركية عام 1595. ووجد الهولنديون المستقلون عن فيليب الثاني أن استمرار تجارتهم المربحة يقتضي كسر احتكار إسبانيا فبدأوا جهداً خاصاً تمكنوا بعده من فتح الأسواق في بعض المستعمرات الإسبانية وأتاحوا لحليفتهم انكلترا الاستفادة من تلك التجارة. وسعت حكومتا فيليب الثاني وابنه فيليب الثالث من بعده إلى تشجيع حركة تجارية أنشط في مستعمرات العالم الجديد، لكنهما وجدتا صعوبة في تحقيق ذلك لأن السوق بدأت تتقلص نتيجة الخلل السكاني الذي ضرب بعض تلك المستعمرات.

وبينما قدر عدد السكان المحليين المكسيكيين سنة استيطانها عام 1519 بنحو 11 مليون نسمة، نجد أن العدد انخفض في نهاية القرن السادس عشر إلى نحو المليونين فقط. وحدث ذلك نتيجة السياسة العنصرية التي انتهجتها إسبانيا هناك وتفشّي الأمراض التي حملها الإسبان إليهم وتسخير السكان المحليين للعمل في المزارع ساعات طويلة مما أدى إلى انهاكهم وموت أعداد كبيرة منهم فتقلص الاستهلاك وارتفعت كلفة انتاج المواد والمعادن التي كانت تُنقل إلى إسبانيا.

وفي القسم الأخير من القرن السادس عشر تعرضت إسبانيا إلى جفاف خطير. وتبع الجفاف انتشار الطاعون شمال البلاد عام 1596، ثم امتدّ الطاعون بعد ذلك جنوباً فحصد بين عامي 1599 و1600 نحو 15 في المئة من السكان. وعندها ساد الذعر وارتفعت الأسعار، ونزلت بالاقتصاد ضربة عنيفة استمر تأثيرها فترة طويلة. وتحسنت التجارة مع المستعمرات في العالم الجديد بعد ذلك ووصلت أوجها عام 1608 لكن استفادة إسبانيا كانت قليلة لأن الهولنديين والانكليز والفرنسيين كانوا ينقلون القسم الأكبر من واردات المستعمرات.

وعمل الأندلسيون في إسبانيا في كل القطاعات الانتاجية والتجارية والخدماتية، لذا استفادوا جيداً من التجارة مع مستعمرات العالم الجديد في البداية. لكنهم بدأوا يعانون من الكساد الاقتصادي وتراجع الطلب على منتوجاتهم وخدماتهم في الوقت الذي استمرت فيه السلطة ومحاكم التحقيق في مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وفرض الغرامات المالية الكبيرة عليهم. وفي السنوات القليلة التي سبقت التغريب، كان عدد كبير من الأندلسيين يعيش في الضواحي أو في الأحياء الفقيرة من عدد كبير من المدن الأرغونية والقشتالية مثل سرقسطة وابلة وجيان وسيمانقة وطرطوشة ومرسية وطليطلة وبلد الوليد ومئات المدن غيرها. وتدلنا التجربة أن الأحقاد العرقية والدينية تبرز أكثر ما تبرز خلال الضائقات المالية والكوارث الطبيعية، لذا اتسمت العلاقات بين الإسبان والأندلسيين في نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر بدرجة عالية من التوتر والريبة المتبادلتين.

) – 100 عام من الاضطهاد

بين استسلام غرناطة وصدور قانون التغريب 117 سنة لم تُرفع فيها المظلمة عن الأندلسيين يوماً واحداً فاتحدت السلطة ومحاكم التحقيق ومعظم رجال الكنيسة وجل الإسبان في جهد اضطهاد الأندلسيين. ونحو نهاية عام 1570 تمكن فيليب الثاني من إخماد الثورة الأندلسية الكبرى بعد قتل ما لا يقل عن ٠٢ ألف أندلسي وأندلسية ونفي عشرات الألوف وتحويل أعداد منهم إلى عبيد في بيوت الإسبان أو مجذفين في سفنهم. ولم يبق بعد كل هذا سوى رأس مولاي عبدالله بن ابيه مُعلقاً على بوابة غرناطة حيث بقي 30 سنة يذكّر بالنهاية التي تنتظر من يتحدى الملك.

وعاش عشرات الألوف من الأندلسيين في منافيهم الجديدة في القشتالتين الجديدة والقديمة أقليّة مقهورة بين غالبية متسلّطة وعانوا من المشاكل التي تعاني منها الأقليات في كل مكان إلا أنهم واجهوا أيضاً مشاكل اضافية فكان معظم الإسبان يعتبرها أقليّة مارقة على السلطة وعدوة للكاثوليكية ومستعدة للتعاون مع أعداء قشتالة في كل الأوقات. ولعبت عوامل سياسية ودينية وتاريخية واقتصادية مختلفة دورها المستمر في إذكاء الريبة بين الأندلسيين والإسبان، فلم يشعر الأندلسيون بالأمان بين القشتاليين، ولم يشعر القشتاليون بالأمان إن وجد الأندلسيون بينهم، ولم تسمح الحكومة والكنيسة ومحاكم التحقيق للفئتين النسيان والتناسي فعملت دائماً على إذكاء الشكوك وإحياء المخاوف وشحن الكره والعداوة.

ومع مرور الزمن تراكمت المراسيم والقوانين والقيود ولوائح الوشاية التي سعت في جملتها إلى فصل الأندلسي عن دينه وتاريخه وأهله ودفعه في اتجاه الكاثوليكية. وقاوم الجيل الأول قدر استطاعته فيما وجد أبناء الجيلين الثاني والثالث أنفسهم وسط عالم غير الذي عرفه آباؤهم فجهلوا الكتابة بالعربية وعجُمت ألسنتهم واختلطت عاداتهم، وسادت الأميّة وتفشّى المرض بعدما حرمتهم السلطة من المرافق العامة التي اعتادوا عليها، وأجبرتهم على التعايش مع القذارة. ومنعت السلطات معظم الأندلسيين في المنافي من مزاولة التجارة أو الاشتغال بالمهن فصاروا بغالين وحمّارين وفلاحين بالسخرة أو بأجر رمزي في مزارع القشاتلة وغيرها من وضيع المهن، وحظرت عليهم حمل السلاح (كان آنذاك رمزاً للأحرار فلم يكن ممنوعاً إلا على العبيد واليهود)، ورأت في أبسط المظاهر الأندلسية مروقاً ومعارضة للسلطة والكنيسة.

ووصلت القيود في بعض الحالات إلى حدود لا يمكن احتمالها فكان الأندلسي حين ينفرد بنفسه يتوجه إلى خالقه ويناشده المساعدة على التغلب على مخاوفه ويأسه، وصار البعض يعتقد أن الموت مسلماً كفيل وحده بتأمين الخلاص النهائي. لكن حتى هذا لم يعد ممكناً اعتباراً من عام ١٩٥١. فقبل هذا التاريخ كانت للأندلسيين مقابر خاصة لكن السلطات منعت الأندلسيين من دفن موتاهم فيها وخصصت لهم مناطق في الساحات المجاورة للكنائس التي كانت مساجد في الماضي شرط الموافقة على دفن المسيحيين فيها. ورضخ الأندلسيون لهذا الشرط على مضض لكن السلطات عادت وفرضت عليهم دفن موتاهم داخل الكنيسة نفسها.ولم يحتمل الأندلسيون هذا الوضع فعرضوا على فيليب الثالث دفع مبلغ ٠٣ ألف دوقة ذهبية لقاء السماح لهم بدفن موتاهم في مكان آخر حتى لو كان في المزابل لكنه رفض رفضاً قاطعاً.

ويلخص أحد الأندلسيين وضع أمّته بالقول: ”كنا مضطرين أن نظهر لهم ما كانوا يرغبون منا إظهاره،وما عدا ذلك كانوا يسوقوننا إلى محاكم التحقيق لاتباعنا الحقيقة. لقد حرمونا من الحياة والأملاك والأبناء، وزجوا بنّا في سجون مظلمة لأتفه الأسباب. ونظراً إلى سوء أفكارهم كانوا يبقوننا هناك سنين عدّة فيما يستولون على أملاكنا التي صادروها ويستغلوننا، ثم يقولون إن لذلك الفعل مبرراً، ويخفون وراء ذلك أفكارهم السيئة وسريرتهم الضالة. أمّا أطفالنا فإنهم عندما يصبحون يافعين يربونهم على شاكلتهم ويصبحون مرتدين، وإذا كبروا يسعون إلى الهروب. وإضافة إلى ذلك كان حكام محاكم التحقيق يفتشون عن كل الوسائل للقضاء نهائياً على هذه الأمّة“.

وكانت هذه الوسائل بلا نهاية، وكانت العقوبات تراكمية، وكانت تتصاعد في شدّتها مـع الزمن وتشمل الأحياء والأموات على سواء إذ توجد أمثلة كثيرة على نبش قبر من يُتهم بعد موته بالارتداد وجمع عظامه في كيس وإحراقها إلى جانب الأحياء في الاحتفالات التي كانت تجري بين وقت وآخر في المدن الإسبانية. كما توجد أمثلة عدّة على شمول العقاب أهل المتهم الذين تحرمهم محاكم التحقيق من التمتع بالحقوق المدنية أو تجبرهم على ارتداء لباس العار (Sanbenito) مدداً طويلة.9 وفي بعض الحالات كان الدير نفسه يُستخدم كسجن. ونحو نهاية القرن السادس عشر لم يعد الإرتداد وحده سبباً للحكم على المتهم أو المتهمة بالحرق إذ باتت محاولة الهروب من إسبانيا إلى العدوة أو فرنسا جريمة نهايتها الحرق، بل أن المؤرخ الكبير لورنتي يُعلمنا أن الحرق كان أيضاً عقوبة من يقرأ الكتب العربية.10 وتبدّلت حظوظ فيليب الثاني في آخر أيامه فأنزل به الفرنسيون والهولنديون والإنكليز هزائم ماحقة وساء حال الإسبان في أوروبة ودارت عليهم الدوائر فاهتزت ثقتهم بأنفسهم وبحثوا عن سبب اخفاقاتهم فيمن حولهم وبرّأوا أنفسهم من جرائر ما أصابهم وحمّلوها للأندلسيين وكانوا يعتقدون أن الله للكاثوليك فقط مثل الجنّة فصاروا يقولون إن هذه الهزائم عقاب من الله على وجود ”الكفار“ الأندلسيين بينهم. وهكذا تحوّل الأندلسيون إلى كبش فداء جاهز، وتأججت العداوة وتمحور الرأي العام ضدهم وتصلّب فرمت الحكومة من وراء تغريب الأندلسيين إلى تحقيق نصر عزيز لم تتمكن من تحقيقه في أي من صراعاتها الخارجية الكبيرة.

٣)- 100 عام من المواجهة

ربما لا يوجد وصف لصمود الأندلسيين أكثر من 100 عام في وجه واحدة من أعتى الممالك التي عرفها القرن السادس عشر، وفي وجه أكبر جهاز مخابرات ديني عرفه البشر، وواحد من أعدى شعوب الأرض سوى بأنه كان صموداً خارقاً. ويرافق هذا الوصف تساؤل دائم عن الطريقة التي استطاع بها الأندلسيون في وطنهم المُحتل التمسّك بدينهم وعروبتهم بعد أكثر من 100 عام من الحرق والتعذيب والقتل والاعدامات والتجويع والنفي والنهب المنظّم، وكيف تمكّنوا من الاستمرار وسط مجتمع كان بين الجنود والكهنوتيين فيه جمهور من الوشاة الذين ترصّدوا في جيرانهم الأندلسيين كل حركة أو كلمة فرأوا فيها إما خيانة لملك إسبانيا أو عداوة للمجتمع الإسباني أو طعناً في ”ديننا الكاثوليكي الطاهر“. إن خروج أندلسية أو أندلسي مسلم واحد من إسبانيا بعد أكثر من 100 عام من الاضطهاد أمر يبعث على الدهشة فكيف بخروج مئات الألوف اعتباراً من عام 1609؟ وبماذا يمكن أن نصف بعض الأندلسيين الذين لم يكفهم جهاداً المحافظة على دينهم وعروبتهم فنجدهم يحاولون إقناع بعض المسيحيين الإسبان بدخول الإسلام؟

ونستطيع العثور في كتب التاريخ الإسبانية ووثائق محاكم التحقيق على بعض الأسباب الظاهرة لذلك الصمود لكن الأسباب الحقيقية تكمن في قدرة الأندلسيين على الغوص في أعماقهم واغتراف الشجاعة التي مكنتهم من الصمود في البيئة العدوانية التي كانوا يعيشون فيها. وكان الإسبان يعرفون مكمن تلك القوة ومع ذلك لم يستطيعوا بعد 100 عام من المحاولة كسرها لأنهم لم يتمكنوا من اختراق عقولهم ولا قلوبهم. هذا لا يتمّ عادة إلا بالرحمة والتفهّم لكن إسبانيا ذلك الوقت لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الشعورين. ولا نستطيع بعد ٠٠٤ سنة من مرور تلك الأحداث أن نفهم تماماً ماذا كان يدور في خلد الأندلسيين لكن نستطيع أن نخمّن ونتصوّر المآسي التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة المظلمة من تاريخ الأندلسيين في إسبانيا، بل من تاريخ الإسلام.

وواجه الأندلسيون مشاكل عمّت الجميع ومشاكل أكثر خصوصية انطبقت على تجمّع دون غيره، ووُجدت آلاف الحالات التي تطلّبت معالجة خاصة. وكانت المشكلة الأكبر بقاء التجمّعات الأندلسية على اتصال مع بعضها لتبادل آخر الأخبار ونقل الكتب الدينية والمساعدة على حل المشاكل التي واجهت بعض التجمّعات. ويبدو من المعلومات المتوافرة عن تلك الفترة أن الأندلسيين حلّوا هذه المشكلة من خلال إقامة عدد من أقنية الاتصالات التي كانت تتم مباشرة عن طريق إيفاد مبعوثين عن الأندلسيين، خصوصاً في بلنسية وأرغون، إلى فرنسا طلباً للمساعدة، أو إلى العثمانيين. ولعب البغالون والناشطون في النقل والتجارة بين الممالك الإسبانية داخل آيبرية دوراً ملحوظاً في تبادل المعلومات والأخبار بين التجمعات الأندلسية، وكان هؤلاء ينقلون الكتب الدينية المخبّأة في البضائع من مكان إلى آخر حسب الحاجة، أو يحملون المساعدات العينية والمالية إلى الأندلسيين المحتاجين.

وفي حالات أخرى كان الأندلسيون يؤون إخوانهم المطاردين من طرف الدولة أو محاكم التحقيق، أو الأندلسيين الفارين من منافيهم ريثما يرتّبون تهريبهم في القوارب التي كانت تنطلق ليلاً من جنوب الأندلس في اتجاه المغرب أو الجزائر، أو عبر الجبال في اتجاه فرنسا. وربما بقي على مناطق الحدود بعض هؤلاء، وربما انتقلوا بعد ذلك الى الساحل المغاربي أو الأراضي التي تسيطر عليها الدولة العثمانية. وبما أن عقوبة معظم تلك النشاطات كانت الحرق أو الشنق أو الشغل سخرة في السفن مدى الحياة، فقد اقتضى إتمامها سرّية تامة. وكان على المكلفين إداء هذه المهمات توقّع اعتقالهم في أي مرحلة من مراحل تنفيذ مهامهم وبالتالي كتمان معرفتهم بمصادر كتبهم أو مهامهم في كل الظروف.

وكانت أوضاع الأندلسيين في إسبانيا شديدة التفاوت ففي بلنسية كانوا يُعرفون باسم ”أمة المسيحيين الجدد من الأندلسيين في مملكة بلنسية“.11وكانت ممارسات هؤلاء أبعد ما تكون عن المسيحية إذ كانت لهم مجموعة من المساجد السريّة ضمن منظمة عُرفت باسم ”رابطة مساجد بلنسية“. وخارج بلنسيةعملت أعداد كبيرة منهم في الأرياف فلاحين وعنّابين لحسابهم الخاص أو لدى النبلاء والمتنفذين والكنيسة، وهؤلاء سيطروا على معظم الأراضي الزراعية في إسبانيا. وساعد الأندلسيين على استمرار قسم كبير من تنظيماتهم عدم وجود سلاطين وملوك وأمراء كبار يمكن أن يؤدي اكتشافهم إلى إلحاق ضرر كبير بالتنظيمات أو يمكن ان تغريهم السلطات أو تقسرهم على بيع جماعتهم. واستعاض الأندلسيون عن هذه الهرميّات السياسية التقليدية بمجالس صغيرة تمثّل مناطق معينة، مع وجود ضباط ارتباط بين هذه المجالس لتقرير القضايا الكبيرة. وكان من بين أهم هذه القضايا الحصول على المساعدة العسكرية والمالية الخارجية لمساعدتهم على التصدي لسياسات فيليب الثاني ومحاكم التحقيق، لذا كانت هناك سفارات كثيرة بين هذه المجالس من جهة وبين الفرنسيين والبروتستانت والعثمانيين. وتمكنت السلطات من كشف جانب من هذه النشاطات وأقر بعض من عذّبتهم محاكم التحقيق بوجود الاتصالات وطبيعتها لكن نطاق الضرر بالتنظيمات الأندلسية بقي محدوداً.

وساهمت هجرة الإسبان وأعداد من الأندلسيين إلى المستعمرات الإسبانية في العالم الجديد والحروب شبه الدائمة التي شنّها فيليب الثاني على أعدائه في كل مكان في خفض عدد سكان بعض المناطق الإسبانية فبدأت مجموعات من الأندلسيين هجر الأرياف إلى المدن القريبة، وقامت أحياء اقتصر سكانها على الأندلسيين. وكان قسم كبير من هؤلاء يعيش على خط الفقر أو دونه، وتطلبت مساعدتهم جهوداً خاصة لأسباب عدّة منها توزعهم في بلد شاسع مثل إسبانيا.

٣- تغريب الأندلسيين من اسبانيا: الاعتبارات الإسبانية

١)- 100 عام من الجهد الضائع

”كيف يأمل المرء أن يهدي إلى طريق السيد المسيح شعباً عنيداً قاوم التبشير للنصرانية والاضطهاد قرناً كاملاً، ولا يزال إخلاصه لقرآنه كما إخلاص العرب في المغرب؟ لقد كان الرهبان الذين انيطت بهم مهمة تعليم الموريسكيين مبادئ الكاثوليكية يعرفون تمام المعرفة أن هؤلاء، وإن مارسوا طقوس النصرانية، فإن هذه الممارسة لم تكن أكثر من مراءاة سببها الخوف من محاكم التحقيق. فمثلاً حين يكون عليهم الذهاب إلى الكنيسة في عيد الفصح للاعتراف، فإنهم كانوا يقدّمون أنفسهم بطريقة عالية الانتظام، لكنهم لا يعترفون بارتكاب أي ذنوب. ولم يُعرف عنهم أنهم توجهوا إلى القساوسة بطلب المساعدة حين يمرض أحدهم خوفاً من حضور القساوسة بصفتهم الرسمية، لذا تستّروا على مرضاهم وتعرض الجميع ”إلى موت مفاجئ“ كما كانت الأسرة تدعي وهي تمكر. أضف إلى ذلك أن عددهم لم ينقص مذ طردهم فيليب الثاني من مملكة غرناطة (عام 1569)، بل حدث العكس وازدادوا عدداًً لأنهم امتنعوا عن اللحاق بالجيش أو حتى الانخراط في خدمة الكنيسة، وأكثروا من إنجاب الأطفال وربوهم على كره المسيحية“.

هذا، باختصار، هو رأي الإسبان في الأندلسيين. وهذه، باختصار، قصة الإسبان مع الأندلسيين: فيها انتصارات كثيرة لكن فيها إخفاقات كثيرة أيضاً وجهد ضائع صرفته الكنيسة ومحاكم التحقيق على كثلكة الأندلسيين. ولا بدّ أن ملايين الإسبان كانوا يشعرون بالحيرة من نجاحهم الهائل في المستعمرات في العالم الجديد حيث نصّروا الملايين، ومن إخفاقهم الهائل في إسبانيا. فبعد أكثر من 100 عام من التبشير القسري ظل الأندلسيون ”لا يأخذون الماء المقدس إذا دخلوا الكنيسة، ولا يرسمون علامة الصليب. لقد كانوا مثل الشيطان وأشد أعداء المسيح… وكنا فرضنا عليهم الخوف، الا أننا نلاحظ قلة إيمانهم لحظة رفع القربان المقدس، إذ يقطّبون جباههم وينزلون رؤوسهم ويحولون وجوههم بعيداً، ويدفعون أولادهم الى البكاء ليزيدوا القاعة ضوضاء. بل هناك حادث خارق للعادة تمثّل في حمل أحدهم السبحة وهو في الكنيسة!“.

إن دراسة التاريخ تقود أحياناً إلى الاستنتاج بأن الأمم المهزومة توجه نقمتها إلى الداخل لخلق التوازن النفساني المطلوب للتغلّب على روح الهزيمة، أو تغرق في الرذيلة وتمضي في طريق الانحلال الخلقي، أو تلجأ إلى موجة من الورع والتعبد وتعميق الحس الديني المشوب بالمهانة القومية. وهذا ما حدث في إسبانيا بعد هزائم نهاية القرن السادس عشر حين بدأت الكنيسة تبشّر بدعوة شاملة للخلاص من الذنوب والعودة إلى الكنيسة، وتنظر إلى الهزائم على أنها إنذار بنكبات أفدح وعقاب على ابتعاد الناس عن دينهم. وخرجت الكنيسة بعد الهزائم لتقول إن أسباب هذه الهزائم وجود عناصر في قشتالة تدعي النصرانية جهراً وتضمر الإسلام. وتقول إن طرد اليهودية من آيبرية لم يكتمل بعد، لأن أعداداً منهم بقيت في البرتغال التي ضمها فيليب الثاني إلى ممالكه بالقوة عام 1580، وإن وجود مثل هؤلاء سبب الغضب الإلهي على قشتالة. وبارتفاع عدد المصائب التي تعرضت لها البلاد في آخر ذلك القرن، مثل الأزمات الاقتصادية وانتشار وباء الطاعون، كانت الكنيسة تضم إلى صفوفها مؤيدين جددا نادوا بنفي الأندلسيين إذا أريد لإسبانيا أن تحقق النصر الذي تريده لنفسها وللكنيسة. وتضافرت جهود رجال الدين والكتّاب لتأليب الرأي العام على الأندلسيين. فقبل بدء تغريب الأندلسيين أصدر خوان دي ربيره Juan de Ribera رئيس أساقفة بلنسية (1533-1611) أوامر إلى مطرانيته بوقف المناولة للأندلسيين بعد تقاطر الشكاوى من سوء تعاملهم مع الطقوس الكنسيّة.ودعم الكتّاب هذا الموقف فسجّلوا قبل تغريب الأندلسيين وبعده انتقاداتهم للأندلسيين ووصفوهم بأنهم ثعابين وضفادع وذئاب وعقارب وحيوانات سامة.

واكتشف هؤلاء أن الأندلسيين لم يصبحوا نصارى في حياتهم إذ تحدثوا عن الكاثوليكية لكنهم ظلوا مسلمين ممتازين. ويلخص بارونات القصة كلّها بالقول: ”لم يكن لدى الموريسكيين أي رغبة في أن يصبحوا مسيحيين، فكل ما يتمنونه هو النجاة من محاكم التحقيق“.14 إلا أن المشكلة لم تكن دينية فقط إذ حسد القشاتلة الأندلسيين دائماً على صنعتهم وجدّهم في العمل، واستكثروا أن يتمكن هؤلاء من جمع المال بعد كل الضغوط التي يتعرضون لها. ونجد مثالاً جيداً على هذا الموقف من عرض الآتي: ”إن انتاجيتهم (أي الأندلسيين) عالية جداً. وعلى رغم مجيئهم الى قشتالة (من غرناطة بعد نفيهم عام 1569) قبل عشر سنوات فقط من دون أن يملكوا شبراً من الارض، وعلى رغم عقم تلك السنين فانهم أصبحوا متنفذين، وصار كثيرون اغنياء إلى درجة انه يمكن ان نتوقع بعد ٠٢ سنة من الآن أن يعمل المواطنون الأصليون في خدمتهم“.

٢)- الحالة العامة

كان حظ الأندلسيين أن تحمّلهم قشتالة أسباب إخفاقها على سائر الجبهات لأنهم كانوا في متناول اليد، ولأنهم كانوا أقلية تتمتع بنفوذ سياسي ضئيل جداً، ولأنهم كانوا عموماً فقراء عاجزين عن مد الحكومة تلو الأخرى بالمال الذي تريده، ولأنهم أصروا على شخصيتهم المستقلة في وجه كل الضغوط التي استمرت أكثر من قرن من الزمن. وعندما كان الأمر يتعلق بالأندلسيين فان التاريخ القشتالي كان يعيد نفسه، فكانت المخاوف القومية والدينية والاجتماعية تجد متنفسها في اضطهاد الأندلسيين. وكانت تطورات آخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر تذكر كثيراً بوضع قشتالة في آخر سبعينات القرن السادس عشر ذلك أن متاعب قشتالة مع الهولنديين والإنكليز لم تنته، وأصبحت أرغون ثانية من أصعب الممالك التابعة لقشتالة، وتوج ذلك بإعلان الثورة هناك سنتي 1519 و1592، ولم يكن هناك حل سوى تسيير الجيوش إلى أرغون وقمع الثورة في مدينة سرقسطة. وبما أن العمليات العسكرية كانت مستمرة مع الأتراك والساحل المغربي كان من الطبيعي أن تُثار بين الحين والآخر مسألة مساعدة الأندلسيين الجدد للعثمانيين أو المغاربة ضد إسبانيا.

وفي تلك الحقبة كانت المضاعفات النفسانية للهزائم التي حاقت بإسبانيا تفوق بأضعاف التأثير الفعلي لتلك الهزائم. ووجد القشتاليون أن الحروب التي قادتهم إلى القمة تقودهم ثانية إلى الهاوية، وربما لم يكن بين جميع الممالك التي خضعت لقشتالة مملكة تعرضت لأزمات سياسية واقتصادية شبه مستمرة مثل قشتالة ذاتها. وبينما تحسّن وضع بعض تلك الممالك الجديدة استمرت إسبانيا تعاني من مشاكلها القديمة. وكان عهدا كارلوس الخامس وفيليب الثاني مليئين بالانتصارات الهائلة والهزائم الهائلة، لكن الأب وابنه تمكّنا من المحافظة على الإمبراطورية وتوسيع رقعتها عند توافر الظروف المناسبة.

وقبل أن يموت فيليب الثاني أبلغ إلى النبلاء أن كل ما يخشاه هو أن يصبح ابنه فيليب الثالث محكوماً لا حاكماً. وتحقق توقّع فيليب الثاني بعد موته إذ راح دوق ليرما يدير شؤون البلاد، فيما تفرّغ فيليب الثالث للاستمتاع بالدنيا والجلوس أمام دييغو فلايثكويث (فيلاسكويز) لرسمه واقتناء اللوحات الفنية والمفروشات الكلاسيكية من إيطاليا وبناء القصور الفاخرة. وكانت متاعب إسبانيا وقتها أعمق من أن يحلّها دوق ليرما (أعظم لص في إسبانيا) فاستمر الإفلاس والتقهقر أمام البروتستانت فطلب الصلح من الإنكليز عام 1604، ثم توصّل مع الهولنديين البروتستانت إلى اتفاق مهين نص على التزام الطرفين هدنة تستمر 12 سنة اعتباراً من التاسع من نيسان (إبريل) عام 1609، ورأى الإسبان في الاتفاقين خضوعا كاثوليكيا من حامية الكاثوليكية للبروتستانت.

وكانت هذه التطورات كافية لتفقد قشتالة توازنها الذي قام على تحقيق الانتصار تلو الآخر، وكانت دافعاً للتوقف والتفكير في حال البلاد. ولم تستطع إسبانيا النهوض لمقارعة خصومها الخارجيين فانكفأت إلى ذاتها وساد التفكير بقدرية الأحداث وعبث الأيام كما صوره بعض أهم أدباء إسبانيا. هنا ظهرت شخصية عثمان الفراش17 المتنقل دائماً من مكان إلى آخر وهو يحاول أن يعيش ليومه من دون الحاجة لمعرفة ألم التفكير في الغد. وهنا ظهرت شخصية دون كيخوتي دي لا مانشا عام 1605 كما رسمها سيرفانتس – عجوز، مثل صانعها، يحارب العمالقة وطواحين الهواء وسط جو من الفروسية الخيالية والأعداء الخياليين، وبطل في زمن لم يعد يحتمل بطولة ولا أبطالاً. وكانت تلك الفترة فترة تكشف الحقيقة. الحقيقة بأن إسبانيا كانت فقيرة على رغم الفضة التي تتدفق عليها من العالم الجديد؛ ضعيفة على رغم اتساع ممالكها الهائلة؛ أول من يحس بالكوارث النازلة بها وآخر من يستمتع بالمجد الذي بحثت عنه؛ أول من زرع وآخر من حصد. ومن خلال بحث قشتالة عن ذاتها المضطربة في بداية القرن السابع عشر اتضح للكثيرين مدى تدنّي الروح المعنوية وبرزت حاجة هائلة لتحقيق انتصار ما. وتصور كثيرون أن نفي الأندلسيين سيكون الانتصار الذي يعيد إليهم الشعور بالعظمة، ويرفع معنوياتهم الهابطة. وهكذا سعت إسبانيا إلى تحقيق انتصار داخلي حين عجزت عن تحقيقه في الخارج، وكان الرأي العام الإسباني أكثر من مهيأ لتحقيق هذا الانتصار وتغريب الأندلسيين.

وخلال فترة الإعداد لتغريب الأندلسيين ارتفعت أصوات تنبه إلى خطورة مثل هذه الخطوة لكنها كانت أصواتاً قليلة وكانت المشاعر متضاربة: ”وقف البعض موقف إدانة لهذه القسوة المتطرفة التي كانت تبعد شعباً بأكمله عن موطنه الأصلي. لكن آخرين امتدحوا هذا العمل الذي لم يُظهر فقط تقوى ملكهم الكاثوليكي (فيليب الثالث) بل خلّص إسبانيا من هؤلاء النصارى المزيفين الذين كان أجدادهم سادة إسبانيا قروناً عدّة بينما استمروا في تعاملهم الخفي مع الأفارقة والأتراك والأعداء الآخرين للملكيّة. وكان منتقدو مرسوم فيليب الثالث ومستشاروه يقولون إن الإسبان استمروا قرونا عدة في السماح للأندلسيين العيش بينهم في أرض استعادوها، وممارسة دينهم. وكانوا يقولون أيضاً إن الإسبان سمحوا للأندلسيين بإستغلال الأرض والقيام بأعمال مختلفة لم يعد النصارى يعتادونها، لأن الإسبان كانوا شغوفين بشن الحرب. أولئك الذين تبنوا هذا الاتجاه كانوا يعتقدون أنه من غير الصواب إنزال عقاب شامل يمكن أن تخرج الدولة بعده أكثر ضعفاً وأقل صلاحاً، ما لم يكن لمثل هذا العقاب دافع قوي. لكن الذين أيّدوا المرسوم (مرسوم التغريب) كانوا أكثر عدداً، واعتبروا القرار بطولياً وصائباً. وأقرّ هؤلاء بالشرور التي يمكن أن تلحق بإسبانيا نتيجة القرار، لكنهم كانوا يرون في هذه الشرور ثمناًًً لا يمكن مقارنته بالأذى الذي يتهددهم إذا استمر بقاء الموريسكيين في المملكة“. هل كان وجود الأندلسيين في إسبانيا سيهدد وجود إسبانيا فعلاً؟ الجواب تأكيداً هو نعم. هل كان الأندلسيون مستعدين للتعاون حتى مع الشيطان لرفع كابوس الاضطهاد عن صدورهم؟ الجواب لا بدّ أن يكون نعم أيضاً.لماذا؟ لأن إسبانيا الديمقراطية الحديثة فقط وجدت الحل لكل الأقليات في آيبرية وتوابعها عن طريق منحها الحكم الذاتي وأنهت بذلك معظم مشاكلها القديمة مع الباسك والنافاريين والقطلان. لكن هذا لم يكن ممكناً في القرن السابع عشر. كان على إسبانيا وقتها التمكّن من تغيير نفسها قبل أن تستطيع السماح للأندلسيين بالحياة والاستمرار وتحسين أوضاعهم الإنسانية والمعيشية، والتوقف عن إحراق الأندلسيات والأندلسيين ومصادرة أموالهم وأملاكهم وحرياتهم.

وبدت إسبانيا في لحظات قليلة كأنها يمكن أن تترك الأندلسيين يمارسون الحد الأدنى من الحريات الدينية والاجتماعية والاقتصادية، لكن المخاوف الداخلية التي أججها التعصب الديني والقومي، والمخاوف الخارجية التي أثارتها الهزائم العسكرية المتلاحقة لم تسمح لتلك اللحظات أن تتحول إلى وقت مجد. ولم تعد إسبانيا قادرة على الوصول إلى هذا الحل بعد ذلك لأن الكاثوليك الفرنسيين والبروتستانت الإنكليز والهولنديين كانوا بدأوا الحروب الأخيرة لتدمير قوة إسبانيا، وكانت ثورة كبيرة أخرى يشعلها الأندلسيون في إسبانيا ستؤدي إلى قلب موازين القوى. وفي النهاية ظل معظم الأندلسيين عرباً ومسلمين، لكن بين الكاثوليكية والبروتستانتية، كان الأندلسيون سيختارون البروتستانتية ليس لقناعتهم بها، بل لأنها كانت ستساعدهم على تدمير إسبانيا الكاثوليكية التي سعت إلى تدميرهم بكل الوسائل.

وفي عام 1599 زار فيليب الثالث بلنسية لعقد قرانه إلى مرغريت النمسوية وأثيرت خلال الأفراح مسألة الأندلسيين فأصدر مرسوماً ملكيّاً بالعفو عنهم إذا اعترفوا للكنيسة بذنوبهم وخطاياهم وأصلحوا أمورهم وطلبوا المغفرة والصفح. وكتب فيليب رسالة بهذا المعنى إلى خوان دي ربيره رئيس أساقفة بلنسية أمره فيها بمباشرة تعميد من لم يتعمد بعد من الأندلسيين ومعاملتهم بالحسنى لكسب تعاونهم.19 وفي الثاني والعشرين من حزيران (يونيو) من العام نفسه أصدر البابا بولس الخامس إرادة منحت الأندلسيين عفواً عاماً عن كل خطاياهم لمدة سنة واحدة. وانقضت المهلة من دون أن يتقدم الأندلسيون للاعتراف بخطاياهم فتحرّكت محاكم التحقيق وعمّدت عدداً من الأندلسيين بالقوة. واحتج الأندلسيون على هذا الإجراء فردّت الحكومة باتهامهم بالتآمر مع الفرنسيين وتعهدهم للمغاربيين بتوفير ٠٠٢ ألف مقاتل لاحتلال بلنسية إذا تمكن هؤلاء من إرسال 20.000 مقاتل فقط،ثم أعدمت عدداً منهم شنقاً. وخلال السنوات الثماني التي اعقبت زيارة فيليب الثالث الى بلنسية استمرت مقاومة الأندلسيين للتعميد، وبدأ دوق ليرما التفكير بتغريبهم ما لم تنصلح حالهم نهائياً عاكساً رأيه هذا في قول مشهور هو: ”لن تصبح ممالك إسبانيا نقيّة طاهرة إلا بإقصاء الموريسكيين عنها“.

وفي صباح الإثنين الثاني والعشرين من أيلول 1609 الموافق للثاني من شوال سنة 489 خرج المنادون إلى الأندلسيين وقرأوا المرسوم الملكي الآتي:

”1 – على سائر الموريسكيين في المملكة رجالاً ونساءً وأطفالاً أينما كانوا أن يسارعوا خلال ثلاثة أيام من صدور هذا المرسوم إلى إخلاء منازلهم والاتجاه بإمرة مفوض الدولة المسؤول عنه، وذلك للإبحار الى المغرب على متن المراكب والسفن التي استعارتها الدولة لهذا الغرض، ومنصاعين لأوامر المفوض، آخذين معهم من ممتلكاتهم المنقولة ما يمكن حمله على ظهورهم. وتحظّر الاساءة إليهم أو إزعاجهم أثناء انتقالهم سواء بالقول أو الفعل، ويُكفل لهم تأمين طعامهم خلال مدة الإبحار. وكل من يتخلّف عن تنفيذ هذا المرسوم يعرض نفسه للهلاك المحقق.

2 – يحق لأي إسباني صادف موريسكياً خارج منطقته أو ضالاً في الطريق بعد الأيام الثلاثة المحددة أن يستولي على ما معه. وإن أبدى الموريسكي أي مقاومة للإسباني أن يقتله أو أن يسلمه إلى أقرب مركز حكومي لكي تأخذ العدالة مجراها.

3 -على الموريسكيين، بعد الإطلاع على نص هذا المرسوم، البقاء حيث هم إلى أن يحضر مفوض الدولة الخاص بهم وينقلهم إلى الموانئ المحددة للإبحار الى المغرب، ومن يخالف ذلك يعرّض نفسه إلى الهلاك.

4 – يُحكم بالموت على أي موريسكي أخفى شيئا من أمواله أو ممتلكاته مما يعجز عن حمله، أو أحرق أو أتلف بيتاً أو مزرعة أو حاكورة أو شجرة أو أي ممتلكات. وتُنزل العقوبة ذاتها بأي جار تكتّم على مثل هذه الاعمال لأن المرسوم يوجب على الموريسكيين إبقاء الممتلكات التي يعجزون عن حملها فتؤول الى صاحب الاقطاعية.

5 – لست أسر موريسكية فقط البقاء في كل بلدة تضم 100 أسرة مسيحية شرط ان تتألف هذه الأسر من كبار السن، وألا يكون ابناؤهم متزوجين، وأن يكونوا تحت رعاية الابوين. ويختار هذه الأسر أصحاب الاقطاعيات من بين أكثر السكان الموريسكيين تمسكاً بالمسيحية بهدف تعليم السكان الجدد زراعة قصب السكر وصناعة السكر وتكريره وإتقان توضيب مساكب الرز وسقيه وحصاده وسقاية الارض عامة وصيانة البيوت.

7 – يُحظّر على المسيحيين القدماء إخفاء أي موريسكي أو مساعدته أو عدم الابلاغ عنه ان تغيّب، ويُحكم على من يُقدم على مثل هذا العمل بالشغل ست سنوات على القواديس أو أي أحكام نُقرّها.

8 – ليعلم كل الموريسكيين أن رغبة الملك هي تهجيرهم من مملكته وليس مضايقتهم، حتى يصلوا الى الشواطئ المغربيّة بأمان.لذا يُسمح لعشرة موريسكيين في كل رحلة العودة على المراكب التي اقلتهم لابلاغ إخوانهم بسلامة الوصول وحسن المعاملة.ويُكتب إلى المفوضين والمسؤولين عن المراكب بذلك فلا يُسمح لاي جندي أو بحار بالاساءة إلى المهجرين قولا أو فعلاً.

9 – للأطفال الموريسكيين الذين تقل أعمارهم أو أعمارهن عن الرابعة البقاء في البلاد شرط موافقة الأبوين أو الوصي على ذلك.

10 – يُسمح لاطفال الموريسكيين ممن تقل أعمارهم أو أعمارهن عن ست سنوات وينحدرون من آباء مسيحيين قدماء كبار السن البقاء مع أمهاتهم. كما يُسمح لأطفال الموريسكيين المنحدرين من أمهات مسيحيات قديمات البقاء في البلاد مع أمهاتهم إذا كانت أعمارهم أو أعمارهن تقل عن السادسة فيما يُطرد الاباء.

11 – يُسمح للموريسكيين المقيمين بين النصارى القدماء البقاء في المملكة إن لم يكونوا انتسبوا إلى رابطة الجوامع الموريسكية قبل سنتين من صدور هذا المرسوم.

12 – يُسمح ببقاء الموريسكيين الذين لُقنوا أسرار الكنيسة وعُمدوا بمعرفة رئيس الدير بناء على توصيات المُعرّفين (عمال محاكم التحقيق) القاطنين في مناطقهم.

13 – يوافق صاحب الجلالة على أن يتوجه أي موريسكي إلى أي مملكة أخرى يرغب الذهاب اليها شرط ألا يعبر في طريقه مقاطعات اسبانية، وأن يتمّ ذلك ضمن المدة التي حددها المرسوم.

هذه هي رغبة صاحب الجلالة، ومن لا ينفذ ما جاء في هذا المرسوم الملكي يعرض نفسه إلى أقصى العقوبات“. وهذا هو المرسوم الذي يمكن اعتباره النهاية الرسمية لمبدأ التعايش في آيبريا.

الثورة الأندلسية الكبرى على الأمبراطوريـة الأسبانية

من كتاب: الأمة الأندلسية الشهيدة: عادل سعيد بشتاوي

 Expulsion of the Moriscos from Vinaros by Pere Oromig, 1613 [2لوحة تصوّر إحدى عمليات طرد الأندلسيين من إسبانيا

 

اوضاع الأندلسيين بعد الثورة الأولى 

ماتت الملكة إيزابيلا بعد عامين من إصدار مرسوم 1501 الذي اعتبر كل الأندلسيين الذين بقوا في مملكة غرناطة منصّرين رسميّاً. وبدأت السلطات الدينية والمدنية تدريجاً تحويل المساجد إلى كنائس أو هدمها وحظر الصلاة ورفع الأذان والصوم والشعائر الإسلامية الأخرى لكن الأندلسيين تجاهلوا المرسوم عموماً واستمروا في ممارسة عباداتهم وعاداتهم في بيوتهم. وفي عام 1508أصدر فرناندو مرسوماًًًً جديداً حظر على الأندلسيين التخاطب بالعربية وارتداء الملابس الأندلسية وممارسة التقاليد والعادات العربية، لكن الأندلسيين تجاهلوا هذا المرسوم أيضاً. ولم تجد السلطات جدوى من محاولة تطبيقه خوفاً من إثارة الأندلسيين في مرحلة تطلبت من فرناندو تكريس جهده ووقته لعزل الفرنسيين وتثبيت ممالكه الأرغونية في البحر الأبيض المتوسط والعالم الجديد، خصوصاً أن التشدد كان سيلحق أضراراً بالغة بالنبلاء والإقطاعيين الذين وظّفوا عدداً كبيراً من الأندلسيين في مزارعهم ومصانعهم.

وخلال تلك الفترة بدأ القشتاليون ينقلون بعض العمليات العسكرية إلى السواحل المغاربية لأسباب عدّة منها محاولة التحكّم بالحركة البحرية على جانبي مدخل البحر الأبيض المتوسط، وعرقلة قيام أي قوة عربية يمكن أن تتصل بمملكة غرناطة، واستخدام النقاط العسكرية الجديدة للانطلاق إلى عمق البحر الأبيض المتوسط. ولقشتالة طموحات في السواحل المغاربية تعود إلى منتصف القرن الثالث عشر عندما وضع ألفونصو العاشر ترتيبات لغزو المغرب بحضّ البابوية. غير أن الخوف آنذاك من هجوم أندلسي معاكس أدى إلى تأجيل الحملة حتى عام 1260 عندما أرسل ألفونصو 30 سفينة هاجمت مدينة سلا المغربيّة في العاشر من أيلول (سبتمبر) لكنها لم تحقق هدفها فصرف النظر عن مهاجمة السواحل المغربيّة وركز بدلاً من ذلك على إنهاء مملكة لبلة في غربيّة الأندلس.

وبعد تسليم غرناطة احتل القشتاليون مدينة مليلة عام 1497 ثم وهران عام 1509. وكان صاحب ترتيب الهجوم على وهران الكردينال خيمينس رئيس أساقفة طليطلة مستشار قشتالة الذي تسبب في قيام الثورة الأندلسية الأولى. وهذا أمر غريب لعله يجد تفسيراً في رغبة فرناندو التخلّص من مستشار قشتالة بعدما سئم تدخله في شؤون الدولة، أو إشغاله بحملة صليبية تتيح لفرناندو استخدام مقدرات قشتالة لتحقيق أهدافه الأوروبية. ولا يُستبعد كذلك أن يكون أحد أهداف هذه الحملة كسر شوكة الأندلسيين في غرناطة وتدمير معنوياتهم لتأمين رضوخهم الكامل. ولا تسوّغ كل هذه الاسباب المذبحة البشعة التي ارتكبتها القوات القشتالية في وهران إذ يُعتقد أنها انتهت بقتل أربعة آلاف شخص وسبي ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف شخص، ولم ينج الأطفال من القتل أو النساء من الاغتصاب. ويُقال إنه عندما دخل الكردينال خيمينس المدينة المنكوبة سجد شاكراً بين أكوام القتلى. وانشغل خيمينس بعد ذلك بتنصير الناس وأقام في المدينة فرعاً لمحاكم التحقيق عام 1515 قبل أن يعمّم هذا المبدأ على مستعمرات قشتالة في العالم الجديد. وفي التاريخ الإسباني تركيز مُلفت على إبراز تكثلك الملوك وشدّة تدينهم يجد قمته في إيزابيلا الكاثوليكية، إلا أن المؤرخين الإسبان يفضّلون تعميمه أيضاً على زوجها فرناندو. ويُقال إن هذا الملك كان يهجس في آخر أيامه بحلم تحقيق السلام في أوروبة والإنطلاق بعدها بحملة صليبية هائلة لإحتلال مصر (مركز القوة العربية الإسلامية آنذاك)، ثم الاتجاه بعد ذلك إلى القدس لاحتلالها هي الأخرى. ولطالما حشد فرناندو الجيوش والاساطيل التي ستتوجه إلى المغرب ومصر والقدس وانفق عليها من الضرائب التي كان يحصّلها من الإسبان بموافقة البابا فإذا بها تغير مسارها في اللحظة الأخيرة وتشتبك مع الفرنسيين الذين بقوا أخطر أعداء قشتالة يوم مات فرناندو عام 1516. ووقعت مسؤولية إعداد قشتالة لاستقبال كارلوس على الكردينال خيمينس لكنه مات بعد سنة ودخلت البلاد حقبة من الاضطرابات التي تحولت إلى ثورة دامية في الأسبوع الأخير من أيار(مايو) عام 1520.

تنصير الأندلسيين في بلنسية

ولد كارلوس في غنت الفلاندرية عام 1500، وتتلمذ على يد أدريان الاترشتي. وجاء كارلوس قشتالة للمرة الأولى عام 1517 ومعه حاشية كبيرة من الفلمنك لذا لم يجد القشتاليون في ملكهم الجديد شيئاً يذكرهم بجدته إيزابيلا الكاثوليكية، ولم يجدوا حتى فرصة للتفاهم معه بالقشتالية التي كان يجهلها. وعندما غادر كارلوس قشتالة عام 1517 لجمع إرثه الهائل في أوروبة واستلام منصب الأمبراطور الروماني المقدس من البابا، ترك أدريان وصياً على عرش قشتالة فبدأ الناس يتذمرون من وجود هؤلاء الغرباء على رأس مملكتهم. وكان الاستياء عاماً عند سائر فئات الشعب فشمل النبلاء ورجال الكنيسة والتجار والمواطنين العاديين وحتى الرعاع. وبدأ الاستياء يتحوّل إلى سخط شعبي رافقته أعمال عنف تطورت إلى ثورات مدائنية فبعث أدريان في تموز (يوليو) عام 1520 نحو ألف جندي لقمع الثورة في مدينة شقوبية فهزمهم الناس فبعث التعزيزات فتصدوا لها ونشبت بين الفريقين حرب شوارع شرسة زادت السخط والرغبة في التحدي. وانتقلت الثورة الشعبية بعدها إلى مدن أخرى ووصلت إلى ذروتها بإحراق مدينة كمبو، احدى أهم المراكز المالية والتجارية في قشتالة. واتسع نطاق الثورة إلى واحدة من أهم المدن الإسبانية هي بلد الوليد ولم يعد أدريان قادراً على قمعها وفلت الأمر من يده فهرب من البلاد وبات كارلوس ملكاً على دولة لا يستطيع العودة إليها. وانقسمت المدن الإسبانية في تلك الفترة بين مؤيدة لعودة كارلوس ومعارضة. وكانت غرناطة وعدد آخر من المدن في الجنوب من الجماعة الأولى فحضّ أهلها الأندلسيون كارلوس على العودة إلى البلاد واستلام مقاليد الحكم في حين لم ترد مدن كثيرة غيرها رؤية وجه كارلوس مرة أخرى. وتقلبت الأوضاع فترة إلا أن ثوار المدن افتقدوا التنظيم وانقسمت كلمتهم وتبعثرت جهودهم وباتت الغلبة لمؤيدي عودة الملكية فتحرك هؤلاء واخمدوا الثورة بعد الاخرى. وكانت طليطلة آخر المدن الثائرة التي سقطت بعد قتال عنيف قادته أرملة »بديلا« الذي قاد الثورة في احدى مراحلها. وبرز خلال تلك الفترة زعيم آخر هو أسقف مدينة سمّورة الذي قاد الثائرين الغاضبين فأحرقوا المزارع والكنائس ونهبوا ما فيها. واعتقل الأسقف خلال فراره إلى فرنسا وأودع السجن، فحاول الهرب منه بعد خمس سنوات إثر قتل السجان، لكنه اعتقل ثانية ومات تحت التعذيب مما دفع البابا إلى حرمان الامبراطور كارلوس من الكنيسة بضعة أشهر. ووضع كارلوس نهاية لثورة أهل المدن عندما أعدم 250 منهم في بلد الوليد عام 1522 بعد أربعة أشهر من عودته إلى البلاد.

في الوقت نفسه الذي اندلعت ثورة أهل المدن في قشتالة كان أهل مدن مملكة أرغون يشعلون نيران ثورة مشابهة لكن لأسباب مختلفة تماماً. ففي السنة التي سبقت اندلاع الثورة في بلنسية صرف الجنود الأسلحة لبعض الجماعات للمساعدة على حمايتها من هجوم توقعت السلطات قيام الأسطول العثماني بشنّه فساد المدينة الخوف والاضطراب والقلق. وفي صيف ذلك العام (1519) ظهر عدد من حالات الإصابة بالطاعون في بلنسية فهرب المسؤولون والجنود منها، وشكّل بعض السكان مجموعات سُميّت مجموعات ”جرمانية“ أو ”الأخوة“ تسلمت السلطة وبدأت توسيع نفوذها في الأرياف. ويُقال إن حيّاكاً اسمه خوان لورينك تسلّم قيادة هذه المجموعات وفكّر بتحويل بلنسية إلى جمهورية مدائنية على غرار جمهورية البندقية. ولم يحقق لورينك هدفه إذ نحّاه زعيم ثوروي اسمه بيريس ووجّه جماعته ضد النبلاء. وبما أن قسماً كبيراً من الأندلسيين كان يعمل لدى النبلاء فقد وضعهم بيريس في صف العداء للثورة والتأييد لعودة الملكية. ورفع بيريس شعاراً شعبياً هو: ”اليوم تنتهي أيام النبلاء والكفّار“، وأضحت ثورة بلنسية مركز حركة إصلاح اجتماعي وديني فاقتحم الثوار المناطق التي يسكنها الأندلسيون ونصّروا بالقوة نحو 160 ألف أندلسي. وخاف الأندلسيون في باقي مملكة أرغون امتداد ثورة المدن إليهم في ظل التفلّت الحاصل فهرب الآلاف في سفن ابحروا على متنها ليلاً وانضموا إلى آلاف أخرى كانت التجأت إلى الجزائر. واستمر القلق فترة إلا أن الحركة ضعفت بعد ذلك وزادها التطرّف عزلة فتمكن الموالون للملكية من هزيمة قوات بيريس خارج مدينة بلنسية في تشرين الأول (اكتوبر) عام 1521. وفر بيريس فقبُض عليه أول السنة التالية، وانتهت بذلك ثورة أهل المدن في أرغون مثلما كانت انتهت في قشتالة.

الأندلسيون وكارلوس

أيد الأندلسيون في أرغون عودة كارلوس فكافأهم على ولائهم بإلزام نفسه في خطاب استلام عرش أرغون الذي ألقاه خلال الاحتفال الذي جرى في مدينة سرقسطة بعدم التدخل في الشؤون الدينية للأندلسيين متابعاً بذلك السياسة التي انتهجها جده فرناندو ومعظم الملوك الذين سبقوه. وترعرع كارلوس بعيداً عن التعصب الديني القشتالي والكراهية الدينية التي جبلت طبيعة جدته إيزابيلا. ولم يعرف في حياته خارج قشتالة شخصيات فيها الحقد والتشدّد الموجودان في أمثال توركيماده وخيمينس، لذا جاء إسبانيا في المرة الأولى عام 1517 وهو يفكّر بحل هذه المحاكم لأنه لم يكن وقتها في حاجة إلى خدماتها كخط دفاعي ثان عن السلطة كما كانت أيام جدته نظراً إلى سلطاته الهائلة وجبروته العظيم. وعاد في المرة الثانية عام 1522 وهو متردد، ثم تغيّر الوضع بسرعة بعد نهوض حركة الإصلاح اللوترية. ففي الفترة بين 1523 و1525 نمت في زوريخ حركة معادية للبابوية ما لبثت أن اتسعت لتشمل أقساماً من المانيا والنمسا. وبدأ انتشارها يشكّل تهديداً حقيقياً لسلطة كارلوس في أوروبة وخسارة محتملة للضرائب التي كان يحصّلها من الألمان والهولنديين فزاد اعتماده على محاكم التحقيق كذراع ضاربة أخرى تُضاف إلى الذراع العسكرية. وتحركت الكنيسة القشتالية محلياً فبدأت مرحلة جديدة من التشدد والضبط طاولت خاصة الأندلسيين الغرناطيين وأفرزت مرسوماً صدر عام 1525أكد محظورات مرسوم عام 1508 وأضاف إليه محظورات جديدة. إلا أن التطوّر الأبرز بعد ذلك كان شروع الكنيسة وعمّال محاكم التحقيق في تعميد مجموعة كبيرة من الأندلسيين قسراً. وانتقد كارلوس مرة مهندساً قشتالياً لأنه بنى كنيسة داخل حرم المسجد الكبير في قرطبة، لكن هذا الأمبراطور كان يعيش مخاوف مضاعفات انتشار حركة البروتستانت في ممالكه الأوروبية عندما تقدم إليه زعماء غرناطة يطلبون وقف مضايقات السلطات التي سعت إلى إلزام الأندلسيين الغرناطيين التقيد ببنود المرسوم. وبعدما استمع كارلوس إلى الوفد أمر بتشكيل لجنة خاصة عهد برئاستها إلى رئيس أساقفة مدينة قادس للبحث في مطالب الأندلسيين ورفع تقرير إليه بذلك. وكان الأندلسيون يتوقعون استمرار كارلوس في موقفه المعتدل منهم اعترافاً منه بفضل تأييدهم لعودته خلال ثورات أهل المدن. لكن الوضع الدولي والمحلي كان تغيّر آنذاك وسرت في قشتالة خشية كبيرة من احتمال تغلغل الحركة البروتستانتية في المجتمعات القشتالية. وهكذا بدلاً من أن توصي اللجنة بتخفيف القيود عن الأندلسيين أوصت كارلوس بتأسيس محكمة للتفتيش في غرناطة وزيادة الضغوط والتشديد على تنفيذها فوافق على ذلك وبدأ تطبيق التوصيات في العام التالي.

وتضمنت المحظورات آنذاك لائحة قديمة شملت منع التخاطب بالعربية أو ارتداء الزي الوطني أو الصلاة والوضوء، وكان من الجديد فيها منع ختان الأولاد وحظر طلاء الأيدي بالحنّاء والإصرار على الإقبال على أكل لحم الخنزير وشرب الخمر وطهو لحم الحيوانات التي تموت ميتة طبيعية من دون ذبحها، وغير ذلك الكثير. وفي عام 1529 شهدت غرناطة حادثاً مروّعاً حين أحرقت السلطات المدنية أول مجموعة أندلسية بتوصية من محكمة التحقيق في غرناطة فدبّ الرعب في قلوب الأندلسيين وفرت أعداد من أهل غرناطة إلى الشمال، واختلطت بسكان مدن قشتالة وأرغون. وجرت مفاوضات بعد ذلك بين زعماء غرناطة ومستشاري كارلوس انتهت إلى الاتفاق على تخفيف الضغوط عن الأندلسيين لقاء دفع مبلغ 80.000 دوقة سنوياً إضافة إلى ضريبة عُرفت باسم “ضريبة الفرضة” مقدارها 20.000 دوقة سنوياً سُمح للأندلسيين بعد تسديدها التخاطب بالعربية وارتداء ملابسهم الأندلسية مدة 40 سنة. وقدم الأندلسيون الرشاوى للسلطات المدنية وبعض عمال محاكم التحقيق فخفّ التضييق والملاحقة وأضحت حياة أهل مملكة غرناطة بعد ذلك على قدر معقول من الاحتمال.

ولم يستمر هذا الوضع طويلاً ووجد الأندلسيون أنفسهم جزءاً من صراع دولي قابلت فيه أمبراطورية كارلوس الخامس أمبراطورية ماثلتها أو تفوّقت عليها هي الدولة العثمانية. فبين عامي 1512و1520 اجتاح العثمانيون سورية والحجاز ومصر. ودخل سليمان الثاني بعد ذلك بسنة مدينة بلغراد واستسلم لقواته بعد سنة أخرى فرسان القديس يوحنا الذين سيطروا على جزيرة رودس، وتحكّم بالتجارة التي كانت لجنوة والبندقية، ثم انهارت هنغاريا عام 1526 واقترب العثمانيون من حدود ممالك كارلوس الخامس في النمسا وحاصروا عاصمتها فيينا للمرة الأولى عام 1529 وفي الجزائر أسس الأخوان عروج وخير الدين بربروسا دولة تصدّت لإسبانيا فقتل الإسبان عروجاً في معركة تلمسان عام 1518، فيما طلب خير الدين (1475-1546) زيادة الدعم العثماني وتمكن من هزيمة الأسطول الإسباني بعد عام من مقتل أخيه. ومن المراكز الجزائرية اعترضت سفن بربروسا سفن كارلوس الخامس وأغارت على مالقة وبلنسية وقادس، ثم اتسع نطاق هذه الحملات بدعم ملك فرنسا فرانسيس الأول لتشمل ممالك إسبانيا في إيطاليا أسر خلالها الألوف من القشتاليين والأرغونيين والصقليين والنابوليتانيين (أي أهل مملكة نابولي).

وحاول كارلوس التصدي لبربروسا مرات عدّة فبعث عام 1530 أمير البحر أندريا دوريا على رأس اسطول لمهاجمة القواعد الجزائرية لكن دوريا لم يشتبك مع خصمه الذي كان دعم وضعه بمد سلطانه على تونس. وفي حزيران (يونيو) عام 1535 استقدم كارلوس المرتزقة الألمان وجنوداً من إيطاليا ومالطة (فتحها الأغالبة عام 869م ٥٥٢ هـ) وقاد اسطولاً ضخماً تغلب على أسطول بربروسا بعد معركة عنيفة. لكن بربروسا تفادى الأسر وعاد إلى الجزائر حيث استأنف هجماته على الفور تقريباً. وفي عام 1541 بعث كارلوس اسطولاً ضخماً لمهاجمة الجزائر لكن الحملة انتهت إلى إخفاق ذريع. وشهدت السنوات التالية صراعاً هائلاً في البحر الأبيض المتوسط حاولت فيه الأساطيل الإسلامية انطلاقاً من الجزائر وتونس وطرابلس الغرب والمغرب الأقصى احتلال عدد من المدن الواقعة تحت سيطرة كارلوس الخامس كما حدث عام 1551 بالنسبة لمالطة الحصينة عندما تبادلت المدفعية الثقيلة للطرفين التراشق برؤوس الأسرى المقتولين.

وخلال هذه المرحلة كان الأندلسيون يدفعون ثمن نجاح الهجمات على الأساطيل الأسبانية والأرغونية والإيطالية تارة، ويدفعون ثمن تقدم حركة الإصلاح الديني في أوروبة تارة أخرى. وفي جو هذا الصراع الدولي والديني الواسع الذي كان كارلوس الخامس مركزه الأول، لم تعد الضرائب التي يدفعها الأندلسيون مجدية ومثلها الرشوة أو إظهار الولاء والتصرف كقشتاليين طيبين. وكانت حروب كارلوس عالية التكاليف، وكانت الكنيسة القشتالية في حاجة إلى مصادر تمويل للإنفاق على عمّالها ومبانيها فبدأت في الأربعينات والخمسينات من القرن السادس عشر عمليات واسعة النطاق لمصادرة أملاك الأندلسيين بدعوى انها الطريق الوحيد لتصالح الأندلسيين مع الكنيسة حتى باتت أكبر مالك للأراضي في إسبانيا.

ولم يشفع للأندلسيين البلنسيين تأييدهم كارلوس ووجدوا أنفسهم يعانون مثل اخوانهم في غرناطة. فبعدما استقرت الأوضاع في بلنسية قدّم الأندلسيون هناك طلباً إلى الكنيسة لاعتبار تنصيّرهم الإجباري مخالفة للقوانين والأعراف المعهودة في أرغون وبالتالي باطلاً من أساسه فتشكّلت لجنة كنسية بحثت في الطلب وانتهت إلى أن ثورة المدن في بلنسية باطلة فعلاً لكن التنصير مقبول ولا يمكن الغاؤه تحت أي ظروف.

وهكذا بدأت أحوال الأندلسيين تتغير بسرعة في النصف الثاني من حكم كارلوس الخامس، إلا أن الاضطهاد الحقيقي كان ينتظرهم في عهد خليفته فيليب الثاني الذي ينتمي في تعصّبه وتشدده إلى إيزابيلا أكثر من انتمائه إلى ابيه، ويرتبط تصرفاً ونظرة بالمدرسة القشتالية التي خرّجت توركيماده وخيمينس ودييغو دي اسبينـوزا ومانريك. وعانى الأندلسيون تحت حكم إيزابيلا من أوضاع شبيهة بالأوضاع التي بدأوا يعانون منها تحت حكم فيليب الثاني وكان احتكامهم مُجبرين في المرة الأولى إلى الثورة، وإلى الثورة احتكموا مُجبرين مرة أخرى.

اسباب اندلاع الثورة الأندلسية الكبرى قاد كارلوس الخامس حروباً دولية ضد العثمانيين والفرنسيين والبروتستانت لكنه لم يتمكن من قهر أي من أعدائه الثلاثة فهرب من جبال المشاكل التي واجهته إلى هدوء دير يوست حيث تصومع ومات بعد سنتين من تنازله عن العرش لابنه فيليب عام 1556. ويقول من درس سيرة فيليب الثاني انه كان ذكياً ونشيطاً لكنّه لم يكن قادراً على التمييز بين الغث والسمين. وكان فيليب يصرف وقتاً طويلاً قبل اتخاذ قرار ما وعندما يتخذه لا يتابع تنفيذه حتى النهاية. وربما تعامل ببرود شديد مع قضايا ساخنة تستوجب حلاً سريعاً، وربما اهتم بقضايا هادئة فأجّج لهيبها كما حدث مع الأندلسيين في الجنوب عام 1568. ولكاتب سيرة فيليب المؤرخ كبريرة القرطبي قول مشهور في فيليب هو أن ابتسامة الملك وخنجره قريبان جداً من بعضهما. إلا أن قلة رأت تلك الابتسامة لأنّ هذا الأمبراطور أمضى القسم الأخير من حياته يعيش حالاً قريبة من التنسّك والرهبنة في إحدى غرف قصره الهائل في الاسكوريال. وكان فيليب صاحب ممالك دوليّة عدّة لكنه لم يترك قشتالة يوماً واحداً، وكان قشتالياً وكاثوليكياً حتى العظم فأنفق أمواله وأموال قشتالة وذهب وفضة مستعمراتها في العالم الجديد على مقارعة أعدائه الثلاثة: البروتستانتية والإسلام وفرنسا، لكنه مات وكلٌ من الإسلام والبروتستانتية وفرنسا أقوى مما كانوا عليه في أي يوم من أيام حياته.

وبدأ فيليب حكمه معلناً الحرب على البروتستانت في كل مكان، عازماً على اجتثاثهم من أصولهم وتطهير الدنيا منهم وإذ بعمال محاكم التحقيق يكتشفون خليتين للبروتستانت في بلد الوليد واشبيلية ضمّت الثانية منهما أحد الأندلسيين. وكان رد فيليب سريعاً فحضر بشخصه الاحتفال بإحراق »الهراطقة« البروتستانت، وأطلق يد تلك المحاكم لتقفي كل معلومة أو إشاعة عن أي نشاط بروتستانتي في أي مكان من قشتالة. وكان ترويج الإشاعات عن اختراق البروتستانت قشتالة ذريعة لخنق أي معارضة أو انتقاد أو احتجاج، إذ لم تعتقل المحاكم في قشتالة وأرغون أكثر من 300 ”مهرطق إصلاحي“ في كل سنوات حكم فيليب الثاني. أما الحرب الحقيقية ضد الإصلاحيين فكانت تدور طاحنة دامية في هولندا حيث أحرق عمال محاكم التحقيق الآلاف. وكانت الحرب تلك شاملة لا تنازل فيها ولا هوادة، ولم يكن فيليب الثاني يأتمن الكاثوليكية حتى على البابا كما اتضح عندما سيّر القائد العسكري دوق ألبة إلى الفاتيكان على رأس جيش من 12.000 جندي فأخضعه. وحين تحركت فرنسا للدفاع عن البابا بيوس الرابع كان الوقت فات، ولم يتمكن قائد الجيش الفرنسي دوق غيز من إحراز أي تقدم في هجومه على نابولي فقال قولته الشهيرة: ”لا بد أن الرب أخذ الجنسية الأسبانية.“

وبينما كانت البروتستانتية تكتسب مؤيدين جدداً بفعل اضطهاد عمّال فيليب الثاني لهم، كان العثمانيون يتقدمون في البحر الأبيض المتوسط ويقدمون المساعدات التي حققت للمتحالفين العرب معهم انتصارات مهمة إنطلاقاً من المواقع البحرية في الساحل المغاربي. وفي عام 1560حاولت أساطيل إسبانيا وإيطاليا احتلال جزيرة جربة التونسية بغية استخدامها قاعدة للانقضاض على طرابلس. ولم تخفق هذه المحاولة فقط بل شجعت الأتراك على تشديد الضغط على السواحل الأسبانية واقترب اسطولهم من جزيرة ميورقة عام 1561 مما دفع فيليب الثاني إلى التفكير في إجلاء سكانها. وفي ظل هذه المخاوف التي سيطرت على فيليب الثاني بدأت إثارة مسألة الأندلسيين في كل من غرناطة وبلنسية. وفي حين اعتبرهم بعض مستشاري فيليب الثاني حلفاء طبيعيين للعثمانيين المسلمين مثلهم، أو طابوراً خامساً على الأقل، مما يستوجب الحذر منهم والوقوف معهم موقفاً حازماً، رأى آخرون أن استعداءهم يمكن أن يؤدي إلى مشاكل لا ضرورة لها، لذا أشاروا بأهمية كسب الأندلسيين إلى جانب إسبانيا واستمالتهم.

واستمر الجدل في شأن السلوك الأفضل تجاه الأندلسيين في بلاط فيليب الثاني في الوقت الذي ساد في مملكة غرناطة نفسها جدل آخر أدى إلى زيادة الوضع المعقد أصلاً في غرناطة تعقيداً. ولهذا التعقيد أسباب عدّة أهمها الصراع على السلطة في المملكة ومحاولة كل جهة متنفذة هناك إعلاء مصالحها على الجهة الأخرى خصوصاً ما اتصل من تلك المصالح بالأراضي الأندلسية والتجارة والضرائب. وفي مملكة غرناطة كان الحاكم العسكري على خلاف مع محكمة التحقيق وكانت محكمة التحقيق على خلاف مع المجلس البلدي وكان المجلس البلدي ضد رئيس الأساقفة، وكانت المحكمة العليا تخالف الجميع لأنها تعتقد أن رأيها أصوب الآراء. وتفاقم الصراع بين هذه الأطراف كافة واستاء الغرناطيون فاستنجدوا بفيليب الثاني. وانتظر فيليب طويلاً قبل أن يقرر تحرّي الوضع. ولما أرسل في نهاية التفكير مبعوثاً خاصاً لحل الخلافات بين القوى المتناحرة في غرناطة على الأراضي اشتبك المبعوث مع الجميع وبدا أن تدخلاً شخصياً من جانب فيليب الثاني هو الكفيل فقط بوضع حل لكل تلك المشاكل.

وما هي طبيعة هذه المشاكل؟

يُظهر استعراض الوضع في مملكة غرناطة مطلع عام 1569 أن مراكز القوى الأساسية لم تتغير في صورة جذرية خلال أكثر من 70 سنة. وجاء على رأس أهم المناصب في المملكة الحاكم العسكري الذي ظل محصوراً بأسرة مندوزا المتنفّذة منذ أيام تندله. وحمل خلفه في المنصب لقباً إضافياً هو مركيز مندخار، فيما عُرف الحاكم العام الذي تسلّم منصبه عام 1543 بلقبين هما مركيز مندخار والكونت تندله الرابع إلا أن اسمه الحقيقي هو إيناغو لويس دي مندوزا. وكان الحاكم العسكري أكثر ارتباطاً بالأندلسيين من غيره لأن احدى مهامه كانت تحصيل الضرائب منهم، وكان وجود علاقة عمل جيدة معهم مهمة أساسية بالنسبة له لتسهيل استضافة الجنود في بيوت الأندلسيين خلال أيام السلم لخفض نفقات إعالتهم. وقدم الحاكم العسكري للأندلسيين في مقابل هذا التعاون دعماً محدوداً وشيئاً من الحماية والتوسّط لدى محكمة التحقيق في غرناطة. إلا أن ارتباط مصالح الحاكم العسكري والأندلسيين سبّب ارتباكاً في وضع الأندلسيين فكان يتحسن أو يتردّى بتحسن أو تردّي نفوذ الحاكم العسكري لدى البلاط الملكي. وتمتع الحاكم العسكري في غرناطة بنفوذ قوي حتى نهاية النصف الأول من القرن السادس عشر، إلا أن أسرة متنفذة أخرى هي اسرة فخاردو بدأت تنافس اسرة مندوزا بعد تلك الفترة. وفي السنوات التي سبقت قيام الثورة الأندلسية الكبرى أثارت ثروة مركيز مندخار الحسد فكثر الخصوم والأعداء وتحسّنت شعبية منافسه مركيز بلش مالقة الثاني، وسارت الاسرتان القويتان في طريق الصدام. وحدث عام 1565 أن اعتقلت السلطات ثلاثة أندلسيين ادعت بعد تعذيبهم أنهم اعترفوا بوجود خطة لاستقدام الأتراك إلى قشتالة فاتهم مركيز مندخار بالتقاعس عن أداء واجبه وبدأ الجنود يتعاملون بريبة وخوف مع مستضيفيهم.

أما المركز المهم الثاني فهو منصب رئيس أساقفة مملكة غرناطة الذي سمَته إيزابيلا لطلبيره قبل أن تبعث إلى غرناطة بخيمينس الذي جمّد صلاحيات طلبيره وبدأ محاولة تنصير الأندلسيين التي أدت إلى اندلاع الثورة الأولى. وفي عام 1546 تسلم بدرو غيريرو منصب رئيس أساقفة غرناطة وحاول هو الآخر، كما فعل طلبيره من قبله، اتباع سياسة معقولة مع الاندلسيين لكسبهم إلى جانب الكنيسة وأوصى الكنسيين الآخرين بسلوك النهج نفسه لكن جهوده ذهبت أدراج رياح التعصّب. وحدث عام 1565 أن رافق غيريرو إلى الاجتماع الكنسي البابوي الذي عُقد في ترنت (بإيطاليا) دييغو دي اسبينـوزا رئيس مجلس قشتالة المحقق العام السابق لمحاكم التحقيق. وهناك سمع الإثنان انتقاداً شديد اللهجة من البابا بيوس الخامس (1504-1572) لمبدأ ”التسامح“ الذي تنتهجه الكنيسة القشتالية في مملكة غرناطة وحضهما على تغيير تلك السياسة على الفور.

ولم يكن بيوس الخامس من الباباوات العاديين إذ اشتهر بتزمته وعصبيته الكاثوليكية القوية، وسعى إلى فرض معايير ورع صارمة على رجال الكنيسة وعلى الكاثوليكيين في كل مكان. وفي عهد هذا البابا كان زمن المصالحة المسيحية ولّى لذا كان من أشد المعادين للحركة البروتستانتية ومن أشد المتحمسين لجهد مسيحي يتصدى للإسلام. وسيلعب بيوس دوراً حاسماً في تشكيل حلف بين البندقية وإسبانيا لشن حملة بحرية حاسمة ضد العثمانيين عام 1571، إلا أن انتقاده الكنيسة القشتالية لتسامحها مع الغرناطيين في ترنت كان انتقاداً غير مباشر للملك فيليب الثاني الذي لم يكد يسمع تقرير دي اسبينوزا حتى أمر بتنصير الأندلسيين بأقصى سرعة ممكنة وإزالة آخر لطخات الهرطقة من قشتالة.وفي السابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1566 استكملت لجنة مشتركة صياغة بنود مشروع مرسوم آخر ”لإصلاح“ أحوال الأندلسيين صادق عليه فيليب الثاني وصدر مطلع كانون الثاني (يناير) من 1567.

الأسباب الاقتصادية

قام اقتصاد غرناطة على انتاج الحرير وصناعة الملابس الحريرية والزراعة والتجارة بالمواد الغذائية وغيرها والصناعات الخفيفة والخدمات بسائر أنواعها. وحظرت السلطات على الأندلسيين أي وظائف عسكرية وحكومية ومدنية مهمة ارتبط شغلها بامتلاك شهادة تثبت نقاء دم المتقدم اليها من »شوائب« أصحاب الدماء الأخرى مثل المسلمين أو اليهود، والتأكيد بما لا يقبل الشك أنه من النصارى القدماء أو أنه ينحدر منهم مباشرة. ولم تنطبق هذه المواصفات على معظم الأندلسيين إلا من استطاع منهم الحصول على شهادة مزورة، ولهذا اشتغل الأندلسيون بمهن حرة كثيرة في مملكة غرناطة وخارجها بعضها من النوع الذي يمكن تسميته بـ»الوضيع«. لكن هذه المهن كانت تُدّر سيولة دائمة فتراكمت ثروة الأندلسيين الذين اشتهروا بالحرص. وكان من بين الغرناطيين عدد كبير من المزارعين إضافة إلى أعداد من التجّار الصغار والحرفيين والعمال الذين كانوا يشتغلون في مصانع تكرير السكر وصناعة الصابون والورق والتبغ. ويبدو أن أندلسيين كثيرين اشتغلوا في الموانىء في تفريغ البضائع ورفعها إلى السفن ونقل البضائع على البغال والحمير وأعمال أخرى متدنية الأجر. وبرع الغرناطيون في صناعة الأقمشة والملابس الحريرية وتجارتها كما تشهد على ذلك سوق الحرير المشهورة في غرناطة المعروفة باسم ”القيصرية“، ووظفوا في هذه الصناعة القسم الأكبر من ثروتهم، واحتفظوا بالباقي ذهباً أو أحجاراً كريمة لسهولة نقلها وإخفائها. وربما وجد الباحث بين الأندلسيين عدداً من الأثرياء لكن غالبيتهم كانت تعيش على مستوى متدن من الدخل، وكان الأندلسيون معروفين بجدّهم ونشاطهم ومهارتهم لذا لم يفتقروا في معظم الحالات إلى عمل يقومون به.

وتواترت الضغوط السياسية والدينية في مملكة غرناطة في وقت عانى فيه الاقتصاد الغرناطي من صعوبات جمّة نتيجة قرارات حكومية سابقة. إذ قررت قشتالة منع تصدير الحرير المصنوع في غرناطة إلى العالم الجديد لدعم هذه الصناعة في مناطق قشتالية أخرى فضرب الكساد الحاد هذه الصناعة. ثم عادت الحكومة عام 1562 وفرضت ضرائب عالية على صناعة الحرير لتعزيز دخل الدولة بهدف تمويل الحروب فتضرر المنتجون كافة لكن الغرناطيين كانوا أكبر المتضررين. ولم يستطع القطاع الزراعي في الاقتصاد الغرناطي تعويض العجز الذي سببه تضرر صناعة الحرير نتيجة ارتفاع حاد في حالات مصادرة الأراضي الأندلسية بعد اتهام أصحابها بالهرطقة. وفاقم هذا الوضع شروع السلطات الحكومية في عملية واسعة هدفها إعادة جرد الأراضي الميرية التي ادعى العرش ملكيتها في غرناطة ومصادرة أراض أندلسية زعمت أنها ملك الأمبراطور وصلت مساحتها، حسب بعض التقديرات الحديثة، إلى نحو خمسة آلاف كيلومتر مربع.

وفي تلك الفترة بات معظم الأراضي الأندلسية تابعاً للتاج أو الكنيسة أو محاكم التحقيق أو النبلاء كبارهم وصغارهم، ورافق ذلك استمرار السلطات في فرض ضرائب عالية على الأندلسيين. وخلال هذه الفترة العصيبة كانت السلطات تنتظر استمرار أندلسيي غرناطة في تقديم الدفعات التي اتفقوا على تسديدها لكارلوس الخامس أولاً ثم لفيليب الثاني حتى زاد مجموع ما قدموه بين 1518 و1568 على نحو ١٢٦ مليون مرابطي، أي أكثر من ثلاثة أرباع تكاليف الحرب ضد مملكة غرناطة آخر القرن الخامس عشر. ومع استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية لم تعد الأسر الغرناطية قادرة على تقديم الخدمات التي اعتاد عليها الجنود النازلون في ضيافتها فساد التذمر وعم الاستياء من الجهتين. ووجد عدد كبير من الغرناطيين قبيل اندلاع الثورة أنه لم يعد قادراً على تسديد الضرائب الحكومية التي بدأت تزداد بسرعة في ذلك الوقت، ولم يعد حتى راغباً في العمل الذي لم يعد يستفيد شخصياً من معظم الدخل المتأتي منه.

الأسباب الأجتماعية

عاش الأندلسيون منذ تسليم غرناطة غرباءً في وطنهم وتعاملت معهم السلطات كأقلية مشبوهة التصرفات والدوافع ونظرت إليهم الكنيسة كأعداء للكاثوليكية واعتبرت عاداتهم الطبيعية خارجة عن نطاق المألوف ولغتهم العربية لغة نجاسة وامتناعهم عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر من مظاهر العداء للكاثوليكية. وتقود مئات الحالات الموثقة إلى الاستنتاج بأن الأندلسيين كانوا مضطهدين ومراقبين ومشبوهين في كل مكان عاشوا فيه، إلا أن درجة اضطهادهم كانت تتفاوت من غرناطة الى قشتالة الى بلنسية.وكان ارتفاع حدّة هذا الاضطهاد وانحساره يرتبطان بعدد من العوامل المحلية والدولية والاجتماعية والدينية التي واجهت قشتالة خلال القرنين اللذين سبقا نفي الأندلسيين مطلع القرن السابع عشر. وكانت إيزابيلا وحفيد حفيدها فيليب الثاني من بعدها رأس حربة اضطهاد الأندلسيين ممثلة بمعظم هياكل السلطة. وفي الحالات التي خفّت فيها حدّة هذا الاضطهاد لقاء ”تقدمات مالية“ أو ضرائب إضافية نرى الكنيسة القشتالية تتقدم بسرعة لتأجيجه فينساق وراءها جمهور قشتالة المشتكي دائماً من أن الأندلسيين ”مكثرون في الإنجاب والعمل؛ مقلون في الإنفاق“. وحتى عندما كانت الكنيسة القشتالية تنشغل بهمومها ومتاعبها الداخلية وتبدأ قبضة رجالها بالتراخي نسبياً، نجد البابوية تتدخل لتتهم الكنيسة القشتالية بالتقاعس عن أداء واجبها الكاثوليكي وتحضها على تجديد الحملة على الأندلسيين.

وهكذا كان استمتاع الأندلسيين بأي قسط من الهدوء النسبي يتطلب وجود الهدوء على الجبهات السلطوية والكنسية والبابوية الثلاث، لكن القرن السادس عشر كان عاصفاً فلم يعرف الهدوء إلا في حالات معينة فقط. وحتى في هذه الحالات المعينة ربما أضافت أسباب اخرى نفسها إلى القائمة الثلاثية. فإذا انشغل الملوك بإشعال الحروب في أوروبة، وانشغلت محاكم التحقيق بملاحقة البروتستانت، وانشغل البابوات بجمع الكتب واقتناء الأثريات وملاحقة أمور الدنيا نجد دائماً أسباباً اقتصادية جلبت الاضطهاد إلى الأندلسيين، لذا لم يكن القشتالي العادي متأكداً دائماً كيف يستطيع أن يضيف أي قسط من الطبيعية إلى تعامله مع الأندلسيين العرب المسلمين وهو لا يزال يشتري صكوك الغفران التي استمرت الحكومة في تسويقها بموافقة البابا لتمويل الحملات ضد الإسلام فإذا بندها في الموازنة الحربيّة الصليبية يخضع إلى مناقلة مفاجئة فتنتهي مخصصاتها إلى تمويل الحروب ضد فرنسا والبروتستانت بدلاً من المغاربيين والمصريين والفلسطينيين.

ونجد في قشتالة سياسة رسمّية وكنسية منتظمة تقوم على استمرار ضمان تردي العلاقات بين الأندلسيين والقشتاليين وتنفير الجانبين من بعضهما باستخدام تشكيلة متنوعة من المخاوف الدينية والعسكرية والاجتماعية. ومرّت أوقات شيّد خلالها الفريقان القشتالي والأندلسي حواجز في الأحياء المشتركة التي كانا يعيشان فيها فصلت بينهما وبين تباينهما فتأتي السلطات وتزيل تلك الحواجز كي يبقى الاحتكاك مستمراً وبالتالي التنافر. وكانت السلطة والكنيسة تفرضان في حالات كثيرة أن يعيش الأندلسيون بين المسيحيين القدامى، لذا نجد الأندلسيين في حال تنقل شبه مستمر. وكان إصرار السلطة والكنيسة على استبقاء عناصر التنفير حيّة يتجلّى في حالات كثيرة فلم يكن يكفي مثلاً توقيع عقوبة السجن بالمذنب الأندلسي أو مصادرة أملاكه، بل كانت السلطات المدنية والكنسية تجبره على ارتداء ملابس أو قبعات بعلامات مميزة معينة كي يعرفه الجميع ويحذروا منه ويتابعوا اضطهاده.

أما بعض العقوبات الأخرى فكان نفسانياً وعلى مدى طويل ومن ذلك اقتضاء بعض العقوبات على النساء منعهن من ممارسة انوثتهن بحرمانهن من التجمّل بالذهب أو الفضة أو الأحجار الكريمة أو حتى ارتداء الملابس الحرير والأقمشة الناعمة. وانتج المجتمع القشتالي المُسمم الآراء والمعتقدات المُسممة مثله فبدا معظم ما يمكن أن يفعله الأندلسي مشبوهاً، وصار همسه صلاة محتملة وتمتمته تعرّضاً للكاثوليكية ووقوفه مع أبناء جلدته مؤامرة يجب الحذر منها. وهبط بعض التأويلات إلى مستوى الهذر فمثلاً تعوّد الأندلسيون تناول الخضر والفاكهة بحكم العادة والطبيعة فيما أقبل القشتاليون على اللحم المقدد. وكان تباين المأكول أحد أسباب عافية الأندلسيين، لكن طلع من القشتاليين من يدعي أن الأندلسيين يمارسون السحر والشعوذة لإطالة أعمارهم.

ويجب دائماً تفادي إطلاق الإتهامات الشاملة التعميم فمن بين الإسبان والإسبانيات من أحبّ الأندلسيين وحماهم وتعاطف معهم وأخفاهم في بيته وتستّر على ممارساتهم بالكذب على السلطات الحكومية والكنسية وحتى على عمّال محاكم التحقيق، لكن يجب ألا تخفي هذه الاستثناءات قاعدة واسعة جداً ضمّت القسم الأعظم من الإسبان. ويمكن في حالات معينة فهم سبب مخاوف القشتاليين العميقة لأن الصراع مع الأندلسيين لم يكن فقط صراعاً دينياً وحضارياً بل أيضاً صراعاً على الأرض مردّه الخوف من أن يتمكن الأندلسيون يوماً من استرداد الأرض التي انتزعها الإسبان منهم. ومن السهل بعد أخذ كل هذه العوامل في الاعتبار معرفة السبب الذي حوّل الإسبان إلى أكبر جهاز مخابرات في العالم آنذاك فكان معظمهم عيون وآذان السلطة ومحاكم التحقيق. وشجع حماس عمّال المؤسستين لملاحقة أتفه الاتهامات جمهوراً واسعاً من الإسبان على التمادي في الوشاية فصار تناول وجبة الكسكسي المغربيّة مظهراً عروبياً يستأهل التحقيق، ومثله الجلوس على الأرض والنوم على المرتبات بدلاً من الأسرّة، والاغتسال وعشرات العادات الطبيعية الأخرى. وفي هذا الجو المشحون بالتجسس والنميمة والترصّد والتسابق على الوشاية، بات ممكناً اتهام الزوجة القشتالية زوجها الأندلسي بمعاداة الكاثوليكية إن نفر من فراشها، واتهام القشتالي جاره الأندلسي بالعداء للدولة إن اشتكى من الضجيج، واتهام رب العمل عامله الأندلسي بالتوجه إلى الصلاة إن غاب يوم الجمعة، واتهام الأندلسي بمعاداة الملك إن اشتكى من ارتفاع الضرائب.

ونجد عدداً كبيراً من الحالات التي تقصّد فيها القشتاليون الإيقاع بالأندلسيين فربما لا يدعو القشتالي جاره الأندلسي إلى بيته لتناول الطعام طول السنة لكن ما أن يحل شهر رمضان حتى تنهمر على الأندلسي الدعوة تلو الأخرى من جار تلو الآخر، وكان يكفي ان يعتذر الأندلسي عن تناول الطعام مرتين أو ثلاثاً لاتهامه بأداء فريضة الصوم وسوقه إلى محاكم التحقيق. وخارج رمضان كان قشتاليون كثيرون يتعمّدون عرض الخمر على الأندلسيين أو تقديم لحم الخنزير أو الطعام المطبوخ بهذا اللحم. وكان الاعتذار عن شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير سبباً لاتهام الأندلسيين بنبذ الكاثوليكية والتزام الإسلام. وتوجد حالات كثيرة سعى فيها القشتاليون إلى إثارة الأندلسيين لدفعهم إلى التعبير عن مكنونات صدورهم في لحظات غضبهم والوشاية بهم إلى السلطة أو إلى عمّال محاكم التحقيق. إلا أن هناك استغلالاً واضحاً حتى لحالات إنسانية بحتة فيكفي اتهام الأندلسي بالهرطقة إن نطق فجأة بكلمة ”الله!“ إن رأى شخصاً يقع أمامه. وفي الامكان تصوّر حالات كثيرة من الوشاية الافترائية التي كان غرضها الأساسي الغيرة والحقد ومحاولة السطو على أملاك الأندلسيين أو استضعاف زوجاتهم أو بناتهم.

وربما أعطى ما تقدم الانطباع بأن الهوة التي فصلت معظم الأندلسيين عن معظم القشاتلة كان أساسها الدين، غير أن الوقائع تثبت أن الدين كان مظهراً واحداً. فحتى لو أصبح الأندلسي كاثوليكياً صالحاً كان من السهل اللجوء إلى الاختلاف العرقي، لذا لم يكن هناك فرق هائل لدى القشاتلة في تعيير الأندلسي بأنه مسلم أو عربي. وكانت الصفتان مشتركتين تكمّل احداها الأخرى ويمكن بسهولة ومن دون وعي أحياناً استخدامهما كمفردتين في قاموس ادانة الأندلسيين الواحد. ونجد في بعض وثائق محاكم التحقيق عدداً من الأمثلة على ذلك فها هي إيزابيلا الأمَة الأندلسية القاطنة في مدريد لم تستطع ضبط أعصابها والسيطرة على غضبها عندما شتمها أحد الإسبان بالقول: أنت كلبة العرب فردت عليه: ”نعم! أنا عربية؛ وأبي وأمي كانا عربيين، وأنا عربية وسأموت عربية“. وفي مثال آخر يتعرض أهل قرية تيناخاس من أعمال مدينة قونقة لصبي أندلسي فيعيرونه بوصف ”العربي“ فتتأثر أمّه وتصيح غاضبة وهي تمسك بيده: ”العربي أفضل من المسي“ي« فإذا بها تُرمى في السجن وتكبل قدماها بالحديد وتُصادر كل أملاكها. أما الذي كان يثير بعض القشتاليين أكثر من أي شيء آخر فهو حب الأندلسيين للمرح على رغم كل الضغوط. وحتى في الحالات التي وصل فيها التقييد والحصار إلى الأوج كان الأندلسيون ينظمون حفلات الرقص والغناء والطرب، ويتابعون الحياة في الصورة التي يقدرون عليها. إلا أن أحوال الأندلسيين تردت فجأة وبسرعة في الفترة التي سبقت انفجار الأزمة ووجدوا أمامهم مرسوماً جديداً قيدهم من لحظة الولادة إلى لحظة الموت، ووضعهم تحت المراقبة في الطريق والعمل والبيت، ولم يعد في استطاعتهم حتى إغلاق أبواب بيوتهم إذ كان من حق أي قشتالي الوقوف بالباب ومراقبة ما يفعله أهل الدار. وبعد تخريب العلاقات بين الأندلسيين والقشتاليين جاء دور تخريب العلاقات بين الأندلسيين انفسهم فساد تشجيع الأولاد والبنات على الوشاية بآبائهم، والاخوة بالأخوات، والجار بجاره وبدت قدرة السلطة والكنيسة على الضغط على الأندلسيين بلا نهاية أو حدود أو أخلاق أو رحمة.

الأندلسيون والكنيسة

انتظرت الكنيسة القشتالية تحوّل الأندلسيين إلى كاثوليك عن اقتناع ورضى وطيب خاطر، ثم غيّرت سياستها فرغّبت بالمال والهدايا والوعود ثم رهّبت بمصادرة الأرض والحرية والسجن والحرق من خلال محاكم التحقيق. وكانت الكنيسة القشتالية على رأس المنادين بتنصير الأندلسيين إلا أنها لم توفر الامكانات التي يمكن ان تساعد على تحقيق هذا الهدف. وحاول بعض الكنسيين (طلبيره مثلاً) ترجمة الإنجيل فعارضه رئيس أساقفة طليطلة. وكانت المواجهة الجدلية الكاثوليكية مع الأندلسيين تتطلب كنسيين مقنعين أول مواصفاتهم التمكّن من العربية (لغة من تريد تنصيرهم) إلا أنها لم تستطع تأمين ذلك وظلت غرناطة بلا رئيس للأساقفة سنوات طويلة، ولم تكن المواجهة الجدلية مجدية أو حتى ممكنة فيما المخطط القشتالي الخاص بالأندلسيين مخطط استئصالي.

وفي التاريخ الإنساني أمثلة كثيرة تثبت أن الاضطهاد الديني لم يقف في وجه انتشار دين المضطهدين بل ساهم في حالات كثيرة في تعزيزه في نفوس أصحابه وتعميمه على الآخرين. لذا يمكن التساؤل لماذا لم يتذكر خيمينس ورهطه، بل الكنيسة القشتالية كلّها، أن اضطهاد الرومان المسيحيين الأوائل كان بداية الطريق إلى نصرنة الأمبراطورية الرومانية؟. ولا نجد في تاريخ مساعي النصرنة القشتالية اجابة فربما لم تكن معرفة أبسط أحداث تاريخ النصرانية شرطاً مُسبقاً لشغل منصب مثل رئيس أساقفة طليطلة. ولا شك في أن نجاح الأندلسيين في بناء شبكة سرية هائلة عملت على تعزيز الشعور الديني الإسلامي وتبادل المعلومات والكتب الدينية، وحتى أسلمة بعض القشتاليين أو إعادة بعض الأندلسين المتنصرين إلى الإسلام، أفشل المساعي القشتالية المضادة. ولا شك في أن تمسك الأندلسيين بدينهم واستعدادهم في معظم الحالات للموت في سبيل معتقداتهم هو الذي وقف أمام محاولات التنصير القشتالية الجماعية. إلا أن الأندلسيين ربما كانوا محظوظين لأن سعاة تنصيرهم في قشتالة كانوا على شاكلة خيمينس الذي جاء غرناطة وأهلها يصلّون ويصومون ويعتزّون بعروبتهم، وغادرها وهم لا يزالون يصلّون ويصومون ويعتزّون بعروبتهم، وسنجدهم يصلون ويصومون ويعتزون بعروبتهم علناً يوم جمعتهم السلطات القشتالية لنفيهم بعد مئة وسبع سنوات من صدور مرسوم تنصير الأندلسيين الأول.

وما الذي جاء في مرسوم عام 1567 ولم يأت به مرسوم 1502؟

اختلف مرسوم الأول من كانون الثاني (يناير) عام 1567عن كل المراسيم السابقة لسببين: الأول أنه كان مرسوماً شريراً، والثاني إصرار فيليب الثاني على تطبيقه بحذافيره مهما كانت النتيجة. ومنع هذا القانون استخدام اللغة العربية منعاً باتاً، مثل سابقيه، لكنه فرض على الأندلسيين إتقان التحدث بالقشتالية خلال ثلاث سنوات. ومنع هذا المرسوم الوضوء، مثل سابقيه، لكن الأندلسيين كانوا يستعيضون عن الوضوء بالتحمم فجاء المرسوم الجديد ومنع الأندلسيين من دخول الحمامات. وتدرج المرسوم في محظوراته من المهد إلى اللحد فنص على وجوب إتمام كل مراسم الزواج والولادة والموت وفق طقوس الكاثوليكية من ساعة سريان المرسوم، وحظر الختان حظراً تاماً لأي سبب. وبعدما ضمن الزام الأحياء بنصوص الرسوم، انتقل إلى الأموات فكان يتعين على الأندلسيين أن يدفنوا موتاهم في نعوش مغلقة وفق طقوس قشتالة. وفرض حضور قابلة قشتالية مسيحية ولادة أطفال الأندلسيين، ووجوب إبقاء الأبواب مفتوحة. كما حظر ارتداء الملابس التقليدية والوقوف في اتجاه القبلة والزواج من أكثر من امرأة واحدة واستخدام الحناء. وحرم هذا المرسوم الأندلسيين من حق اللجوء إلى الكنائس طلباً للأمان فخرجت الكنيسة بذلك عن تقليد تمتعت به كنائس أوروبة منذ قيامها.

وفيما بدأ الأندلسيون المفاوضات مع السلطة لإعادة النظر في المرسوم، استمر معظمهم في تجاهله وتابعوا حياتهم كما تعودوا فإذا احتفلوا بقران في الكنيسة كانوا يعودون إلى بيوتهم ويتابعون احتفالهم على طريقتهم. وإذا عمّدوا طفلاً عادوا إلى البيت وغسلوا رأسه وسبّعوا. وإذا حان أجل أحدهم كانوا يخفون الأمر عن الكنيسة ويصلّون عليه بعد موته ثم يذهبون إلى الكنيسة ويقولون ان قريبهم مات على حين غفلة ولم يتمكنوا من استدعاء القسيس في الوقت المناسب. وتراكمت لدى السلطة تقارير عن هذه المخالفات فأوقفت المفاوضات مع الأندلسيين، ثم صدر الأمر بتعيين بدرو دي ديثا Pedro de Deza رئيساً للمحكمة العليا في غرناطة ودخل الطرفان مرحلة صدام تصاعدت حدته بسرعة عندما انقلب رئيس أساقفة غرناطة غيريرو من تبنّي سياسة الإقناع إلى الإكراه. ورافق هذه التحولات ازدياد سريع في مصادرات أراضي الغرناطيين لأسباب شتّى حتى انحصرت بسفوح جبال البشرات وجبال الجنوب الأخرى يزرعون في تلك المساحات الصغيرة ما يسد حاجتهم من الغذاء الضروري وما يوفر لهم بعض الإنتاج الإضافي الذي كان يُباع في القرى والمدن المجاورة.5 لكن وضع أهل مدينة غرناطة كان سيئاً للغاية مع استمرار تدهور صناعة الحرير وارتفاع الضرائب المفروض عليه فكسد البيع في القيصرية6 وضاق العيش.

وبذل مركيز مندخار جهداً اخيراً عندما رفع إلى فيليب الثاني يرجوه تأجيل تنفيذ المرسوم فترة لكن حظه لم يكن أفضل من حظ بعض مستشاري الملك الذين سبق أن تقدموا باقتراح مشابه. وهنا توجه وفد أندلسي إلى بلاط فيليب الثاني لاستعطافه فصرفه فعاد إلى غرناطة يجر أذيال الخيبة التي تحوّلت بسرعة إلى يأس ونقمة. ”لو توافرت حكومة حكيمة وصادقة تحترم التعهدات التي أعطيت لدى تسليم غرناطة لتجنبت مخاطر هذه النقمة الخفيّة لكن حكام أسبانيا لم يتصفوا بالحكمة ولا بالصدق في تعاملهم مع الموريسكيين، بل أصبحوا أكثر قسوة وخداعاً مع مرور الوقت… لكن تجريد شعب بالجملة من مقوماته فاق الحد الذي يمكن أن يقبل به أي شعب، ناهيك عن شعب انحدر من أمثال المنصور وعبدالرحمن وابن السراج. وذات يوم نشب شجار بين الأندلسيين وبعض جباة الضرائب المحتالين فالتهبت المواد الهشة التي كانت مستعدة للاشتعال منذ زمن طويل، وقام بعض الفلاحين على الجنود المستضافين في مساكنهم فقتلوهم، و وجمع صبّاغ من غرناطة يدعى فراس بن فراس Farax Aben Farax عصبة من الناقمين وفر إلى الجبال،“ والتحق بزعيم الثورة ابن أميّة.

نشوب الثورة الأندلسية الكبرى

في الخامس عشر من نيسان (أبريل) عام 1568 بدأت اضطرابات محدودة في جبل البشرات تمكن جنود مركيز مندخار (الحاكم العسكري) من انهائها بسرعة. ومكّن الهدوء النسبي الذي لحق ذلك بدء انتقال أعداد من شبان مدينة غرناطة الى الجبال سراً للتدرّب على استخدام السلاح. وفي الثالث والعشرين من كانون الاول اعتقد الثوار ان عددهم كان كافياً للقيام بالخطوة التالية فشنوا هجوماً مباغتاً على مدينة غرناطة فيما كانت حاميتها تستعد للاحتفال بعيد الميلاد. وتمكن الثوار بقيادة فراس بن فراس من التوغل في المدينة والاشتباك مع جنود مركيز مندخار إلا أنهم لم يتمكنوا من أخذ المدينة فانسحبوا وعادوا إلى البشرات بعد ايقاع خسائر كبيرة بجنود الحامية، وبدأوا إزالة كل أشكال السلطة والكنيسة القشتالية في المراكز المحررة. وحيال هذا التطور أصدر فيليب الثاني أوامره الى مركيز مندخار بإخماد ثورة البشرات فقاد جيشاً من حوالي أربعة آلاف جندي إلى الجبال إلا أنه لم يشتبك معهم وبدأ بدلاً من ذلك مفاوضات لوقف الثورة آخذاً على عاتقه محاولة إقناع الملك فيليب الثاني برفع الضغوط عن الأندلسيين.

وأوقف الأندلسيون العمليات العسكرية فيما بدأ المركيز اتصالاته لاقناع الملك باعطاء الثوار فرصة إلا أن فيليب رفض الفكرة وأمر المركيز بقمع الثورة وضرب زعمائها ليكونوا عبرة لغيرهم ليس فقط في الجنوب وإنما في ممالكه الاخرى قاطبة. وفي هذه الأثناء أقدم بعض جنود المركيز على مذبحة في مدينة جبيل Jubiles راح ضحيتها عدد من الأندلسيين، وتعرضت مدينة لورة Laroles إلى هجمات مماثلة وفقد المركيز السيطرة على جنوده فأخذ هؤلاء يمارسون أعمال القتل بلا حساب فتحرّك الأندلسيون بسرعة وبسطوا سيطرتهم على البشرات. وفي غرناطة نفسها وصلت إلى الحامية إشاعات عن قيام الثوار الأندلسيين بقتل 90 قسيساً و1500 قشتالي فهاجم الجنود سجن البيازين وذبحوا مئة وعشرة أندلسيين كانوا فيه. ”ولما سار مندخار الى السجن مع حراسه لإخماد الاضطراب قابله القائد بقوله: هذا غير ضروري فالسجن هادئ لأن جميع الأندلسيين أموات.“ وأمام انفلات الوضع أقرّ مركيز مندخار بعجزه عن السيطرة على الوضع ووضع نفسه تحت إمرة فيليب الثاني. وكانت نار الثورة بدأت تستعر بسرعة وتنتشر في مناطق جديدة في الجنوب عندما بدأ الملك تدارس الوضع مع مستشاريه العسكريين.

دون خوان النمسوي

جاءت ثورة الأندلسيين في سنة من أسوأ سنوات حكم فيليب الثاني، اذ كانت انتفاضة الهولنديين على أشدها منذ اندلاع الاضطرابات هناك قبل سنتين، وبدأ العثمانيون يحققون الانتصار تلو الآخر في البحر الأبيض المتوسط وراحوا يهددون شواطئ ممالكه هناك. وفي تلك السنة أيضاً اندلعت الثورة في قطالونيا وقطعت أساطيل البروتستانت الطرق البحرية الى خليج بسقاية، ثم فقد فيليب زوجته المفضلة ماري ومات ابنه ووريثه دون كارلوس في السجن الذي أودعه فيه والده بعدما ظهرت عليه علائم الجنون. وخشي فيليب الثاني أن يستفحل خطر الثورة ويستغل العثمانيون استمرارها لمهاجمة صقلية والجزائر الشرقية وربما الجنوب الأندلسي فاختار لمهمة القضاء على الثورة أخاه دون خوان النمسوي الذي كان زنوة والده كارلوس الخامس مع محظيّة هولندية. ولم يكن دون خوان وقتها تجاوز الثانية والعشرين، لذا عيّنه رئيساً للمجلس الحربي لكنه لم يطلق يده في اتخاذ القرارات التي يشاءها، وربط ذلك بموافقة جميع أعضاء المجلس الذي تألف من مركيز مندخار، ودوق سيسه (حفيد غونثالو القرطبي »القبطان العظيم«)، وبدرو دي ديثا رئيس المحكمة العليا المقرّب من الكردينال اسبينوزا رئيس مجلس قشتالة، ثم لويس كيخادا الذي كان مرافقاً خاصاً للملك فيليب الثاني10. وأوصى فيليب الثاني دون خوان بضرورة اتخاذ قرارات المجلس بالإجماع، وإذا لم يتحقق هذا يجب عليه العودة إليه لاتخاذ القرار النهائي.

وغادر دون خوان مدريد في السادس من نيسان (إبريل) عام 1569 وجرى لدى وصوله إلى غرناطة احتفال كبير شارك فيه الأندلسيون. وتجاهل دون خوان مستقبليه الأندلسيين وتوقف في الطريق إلى بعض النساء القشتاليات اللواتي كن يرتدين ملابس الحداد على اقربائهن، فأبدى تعاطفه ووعدهن بالانتقام السريع. وفي اليوم التالي زاره وفد من عرب المدينة يشتكون إليه جور السلطة ومضايقات الجنود النازلين في ضيافتهم فطلب منهم رفع تقرير رسمي بذلك يتضمّن ما يمكن إثباته بشهود.

وكان اللقاء جافاً والتوعّد ظاهراً فخرج الأندلسيون وهم يتوقعون الأسوأ. وكان على دون خوان التحرّك بسرعة للقضاء على الثورة خوفاً من انتقالها إلى الأندلسيين في أرغون. ولما عرض دون خوان على أعضاء المجلس هذا الرأي أخذوا به لكنّ مركيز مندخار عارضه وأعرب عن اعتقاده أن التفاوض وليس الحرب هو طريق إنهاء الأزمة. وأمام هذا الموقف نشد المجلس موافقة فيليب الثاني فكتب إليه دون خوان رسالة مُطوّلة أوصى فيها بالحزم في التعامل مع الثوار، وتعهد لأخيه بالقضاء على الثورة سريعاً إن اعطاه الصلاحيات وأطلق يديه.

وكان دون خوان واثقاً أن فيليب سيأخذ برأيه فاستبق الموافقة وبدأ تنظيم الجيش، وراح يراسل النبلاء في الجنوب لمدّه بالرجال والسلاح والتجمع في غرناطة استعداداً لبدء العمليات العسكرية. واحتشد الجند واستعدوا فيما انتظر دون خوان جواب فيليب. إلا أن الانتظار طال، ولم تكن هناك فائدة من استعجاله لأنّه لم يكن يحب الاستعجال في شيء. واستغل الأندلسيون تردد الملك فالتحق بالثوار عدد كبير من المتطوعين حتى صار قوامهم نحو عشرة آلاف مقاتل، وبدأوا يشنون الهجمات على مواقع القوات القشتالية فاستملكوا عدداً منها، ثم نقلوا الحرب إلى مناطق قريبة من مدينة غرناطة ودارت معارك بينهم وبين القشتاليين قرب الأسوار. وسرت في القشتاليين المخاوف من إنقلاب الإندلسيين الغرناطيين عليهم فتشددوا في معاملتهم مما أدى إلى فرار بعضهم من المدينة والالتحاق بمعاقل الثوار. وخلال فترة قصيرة اتسعت الرقعة التي بسط عليها الثوار نفوذهم حتى شملت معظم المناطق المحيطة بمدينة غرناطة.

ووصلت أخيراً أوامر فيليب الثاني آخذاً في الاعتبار معظم توصيات أخيه لكنّه أمر بشطر القوات التي تجمّعت شطرين أسند قيادة الأول إلى مركيز مندخار والثاني إلى منافسه مركيز بلش مالقه، لكنه حظر في الوقت نفسه على دون خوان الاشتراك في أي عمليات عسكرية. وتوجد تفسيرات عدّة لهذا القرار يبدو أن الأقرب منها إلى القبول غضاضة دون خوان والخشية من أن يتسبب مقتله في إعطاء الأندلسيين نصراً معنوياً كبيراً يقوّي شوكتهم ويشجع أندلسيين آخرين على الانضمام إليهم. وربما كان الأهم من قرار فيليب الثاني منع دون خوان من المشاركة في القتال هو وضع مركيز بلش مالقة في صف مركيز مندخار. واعتبر باقي أعضاء المجلس هذا التكليف تشكيكاً من الملك بمركيز مندخار فانهزّت الثقة به وخضعت قراراته للمساءلة وتصرفاته للمراقبة.

بداية حروب المقاومة الأندلسية

حاول مركيز بلش مالقة إثبات تفوّقه على منافسة مركيز مندخار فور تسلّمه قيادة المنطقة الشرقية فتوغل بجنوده سريعاً في جبل البشرات واحتل ممر رباحة الاستراتيجي لقطع الإمدادات عن الثوار. لكنّ مركيز بلش مالقة لم يحفظ المداخل فطوّق الثوار الممر وعزلوا الجنود ونشبت معارك متقطعة مُنيت قوات المركيز فيها بخسائر كبيرة اضطرتها إلى الإنسحاب وإعادة التمركز في بلدة برجة الواقعة على الجنوب الشرقي من جبل الثلج (نيفادا). وتقدم الثوار إلى البلدة فحاصروها لكن جنود المركيز تمكّنوا من صدهم وألحقوا بهم الخسائر فكبس المركيز على الثوار مستغلاً تراجعهم. ولم ينتبه المركيز إلى امتداد الثورة إلى البلدات الواقعة على نهر المنصورة إلا بعد فوات الأوان فارتدّ إلى مدينة عدرة الواقعة على الساحل جنوبي برجة وبعث يطلب مدّه بالجنود من الجهة الوحيدة المفتوحة أمامه وهي البحر. وذاعت أنباء انتصارات الثوار فتحمّس الأندلسيون في المناطق المحيطة بمدينة الحامة وقاموا على القوات القشتالية فانسحبت من أرياف المنطقة ومعها المليشيات القشتالية وتحصنت وراء أسوار المدن. وعمّت بعدها الانتفاضة الجنوب، وبدأ الأندلسيون مناوشات عسكرية حول بعض أهم مدن مملكة غرناطة مثل مالقه وبلش مالقة ومطريل Motril والمنكب Almunecar.

وفاجأ تسارع الأحداث دون خوان فبعث إلى فيليب الثاني يستعجله إمداده بقوات إضافية فأصدر أوامره إلى القائد الأعلى ريكويسنس بوقف مسير جيش من الجنود المحترفين إلى إيطاليا لتعزيز القوات الإسبانية تحسّباً من هجوم العثمانيين، والتوجه على الفور إلى الجنوب لقمع الثورة في جبال الحامة. واشتبكت قوات ريكويسنس مع الثوار وارغمتها على التراجع، ثم هاجم مدينة فرجالة Frigiliana التي كانت وقتها من أقوى معاقل الثوار. وحاول ريكويسنس اقتحام المدينة مرات عدّة فمُني بخسائر كبيرة أجبرته على ضرب الحصار حولها. وخرج الثوار الأندلسيون من المدينة إلى القوات القشتالية لكسر الطوق عنها فدارت معركة عنيفة انضمت خلالها مليشيات مالقة إلى قوات ريكويسنس فقلبت الميزان وانكسر الثوار فاقتحمت القوات المشتركة المدينة. وفي التاريخ الإسباني أن قوات ريكويسنس والمليشيات فقدت في المعارك التي دارت على مشارف فرجالة نحو ٠٠٦ شخص لكنها تمكنت من قتل ألفين إلى ثلاثة آلاف أندلسي في حين تمكّن نحو ألفي أندلسي من الانسحاب والالتحاق بمعكسر ابن أميّة. واشتركت الأندلسيات إلى جانب الرجال في محاولة منع القوات القشتالية من دخول فرجالة لكن المؤلف الأميركي برسكوت يقول إن جماعات من النساء الأندلسيات فضّلن بعد اقتحام المدينة الانتحار برمي أنفسهن من على الأسوار والشواهق تخلّصاً من الاغتصاب والسبي الذين كان ينتظرهن.

ورد الثوار على سقوط فرجالة في منتصف سنة 1569 بهجوم شنّه نحو خمسة آلاف ثائر على مدينة سيرون Seron التي كانت احدى المدن التي بقيت بيد القشتاليين في وادي نهر المنصورة الواقع شمال مدينة المرية. وأخفق الثوار في أخذ المدينة نتيجة المقاومة العنيفة التي أبدتها الحامية بقيادة ميرونس Mirones، فضرب عليها الثوار الحصار في الثامن عشر من حزيران (يونيو) من السنة ذاتها وقطعوا طرق تموينها. وكان دون خوان كتب إلى فيليب الثاني يقترح عليه نفي سكان مدينة غرناطة بموافقة دي ديثا عندما وصلت إليه أنباء حصار سيرون فأمر قائداً عسكرياً يُدعى ألونصو كربخال بالتوجه لرفع الحصار. لكن فيليب كان سمع بالحصار أيضاً فأمر مركيز بلش مالقة بتولي مهمة انقاذ الحامية. ولا نعرف سير الأحداث بعد ذلك، إلا أن رواية إسبانية تقول إن المدينة استسلمت فدخل الثوار وقتلوا جميع من تخطّى الثانية عشرة من العمر وأسروا النساء والأطفال.

مواجهة الثورة الأندلسية

انتقم دون خوان لسقوط سيرون بنفي معظم سكان مدينة غرناطة وامتد هذا الانتقام إلى المسؤول الوحيد الذي أبدى بعض التعاطف مع الغرناطيين فجرّد دون خوان مركيز مندخار من معظم صلاحياته بعد موافقة فيليب الثاني. وصغر شأن المركيز بعد ذلك وضعفت نفسه ومات قبل نهاية السنة. وكان دون خوان يعتقد أن قيادة القوات القشتالية ستؤول إليه إلا أن فيليب أصر على موقفه السابق وأسند هذه المهمة إلى مركيز بلش مالقة. وهنا استاء دون خوان من هذه الخطوة وبدأ حملة لعزله فكتب إلى فيليب الثاني يذكّره باخفاقاته العسكرية وضمّ إلى صفه ريكويسنس الذي أوصى في كتاب إلى الملك فيليب بعزل مركيز بلش مالقة فاستجاب وأمر بما اقترحاه. وفيما انشغل دون خوان بإزالة العقبة الأخيرة التي وقفت بينه وبين قيادة الجيش، نقل الثوار عملياتهم إلى الجبال الغربيّة. واسند بن أميّة قيادتهم إلى أخيه الغالب، وانحسرت سلطة جنود فيليب الثاني في الجنوب، وفقدوا السيطرة على أغلب الأرياف.

وإزاء هذه التطورات اقترح دون خوان على أخيه خطة شاملة للقضاء على الثورة شرط إمداده بالقوات، فوافق فيليب الثاني وعهد إلى دون خوان إعادة تنظيم الجيش في انتظار وصول التعزيزات. وتولّى دون خوان قيادة المنطقة الشرقية مؤقتاً، فيما تسلّم دوق سيسه مهمة حراسة الطرق والممرات المؤدية إلى غرناطة من جبل البشرات. وفيما كان دون خوان يعيد تنظيم قواته تمرّد قسم من حامية غرناطة، إذ نزل هؤلاء في ضيافة القشتاليين بعد تهجير الأندلسيين من المدينة لكنهم لم يجدوا معاملة مشابهة فعمّ الاستياء وتطاولوا على مستضيفيهم محتجّين على نوع الطعام المقدّم لهم والخدمات القليلة الممنوحة لهم. وأثار احتجاجهم استياء القشتاليين فشكوا الجنود الى السلطة وتوقفوا عن خدمة جنود الحامية فأعلن هؤلاء العصيان. وبعد التحقيق في الأسباب طرد دون خوان 37 ضابطاً من أصل 45 وأعاد السيطرة على الجنود واتخذ غرناطة مقراً عاماً، وبدأ الجنود وقوات المليشيات يتدفقون على غرناطة من المدن القشتالية القريبة، وبات المسرح معداً لشن الهجوم الأخير قبل أن يحل الشتاء بثلوجه ويمنع حركة الجنود، الأمر الذي كان سيؤدي الى تأجيل الحملة ضد الثوار حتى الربيع.

ونحو نهاية عام 1569 استغل الأندلسيون تباطؤ حركة الجيش بسبب الشتاء وقطعوا بعض خطوط التموين مع الشمال فاضطر دون خوان إلى تحريك قواته وشن سلسلة من العمليات العسكرية لإعادة فتح هذه الخطوط لكن استمرار بقائها مفتوحة اقتضى اقتحام مركز كان الأندلسيون يستخدمونه للإغارة على تلك الخطوط. وهكذا قاد دون خوان جيشاً من الجنود والمليشيات وحاصر مدينة غاليرا Galera الواقعة إلى الشمال الشرقي من بسطة في التاسع عشر من كانون الثاني (يناير) عام 1570. واستمر هذا الحصار نحو الشهر جرت خلاله مفاوضات لتسليم المدينة لقاء عهود قطعها دون خوان على نفسه بالإبقاء على أرواح أهلها وأملاكهم لكن ما أن دخلها حتى ”أمر بقتل جميع سكان المدينة المقدّر عددهم بحوالي ثلاثة آلاف بعد اغتصاب نسائها. ووصلت أعمال القتل والإغتصاب إلى قدر فظيع من الوحشية أرهق الجنود فتفرقوا في كل الاتجاهات صباح اليوم التالي عندما وصلت مجموعات من الأندلسيين لنجدة أهل المدينة. وحاول دون خوان إعادة تنظيم جنوده وقوات المليشيات إلا أنه أخفق في ذلك مرات عدّة وكاد يهلك خلال محاولاته تلك.“

وبقي دون خوان في غاليرا حتى مطلع شباط (فبراير) عام 1570 قاد بعدها نحو ثلاثة آلاف راجل و200 فارس وكتائب من حملة البنادق ورماة المدفعية وبدأ هجوماً مزدوجاً على مدينة سيرون التي كان الثوار أخذوها في تموز (يوليو) السابق. وعهد دون خوان الى ريكويسنس قيادة الهجوم الأول وإلى تابعه كيخادا قيادة الثاني وارتقى تلاً مشرفاً راقب منه سير العمليات. واخترق الهجومان خطوط الدفاع الأندلسية فاحتمى قسم من الأهالي في المساكن الحصينة فيما انسحب آخرون إلى الجبال.

ودخل قسم من المشاة بقيادة لوبي دي فيغيروا Lope de Figueroa الجزء المُخلى من المدينة وبدأ نهب المساكن، إلا أن الأندلسيين كانوا طيّروا الدخان إشارة إلى طلب النجدة فهبط إلى المدينة آلاف الأندلسيين يتقدمهم قائد نعرفه باسم »الحبقي« المسؤول عن تلك المنطقة فتراجعت قوات دون خوان في كل الاتجاهات. أما المشاة في المدينة فأعمتهم المفاجأة فأسقطوا ما سلبوه واحتموا في مساكن المدينة. وهنا أطبق الثوار عليهم وأحرقوا بعض المنازل التي احتموا بها. وعندما هدأت المعركة التي وقعت في السابع عشر من شباط عام 1570وتوقف الأندلسيون عن مطاردة القوات القشتالية أحصى دون خوان نحو 600 قتيل فوقهم المشاة الذين قتلوا أو احترقوا في سيرون. وأصيب كيخادا في تلك المعركة بطلقة في كتفه الأيسر ومات متأثراً بجرحه، كما أصابت طلقة خوذة دون خوان لكنها لم تكن مؤثّرة. معركة ليبانت البحرية وبدء مفاوضات إنهاء الثورة.

بعد يومين من الحادثة الأخيرة اتضحت لدون خوان ضرورة الحصول على إمدادات إضافية فكتب الى فيليب الثاني يصف له الوضع ويطلب إرسال القوات بسرعة. وتضمّن ردّ فيليب على الرسالة الوعد بإرسال ألفي جندي آخر لكن الردّ تضمّن طلباً لم يتوقعه دون خوان هو إنهاء الحرب مع الأندلسيين بأقصى سرعة ممكنة، وفتح باب المفاوضات على الفور.

ويعود سبب هذا الطلب المفاجىء إلى تطورات حاسمة كان إيقاع خطواتها يتسارع في الجانب الآخر من أوروبة. ففي مطلع عام 1570 بدأت الأساطيل العثمانية تقترب من جزيرة قبرص التي سيطر عليها البنادقة مستغلة انشغال جيوش فيليب الثاني في قمع الثورة الأندلسية. وفي بداية شباط (فبراير) عام 1570وجّه العثمانيون إنذاراً نهائياً إلى البندقية بتسليم قبرص التي كانت تُستخدم قاعدة لاعتراض السفن العثمانية والعربية والإغارة على بعض المدن مثل الإسكندرية. ولجأت البندقية إلى البابا بيوس الخامس فعرض على فيليب الثاني إنشاء تحالف ضد العثمانيين يستهدف اسطولهم الكبير الذي بدأ يهدد أغلب شواطىء البحر الابيض المتوسط. واقتضت خطة البابا تشكيل قوة بحرية كبيرة من أساطيل البندقية المتحالفة مع أساطيل دول أوروبية أخرى يقودها فيليب الثاني بنفسه، على أن تتولى البابوية تمويل هذه الحملة من الضرائب التي أقر البابا بعضها على سائر أهل الكاثوليكية، ومن محصلة بيع صكوك الغفران. ولم يكن فيليب غادر قشتالة يوماً واحداً منذ استلم عرش البلاد، ولم يكن يعتزم مغادرتها آنذاك فاقترح على البابا تسليم قيادة الحملة إلى دون خوان فور إخماد الثورة الأندلسية في الجنوب. لكن دون خوان لم يكن حتى تلك الفترة في وضع يمكّنه من إنهاء الثورة التي استفحلت وعمّت قسماً كبيراً من مملكة غرناطة. وبات الوقت على غاية كبيرة من الأهمية، وانتقلت الثورة الأندلسية من دورها المحلي المحصور بمملكة غرناطة إلى دور عالمي أعاق قيادة الإسبان واحدة من أهم معارك القرن السادس عشر.

وأمام هذا الوضع وجّه فيليب الثاني دون خوان لفتح المفاوضات مع الأندلسيين وبدأ مفاوضات مع البابا أطالها متعمداً لإعطاء دون خوان الفرصة لانهاء الثورة الأندلسية. وبدأ دون خوان مفاوضاته باجتماعات عدّة عقدها مع الفارس الحبقي. ودعم فيليب الثاني سير المفاوضات فأصدر إرادة ملكية منحت جميع الأندلسيين عفواً شاملاً لكنها توعّدت بإعدام جميع الرجال والشبان الذين تفوق أعمارهم الرابعة عشرة إن لم يستسلموا خلال 20 يوماً من صدور الإرادة. ولا نعرف طبيعة المفاوضات بين دون خوان والحبقي، إلا أنه يمكن ربطها بما حدث بعد ذلك إذ انسحبت قوات الحبقي من سيرون ثم من تجلة Tijola وبرشانة Purchena فنقل دون خوان مقر قيادته إلى البذّول Padules القريبة من وجر أندرش Lujar de Andarax في الثاني من أيار (مايو) ٠٧٥١، وبسط سيطرته الكاملة على سائر المدن والقرى في وادي نهر المنصورة ونشر قواته في أغلب المناطق الواقعة إلى الشرق من جبل البشرات. وبدأت كتائب دون خوان تجوب الارياف للقضاء على جيوب المقاومة، وشملت العمليات إتلاف الحقول والمزارع وإحراق بيوت الفلاحين الأندلسيين فتحوّلت المنطقة إلى خراب كي لا تقدم أسباب الحياة لأي مخلوق، ”وكانت هذه هي طبيعة إجراءات المصالحة التي استخدمتها الحكومة للقضاء على الثوار.“

وفيما عاثت قوات دون خوان في منطقتها فساداً، قاد دوق سيسة جيشاً من عشرة آلاف راجل و200 فارس للقضاء على الثورة في المناطق الشمالية من جبل البشرات، إلا أن قوات إبن أميّة تصدت للجيش بإغارات كثيفة وفرّت أعداد من الجنود فانسحب دوق سيسة إلى الساحل ثم التحق بمعسكر دون خوان في البذّول. وهنا بعث دون خوان إلى الحبقي يطلب بدء جولة جديدة من المفاوضات الشاملة فوافق وبدأت هذه المرة في الثالث عشر من أيار في قرية تدعى فندون اندرش Fondón de Andarax بحضور الحبقي وعدد من الزعماء الأندلسيين.

واشترط الوفد الأندلسي لوقف القتال إصدار عفو عام جديد والغاء مرسوم الأول من كانون الثاني عام 1567 فطلب دون خوان أن يأتيه الوفد بما يثبت موافقة ابن أميّة على الشروط، فيما عهد إلى أمين سره خوان دي سوتو Juan de Soto الإشراف على صياغة بنود الاتفاق الجديد. وفي التاسع عشر من أيار عاد الوفد إلى معسكر دون خوان بموافقة ابن أميّة فصادق الحبقي على الاتفاق ممثلاً عن الجانب الأندلسي. وبعد انتهاء المراسم انسحب الوفد الأندلسي باستثناء الحبقي الذي بقي في المعسكر ضيفاً على دون خوان وحضر مأدبة عشاء دُعي إليها القادة والأعيان بمن فيهم رئيس أساقفة وادي آش Guadix.

ولما انتهى إلى علم ابن أميّة بقاء الحبقي في معسكر دون خوان ثارت شكوكه، وتحوّلت الشكوك إلى إنكار بعدما عرف أن اتفاق العفو عن الأندلسيين يتضمن بنداً يقضي بإبعاد جميع سكان البشرات عن أماكن اقامتهم على أن يتكفّل الملك برعايتهم في مناطق سكناهم الجديدة. وهنا بعث ابن أميّة إلى دون خوان ينفي موافقته على هذا البند. ولما أجابه دون خوان أن البند موجود في الاتفاق الذي صادق عليه الحبقي ثار ابن أميّة واتهم الحبقي بتجاوز صلاحياته. ولما سمع الحبقي بما حدث خرج من معسكر دون خوان إلى سكناه في بلدة برشل Berchules الجبليّة المطلة على مناظر خلابة في الجنوب، فبعث ابن أميّة جماعته إليه فساقوه الى محل اقامته في مسينه Mecina Bombaron الواقعة إلى الشرق من برشل حيث أعدموه ولفوا جثته بالقش ورموها في واد عميق. ولما استفقد دون خوان الحبقي وعرف بمقتله بعث هرنان بال دي بلاثيوس إلى معسكر ابن أميّة يعرض الصلح فرد عليه: ”لا أمنع قومي من فعل ما يشاؤون لكن ابلغ سيدك انني لن أسلك سبيلهم ما بقي عليّ كساء يستر ظهري. وإن لم يصمد أحد من البشرات فأنا صامد وحدي مفضّلاً أن أعيش مسلماً وأموت مسلماً على أن أنعم بكل ما يمكن ان يقدمه إليّ فيليب الثاني.“ وحين عاد هرنان إلى دون خوان بقرار ابن أميّة بدأ الأخير في إعداد جنوده للقضاء على الثورة، وانتظر موافقة فيليب على إرسال إمدادات عسكرية جديدة لشن الحملة النهائية على الأندلسيين في مملكة غرناطة.

تصفية الثورة الأندلسية الكبرى

بدأت قوات دون خوان والمليشيات أعمالاً عسكرية محدودة استهدفت القرى الأندلسية المنعزلة عاد بعدها الجنود يحملون رؤوس القتلى الأندلسيين أو قضبانهم لاثبات موتهم. وبعدما تحسنت الروح المعنوية لتلك القوات وازدادت جرأتهم قاد دون خوان حملة ضد أججر Ugijar، الواقعة جنوب الطرف الشرقي من جبل شلير، على محورين، إلا أن اندفاعة دوق سيسه كانت أقوى فاجتاح البلدة قبل انضمام دون خوان إليه. ووزع الأخير القوات والمليشيات بعد ذلك على أربعة جيوش فكان هو على رأس جيش من نحو خمسة آلاف جندي نظامي بمهمة إخضاع المناطق الواقعة شمال غرناطة، فيما تولّى ريكويسنس قيادة جيش آخر ينطلق من غرناطة لدخول جبل البشرات من الشمال. وفي الوقت نفسه تولّى دوق سيسه قيادة نحو أربعة آلاف من المجندين لقمع الثورة وسط الجبال، وتسلّم دوق أركوش قيادة الجيش الغربي لقمع الثورة في جبال رندة والاتجاه بعد ذلك إلى الثوار الذين احتموا في قمم الجبال العالية القريبة منها.

وفي بداية أيلول 1570 أمر فيليب الثاني ببدء الحملة فانطلقت الجيوش الأربعة إلى قطاعاتها المحددة رافعة شعاراً مشهوراً أطلقه دون خوان هو: ”لا رحمة ولا هوادة.“. وتصدى الأندلسيون للقوات القشتالية على المحاور الأربعة في المرحلة الأوليّة لكنهم بدأوا التراجع بسرعة والالتجاء إلى المرتفعات. وعمل الجنود على حرق الزرع والشجر وإتلاف المحاصيل فقلّت الأرزاق والماء، وانشغلت مجموعات الثوار بمقاومة القوات كل في قطاعها فانقطعت الاتصالات وانفقد التنسيق بينها. وبعدما أتمّ دون خوان اخضاع المناطق في قطاعه لاحق الأندلسيين في الكهوف والمغاور العالية. وكان الجنود يحاصرون المغاور ويشعلون الأغصان الخضراء في المداخل فربما اختنق المحاصرون وربما خرجوا فتلقفهم رصاص البنادق. ولا نعرف الكثير عن تفاصيل الحملتين اللتين قادهما ريكويسنس ودوق سيسه، لكن دوق أركوش دخل قطاعه في منتصف أيلول تقريباً وتوغل في جبال غربيّة الأندلس حتى اصطدم بتجمع كبير للثوار قرب قلعة اللوز في الجبل الاحمر Sierra Bermeja ودارت معركة عنيفة انتهت بانتصار قوات الدوق وفقد الثوار توازنهم واختلت صفوفهم وتبعثرت جهودهم فانسحبوا في الجملة إلى أعالي الجبال.

ودبّ الخلاف في صفوف قادة الأندلسيين بعد تلك الهزائم وانقسمت الآراء وربما اعتبر بعضهم موقف ابن أميّة سبباً في نكبتهم فقاموا عليه وقتلوه وسلّموا زمام أمرهم إلى زعيم آخر نعرفه باسم عبدالله بن أبيه أو Abén Aboo بالقشتالية. وحاول عبدالله إعادة تنظيم قواته فلم يُتح له الوقت فهرب مع جماعته وحُوصر مع نفر منهم في كهف قرب بلدة برشل. وتمكن عبدالله من الفرار بعد ذلك لكن 70 أندلسياً ظلوا في الكهف وماتوا اختناقاً بالدخان من بينهم زوجة عبدالله وابنتاه. وبحلول منتصف تشرين الأول (اكتوبر) كانت الجيوش الإسبانية الأربعة أنهت مهمتها العسكرية وبدأت ملاحقة الأندلسيين بلا استثناء أينما وجدوا. وتسابق الجنود والمليشيات على اصطياد الأندلسيين وكان أجر كل من أحضر منهم رأس أندلسي أو قضيبه 20 دوقة.

وفي التاسع عشر من تشرين الأول أسبغ فيليب الثاني الشرعية على عمليات الانتقام الواسعة النطاق في الجنوب فأتاح لجنوده السبي والنهب بمرسوم ملكي ورفع رواتبهم. وحان بعد توقف القتال وقت استرداد نفقات الحملات فأصدر الملك فيليب الثاني في الثامن والعشرين من الشهر ذاته مرسوماًًً آخر وجّه فيه بترحيل الأندلسيين المدنيين من الجنوب إلى قشتالة ومصادرة كل ممتلكاتهم. ورحل دون خوان في اليوم التالي بعدما عيّن دوق أركوش حاكماً عسكريا في غرناطة وأوكل إليه مهمة إنهاء الوجود الأندلسي في الجنوب، وكر إلى مدريد حيث استقبله الإسبان استقبال الأبطال الفاتحين.

وبعد تلك المذبحة المروّعة قدّمت السلطات آلاف الأندلسيين إلى المحكمة العليا التي رأسها بدرو دي ديثا فأعدمت قسماً وسجنت قسماً آخر وحرمت آخرين الحريّة فصاروا عبيداً في قشتالة وانتقلت جماعات منهم إلى العالم الجديد. وبحثت السلطات عن آخر زعماء مملكة غرناطة دهراً لكنها لم تجده. وفي آذار (مارس) 1571 كشف أحد اتباع عبدالله للسلطات مكان زعيمه، طمعاً بالسلامة كما يبدو، وانطلق الجنود إليه لكن أحد جماعته استعجلهم فبادر بقتله. وخرج المنادون إلى سكان غرناطة القشاتلة يهنئون بقتل الزعيم الأندلسي فاحتشدوا على بوابتها وجاء الجنود بجثمان عبدالله ابن أبيه موثوقاً إلى إطار خشبي على ظهر بغل فطافوا به المدينة ثم قطعوا رأسه. وتكاثر القشاتلة على الجثمان فشوهوه وحرقوه. أما رأس الزعيم عبدالله فوضع في قفص عُلق على باب البشرات في مدينة غرناطة وكُتب عليه: ”هذا رأس الخائن عبدالله ابن ابيه. ليمتنع الجميع عن إنزاله تحت عقوبة الإعدام.“

وبنهاية الثورة كان معظم الأندلسيين الذين عاشوا في الجنوب مغرّبين أو سجناء أو عبيداً أو أسرى و”صُبغت تلك الأشهر بنهر أحمر قان من الدماء. كان شعار دون خوان: لا رحمة لا هوادة، فذُبح الرجال والنساء والأطفال بأمره وأمام ناظريه، وتحوّلت قرى البشرات الى مسلخ بشري. أما القائد الاعلى ريكويسنس فتمكّن من اخماد آخر جذوات الثورة قبل الخامس من تشرين الثاني 1570 ورتب سلسلة منظمة من الذبح الجماعي والتدمير الشامل وإحراق القرى عن آخرها وخنق الناس بالدخان في الكهوف حيث لاذوا. وتم أخيراً اخضاع الموريسكيين لكن على حساب إسبانيا المسيحية وسمعتها ومستقبلها«.19 وأضحت غرناطة بعد ذلك »مسرحاً للاعدامات شبه اليومية. فبعد أسر الثائرين التعساء كانوا يُجبرون على المثول أمام محكمة دي ديثا، فيصدر عليهم الحكم على الفور بالخدمة في القواديس أو الشنق، أو بنهاية أكثر إرهاباً عن طريق تقطيع أجسادهم بكماّشات ُتحمّى حتى يصبح لونها كالجمر.“

واحتمت جماعات من الأندلسيين بالمرتفعات والمناطق الوعرة التي لم تستطع القوات القشتالية الوصول إليها، وبدأت شنّ هجمات متفرقة على مراكز القوات القشتالية حتى نهاية شهر أيار (مايو) من 1571. وأمر الحاكم العسكري الجديد بتشييد 84 منبراً عسكرياً بينها 29 منبراً في جبل البشرات ووادي القرن Lecrin، كما شدّد الحراسات على مداخل المدن. ولم تشأ السلطات استمرار الوجود العسكري خلال الشتاء فعرضت على بقايا الثوار وعيالهم الاستسلام لقاء تأمين أنفسهم وعيالهم فقبل كثيرون العرض. وبانتصاف عام 1571 انطفأت شعلة الثورة التي استشهد فيها نحو 20.000 أندلسي وأندلسية، وربما كان عدد جرحاها ثلاثة أضعاف هذا الرقم على الأقل، فيما طاولت الإعدامات والاستعباد والشغل في السفن الإسبانية في أعالي البحار عشرات الألوف.

نتائج الثورة الأندلسية الكبرى

في ليل الأربعاء الثاني والعشرين من حزيران (يونيو) عام 1569 دبّت في غرناطة حركة غير عادية إذ تدفقت قوات قشتالية كبيرة على المدينة تحت جنح الظلام وأغلقت أبواب المدينة وضربت حصاراً حول الأحياء الأندلسية. وصباح يوم الخميس الموافق للتاسع من محرّم سنة 977 هجرية بعث دون خوان المنادين إلى رباض البيّازين فأمروا جميع الأندلسيين الغرناطيين ممن تراوح أعمارهم بين العاشرة والستين الاتجاه فوراً إلى أقرب الكنائس إليهم وحذروا بإنزال أشد العقاب بالمخالفين.

وعمّ الخوف البيازين فهرع أعيان الأندلسيين إلى دون خوان للاستفسار عن سبب النداء وأكدوا ولاءهم لفيليب الثاني والتزامهم الحياد واعتراف الحاكم العسكري بهم ”أندلسيي السلم“. وطمأن دون خوان الوفد وشرح أن هدف جمع الرجال هو تعدادهم، وطلب إليهم ضمان تأمين امتثال الأندلسيين للأمر ففعلوا ما أشار به. لكن ما أن دخل الرجال والفتيان الكنائس حتى أغلق الجنود أبوابها وضربوا عليها الحراسات وأبعدوا الأمهات والزوجات اللواتي جئن الكنائس يتوسلن ويبكين من الخوف على أولادهن وأزواجهن وآبائهن.

وفجر يوم الجمعة أمرت القوات القشتالية الأندلسيين بالخروج من الكنائس والاصطفاف في صورة أرتال تحرّكت تحت حراسة مُشددة إلى المستشفى الملكي. وكان دون خوان كتم سبب جمع الرجال الأندلسيين حتى تلك اللحظة إلا أن حادثاً وقع في الطريق أثار خوف الأندلسيين وكشف المصير الذي ينتظرهم إذ لطم أحد الجنود شاباً غرناطياً ليحضّه على الإسراع فاغتاظ الشاب وضرب الجندي بحجر فاندفع الجنود إليه وقطّعوه بسيوفهم على مرأى الأندلسيين، ثم أوثقوهم كلهم بعد ذلك.

وأمضى دون خوان النهار يفرز الأندلسيين فاختار منهم نحو ألفين من العلماء والحرفيين والعالمين في فنون الصناعة والزراعة والبناء، وقسّم الباقي إلى جماعات حُددت لكل منها وجهة مُخصصة لها في قشتالة. وعندها فقط عرف نحو 35.000 غرناطي أن دون خوان كان ينفّذ مرسوماً أصدره الملك فيليب الثاني بتغريب أهل مدينة غرناطة آخذاً بتوصية كل من دون خوان وبدرو دي ديثا. وبعد الانتهاء من تغريب الرجال باستثناء من أمر دون خوان استبقاءهم، انتزع القشاتلة الأطفال من أمهاتهم، وجرى توزيعهم بإشراف الكنيسة على بيوت القشتاليين لإنشائهم نشأة كاثوليكية. وسمح دون خوان للنساء البقاء في غرناطة ريثما يبعن أملاكهن، لكن لا نجد في المصادر التاريخية الإسبانية أي معلومات عما حصل لمعظمهن بعد ذلك.

واتبع فيليب الثاني تغريب أهل مدينة غرناطة بتغريب قسم كبير من سكان مملكة غرناطة بموجب مرسوم خاص أصدره في الثامن والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1570. وأشرف دون خوان هذه المرة أيضاً على أعمال الترحيل التي جرت وفق نظام الترحيل الأول، إلا أن عدد المُغربين كان كبيراً مما اضطره إلى الاستعانة بقوات ريكويسنس ودوق سيسه خوفاً من انفلات الأمور. وفي الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) بدأت أول مجموعة من المُغرّبين الاتجاه إلى منافيها في قشتالة وتبعتها مجموعات أخرى في الاسبوعين اللاحقين.

ثم توالت أعمال التغريب مع استمرار استسلام الأندلسيين ونزولهم أولاً بأول من ملاجئهم في الجبال. ولم ينته دون خوان من مهمته حتى كان عدد الذين غرّبهم في هذه المرّة الثانية نحو 50.000 أندلسي. وانتهى معظم أطفال الأندلسيين المُغرّبين نهاية أطفال مدينة غرناطة فتوزّعتهم الكنيسة والقشاتلة وانقطعت عنهم أخبار آبائهم وأمهاتهم اللواتي لا نعرف أيضاً ما حدث لهنّ بعد نفي أزواجهن وأولادهن إلى الشمال.

ولم يكن هذا مصير الجميع فعندما بدأت الثورة الأندلسية الكبرى كانت غالبية أندلسية تسكن المدن والقرى الواقعة شمال المرية وشرقها مثل طريلة Turrilas وطربال Tarbal ونجار Níjar وأنوش Inox ومجقار Mojácar والقرون Llegaron والمنتزه Mantanza ووبرة Huebro ولقينة Lucainena وغيرها. وعندما اشتدت المعارك احتمت النساء والأطفال في حصن أنوش Peñón de Inox في انتظار فرصة للعبور إلى المغرب لكن جماعات من المرتزقة الأوروبيين والقشاتلة والأرغونيين سمعوا بوجودهم فنزلوا عليهم وسبوا نحو ثلاثة آلاف امرأة وطفل.

وعادت السلطة بعد تغريب معظم سكان مملكة غرناطة الأندلسيين فنفت جزءاً كبيراً من سكان المرية حتى تقلّص عدد سكانها عام 1571 إلى نحو سبعة آلاف فقط. وسعت السلطات إلى محاولة إعمار تلك المناطق بالمهاجرين القشاتلة وغيرهم إلا انها لم تجد إلا عدداً قليلاً، ولم تستعد هذه المناطق بعض حياتها السابقة إلا بعد نحو 100 عام من نفي سكانها الأندلسيين.

ونجد في التاريخ حالات لا تحصى من انزال العقوبات الجماعية والتجريم بالإرتباط لكنّ الإسبان فعلوا ذلك بمجموعة من القوانين والمراسيم الملكية القراقوشية العجيبة. ففي الرابع والعشرين من شباط 1571 صدرت مجموعة أوامر معروفة باسم ”مجموعة القوانين المحلية الخاصة بمملكة غرناطة“ Ordenanzas de Granada قُدم لها بالآتي: »لا يجب أخذ الموريسكيين الذين لم يشاركوا في العصيان بجريرة العاصين، وعلينا ألا نرغب في ايذائهم. لكن لن يستطيع هؤلاء من اليوم استغلال أراضيهم لأن محاولة فصل الأبرياء عن المذنبين مهمة بلا نهاية. وسنعمل بالتأكيد على تعويضهم في المستقبل، لكن أملاكهم ستُصادر في الوقت الراهن مثلهم في ذلك مثل الموريسكيين الثائرين«22. ولم يُعوض أندلسيو السلام عن مصادرة أملاكهم التي ذهبت لتغطية نفقات الحرب المُقدّرة بنحو 100 مليون دولار بعملة أميركا اليوم، ومع ذلك نرى في موقف القشتاليين من هذا القانون استهجاناً صارخاً فاعتبروا ما جاء فيه تسامحاً عن الأندلسيين لا يسوّغه العقل.

وسعت القوانين والمراسيم التي اصدرتها الحكومة بعد إنهاء الثورة إلى منع عودة الأندلسيين إلى أرضهم وأعادت تشديد القيود المفروضة عليهم. ومن تلك المراسيم مرسوم شرير صدر في السادس من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1572 حرّم على الأندلسيين التخاطب بالعربية أو الكتابة بها، وحدد عقوبة المخالفة الأولى للمرسوم بالسجن مع التكبيل بالحديد مدة 30 يوماً، وضعفي المدة في المخالفة الثانية، والخدمة أربع سنوات في القواديس مع 100 جلدة في حال المخالفة الثالثة. وجاء في المرسوم أن العثور على وثيقة عربية أو صفحة مكتوبة بالعربية سيعرّض صاحبها للخدمة في القواديس (نوع من السفن السائدة آنذاك) أربع سنوات بعد توقيع 100 جلدة بحقه. وألغى المرسوم أي قيمة قانونية لأي وثيقة أو صك مكتوب بالعربية، وحدد عقوبة جميع المسؤولين عن مثل تلك الوثائق أو الصكوك بمئتي جلدة والعمل سخرة في القواديس ست سنوات. وتضمن المرسوم عدداً كبيراً من الممنوعات والمحظورات إلا أن أعظم العقوبات كانت بحق الأندلسيين الذين يتركون المناطق السكنية المحددة لهم بعد نفيهم. إذ جاء في المرسوم أن عقوبة القبض على أي أندلسي يراوح سنه بين العاشرة والسابعة عشرة في أي مكان دون عشرة فراسخ (نحو ٥٥ كيلومتراً) من غرناطة سيعرّضه إلى عقوبة الشغل في القواديس بقية أيام حياته. وإذا كان عمره فوق ذلك ستكون عقوبته الإعدام. وألزم المرسوم الأندلسيين بضرورة إبلاغ السلطات بفرار أي أندلسي من المنطقة الجديدة المحددة لسكناه. وإذا تخلّفت أي أسرة عن تقديم مثل هذا البلاغ إلى السلطات فإن عقوبة أفرادها ستكون السجن مدة شهر واحد والجلد بغض النظر عن نوع صلة الأندلسي الفار بهذه الأسرة.

توزّع الأندلسيين بعد الثورة الكبرى

يوجد موقف قريب من الإجماع لدى الكتّاب الذين ألفوا في أحوال الأندلسيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر على اقتراح تقديرات تضع عدد الأندلسيين بين ملايين عدة وأقل من 300 ألف شخص، إلا أنني أميل شخصياً إلى الأخذ بتقديرات الاقتصاديين الذين تناولوا هذا الموضوع الكارثي والغني والمثير في آن مقارنة بمؤرخين محدثين اعتمدوا مجموعة من الوثائق القشتالية غير المشهورة بدقتها يقترب عمرها من قرنين ونصف القرن. وعلى رغم تراكمية القيود التي فرضتها السلطات القشتالية على الأندلسيين، وتضافر جهود السلطة والكنيسة ومعظم القشاتلة في مراقبتهم واضطهادهم لم تكن مملكة فيليب الثاني، كما لم تكن مملكة أبيه كارلوس الخامس من قبله، مثال التنظيم والدقة فسادتها الفوضى والرشوة والفساد والتعثّر مثلها مثل غيرها. ووجد الأندلسيون سهلاً الحصول في بعض الحالات على الوثيقة التي يريدونها إذا كان لديهم المال لدفع الثمن. ولا ننتقص من نضال الأندلسيين واستماتتهم دفاعاً عن أهلهم ودينهم وعروبتهم إن خلصنا من متابعة المتوافر من المعلومات عن الثورة الأندلسية الكبرى إلى الاستنتاج بوجود حالات واضحة من غياب الانضباط والنظام في صفوف القوات القشتالية، لذا لم يكن عبور الأندلسيين إلى العدوة مستحيلاً في كل الأوقات، ولم تتوقف حركة الأندلسيين عبر مضيق جبل طارق قبل تسليم غرناطة ولا بعدها. وعلينا الافتراض أن تهريب الناس في تلك المرحلة جرى في الصورة التي يجري عليها في أيامنا هذه، وكان للكثيرين نشاطاً مجزياً لا يمكن السيطرة عليه بسهولة لأن جماعات من السلطة كانت تستفيد من هذا النشاط وتحمي أصحابه. وما ينطبق على الأندلسيين في مملكة غرناطة ينطبق على الأندلسيين في قشتالة وأرغون. وعلينا الافتراض أن هؤلاء كانوا يستطيعون دائماً عبور الحدود إلى جنوب فرنسا ومنها إلى إيطاليا فالعدوة وغيرها، أو الحصول على الأوراق الرسمية المدفوعة الأجر أو المزوّرة التي تسمح لهم بمغادرة البلاد.

ونعرف من وثائق كثيرة أن السلطات لم تحظر دائماً تنقّل الأندلسيين بين غرناطة وأرغون وقشتالة، ولم تكن تستطيع أن تفعل شيئاً مثل هذا أصلا بالنظر إلى اشتغال الأندلسيين بالنقل خصوصاً على البغال والعربات الصغيرة، لذا لا يُستبعد نشوء عمليات هجرة داخلية محدودة في اتجاه أرغون بين الوقت والآخر تبعاً للظروف. وهناك سببان مهمان يمكن أن يفسّرا جانباً من التباين الملفت في تقديرات عدد الأندلسيين في أي مرحلة من مراحل وجودهم في إسبانيا سنتناولهما بشيء من التفصيل في فصل ”تغريب الأندلسيين“. وحسبنا الإشارة هنا إلى أنهما يخصّان عدد الأندلسيين الذين سلبتهم السلطات حريتهم فصاروا عبيداً فخرجوا من دائرة الاحصاءات والتقديرات الرسمية ذات الغاية الضرائبية، وعدد الأندلسيين الذين تمكّنوا من الهجرة إلى الممالك الإسبانية في العالم الجديد بوسائل شتّى بينها تزوير الوثائق والأنساب وتستّر النبلاء والتجار الكبار على الأندلسيين. ويمكن الافتراض ان هؤلاء عملوا في حالات كثيرة بأجور تقل عن الأجور التي كان القشاتلة يتقاضونها نظراً إلى الأوضاع السلبية الخاصة التي كانوا يعيشونها. واشرنا في غير مكان إلى ان التقديرات الخاصة بعدد الأندلسيين في مملكة غرناطة بعد الثورة الأندلسية الأولى راوحت بين 200 ألف و500 ألف شخص حتى بعد إخضاع هذه التقديرات إلى المعاملات المُساقة أعلاه (هجرة وتهريب واستعباد وغيره). وربما تعدّى عدد الأندلسيين الذين غرّبهم فيليب الثاني خلال الحرب الأندلسية الكبرى وبعدها 900 ألف شخص، يُضاف إليهم نحو 20 ألف أندلسي وأندلسية استشهدوا في المعارك. ولا نعرف عدد الجرحى والمرضى والطاعنين في السن وغيرهم ممن لم تستطع السلطات ترحيلهم من مدينة غرناطة أو من مدن الجنوب وبلداته وقراه، ولا نعرف عدد النساء اللواتي بقين في مملكة غرناطة بعد نفي رجالهم وسبي أطفالهم لكن بعض التقديرات يشير إلى أن عدد الأندلسيين الذين بقوا في مملكة غرناطة حتى بعد إتمام التغريب المزدوج يراوح بين 60 ألف شخص و150 ألف شخص. ويبدو حتى الرقم الأدنى كبيراً بالنظر إلى اصرار السلطات على منع قيام ثورة أخرى في الجنوب مهما كان الثمن، وموافقة فيليب الثاني على انتقال 50000 قشتالي لأخذ الأماكن التي أجلي الأندلسيون عنها.

لكن يجب الأخذ في الاعتبار طبيعة الانتاج الزراعي والصناعي وطرائقه في الجنوب التي حتّمت بقاء أعداد كافية من الأندلسيين لضمان استمراره. وأحد أسباب ذلك أن القشاتلة تجنّبوا الأعمال اليدوية وافتقر عدد كبير ممن انتقلوا إلى الجنوب إلى المهارات اللازمة للتعامل مع ظروف تختلف عن تلك التي عهدوها سابقاً. وتطلّب العامل القشتالي الماهر أجراً يتناسب وخبرته وقشتاليته أيضاً مما كان سيرفع تكاليف الانتاج وسيقلص الأرباح التي كان يجنيها النبلاء والملاك الكبّار الذين وجدوا في الأندلسيين عمالة رخيصة قليلة الشكوى وكبيرة الانتاج. وهكذا نجد لدى استعراض الوضع الإقتصادي في غرناطة بعد الثورة الكبرى أن اقتصاد المملكة تأثر كثيراً بتغريب الأندلسيين وقتلهم، إلا ان هذا التأثر لم يقترب من حد كارثي أو حتى الانهيار، وربما كان أحد أهم أسباب ذلك بقاء العدد المُشار إليه في مناطق الإنتاج.

وبينما استمر عدد الأندلسيين في مملكة أرغون ينمو في العموم نمواً طبيعياً من إجمالي قُدّر في بداية القرن السادس عشر بحوالى 235000 شخص ليصل إلى رقم محتمل هو 400000 ألف، فإن عدد الأندلسيين الذين كانوا يعيشون في قشتالة في تلك الفترة ذاتها قُدّر بنحو 200 ألف شخص، وربما وصل الى 400 ألف شخص عام 1569 على اساس احتساب زيادة سنوية في عدد السكان بنسبة واحد في المئة ليتضاعف العدد مرتين كل 70 سنة. وربما كان العدد يقترب من نصف مليون إذا أخذنا في الاعتبار سببين: الأول اشتهار الأندلسيين بكثرة الإنجاب وقلة الإنفاق، وهو موقف طبيعي لمن يعيش الأوضاع التي عرفها الأندلسيون، والثاني انضمام نحو 90 ألف منفي إلى العدد الأصلي. ومع الاعتراف بوجود هامش كبير من الخطأ في هذه التقديرات، ربما كان ممكناً تقدير عدد الأندلسيين في كل من أرغون وقشتالة ومملكة غرناطة بنحو مليون شخص على الأقل حتى بعد إخماد الثورة الأندلسية الكبرى على يد دون خوان النمسوي.

الأندلسيون في أرغون بعد الثورة الكبرى

سنتحدث عن الأندلسيين في أرغون بتفصيل أكبر في فصل لاحق، لكن أود الإشارة هنا إلى أن هؤلاء لم يشتركوا مباشرة في الثورة الأندلسية الأولى ولا في الثورة الأندلسية الكبرى، ولم تنسحب عليهم بنود المراسيم التي أصدرها فيليب الثاني قبيل اندلاع الثورة أو خلالها وبعدها. ومدّ الأندلسيون الأرغونيون إخوانهم في غرناطة دائماً بالمتطوعين والمال والسلاح وأظهروا تعاطفاً معهم وغضباً على السلطة بسبب معاناتهم، لكن أي مشاركة مكشوفة كانت ستعرض مصالح الأندلسيين الأرغونيين إلى مخاطر عظيمة تهزّ مجتمعهم من أساساته.وشاع في المجتمعات الإسبانية في مملكة أرغون خلال الثورة الأندلسية الكبرى أن الأندلسيين الأرغونيين بدأوا استعدادات واسعة النطاق لتنظيم انتفاضة مماثلة، ودخلوا مرحلة جمع الأسلحة والتدرّب على القتال، فسارع كثيرون من المسيحيين في أرغون إلى خطب ودّ الأندلسيين، وكان السعيد منهم وقتها من كان له صديق أندلسي.

ووراء هذه المخاوف ما يسوّغها إذ على الرغم من قلة عدد الأندلسيين الأرغونيين في المدن الأرغونية الرئيسية، باستثناء بلنسية ومرسيّة. وكانت الكثافة الأندلسية عالية في الأرياف، وربما اقتصر الوجود النصراني في قرى كثيرة على القسيس وخادمه فقط.ويبدو أن جماعات من الأندلسيين الأرغونيين ظلت تحتفظ بأسلحة نارية. وحدث مرات عدّة أن جاء عمّال محاكم التحقيق إلى قرية أندلسية فخرج إليهم الرجال بالسلاح والنساء بالعصي فانهزموا. ووعت السلطات الأرغونية حقيقة قوة الأندلسيين في تلك المملكة فعملت على عزل ما حدث في الجنوب عن الأندلسيين في أرغون وأبقت الأخبار سراً. أما السلطة في مدريد فقصرت المناطق التي نفت إليها الأندلسيين الغرناطيين على القشتالتين القديمة والجديدة وجليقية، وحظرت اختلاطهم أو اتصالهم مع غيرهم من الأندلسيين من خلال فرض الإقامة الجبرية عليهم بموجب مرسوم فيليب الثاني، واخضاعهم إلى مراقبة دائمة من جانب السلطات والكنيسة والقشتاليين الذين حلّوا بينهم.

للاطلاع على الهوامش يرجى التفضل بالعودة إلى الكتاب

معالم التركة الحضارية الأندلسية في تونس

مصور لمدينة اشبيلية في امن القرن السادس عشر (ويكيبيديا)

مصور لمدينة اشبيلية في امن القرن السادس عشر (ويكيبيديا)

معالم التركة الحضارية الأندلسية في تونس

 

عادل بشتاوي

تغريب الأندلسيين

خرجت قشتالة من معركتها العسكرية ضد الأندلسيين بانتصار كبير، لكنها خرجت من معركتها الحضارية والدينية مع الأندلسيين بهزيمة كبيرة. وبعد 100 عام من الاضطهاد والتنصير القسري والنهب المنظّم لم تستطع اسبانيا إقناع الأندلسيين بأن كاثوليكية القشاتلة أفضل من الإسلام، وبأن اللغة القشتالية أكثر تعبيراً من العربية، وبأن لحم الخنزير أفضل من لحم الضأن، وبأن السروال القشتالي أفضل من السروال الأندلسي، وبأن مسح المؤخرة بورقة أفضل من غسلها.

واختارت اسبانيا طوال 100 عام تجاهل إخفاقها لكنّها اعترفت بهذا الإخفاق في النهاية فعادت ولجأت إلى الحل الوحيد الذي تعرفه جيداً وهو القضاء العضوي على خصومها بالقتل أو التغريب ومارست سياسة التمييز العنصري والفرز العرقي بشكل منظم وواسع النطاق. وباختصار كانت قشتالة عملاقاً عسكرياً فيما الأندلسيون أقزاماً، لكنها كانت قزماً حضارياً جديراً بالاحتقار في عيون الأندلسيين الذين نظروا دائماً إلى القشاتلة كمستعمرين احتلوا أرضهم ولم يتمكّنوا من غرناطة إلا بالخديعة والمكر.

وفي بداية القرن السابع عشر سعت السلطتين السياسة والدينية الاسبانيتين إلى البحث عن انتصار سهل يغطي استمرار هزائمها أمام أعداء الكاثوليكية في ألمانيا وهولندا وغيرهما ويُبعد أنظار الناس عن إخفاق مغامراتها العسكرية وسياساتها الاقتصادية السيئة وديونها المتراكمة فعمدت إلى شيطنة الأندلسيين وغولنتهم تمهيداً لطردهم من بلادهم، ووضع نهاية لشعب أيقنت الحكومة الإسبانية تلو الأخرى أنه لا يريد الذوبان في الوسط القشتالي أو الانصياع إلى الكنيسة أو السلطة لأنه لم يكن يستطيع فعل شيء مثل وعندما شعر حتى أشد أنصار معاقبة الأندلسيين أن الحكومة عازمة فعلاً على تنفيذ قرارها، انقلبوا ضد القرار وسعوا إلى ترغيب الأندلسيين بالبقاء.

وهنا اشترط الأندلسيون السماح لهم بممارسة دينهم الإسلامي علناً وإعطاءهم حرية مزاولة عاداتهم وتقاليدهم الأندلسية. ولم تستطع السلطات قبول الطلب تحت ضغط الكنيسة فتشدد الأندلسيون في مطالبهم وباتوا أكثر رغبة حتى من أعدائهم في الكنيسة والسلطة في النزوح عن البلاد والخلاص من أكثر من مئة عام من العذاب والتقتيل والاضطهاد القشتالي والأرغوني.

ويوم بدأ الأندلسيون التجمّع استعداداً للرحيل عن البلاد اختفت كل فائدة أو جدوى من التستر على دينهم وعروبتهم. وسجّل أحد شهود عيان النفي من بلنسية موقف الأندلسيين بالقول: ”لقد رفضوا ليس فقط العمل وجمع العنب وقطع قصب السكّر بل اعترفوا صراحة أنهم جميعاً مسلمون. وأكد أحدهم أن كل الأندلسيين في مملكة بلنسية عرب أيضاً شأنهم في ذلك شأن عرب الجزائر.“

وخلال سنوات التغريب أعربت عامة إسبانيا عن ابتهاجها بنفي”أعداء الدين الكاثوليكي«، كما كانوا يسمّونهم. واعتبر الإسبان الأندلسيين أعداء في وطنهم ثم اعتبروهم أعداءً خارج الوطن أثناء التغريب فتركت السلطة اللصوص والقتلة وتجّار العبيد يتحكمون بمصير قسم كبير من المنفيين، وربما لم يصل أكثر من نصفهم إلى الوجهات المقصودة. ولم تستمر بهجة الإسبان بنفي الأندلسيين لأن هؤلاء لم يكونوا مجرد أقلية بل أقلية مهمة من الناحيتين الاقتصادية والصناعية في قشتالة، وأقلية حاسمة بالنسبة لمملكة أرغون خصوصاً في بلنسية.

وكانت إسبانيا، بعملية النفي، تسدد طعنة أخيرة للوجود العربي والإسلامي فيها، لكنها كانت طعنة أدمت جسد الأمبراطورية مثلما أدمت المنفيين الأندلسيين. فهؤلاء انتقموا لنفيهم عن مساكنهم ومساكن أجدادهم وأجداد أجدادهم وهم خارج إسبانيا، وساهموا في توفير أحد الأسباب المهمة لسقوط الأمبراطورية الإسبانية. ولم تفتقد إسبانيا الأندلسيين على الفور إذ كانت لا تزال تعيش نشوة انتصارها الواهم، لكن عندما حاولت حكومة دوق أوليبارس حشد طاقات الأمبراطورية للتصدي للهولنديين البروتستانت وغيرهم من أعداء إسبانيا، اصطدمت باقتصاد منهار. وكتب أحد كبار المسؤولين فيها: ”لم تمض إلا فترة قصيرة على طرد الأندلسييين الموريسكيين في خطوة عادت بضرر بالغ على هذه الممالك وباتت فكرة عودتهم طيبة لو قبلوا ديننا السماوي.“

الأندلسيون الجدد في تونس

نزل جمهور الأندلسيين الجدد المنفيين في تونس طبقاً للمقري بعدد ربما تجاوز 100.000 شخص. وورد عدد كبير جداً من أسماء الأسر الأندلسية في مصادر متفرقة تعود الى مطلع القرنين السابع عشر والثامن عشر وكذلك في الدراسة التي أعدّها جورج ماسي عن جامع تستور عام 1931، والبحث الذي نشره الدكتور رشاد الامام في المجلة التاريخية المغربيّة بتاريخ 30 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1981 .

وبين عامي 1609 و1611 استقبل الوالي عثمان داي الأندلسيين المنفيين واحتفى بهم”وخصص لهم الدور والأراضي وسعى إلى توظيف خبراتهم المهنية ومعرفتهم للغة القشتالية ولاساليب الحروب البحرية التي تفنّنوا بها. وأنشأوا نتيجة ذلك مدناً عدّة ما زالت تشهد بخصوصيات العمارة الأندلسية حتى يومنا هذا، وهذا فضلاً عن ترجمتها بدقة عن اسلوب حياتهم وعاداتهم ومطبخهم وتقاليدهم.

ومن الحواضر التي نزل فيها الأندلسيون أو أسسوها وسط الشمال التونسي مدينة تستور التي تقع على بعد 60 كيلومتراً جنوبي غرب العاصمة تونس، وهي تُعتبر مدينة الموشحات الأندلسية المعروفة أيضاً باسم ”المالوف“ أو”المألوف“، أي الموسيقى الموروثة عن الأندلسيين كما هي شائعة في المغرب والجزائر أيضاً، وربما استضافت المدينة الموسيقى الأندلسية كما تعزفها جوقات إسبانية.

وتقع جنوب غربي تستور مدينة تبرسق التي تضم عدداً مهماً من المباني ذات العمارة الأندلسية، وتشيع فيها الأسماء الأندلسية ومثلها أيضاً مدينة سليمان ومنزل بوزلفة وقرنبالية ودار شعبان.

ومن أسماء الأندلسيين الجدد الذين نزلوا تستور والقرى التي أسسوها على ضفتي وادي مجردة (يوجد واديان بهذا الإسم في تونس ونقصد هنا الشرقي) مثل قريش الواد وطبربة وسلوقية: شورية، ويلو، الوشرين، العنكرشة، الريشكو، يوينو، جاميلو، سحابو، الستوبري، شلبطون، فازاج، النبديكو، كريمو، مرتيل، بيروانة، الجورشي، البنتوز، شركينة، ماركو، الفرصادو، كرسيتو، بومسيت، نبارو، البرزون، مانية، ابن مارية، ديلو، طرشون خربون، حربون، البروطو، استريكو، نبارو، غبارو، الكوندي، اشكلانط، مورينو، يونو وغير هذه الأسر كثير.

ومن مناطق الأندلسيين الجدد وحواضرهم في شرقية تونس مدينة زغوان التي تقع على بعد 52 كيلومتراً جنوب العاصمة تونس وكانت عامرة أيام الرومان. وتضم زغوان بين 25 و30 ألف نسمة الآن وهي عاصمة لولاية زغوان التي هي اكبر المحافظات الزراعية في البلاد ومصدر منابع المياه التي تمدّ العاصمة.

ونزل الأندلسيون أيضاً بعض المناطق الغربيّة من البلاد مثل عين دراهم القريبة من الحدود مع الجزائر وتُعتبر من المنتجعات التي يقصدها التونسيون. وحلّوا كذلك في المناطق الساحلية الشمالية مثل قلعة الأندلس والعاليّة ورفراف ورأس الجبل وغار الملح، ومدينة بنزرت الساحلية الواقعة شمال غربي العاصمة تونس. وكان للأندلسيين في هذه المدينة المهمة حي خاص اسمه”حي الأندلس“ جمع في ما بعد خليطاً من السكان. وأقام الأندلسيون في مدن وقرى هذه المناطق صناعات تقليدية أندلسية داخل البيوت مثل البلاط المُزجج والملابس والمحفورات الخشبية يقول العارفون انها تشبه ما كانوا يصنعونه في إسبانيا قبل نفيهم.

وللأندلسيين تجمّع مهم في الوطن القبلي المعروف الآن باسم محافظة نابل التي هي لسان بري يمتدّ في البحر شمال شرقي تونس. ومن الحواضر الأندلسية أو التي نزل فيها الأندلسيون مدينة نابل نفسها والحمامات وقرى كثيرة قربهما زرع فيها الأندلسيون منتوجات أصلها من العالم الجديد وحملها الأندلسيون معهم من إسبانيا مثل البندورة والبطاطا وبعض أنواع الفليفلة الخضراء والحمراء والتوابل. كما نزلت جماعات أندلسية كثيرة في العاصمة تونس وضواحيها نذكر من أسماء أسرها: صنديد، العراندي، كونينكة، مناشو، الصوردو، ابن عاشور (ومنهم في الرباط)، موريشكو، مرباح، الحجيج، العمروسي، الوافي، الكعاك، جبيس، السراج، قبادو، الباسطي، بيجار، درسول، نونية، الرحال، السبعي، ابن زكرى، يشبيل، هرميلو،الحجي، الحشائشي، الشريف، مشوش، الطره والي، وأسماء أخرى كثيرة.

ولم يقتصر نشاط الأندلسيين على الزراعة إذ شمل أيضاً التجارة. وبرع الأندلسيون في صناعات تقليدية بعينها ومن ذلك مثلاً صناعة الشاشية (الطرابيش القصيرة) التي كان الأندلسيون يعتمرونها في إسبانيا. ولهذا النشاط سوق خاصة صغيرة هي سوق ”الشاوشين“ في العاصمة تونس قرب جامع الزيتونة.

وكانت تونس في القرنين السابع عشر والثامن عشر من أهم مصدري الطرابيش إلى الدولة العثمانية حتى تعلّم الأوروبيون صنع الطرابيش فصدّروها بكميات كبيرة إلى تركيا مما أحدث كساداً مهماً في البلاد التونسية.

وتحمل تونس وصف”الخضراء“ من أيام الرومان الذين أغرموا بإطلاق صفات الألوان على بعض الأقاليم التي حكموها. ومن أسباب هذه الخضرة وجود قسم كبير من الأراضي التونسية في مستوى قريب من مستوى البحر (تمتد شواطىء تونس مسافة 1300 كيلومتر) مما يسمح برشح الماء، إلا أن الأمطار الغزيرة تهطل على تونس في الشتاء مما يزيدها خضرة. ومع ذلك لا يمكن تصوّر تونس قبل مجيء الأندلسيين، ولا يمكن أيضاً فصل التأثير الذي أحدثه الأندلسيون في تونس عن التأثير التونسي المحلي سواء في الزراعة أو نمط العمارة أو المصنوعات اليدوية أو أنواع الطعام (منها سجق رفيع محشو بلحم الضان اسمه كواريس) والشراب والفنون، ولهذا التأثير أسباب تاريخية واجتماعية عدّة.

وخلال القرن الخامس كانت العاصمة تونس من أكبر المدن المغاربية، وربما وصل عدد سكانها آنذاك إلى أكثر من 100 ألف نسمة، وكانت مدينة ازدهرت فيها التجارة والصناعة والثقافة والتعليم. إلا أن تونس ومعها معظم المدن التونسية الأخرى تعرضت بعد ذلك إلى عدد من النكبات فأودت موجات من الطاعون بحياة الكثيرين، ثم امتد الصدام بين العثمانيين والأوروبيين إلى السواحل المغاربية فبدأ كارلوس الخامس سلسلة من الحملات العسكرية البحرية التي انتهت باحتلال تونس عام 1535.

وبقي الإسبان في البلاد نحو 40 عاماً إلى أن تمكن العثمانيون بقيادة سنان باشا وبمساعدة التونسيين من إخراجهم عام 1574 بعد سلسلة من الاخطاء التي ارتكبها دون خوان النمسوي الذي كان يحلم بموافقة الملك فيليب الثاني على تعيينه ملكاً على تونس.

لكن البلاد كانت اقتربت في عهد دون خوان من الدمار الشامل وحلّ خراب عظيم بأهم مدنها مثل تونس نفسها وصفاقس والقيروان وبنزرت وسوسة (حضرموت الفينيقية).

وفي عهد الداي عثمان ثم في عهد الداي يوسف من بعده بدأ جهد كبير لإعادة الإعمار.

وجاء الأندلسيون تونس في وقت حاسم فصبّوا خبراتهم في الري والزراعة نحو إنهاض الأراضي الزراعية وتوسيعها وتنويع المحاصيل التي باتت تشمل الحمضيات والكرمة والمشمش واللوز وغيرها من الفاكهة التي لا تزال المناطق الساحلية الشرقية الإسبانية تزخر بها.

وساهمت هذه الجهود في تسريع إنعاش الاقتصاد التونسي لذا لم يمض على وصول الأندلسيين إلى تونس أقل من نصف قرن حتى كانت جهود إعادة الإعمار اقتربت من الاكتمال. وعرفت تونس بعد ذلك مرحلة طويلة من الاستقرار السياسي النسبي حتى تملّكتها فرنسا اعتباراً من عام 1881.

واستمر الانتعاش في عهد الفرنسيين لكن جل المستفيدين منه كانوا فرنسيين أو إيطاليين أو من جزيرة مالطا وصقلية واليونان.وظل هذا الوضع قائماً حتى انتزعت تونس الاستقلال في 20 آذار (مارس) 1956 واعلنت الجمهورية بعد ذلك بسنة.

بعض المراجع:

  • ”الدولة العثمانية وقضية الموريسكيين الأندلسيين“، الدكتور عبد الجليل التميمي، (زغوان، تونس 1989).
  • دراسة فقيه محمد الباحث في المعهد الأعلى للتوثيق في الجامعة التونسية وهي بعنوان ”دين الموريسكيين الأندلسيين وهويتهم ومصادر وثائقهم“.

 

اقتصاد الأندلس: الزراعة والصناعة والتجارة

عادل بشتاوي
مؤلف: الأندلسيون المواركة والأمة الأندلسية الشهيدة وعضو المعهد العربي الاسباني للثقافة منذ عام 1983

 

نافذه مشرفة في قصر الحمراء (ويكيبيديا)

نافذه مشرفة في قصر الحمراء (ويكيبيديا)

 

كان استتباب الوضع السياسي في الأندلس في عهد الإمارة بمثابة ضوء أخضر اعطى إشارة بدء عملية بناء الاقتصاد الأندلسي بعدما أغلق عبدالرحمن الداخل باب السلطة في وجه الفئات المتنازعة والشخصيات الطموحة فتحولت القوى المهدورة في النزاعات السياسية إلى المساهمة في زيادة الانتاج وتحقيق الرخاء الذي قام على الزراعة والتجارة والصناعة المتوافرة في ذلك الوقت.

وبدأ وضع أسس قيام النهضة الزراعية والتجارية عندما تقوض حكم القوط الغربيين في آيبرية عام 711 وانتهى وجودهم الذي فرضوه على السكان المحليين فترة زادت على قرنين من الزمن.

ولم يكن الفلاحون بمنأى عن السياسة القوطية الجائرة المتبعة في آيبرية، إذ كانوا عبيداً أجراء لدى النبلاء يقدمون لهم بين 50 و80 في المئة من المحصول. ولم تكن حصة الفلاحين تكفي أحيانا لبذار الموسم التالي أو لسد حاجة العاملين في الحقول، الأمر الذي أدى إلى تضاؤل الاهتمام بالأرض فأهملتهم عندما أهملوها. ونزلت بآيبرية قبل ثلاث سنوات من الفتح العربي مجاعة شديدة، وعصف بالسكان وباء فأودى بحياة الكثيرين.

وأعيد توزيع الاراضي الأندلسية بعد الفتح طبقا للطريقة التي سقطت بها هذه الاراضي، فمنها ما استبقاه السكان المحليون على صلح، ومنها ما ملكه الفاتحون بعد حرب أو بعدما فر أصحابها، ومنها أيضاً ما مُلك بطرق مختلفة أخرى. أما السكان المحليون الذين استمروا في العمل أو السكنى في أراضيهم، فكانوا عموماً يدفعون جزية وخراجاً على أرضهم من الغلة يراوح بين 20 و35 في المئة وأحيانا 50 في المئة طبقاً لنوع المحصول وفترة إثماره والكمية الفائضة عن الاستهلاك والبذار.

وتوضح المعلومات الاقتصادية المتوافرة عن تلك الفترة من تاريخ الأندلس أن القمح كان المحصول الرئيسي، ويبدو انه كان يزيد على حاجة السكان في أغلب الاحايين. كما احتل الزيتون مرتبة مهمة فعُمد إلى توسيع نطاق زراعته وتحسينه لا سيما في المناطق المحيطة بمدينة جيان التي لا تزال حتى اليوم تعيش على الزيتون مصدراً رئيسيا لاقتصادها. وأدخل العرب في سنوات ما بعد الفتح مزروعات جديدة إلى الأندلس شملت الحمضيات واللوز والتين والدراق والرمان والموز والزعفران والحلفاء والقطن والكتان وقصب السكر والمشمش”ومع الزمن أصبحت بلاد الأندلس كأنها بستان واحد متصل، كثيرة المبنى والثمار، وإذا سافر المرء من مدينة إلى أخرى، سار في مناطق عامرة مأهولة تتخللها قرى كثيرة نظيفة ومبيّضة الدور من الخارج، ولم يحتج المسافر أن يحمل معه زاداً أو ماءً.“ (تاريخ الأدب الأندلسي، ص 21).

وحيثما وجد عرب أو بربر في منطقة أو أخرى، اعطى هؤلاء المكان سمات متميزة كما حدث بالنسبة للسوريين في كورة البيرة (غرناطة) والمصريين في باجة وتدمير (مرسية) والفلسطينيين في مناطق شذونة، والاردنيين في رية، وأهل حمص في إشبيلية، والبربر في المناطق المرتفعة التي تلائم طبيعتهم وتتشابه مع المناطق التي قدموا منها قبل الفتح.

وكان لادخال الحمير إلى الأندلس بعد جلبها من مصر مفعول هائل في”تثوير“ طرق الفلاحة والحصاد وارتفاع حجم المحصول. وربما بدا هذا غريباً اليوم، لكن أحد مفاهيم الرخاء في ذلك العصر، كان توافر حمار لكل شخص يستخدمه في غاياته المختلفة.

وسدّ تطوّر الزراعة في الأندلس حاجة الاستهلاك المحلي وقدم جزءاً كان يُصدر إلى الشمال الافريقي ومنه إلى مصر وربما وصل بعض المنتوجات إلى بغداد.لكن هذا لا يعني ان الخير كان عاماً إذ تسببت عوامل كثيرة في إضعاف المحصول في بعض السنين وحتى في وقوع مجاعات عدّة، كما حدث عامي 815 (199 هـ) و915 (302 هـ)عندما مات أكثر الخلق جهداً. أما في الأوقات غيرها فقد استطاعت الأندلس النهوض من محنتها ومتابعة صنع الرخاء الذي عرفته حتى في أوقات ضعف سلطتها السياسية.

واستفاد الأندلسيون في نشاطهم الزراعي من القنوات التي بناها الرومان في القرن الأول المسيحي لكنهم زادوا عليها وأصلحوا القديم منها وحسّنوه وشقوا قنوات جديدة. واتقن الأندلسيون التعامل بفنون السقاية وجلب المياه من مسافات بعيدة. كما استخدموا النواعير، وكانت من النوع الذي تربط إلى إطاره قلال من نوع لا يزال موجوداً في بعض مناطق الصعيد المصري حتى الآن.

ومع انحسار الوجود العربي في منطقتي غرناطة وبلنسية نتيجة توغل ملوك الشمال في الأراضي الأندلسية مع مرور الزمن تكثّفت الخبرة وتحولت المنطقتان إلى اثنتين من أخصب بقاع أوروبة، وبقيتا كذلك حتى رحّلت السلطات القشتالية الأندلسيين في بداية القرن السابع عشر.

وتعرض النشاط الزراعي في اسبانيا نتيجة الترحيل وأسباب أخرى إلى كارثة بسبب الاهمال استمرت حتى مطلع القرن التاسع عشر عندما تجدّد الاهتمام به اعتماداً على الكتب الزراعية التي وضعها الأندلسيون. ومع الزمن أصبحت اسبانيا من بين أكثر الدول انتاجاً للزيتون والدرّاق، وهي اليوم أكبر مصدر للزعفران ومركز الاتجار به مدينة البسيط جنوب غربي بلنسية.

 

الصناعة

وفّر تطور زراعة القمح والقطن والكتان والتوت وازدياد الاعتناء بتربية الماشية المواد الأولية اللازمة لقيام صناعات خفيفة، لقيت تشجيعا مناسباً فنمت في معظم أرجاء الأندلس مستفيدة من الخبرات التي توافرت لدى السكان المحليين في بداية عهد الفتح، ومن الخبرة التي حملها العرب الذين استوطنوا الأندلس في سنوات لاحقة.

وبتوافر المواد الأولية والخبرة تطورت صناعة المنسوجات والسكر والخزف والسجاد والعطور والمواد الكيماوية المختلفة لا سيما الاصباغ، وكذلك صناعة الزجاج والصناعات اليدوية الأخرى. وترد إشارات كثيرة إلى هذه الصناعات إذ أنشأ عبدالرحمن الداخل داراً خاصة للطراز، تُصنع فيها ملابس أصحاب الخدمة. وتطورت صناعة الملابس في ما بعد لتغطي الاستهلاك المحلي مع تخصيص قسم كان يُصدّر إلى المغرب أو الشمال.

وكانت مدينة شقوبية من أهم مراكز صنع الملابس في الأندلس حتى سقطت بأيدي الشماليين عام 1085 (478 هـ).

أما غرناطة فكانت أهم مراكز تربية دود القزّ وصناعة المنسوجات والملابس الحرير في أوروبة حتى أمرالامبراطور الاسباني فيليب الثاني بتغريب معظم سكان المملكة بعد الثورة الكبرى إلى مناطق منحوسة كثيرة في القشتالتين القديمة والجديدة.

وأحسن الأندلسيون استغلال عدد كبير من المعادن المحلية مثل الحديد والزئبق والنحاس، فكان ذلك عاملاً مهماً في تطوير صناعة الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت. وشجع عبدالرحمن الثاني هذه الصناعة وذاع صيت طليطلة كمركز رئيس لصناعة الأسنّة والرماح والسيوف وغيرها من الأسلحة، ثم تطورت هذه الصناعة في العصور الأحدث فصارت تُنتج البنادق والأسلحة الفردية وغيرها.

ومع تقدم الصناعة في القرن التاسع الميلادي تمكّن الأندلسيون من انتاج الزجاج المعروف بالظرابي الصواني والزجاج الشفاف والورق. ولمع اسم مدينة شاطبة Jativa مركزاً مهماً لانتاج المادة الاخيرة، مما ساهم إلى حد كبير في تطوير صناعة الوراقة.

ونشطت هذه الصناعات على نطاق”ورشات“ صغيرة يعمل فيها عدد محدود من الاشخاص، سواء كان ذلك في ورشات صناعة الأسلحة أو المصابيح أو في معاصر الزيتون والمطاحن التي لا تزال انقاض بعضها باقية حتى اليوم في قرطبة على رغم مرور أكثر من الف سنة على بنائها.

أما الصناعات الأثقل فشملت السفن بكل أنواعها السفري والتجاري والحربي استجابة لمتطلبات الدفاع والتجارة والتنقل، وتركزت في الجنوب الأندلسي، وعلى الساحل الشرقي في مدن مثل المرية ولقنت ودانية وغيرها

ويبدو أن انتاج السفن كان كبيراً نظراً إلى توافر معظم المواد الأوليّة اللازمة لذلك في الأندلس وبلاد المغرب وصقليّة التي كانت تُجلب منها أخشاب السفن مثل الصنوبر والأرز والبلّوط. ومن هذه الأخشاب كانت تُصنع ألواح السفن والصواري والمجاذيف، فيما توافرت المواد الأخرى بكثرة ”مثل الحديد لعمل المسامير والمراسي والروابط والخطاطيف والعرادات والفؤوس واللتوت والدبابيس والجواشن وغير ذلك من الآلات والأسلحة، والنحاس الذي تصنع منه السلاسل، والألياف لعمل حبال المراسي، والقطران والزفت لقلفطة السفن حتى لا تؤثّر المياه في ألواحها المغمورة في البحر، والقطران والكبريت اللازمين لصناعة النفط البحري وهو نوع لا ينطفىء إذا سقط في الماء، وكذلك القطران والكتّان لصناعة النار الحارقة.“

وتذكر وثائق تاريخية أن عدد السفن التي استخدمت في إخضاع سكان جزيرتي ميورقة ومنورقة عام 849 (234 هـ ( كان نحو 300 سفينة مما يدّل على اتساع صناعتها. كما استخدم عدد كبير من السفن لحراسة الشواطئ الأندلسية، لا سيما إثر الهجمات التي شنها النورمان اعتباراً من عام 844. ولا شك في ان توافر مثل هذا الاسطول لغرضي الدفاع والتجارة كان سبباً مهماً في إيجاد الاستقرار المطلوب للاستمرار في تطوير البنية الصناعية الأندلسية وزيادة رخاء البلاد.

 

التجارة

ساهم وجود فائض في المنتوجات الزراعية والصناعية في تشجيع تجارة نشطة عادت على الأندلس بالرخاء ومنحتها القوة التي مكنتها من التصدي للشماليين حتى بعد انهيار الخلافة، وإن كان هذا الرخاء أجّج أطماع الممالك الشمالية.

ومنذ نشوء الأمارة القرطبية تكاملت القدرات الإدارية اللازمة لبدء عملية بناء الاقتصاد الأندلسي، فاعتمد الناس في بداية الأمر الأوزان والمقاييس ذات الأصل الروماني. وسك عبدالرحمن الداخل الدينار القرطبي فأصبح عملة مقبولة في كل الأندلس، وفي كثير من دول أوروبة.

وكانت المبادلات التجارية الدوليّة تتم بالدينار العربي ودينار بيزنطة ودينار غالة الذي سكّه للمرة الأولى الملك شارلمان. ولم تكن العملة التي سكت بأمر عبدالرحمن الأولى التي تضرب في الأندلس إذ سعى موسى بن نصير في بداية عهد الفتح إلى إبراز مظهر السلطة الإسلامية في آيبرية فضرب أول النقود التي كانت صورة عن النقود المستخدمة في آيبرية قبلا، سواء من ناحية المعدن أو الكتابة بالحروف اللاتينية مع استبدال المعاني المسيحية بأخرى إسلامية وإضافة التاريخ الهجري عليها. وتطورت عملية سك العملة في عهد عبد الرحمن فأنشأ داراً خاصة لها في عاصمة الامارة.

ولا تتوافر احصاءات تجارية يُعوّل عليها عن تلك الفترة لكن كتب التاريخ تذكر أنّ السفن التجارية الأندلسية كانت تبحر بين الموانىء الأندلسية وموانىء المغرب والاسكندرية والشام وصقلية والجزر الأخرى في البحر الأبيض المتوسط وبعض الموانىء الأوروبية القريبة.

وكان الأندلسيون يصدّرون إلى المغرب ومصر والشام وغيرها المنسوجات والوشي والبسط والزجاج والزعفران والورق والجلود وزيت الزيتون والأسلحة والزئبق والتوتياء والعنبر والعبيد الصقالبة، فيما كان التين (لعله مجففاً) يُحمل من مالقة و”يباع في بغداد.“

واستوردت الأندلس عدداً كبيراً من المصنوعات والمواد الأوليّة والفستق والجلود والزنوج الأفارقة، وظل الميزان التجاري لصالحها في أغلب الأوقات.

وكان التجار الأندلسيون يحملون إلى قرطبة وإشبيلية وبلنسية وغيرها الذهب الذي كان يُستخرج من ضفاف أنهار غرب افريقيا ويُنقل عبر المغرب. وظل ذاك المصدر أهم مصادر المعدن الثمين إلى حين اكتشاف الذهب والفضة في بلاد أفريقية أخرى والعالم الجديد.

ولعبت الأندلس أيضاً دوراً رئيسياً كمصدر ومستورد مع الممالك الأوروبية فشملت الصادرات المنسوجات والملابس والمصنوعات اليدوية المتنوعة وغيرها الكثير

ولا شك ان تجارة العبيد الصقالبة كانت أهم تجارة تعاملت بها الممالك الشمالية الصغيرة، وكان هؤلاء يُؤسرون من مناطق وسط أوروبة ودول البلقان حاليا، وينقلون إلى الأندلس ومنها إلى المغرب ومصر والشام وباقي الدول و”جميع من على وجه الأرض من الصقالبة الخصيان فمن جلب الأندلس لأنهم عند قربهم منها يُخصون ويفعل ذلك بهم تجار اليهود والصقالبة“ كما أخبرنا صاحب ”صورة الأرض – ص 110).

وكانت هذه التجارة مصدر رخاء كبير لمدن مثل بمبلونة وبرشلونة، وعادت على الشماليين بدخل استخدموا بعضه لشراء المنتوجات الأندلسية المتنوعة، والبعض الآخر للإنفاق على الجيوش. فالتجارة في تلك الفترة، كما هي اليوم، كانت تتم من دون الالتفات كثيراً إلى بعدها العسكري، حتى أن ملوك الشمال الآيبري درجوا على شراء ملابسهم من الجنوب، لا سيما الحريرية، خلال فترات اندلاع الحروب بين الجهتين.

كما أدّت الأندلس دوراً رئيسياً كمركز لإعادة تصدير البضائع الشرقية والمغربيّة إلى الشمال وأوروبة خصوصاً التوابل والأفاوية والمكسرات والعطور وغيرها من المواد.

وكان الأمان النسبي الذي ساد البحر الابيض المتوسط (البحر الشامي) عاملاً مهماً في زيادة التبادل التجاري مع الأندلس، إذ كان هذا البحر خاضعاً للنفوذ العربي اعتباراً من منتصف القرن السابع الميلادي في إثر معركة ذات الصواري عام 654 م لكن الحركة التجارية كانت أنشط مع المغرب لا سيما المغربين الاوسط والاقصى لسعة أسواقهما وارتفاع عدد سكانهما.

ووفر هذا الوضع الاقتصادي الجيد للأندلس رخاء كبيراًً ربما فاق في بعض الفترات رخاء المشرق في القاهرة وبغداد ودمشق، ومكّن الأندلسيين من تطوير الزراعة والصناعة والتعامل التجاري تحت غطاء الأمن والاستقرار.

إلا أن الأمر بدأ يتغير بعد انهيار الخلافة واهتزاز الأمن في الأندلس مطلع القرن الحادي عشر، على رغم ان وضع الأندلسيين ظل جيداً في صورة عامة حتى بعد تراجعهم وانحسار سلطتهم تدريجاً. ثم تكررت القصة ذاتها في مملكة غرناطة كما تشهد بذلك المزارع والأقنية والصناعات التي لا يزال بعضها، أو آثارها الدارسة، باقياً حتى اليوم.

التأثير الأندلسي في نشأة الحضارة الأوروبية

عادل بشتاوي

فرض تعقيد العلوم اليونانية وتنوعها مرور فترة طويلة قبل أن يتمكن العلماء العرب من هضمها واستيعابها قبل تقديمها بصورتها الأولى، أو بشكل آخر مطور احتوى على شروحات مفصلة، أو اضافات نتجت عن مراقبة جديدة أو تحليل لبعض جوانب تلك العلوم. وادرج شمس الدين محمد بن ساعد الانصاري في »ارشاد القاصد إلى اسنى المقاصد« 60 علما اشتغل به العرب إما ترجمة عن اليونان والرومان والفرس والهنود والانباط وغيرهم، واما تطويراً لعلوم جديدة تطلبتها عوامل الحاجة لثبت اللغة وشرح الدين وتطوير الزراعة والصناعة ووضع أسس التعامل بين الناس، وغير ذلك من العلوم والنشاطات الفكرية التي وجدت دفعة قوية من خلال حض الإسلام على طلب العلم، والسيادة العربية التي نهضت على سلطان بغداد ودمشق وقرطبة والقاهرة. ولم يكن الاشتغال بالعلوم مجرد الجسر الذي انتقلت عليه حضارة اليونان إلى اوروية في القرون اللاحقة. فالمترجمون العرب والسريان وغيرهم، حفظوا الكثير من أعمال العلماء والفلاسفة والاطباء اليونان من ضياع شبه حتمى، غير ان ما عرفوه وما طوروه وابتدعوه كان كافياً لقيام حضارة علمية عربية هائلة اتصفت بتميزها الخاص فلم تكن نهاية العلوم ولا شكلها الأخير، وهذا ينطبق على علوم اليونان كما ينطبق على علوم وحضارات غيرهم.
ومن بين أكثر من 300 مدرسة عربية كانت القاهرة تضم 89، وبغداد 40، ودمشق 133، والقدس 44، بالإضافة إلى مدارس كثيرة في الموصل والقيروان وقرطبة وإشبيلية وغرناطة وسبته وسمرقند وبلخ وغيرها من المدن الإسلامية. ومن أشهر هذه الدور »بيت الحكمة« الذي بناه المأمون سنة ٢٣٨ (217) وكانت له صفات كثيرة من جامعات اليوم، وجامعة القرويين المبينة سنة ٩٥٨ (245)، والازهر المبني بين عامي٩٦٩ و٣٧٩ (٨٥٣-٢٦٣). وكما أن كثيراين من غير العرب ساهموا في خلق النهضة العلمية العربية لم تكن أبواب العلم موصدة في وجه غير العرب فنهل منه الجميع، وكان الأساس الذي بنى عليه الملوك والامراء في أوروبة ثقافتهم خلال تلك الفترة من التخبط التي اعقبت اجتياح القبائل الجرمانية أوروبة وحتى قيام المملكة الكارولنجية.

دينار مرابطي صك نحو 1116 م (ويكيبيديا

وفي عصر شارلمان بدأت بوادر حضارة أوروبية محدودة نتيجة للاستقرار السياسي الذي وفره شارلمان، وتجمع في بلاطه معلمون استدعاهم من إنكلترا وآيبرية ولومباردى وإيطاليا ليشكلوا المركز الذي شاء شارلمان ان يكون نبع ثقافة تعم كل ممالكه الضخمة. وتتبع خطوات شارلمان تظهر تأثره بما كان يجري في الأندلس عند حدود ممالكه الجنوبية على غير عادة ملوك القبائل الجرمانية. ولم يحقق شارلمان انتصارات عسكرية مهمة لكنه احتك خلال وجوده في الشمال الأندلسي بالثقافة العربية ووجد، مثلاً، أن المساجد كانت المدرسة ودار العبادة في آن واحد فأصدر امره الشهير بفتح المدارس في الأديرة بعد 11 سنة من عودته من الأندلس، وكان لهذا القرار تأثير عميق في تطور الثقافة الأوروبية في ما بعد. وهو سمع بتكريم عبد الرحمن الداخل وهشام الرضا للعلماء والأدباء، فجمع في بلاطه ابرز مثقفي عصره من مختلف الممالك النصرامية لاثراء مدرسة القصر التي أنشأها سنة 781 لتكون النموذج الذي قامت عليه المدارس والكنائس والكاتدرائيات في انحاء مملكته كافة فكانت تلك الهيئات الدينية مؤسسات تعليمية تشجع العلوم وتنمي دراسة الرياضيات والهندسة والفلك والموسيقى. ولعل اهمية عمل شارلمان كمنت في أنه حول العلوم من دراسات تهم الفنانين (artes mechanicae) إلى دراسات صالحة للاحرار (artes liberales)جمعت القواعد اللغوية والخطابة والفلك وغيرها من العلوم. لكن بما أن تلك النهضة قامت أساساً على وجود ملك مسيطر مثل شارلمان فإن وفاته سنة 814 تسببت في خمول تلك الحركة وتقويض الكثير من اسسها بعدما تقوضت الملكة الكارولنجية.

وموت الحركة العلمية الفرنسية بموت شارلمان ارجأ أي تطور يذكر هناك حتى القرن الثاني عشر، إلا أن توجيهه للمؤسسات الدينية بضرورة تكريس جزء من جهود الكهنوتيين لمتابعة العلوم الحياتية استمر من بعده من دون ان يحدث الاثر المطلوب. وفي هذه الاثناء كان التطور من نصيب إيطاليا، وكانت العوامل تتفاعل لخلق النهضة الاولى فيها من دون سائر الممالك الأوروبية. والاهتمام الايطالي بالعلوم تواكب مع الحركة الإصلاحية التي قادها غريغوريوس الخامس (996 – 997)، ورمت إلى مركزة الادارة الكنيسة تحت لواء البابوية، وتطهير اخلاق الناس بعد تطهير قلوبهم. واستمرت هذه الحركة في عهد سلفستر الثاني (٩٩٩-٣٠٠١) الذي انشأ الكثير من المدارس في إيطاليا وفرنسا وشجع العلوم واجتذب العلماء اليه. ولم يكن هذا التصرف غريياً على البابا سيلفستر الثاني الذي درس في مدارس قرطبة عندما كان راهباً باسم جلبرت وطبق ما تعلمه في عاصمة الخلافة القرطبية المحتضرة على مؤسسات علمية اراد لها إلا تقل شأوا عن مؤسسات الأندلس. وبما ان الحركة الإصلاحية الكنسية تضمنت لم شمل الممالك المسيحية واعلاء شأنها. فانه كان من الطبيعي ان تأخذ في بعض مظاهرها ابعاد أي نفوذ إسلامي عن إيطاليا أولاً ثم عن باقي الدول الواقعة في أوروبة في ما بعد. والمعروف ان العرب كانوا يسيطرون على مناطق كثيرة من السواحل الايطالية الغربية واحتلوا روما سنة ٦٤٨ (231). إلا ان البابا يوحنا العاشر (٤١٩-٨٢٩) عمل على اجلائهم عن إيطاليا، واكمل الإسكندر الثاني (١٦٠١-٣٧٠١) عمل سابقة فحث النورمان على اجلائهم عن صقلية، وكانت مركزاً حضارياً عربياً مهماً حتى باتت كلمتا »الطبيب الصقلي« تعنيان أفضل ما يمكن ان يرتقي اليه طبيب من علم. أما ائمة روما الذين جاءوا بعد الاسكندر الثاني فعملوا على توسيع ساحة الحرب مع الإسلام، وبدأت الحروب الصليبية آخر القرن الحادي عشر.
وفي المشرق أقام الصليبيون غرباء الموطن والحضارة وسط امة تفرقت. وتحوّل هدف السيطرة على بيت المقدس مع الزمن إلى خدمة التوسع التجاري الذي سعت لتحقيقه ممالك بيزا (بيشة) والبندقية وجنوة. وفي المشرق أيضاً استذوق الصليبيون حضارة لم يعرفوها، وأنماط عيش لم يعتادوا عليها. وطوال تلك الفترة التي استمرت حتى سنة 1291 عندما استعيدت عكا، لم يخطر ببال الصليبيين ان في المشرق علم يستطيعون الإستفادة منه، أو حضارة يمكن ان تحسّن من حياة الجهل التي عاشتها أوروبة »ومع أن الصليبيين اللاتين احتلوا القسطنطينية واثينا وكورنيث وطيبة فانهم لم يجلبوا معهم مخطوطة يونانية واحدة. ولم يكن يخطر ببال معظم الصليبيين أن هناك شيئاً يمكن ان يتعلمه الانسان من الأدب اليوناني القديم. وكانت تلك فرصة رائعة لكي يعرف الغرب ما تبقى من عظمة الشعر والفكر والهيليني،تلك الفرصة ضاعت. وصحيح أن بعضاً من شعاع ذلك النور العظيم اخترق أوروبة في القرن الثالث عشر، إلا أنه لم يأت من اليونان بل جاء عن طريق التأمل المفيد الذي وفره العرب في إسبانيا«(35).

وكما أن تقوض أمبراطورية شارلمان لم يقوض جميع الأسس التعليمية التي أوجدها، فان الحملات الصليبية لم تكن هي الأخرى من دون أي تأثير لأن الحروب الصليبية خلقت حركة تجارية نشطة كانت سبياً رئيسياً في »الثورة« التجارية التي عرفها العالم آنذاك، واستفادت منها مدن السواحل الايطالية والفرنسية الجنوبية في صورة كبيرة. ومهّد توافر تلك الثروة مع المصادر التي أمكن الحصول عليها من الأندلس أو من القسطنطينية في ما بعد، لنشوء حركة علمية تركزت في إيطاليا واعتمدت اساساً على مدارس الكاتدرائيات، وعلى موضوع الفلسفة اللاهوتية تحديداً. خارج نطاق التعليم الكنسي هذا اشتهرت جمعيات علمية في بولونيا، إلا ان أهم المؤسسات العلمية في تلك الفترة كانت جامعة ساليرنو في جنوب إيطاليا. وتقول اسطورة خاصة بهذه الجامعة أن أربعة أساتذة وهم: عربي ويوناني ولاتيني وعبري، شكلوا مدرسة للطب في الجامعة قبل القرن العاشر، وظلت مادة الطب مادة رئيسية في الجامعة التي ذاع صيتها في القرن الحادي عشر، ودرس فيها اطباء مشهورون قدم بعضهم من تونس أو المغرب، وكانت تضم طلاياً توافدوا اليها من جميع انحاء أوروبة. واعتمدت الدراسة في كلية الطب على كتابات ابقرط وجالينس، وكانت تقدم بشرح مستفيض لاراء ارسطو طاليس، ويختلط فيها العلاج مع التنجيم، والحقائق الثابته مع التصورات. ومع ذلك فان جامعة ساليرنو كانت أول مؤسسة علمية في أوروبة خارج الأندلس، وظلت تتمتع بصيت ذائع إلى ان انحدرت في القرن الرابع عشر.

واذا ذكرت السكولاستية (Scholasticus) في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، فانها كانت تشير عموما إلى علمية ولاهوتية القرون الوسطى، وتتضمن الدراسة الديالكتيكية للمفاهيم ف وقت كان الديكالتيك فيه يعتمد على مقولة »نعم« أو »لا« بتطوير من بطرس ابيلارد (1079 – 1142). وكانت القضية الرئيسية التي شغلت الفلسفة النصرانية في ذلك الوقت تتعلق بنشأة الكون وما وراء الطبيعة اعتماداً على افكار ارسطوطاليس، كما شرحها ابن رشد وغيره من فلاسفة العرب واليهود. ومع تطور تلك المفاهيم في عهد السكولاستيه المحدثة، ازداد الاعتماد على أعمال ارسطو طاليس وشروحها فكانت اساس نظم الفكر في الفترة الجديدة التي لا يمكن انكار تأثيرها على صانعي الفكر الأوروبي في عصر النهضة، بعدما توافرت للدارسين ترجمات كثيرة عن العربية، أو الأصول اليونانية لبعض المؤلفات الفلسفية الشهيرة. وان عرفت إيطاليا بداية نهضة علمية وفلسفية قبل غيرها من دول أوروبة، إلا ان تلك البداية كانت بسيطة، وتطورها لم يكن ينضج تطور علوم الأندلس أو فلسفتها. وهذا ما أكدته الدراسات التي تناولت امخطوطات العربية الموجودة في مكتبة الاسكوريال لتعرض »لنا مئات الحقائق عن تفوق الحضارة الأندلسية ومبلغ ما وصلت اليه من الازدهار والتقدم. فقد ظفر الباحث في هذه الوثائق مثلاً بمخطوطات عربية ترجع إلى سنة 1009 م كتبت على ورق منالكتان مما يشهد لعرب الأندلس بفضل السبق والبراعة في هذه الصناعة، وكذا بطائفة من المخطوطات التاريخية تدل بأن العرب كانوا أول من استعمل الديناميت في الحرب، وغير ذلك مما يلقي أكبر الضياء على حقائق لبثت تحتضر قرونا في ظلمات الاسكوريال«.36

الأندلس وعصر النهضة الأوروبي
ملكت الأندلس حضارة هائلة، وكانت مركزاً علمياً نهل منه كثيرون من نصارى الأندلس، ونقلوا إلى الشمال المسيحي ما تعلموه في الجنوب بعد رحيلهم إلى الشمال نتيجة مجموعة مختلفة من الأسباب. ولا بد أن الشماليين استفادوا كذلك من ثقافة وعلوم بعض الأندلسيين الذين اسروا في المعارك الكثيرة، أو اختاروا البقاء في مواطنهم بعد سيطرة ملوك الشمال عليها. وبسقوط طليطلة سنة ٥٨٠١ (487) توافرت لألفونصو السادس مدينة عظيمة ومركزا مهماً للعلوم والثقافة الأندلسية. وعرفت طليطلة عدداًً كبيراً من المشتغلين بالفلسفة والعلوم منهم ابو الوليد بن الوقشي الضالع باللغة والفقه والهندسة والمنطق، وأبو جعفر بن منيح وكان عالما في الهندسة والنجوم والطب، والقويدس الذي اشتغل بالعدد والهندسة، وابن وافد اللخمي الطبيب المشهور الذي ألف كتاباً في القاقير والادوية جمع فيه بين كتابي ديوسقوريدس وجالينس.

وعاش في هذه المدينة كذلك ابو اسحاق ابراهيم بن يحيى التجيبي (ولد الزرقيال) الذي يعتبره البعض من أعظم علماء الفلك عند العرب، إلى جانب ابي عبد الله محمد سنان الحرافي (اليثاني) الملقب بـ»بطليموس العرب«. وحاصر المسلمون طليطلة، التي لا تزال تحتفظ بطابع القلعة، لكنها ظلت بأيدي الشماليين، وكانت مركز شن الحملات على الأندلسيين، وعاصمة الشمال الثقافية والسياسية فترة من الزمن. وفي طليطلة تطورت مدرسة للترجمة والنقل عملت على ترجمة المجلدات العربية واليونانية والعبرية إلى اللاتينية، وكانت بذلك من أهم المدارس التي وفرت لأوروبة مراجع فلسفية وعلمية قيمة.

واستمر الاهتمام بالترجمة بعدما توافرت للشماليين مصادر جديدة من المعرفة اثر سقوط قرطبة وجيان وإشبيلية وغيرها من المدن الأندلسية الرئيسية. وكان من بين ملوك الشمال من اهتم بالعلوم العربية مثل ألفونصو العاشر »العالم« الذي اتصل بالعلماء العرب وشجع الترجمة من العربية على نطاق واسع. واستمر اهتمام القشتاليين بعلوم العرب في ما بعد، فحرصوا على جمع المجلدات العلمية حتى عندما سعت قشتالة لطم جميع معالم الشخصية الأندلسية الإسلامية. وفي مكتبة قصر الاسكوريال، الذي بناه فيليب الثاني بين عامي 1563 و1584، توجد اليوم أكثر من 000ر2 مخطوطة عربية قيمة وهي من دون شك جزء يسير مما توافر من المخطوطات العربية التي لا تزال بحاجة إلى الدراسة والنشر. ولم تقتصر استفادة الشماليين على الفكر والابداع العربي، إذ أنهم استفادوا أيضاً من المؤسسات العلمية التي كانت قائمة في الأندلس وهو شئ يظهر من استعراض نشأة الجامعات الأوروبية وتطور الجمعيات العلمية فيها بعدما توافرت المصادر، وتوافر الاساتذة والطلاب.
ونمت المؤسسات العلمية الأوروبية في القرن الثاني عشر على صورة هيئات تضم المدرسين والطلاب على حد سواء. وكانت الدرجات العلمية هي التي استمر استخدامها حتى اليوم مثل البكالوريا والليسانس والماجستير والدكتوراه، وكان التدريس باللاتينية قبل ان تتطور اللهجات المحلية. والبعض من هذه الهيئات كان تابعا للسلطات الدينية مثل جامعة باريس، لكن جامعات مثل بولونيا (في إيطاليا) كانت تحت اشراف الطلاب انفسهم. وفي المرحلة التي سبقت نهاية القرن الثالث عشر وصل عدد الجامعات الأوروبية إلى 16 جامعة، وكانت شبه جزيرة آيبرية تضم ستا منها هي: جامعة بلازيا المنشأة سنة 1208، وشلمنقة (قبل ٠٢٢١)، وبلنسية (1243 )، وبلد الوليد (1250)، ولشبونة وإشبيلية (1256). وفي فترات لاحقة أقيمت جامعات أخرى في لاردة ووشقة وابلة والقلعة وسرقسطة. وبعض هذه الجامعات قام نتيجة هجرة طلاب واساتذة من جامعات أخرى، كما حدث بالنسبة لجامعة بلازيا واكسفورد (1167) اللتين استفادتا من خبرات جامعة باريس (نحو ٠٥١١)، التي استفادت بدورها من خبرات آيبرية. وبعضها تميز بالتخصص مثل جامعة ساليرنو أو جامعة مونتبلييه (1289) التي اشتهرت بالقانون والطب وقامت على اكتاف العلماء والمدرسين الأندلسيين من مسلمين ويهود اثر نزوحهم من الأندلس. واعتبر البابا الاسكندر الرابع سنة 1255 جامعات باريس واكسفورد وبولونيا وشلمنقة أهم جامعات ذلك العصر.

لكن على رغم توافر كل تلك المصادر العلمية للقشتاليين فانهم لم يستفيدوا منها بقدر استفادة الأمم الأوروبية الأخرى. ولعل أهم سببين في ذلك الروح العسكرية التي ظلت تسيطر على قشتالة وإسبانيا في ما بعد، والتعصب الديني الذي لم يتح للعلوم تلك الحرية الضرورية لنموها وتطورها، ولم يسمح للشخصية القشتالية إحتلال المكان الذي كان من الممكن ان تشغله في عصر النهضة الأوروبي. وإذا وجد ملوك مثل ألفونصو العاشر الذي اهتم بالعلوم والثقافة العربية وتاريخ قشتالة وايبريه والموشحات وغيرها فان ملوكاً آخرين استهجنوا أن يميل مثل هؤلاء الملوك إلى احترام التراث الأندلسي في الوقت الذي كانوا يسعون فيه إلى القضاء على الأندلسيين. ومن المعروف أن صلة ألفونصو العاشر بالعلماء العرب أثارت نقمة الكثيرين عليه ومن بينهم ابنه شانسو الذي قام على ابيه سنة 1282لهذا السبب وغيره، مما حمل السلطان المريني المنصور للجواز إلى العدوة لمساعدة الأب طبقا لرواية ابن خلدون، أو الإبن طبقا لرواية ابن الخطيب. ومن الأسباب الأخرى التي أبطأت حركة التقدم العلمي في قشتالة، مقارنة مع غيرها من الدول الأوروبية مثل إيطاليا أو فرنسا، دخولها في صراعات داخلية استمرت في صورة أو أخرى منذ عهد ألفونصو العاشر وحتى تسلم إيزابيلا للسلطة سنة 1474 ذلك لأنّ إسبانيا لم تعرف عصرها اذهبي إلا في القسم الثاني من القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر على ايدي سيرفانتس ودي فيغا وفالسكويز وغيرهم.

وخلال مرحلة الاضطراب السياسي القشتالي كانت الدول الأوروبية الأخرى تنتقل من مرحلة تطور علمي وادبي إلى أخرى. وبعد السكولاستيه الاولى جاءت السكولاتية المحدثة التي وجدت رمزها الشعري في الملحمة الدينية التي ألفها دانتي اليجيري (٥٦٢١-١٢٣١) بعنوان »الكوميديا الالهية«. والثابت أنه تأثر فيها بـ»رسالة غفران« المعري التي دخلت الأندلس، وكانت من بين الكتب والرسائل التي دوّن ابن عبد الغفور ثبتا بها في كتابه »أحكام صنعة الكلام« لكن لدانتي فضل تطويع اللغة الايطالية وهو يعتبر أب الأدب الايطالي. وكان من الطبيعي ان يسلك الجدل الفلسفي في إيطاليا الدرب الذي سلكته الاتجاهات الفلسفية العربية والأندلسية قبل ذلك بزعامة ابن رشد وابن باجة والفارابي والغزالي وابن سينا وغيرهم، إذ برز توما الاكويني (1325-1274) فحاول ان يقيم صلة عقلانية بين العقل والدين لكنه، على اهميته، لم يقدم الاجابة النهائية. وفي المراحل اللاحقة اصطدم السكولاستيون العلمانيون بالروحيين، وبرزت حركة تصوف قوية كرد فعل على السكولاستيه، ثم تطورت حركة الافلاطونية الجديدة التي تأثر اصحابها بكتابات افلاطون التي وصلتهم من خلال كتابات ابن سينا وابن رشد، واشتهر من هؤلاء القديسة كاترين (٧٤٣١-٠٨٣١). ولعل أبرز فلاسفة إيطاليا في النصف الاول من القرن الخامس عشر كان نيقولا الكوزي (١٠٤١-٤٦٤١) الذي تناول بالبحث والتعليق كل التيارات الفكرية المتصارعة في ذلك الزمن، وضمّنها كتابه »الجهل المتفتح« الذي صدر سنة 1440، وخلص فيه إلى القول إن الكون لا مركز له، وهو يستعصي على الفهم من خلال التفكير العقلاني به. وفي السنة التي نشر فيها الكوزي كتابه انشئت في فلورنسا الاكاديمية الافلاطونية على نهج الحركة الافلاطونية الجديدة التي كانت تقول إن التطور الفكري للعقل البشري يتوجب ان يكون بلا عوائق، وإن الانسان قادر على تقريب ذاته من المثالية بواسطة دراسة الآداب الكلاسيكية. والجديد في الاكاديمية انها قامت على اكتاف مفكرين رحلوا إلى تلك المدينة الايطالية من بيزنطة مثل مانويل كريسولوراس وبيزاريون، وعلموا باليونانية منذ بداية القرن الخامس عشر. لكن توافر الكثير من أعمال المفكرين اليونان بلغتهم الأصلية لم يلغ قيمة الشروحات التي أضافها المفكرون العرب على تلك النصوص، أو الأعمال التي اضافوها إلى التركة اليونانية الهائلة.

وفي القرن الخامس عشر كانت الفرصة حانت لتطور العلوم التطبيقية وتحسين الاختراعات القديمة وإضافة الجديد اليها ضمن اتجاه عام للاستفادة العملية من العلوم التي توافرت انذاك. وفي ذلك القرن وصل عدد الجامعات الأوروبية إلى أكثر من 80 جامعة، وعمت الدراسات الانسانية، وسادت روح الاكتشاف ومراقبة الطبيعة، لتحل محل المفهوم الارسطوطاليسي للكون، وساعدت الاختراعات الحديثة على إقناع المنكرين بحقائق كانت معروفة قبلهم بقرون عدّة. فالبرهنة العلمية على ان الأرض ليست مركز الكون احتاجت على عدة عناصر لم تتوافر كلها دفعة واحدة. كانت هناك حاجة لمنظر فلكي عبقري مثل أرستارخوس قال في القرن الثالث قبل الميلاد ان الأرض تدور حول الشمس. وكانت هناك حاجة لفلكيين عرب حفظوا تلك النظرية، ولفلكي حديث مثل نيقولاس موبرنيكوس أعاد تأكيد النظرية الاولى سنة 1543 اعتماداً على ملاحظاته وحساباته. ومع ذلك فان رفض تلك النظرية استمر حتى ٩٠٦١، عندما توافر لجاليلو التلسكوب. رأي الأخير أن للمشتري أربعة أقمار تدور حول أكبر الكواكب السيارة هذا، فنسف بذلك الادعاء بان الأرض هي الكوكب الذي تدور حولها جميع الكواكب والنجوم. وربما لم تكن لهذه الاكتشاف فائدة عملية في فترة بعيدة مثل تلك، إلا ان نظرية أخرى هي كروية الأرض فتحت ابواياً تجارية وتوسعية وعسكرية لم تكن تخطر على بال، وان احتاجت الأخرى إلى عدة عناصر كسابقتها. وقال ارستاخوس واراتوستينيس قبل الميلاد إن الأرض كروية، وكرر الفلكيون العرب أفكاراً مشابهة من دون التعمق فيها، (*البصريين الخ اضف) لكن اثبات ذلك تطلب تطوير السفن وابتداع اجهزة الملاحة التي مكنت السفن من الابحار في اعالي البحار، بدلا من البقاء على مقربة من الشواطىء. وتطلب ذلك أيضاً مغامراً مثل كولومبوس، واذنا صاغيه مثل اذن إيزابيلا القشتالية التي وافقت على رحلة كولومبس البحرية ليس لهدف علمي، بل لاكتشاف مصادر التوابل في الشرق عن طريق الدوران حول الأرض بالابحار غرياً والالتفاف نحو الهند لتفادي الأعداء على طريق التوابل القديم. وظل هذا المكتشف حتى وفاته يعتقد انه اكتشف الجزائر الواقعة إلى الغرب من الهند وليس قارة جديدة بحالها.

والفرصة التي توافرت لكل من إسبانيا والبرتغال لم تتوافر لأي أمة أخرى من الامم التي نشطت لبناء الاساطيل والسيطرة على البحار في العالم، وهما استفادتا من التركة الهائلة التي ورثتاها من الأندلسيين، وتطورت منذ المحاولات الاولى لترسيخ سلطة الامارة القرطبية. فحاجة الأندلسيين لدرء مخاطر القراصنة النورمان، والاستجابة للمتطلبات التجارية التي تعاظمت مع نمو الحركة التجارية الأندلسية، وضرورة تطوير الاساطيل البحرية لحماية الجزر الشرقية أو نقل التجار والحجاج والطلاب إلى المشرق، كل هذه الأمور، وغيرها، أدت إلى التركيز على الحركة الملاحية واعطائها أولوية خاصة، تمثلت في بناء السفن الكثيرة والانفاق على الاساطيل، كما يتبين من اشارات كثيرة في التاريخ الأندلسي. ويقول صاحب »البيان المغرب« ان المجوس (النورمان) لما حاولوا الاغارة على مدن ساحل الأندلس الغربي »وجدوا البحر محروسا، ومراكب المسلمين معدة، تجرى من حائط افرنجة إلى حائط جليقية في الغرب الاقصى«. ويقول صاحب »المقتبس«(37) إن عبد الرحمن الاوسط سير سنة٨٤٨٤ (٤٣٢) »أسطولا من ثلاثة مئة مركب إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة، لنقضهم العهد واضرارهم بمن يمر اليهم من مراكب المسلمين«. (38) ويقول صاحب »الإحاطة« إن الحكم الثاني توجه إلى مدينة المرية في رجب سنة ٣٥٣ (964)، »وأشرف على أمورها، ونظراً إلى اسطولها وجدده، وعدته يومئذ ثلاثمائة قطعة«.(39) وحظيت تلك المدينة بأهمية كبيرة إذ كانت مقر أمارة البحر التي استحدثت في عصر الخلافة، وبقي منصب »امير البحر« اعلى مراتب قادة البحرية في الاساطيل الأوروبية كما يؤكد ذلك الاسم المحرف Admiral or Amiral.
أما وقد استغل البرتغاليون والاسبان التركة البحرية الأندلسية وعملوا على تحسينها باستمرار، فانهم تمكنوا من فتح العالم الجديد. بينما دفع سعي البربغال للوصول إلى مصدر التوابل في الشرق عدداًً من المتحمسين إلى ركوب الاهوال للدوران حول رأس الرجاء الصالح مثل بارتولميو دياث (1487)، وفاسكو دي غاما، الذي تمكن من العثور على الطريق إلى الهند (1498) بثلاث سفن و150 بحاراً بفضل المساعدة القيمة التي قدمها اليه شهاب الدين احمد بن ماجد »أسد البحر العربي« المدفون اليوم في منطقة الندود برأس الخيمة في دولة الامارات العربية المتحدة. وفي الخليج أيضاً عرف البرتغاليون الشراع المحدب المستخدم من فترة سبقت القرن العاشر الميلادي، وكان ذلك اكتشافاً مثيراً إذ كانت السفن تتمكن بفضله من استغلال أضعف التيارات الهوائية للابحار بدل انتظار المد قبل الشروع بالرحلة، وأدى هذا بالتالي إلى تنشيط الحركة التجارية، وزيادة الثروة عن طريق سرقة الافارقة افراداً وخيرات، واستعباد أهلها المسلمين والوثنيين. *أقام العرب محطات تجارية في شرق أفريقية ووسطها وشمالها منذ القرن السابع الميلادي ونشروا الإسلام في تلك المناطق. وبين القرنين الحادي عشر والسادس عشر تأسست ممالك إسلامية مهمة في تلك المناطق منها مملكة قائم (حول بحيرة تشاد)، وبورنو (بين تشاد والنيجر)، وواداي (تشاد) ودارفور وكردفان. ووصلت مملكة مالي إلى اوج سلطتها ابان حكم كونغو موسى (٢١٣١-٧٣٣١)، بينما علا شأن مملكة جوا (مالي) تحت حكم أسكيا محمد ثم اتسعت المملكة بين ٣٩٤١ و٨٢٥١. واستغل البرتغاليون ذهب مملكة مونوموتامبا (زمبابوي) بعد احتلالها في القرن السادس عشر.

ومن الإختراعات المهمة التي نقلها العرب إلى أوروبة البارود المستخدم في الأسلحة النارية للدفع. واستخدم البارود لهذا الغرض في مرته الاولى خلال وقعة طريفة (٠٤٣١) بين المرينيين بقيادة سلطانهم ابي الحسن على بن ابي يعقوب ومعه سلطان غرناطة ابي الحجاج يوسف (الاول)، وبين القشتاليين وحلفائهم. وانتشر استخدام البارود على نطاق واسع خلال حرب المئة عام بين الإنكليز والفرنسيين (٩٣٣١-٣٥٤١) في مدافع قديمة طورها الايطاليون والفرنسيون في ما بعد. وكان من غرائب الصدف ان فرناندو »الكاثوليكي« استخدام مدافعا ترمي كرات فولاذية خلال حصارة لمدينة رندة سنة 1485 فجاء استقدام العرب لالات قاذفة (الأنفاط) من دمشق وبالاً عليهم. أما الاستقدامات الأخرى غير العسكرية فشملت الساعات. وقصة الساعة التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان مشهورة. وطالما وفر العرب المبدأ الذي صنعت بموجبه الساعات، فقد كان من الممكن تطويرها في وقت لاحق، واستطاع بيتر هنلاين سنة 1500 صناعة ساعة الجيب التي عرفت باسم »بيضة نورمبرغ«.

ولعل أهم الاختراعات المطورة في القرن الخامس عشر كان الطباعة. والطباعة لن تكن اختراعا أوروبياً إذ عرف اليابانيون الطباعة بالقوالب نحو سنة 700 ميلادية، وعرف الكوريون الطباعة بالاحرف المتحركة نحو سنة ٠٠٤١ وكان يوهان غوتنبرغ نفسه يمارس الطباعة بواسطة القوالب الخشبية المحفورة، وهي حرفة معروفة منذ القرن الثالث عشر. ووجد هذا الألماني أن صناعة الحروف المنفصلة من المعدن تمكّنه من استخدام الحرف لطباعة كلمات أخرى، وهكذا تمكّن نحو سنة 1455 من طباعة 42 سطراً من الإنجيل. هذا الابتكار فتح آفاقاً جديدة من الاتصالات الانسانية فالكتب قبل ذلك كانت تنسخ في معظمها بواسطة الرهبان في الأديرة. وكان النسخ يحتاج إلى وقت طويل إضافة إلى ان الكنيسة كانت تنسخ الكتب التي تريدها. وبتوافر الطباعة أمكن انتاج الكتب بالجملة وبأسعار معقولة، وبات من الممكن اعتماد اللغات المحلية التي بدأت تستخدم للأغراض التعليمية والتأليف. لكن الطباعة ما كانت لتصبح حقيقة واقعة لولا توافر الورق الذي ادخله العرب صناعته إلى أوروبة محسناً وطوروه في اوقات لاحقة من خلال استمرار تصنيعه في عدد من مدن الأندلس. ولعل اتقان صناعة الورق هو الذي مكّن من إنشاء أول مطبعة في شبه جزيرة ايبريه بعد 19 سنة من طباعة الإنجيل الاول، وكان مقر المطبعة مدينة بلنسية التي ضمت أكبر تجمع للأندلسيين في ذلك الوقت باستثناء غرناطة.

العلوم العربية والعصور الحديثة
يحاول البعض اليوم الايحاء يخلو العلوم الحديثة من أي صلة بالحضارة الإسلامية باعتبار أن ما قدمه علماء العرب كان مجرد سرد لجانب من تاريخ تطور العلوم التي يعرفها العالم اليوم. وقول البعض إن اصول الحضارة الغربية تنبع من اليونان مكابرة هدفها حرمان فلاسفة العرب وعلمائهم من فضلهم الكبير ليس فقط في حفظ الكثير من أعمال اليونانيين القدماء، بل في تطوير تلك العلوم وإضافة الكثير من العلوم الجديدة اليها. وعندما انهمك ليوناردو دافنشي (1452 – 1519) في تطوير علم الميكانيك، فانه لم يكن يشتغل في علم جديد لانه علم عرفه اليونان ووقف العرب على اسرار ذلك العلم الذي كان يعرف باسم علم »الحيل« لأنه في بدايته لم يكن أكثر من حيل كما يتضح من »التقليعات« التي انتشرت في أوروبة في القرن السادس عشر وما بعده عندما كان العمال يكدّون سنوات لصنع قرية مصغرة من الدمى والنوافير والأجراس لمجرد تسلية الأثرياء. واشتهر هنلاين مطوراً للساعات الصغيرة لكن من الثابت ان العرب اخترعوا رقاص الساعة الذي أسموه »الدقاق« لأنه كان يدّق مرة في الثانية أو 86.400 دقة في اليوم. وكما تستحيل صناعة الساعة من دون الرقاص، كان من الصعب أيضاً تطوير الرياضيات من دون الارقام الهندية التي ادخلها الأندلسيون إلى أوروبة ولا تزال تعرف حتى اليوم باسم الأرقام العربية. (*أضف هنا الارقام الهندية الخ من المجلة) أما في الفترات السابقة فكانت الارقام الرومانية هي المستعملة. وكان مجرد ضرب رقمين برقمين آخرين يستلزم جهداً كبيراً (* أضف هنا حساب الارقام) حتى أدخل العرب الصفر الذي لا يزال يعرف باسمه العربي (cipher). ومثل هذه الكلمة السمت (zenith) والكحول والقرنية وغيرها العشرات من الكلمات التي لم يكن علماء الغرب يعرفون أي معنى لها باللاتينية أو في لغاتهم المحلية.

لكن التأثير العربي في الحضارة الأوروبية لم يقتصر على العلوم بل تناول مختلف أوجه الحياة في أوروبة من الثياب إلى الطعام إلى الفروسيه وسائر الشؤون الأخرى، التي تسعى الشعوب الأقل حضارة لتقليد الشعوب الاسمى حضارة منها. كان الطب مثلاً عند العرب لايفترق عن الغذاء كما لم يكن يفترق عن النظافة. وطورت شخصيات مثل ثيوفراستوس (٣٩٤١-١٤٥١) المفاهيم الطبية في أوروبة من دون ان تتطور مفاهيم النظافة عند الأوروبيين. فالطاعون مرض يصيب الجرذان أساسا لكنه يصيب الانسان ان عقصته قملة عقصت قبله الجرذ. وظل الحلاقون في أوروبة يمارسون الجراحة إلى جانب عملهم الاصلي من دون العناية باسس النظافة، بل أن تخصص الاطباء الجراحين كان في ظروف انعدام النظافة، يضر أكثر مما ينفع(40). ونجد ان حقد القشتاليين على الأندلسيين لم يقتصر على افنائهم بل شمل كذلك تدمير منافعهم العامة مثل الحمامات.

والتاريخ يكاد يؤكد ان النهضة العلمية لا يمكن ان تتوافر من دون نهضة تتناول الوضع السياسي كما تتناول الوضع الاجتماعي والحالة الاقتصادية. وحين انهارت اليونان سياسياً واقتصادياً خمدت فلسفتها وعلمها وحضارتها، أو استمرت بصيصا أيام مجد الأمبراطورية البيزنطية حتى نهض العرب وبنوا حضارتهم التي انتقلت إلى الأندلس ومنها إلى أوروبة. وحين نهضت كان الوطن العربي في سباته العميق تحت وطأة تخلفه الناجم عن الموجات الاستعمارية التي تعاقبت عليه. ونحو نهاية القرن الماضي تجدّد الاهتمام بالتراث العربي وشرع عدد المفكرين العرب في الاستفادة من المخطوطات القيمة الموجودة في مكتبات إسبانيا وبريطانية والمانيا وهولندا وفرنسا وغيرها من دول أوروبة، وبدأت معالم المساهمة العربية في تطور العلوم الانسانية في الاتضاح في صورة أكثر جلاء وعمقاً، وان كانت هذه المعالم منقوصة بسبب ضياع معظم المؤلفات التي وضعها الباحثون والعلماء العرب. وحتى المكتبة الملكية المشهورة في الإسكوريال لا تضم اليوم سوى عدد بسيط من الأعمال التي توافرت في الأندلس. ونزعة الكردينال خمينيس سنة 1499 إلى احراق معظم الكتب في غرناطة(41) لم تكن الكارثة الوحيدة؛ إذ شب حريق في المكتبة المذكورة سنة 1671 بعدما تسربت النيران اليها من الكنيسة واودى الحريق بعدد غير معروف من المخطوطات التي جمعت منذ القرن الحادي عشر أو غنمها الاسبان من السفن المغربية وغير ذلك من المصادر. وفي عام 1808 نهب الفرنسيون بقيادة لاهوسيه مبنى الاسكوريال ولا يعرف حجم التلف الذي أصاب المخطوطات.

وتبقى المكتبة الملكية على رغم كل هذا محجاً للراغبين في الاطلاع على كنوز الفكر الأندلسي، وفيها من المراجع ما يتناول معظم الشؤون وان كان تاريخ المحتويات من المخطوطات العربية لم يكتب حتى الان ومن بين المخطوطات العربية في المكتبة ارجوزة ابن سينا (المخطوطة رقم 831 وفيها 60 ورقة، ومقالة في سر صناعة الطب للرازي (833) الاوراق 127-139، والجامع في الطب (839) لضياء الدين ابي محمد الأندلسي المالقي (ابن البيطار) فيها 238 ورقة مكتوبة سنة 1559، والجراحة (876) للقرطبي ابي القاسم الزهراوي وفيها 51 ورقة، وكتاب منافع الحيوان (897) لابن دريهم الموصلي وهي تحتوي على 250 لوحة بالالوان مع خلفية من الذهب وفيها 154 ورقة مبتورة البداية، والجمهرة في البيزرة (903) لعيسى بن علي بن حسن الاسدي وفيها 304 ورقات، وكتاب الهيئة لجابر بن أفلح الأشبيلي (930) وهو تلخيص للمجسطي وفيها 150 ورقة، وكتاب مجهولات قسي الكرة للقاضي الجهني يوصف بأنه أول كتاب في حساب المثلثات الكروية الف في الغرب وفيه 22 ورقة، والجزء الثاني من كتاب المسالك والممالك (1635) للبكري (٤٠١ورقات)، وجزء من الاحاطة (1673) لابن الخطيب (٠٠٥ ورقة)، والجزء العاشر من العقد الفريد (1710) لابن عبد ربه (82 ورقة )، وتهافت الفلاسفة (631) لأبي حامد الغزالي، وكتاب الكشف عن مناهج الادلة في عقائد الملة (632) لابن رشد، وكنز الاسرار ولواحق الأفكار (1863) لمحمد بن سعيد الصنهاجي، وغيرها.

عروض لمجموعة من الكتب المتصلة بالأندلس ومحيطها

الاسلام في اسبانيا والبرتغال – تاريخ سياسي للاندلس

 

المؤلف: هيو كنيدي.
الناشر دار لونغمان – لندن.
راجعه: أمين توفيق الطيبي *
مؤلف الكتاب هيو كنيدي هو أستاذ التاريخ الاسلامي بجامعة سنت أندروز في اسكتلندا، يقول في مقدمته ان الكتاب يستهدف تقديم عرض للتاريخ السياسي للاندلس، أي تلك الأجزاء من شبه جزيرة ايبرية التي كانت تحت حكم المسلمين ما بين سنة 92هـ/711م (سنة بدء افتتاح الاندلس) وسنة 897هـ/1492م، سنة سقوط مملكة غرناطة، آخر دولة اسلامية مستقلة في الاندلس.
ويضيف المؤلف: “انني لا أعني بالتاريخ السياسي سرد أخبار الحكام والمعارك – مع أهميتها – بل أعني كذلك فهم الكيانات وراء الأحداث والقرارات السياسية، وأهم هذه الكيانات الأسر الحاكمة، من أين قدمت؟ ومن كان أهم مؤيديها؟ وكيف حاولت تلك الأسر الحاكمة أن تجد تبريراً وشرعية لمزاولة الحكم”.
يشتمل الكتاب (308 صفحات من القطع المتوسط) على أحد عشر فصلاً تتناول فترات الفتح، وعصر الولاة، وفترة الإمارة الأموية، والعصر الذهبي لخلافة قرطبة الأموية، والدولة العامرية، وسقوط خلافة قرطبة، وقيام ممالك الطوائف، وفترتي المرابطين والموحدين، ومملكة بني نصر (بني الأحمر) في غرناطة. وألحق بالكتاب خريطتان: احداهما للاندلس، والثانية لبر العدوة (المغرب الأقصى). كما ألحقت بالكتاب جداول بأسماء الولاة والأمراء والخلفاء الأمويين، وسلاطين المرابطين والموحدين، وسلاطين بني نصر في غرناطة. ويختتم الكتاب بثبت للمصادر العربية (35 مصدراً)، وأهم المراجع الحديثة باللغات الأوروبية (90 مرجعاً)، وبفهرس للاعلام وأسماء الأماكن.
ان الفترة من تاريخ الأندلس من سقوط اشبيلية في أيدي النصارى سنة 646هـ/1248م الى سقوط غرناطة سنة 897هـ/1492م فترة يكتنفها كثير من الغموض ولم تنل حظها من اهتمام الباحثين والمؤرخين الذي انصب جل اهتمامهم على القرون الخمسة الأولى من تاريخ الأندلس ابتداء من الفتح العربي الاسلامي للبلاد. وقلّما نجد مؤرخاً عربياً أولى الفترة المتأخرة من تاريخ الأندلس اهتماماً جاداً معمقاً، وكذلك الحال بالنسبة الى المؤرخين الأوروبيين الذين تناولوا الفترة بصورة جانبية مهمشة عند تأريخهم لاسبانيا، مركزين على الجانب المسيحي الاسباني من تاريخها.
ان مما يميز هذا الكتاب انه خصص نحو نصف الكتاب لالقاء الضوء على تلك الفترة الغامضة، فتناول بإسهاب فترتي حكم المرابطين والموحدين (القرنان السادس والسابع الهجريان/ الثاني عشر والثالث عشر للميلاد) معتمداً – وهو مستعرب – على المصادر العربية التي عُثر عليها ونُشرت في السنوات الأخيرة، وفي مقدمها كتاب “المعجب في تلخيص أخبار المغرب” لعبدالواحد المراكشي، وكتاب “المن بالإمامة” لابن صاحب الصلاة، وكتاب “البيان المغرب” (القسم الخاص بالموحدين) لابن عذاري المراكشي. وعلى ذلك، فإن هذه الفصول من الكتاب مساهمة قيّمة ومهمة للدراسات العامة الحديثة عن الأندلس باللغة الانكليزية. وفي الكتاب ترجمات حية من المصادر العربية، ويبحث المؤلف بالتفصيل في طبيعة هذه المصادر وقيمتها. ويختتم المؤلف كتابه بفصل قصير عنوانه “ودعاً للاندلس”، وفيه يحلل العوامل التي أدت – في رأيه – الى ضعف المسلمين وسقوط الأندلس في آخر الأمر. ومن بين هذه العوامل ما هو ديموغرافي (ازدياد عدد النصارى)، ومنها ما هو استراتيجي، فضلاً عن الفرقة في صفوف المسلمين، وتفوق خصومهم التكنولوجي في مجال السلاح وقصور المسلمين في التمكن من أخذ أو استرداد المدن المسوَّرة كطليطلة ولشبونة، واستبعاد معظم الاندلسيين عن الخدمة في الجيش منذ أيام الخليفة عبدالرحمن الثالث (الناصر لدين الله) والمنصور محمد بن أبي عامر (القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي)، والاعتماد على عناصر من غير أهل البلاد في الدفاع عنها.
ان هذا الكتاب سيكون عوناً كبيراً للباحثين الأوروبيين في تاريخ القرون الوسطى. فهؤلاء الباحثون يعتمدون الى حد كبير على المصادر المسيحية التي تركز على حركة الاسترداد (reconquista). ان تاريخ الأندلس – وهي الدولة الاسلامية الوحيدة التي عاشت أمداً طويلاً في غرب أوروبا – أهمل كثيراً اذا ما قورن بتاريخ الممالك المسيحية المجاورة لها في القرون الوسطى. لقد عاشت الاندلس الاسلامية ثمانية قرون، وفي حواضرها الكبرى ازدهرت الحضارة ازدهاراً فاق كثيراً ما كانت عليه الحال في أوروبا المسيحية المعاصرة، فضلاً عن الدور الكبير الذي كان للاندلس في نقل العلوم والمعارف والثقافة والتكنولوجيا العربية الى الغرب. وعلى ذلك، فإن الاندلس – بفضل هذا الكتاب – سوف تحتل المكان اللائق بها لدى الباحثين الغربيين عند دراسة التاريخ الأوروبي في فترة القرون الوسطى.
* أستاذ جامعي فلسطيني في اكسفورد

 

“مسالك المرابطين والموحدين الثقافية”
في كتاب طرقات التجارة والحروب والثقافة بين المغرب والأندلس

 

عرض رلى الزين

“مسالك المرابطين والموحدين الثقافية: المغرب وشبه الجزيرة الايبيرية”، عنوان لكتاب شامل صدر باللغتين الاسبانية والفرنسية عن “مؤسسة التراث الاندلسي” التي ترعى منذ سنة ٥٩٩١ مشروعاً ثقافياً مهمّاً ينص على تقديم تراث الاندلس من خلال المعارض والكتب، وعلى تطوير السياحة الثقافية من خلال رحلات تاريخية وإنشاء مراكز استقبال ومعلومات للجمهور في مختلف أنحاء الأندلس.
ويدخل مسار المرابطين والموحدّين في إطار برنامج نشر واسع، فقد صدر لغاية اليوم عن “مؤسسة التراث الاندلسي” في غرناطة حوالى عشرين كتاباً ودراسة عن تراث الاندلس، منها : “الأندلس والمتوسط”، و”الموسيقى والشعر في جنوب الاندلس”، و”منازل وقصور الاندلس في القرنين الثاني عشر والثالث عشر”، و”السوق: الحياة الاقتصادية والفنون التقليدية في الاندلس وفي المغرب”، و”ميراث الأندلس العلمي”… ومعظم هذه الكتب نشر باللغة الاسبانية فقط في حين ترجم “مسالك المرابطين والموحدين الثقافية” الذي يقع في ٠٠٥ صفحة الى اللغة الفرنسية، كما صدر كتيّب بالعربية يقدّم ملخّصاً للمعلومات الغزيرة الواردة في الطبعتين الاسبانية والفرنسية. وقد تمّ إنجاز الكتاب بفضل التعاون بين محافظة الأندلس الإسبانية ووزارة الشؤون الثقافية المغربية ومنظمة الـيونيسكو.
أشرف على العمل، الذي أُنجز بطبعة أنيقة ويحتوي على الصور الملونة الحديثة وبعض الصور القديمة من القرن التاسع عشر والخرائط والهوامش وبيبليوغرافيا كاملة، خيرونيمو باييز لوبيز من الجهة الاسبانية وحميد التريكي من جهة المغرب، وساهم في اعداده عدد كبير من المؤرخين والاختصاصيين في الموضوع.
صدر الكتاب في جزءين: الأوّل مخصّص للمغرب وأربعة مسارات فيه (حول مراكش، ونحو فاس، وعبر سهول الاطلس، وبإتجاه المضيق)، والثاني مركّز على شبه الجزيرة الايبيرية وثلاثة مسارات فيها (من المضيق الى غرب الاندلس، وعبر الوادي الكبير والهضاب، ونحو شرق الاندلس). ويعيدنا الكتاب في رحلة تاريخية ممتعة الى القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، الى دولة المرابطين والموحدّين ذات النفوذ الواسع التي شملت، إضافة الى شبه الجزيرة الايبيرية والمغرب، السنغال وموريتانيا ومالي.
وكان البكري، الجغرافي الاندلسي، سجّل في حديثه عن مسالك القوافل التجارية التي كانت تربط وادي درعة بما عُرف ببلاد الزنج عبر اودغشت في موريتانيا، أخبار نشوء سلطة المرابطين وأحوال وعادات تلك القبيلة. ففي الوقت الذي وضع البكري مؤلفه بحدود العام 1068، كان قد تشكّل بقيادة قبيلة لمتونية إتحاد للقبائل الصحراوية القوية أسندت فيه الشؤون العسكرية بيد اللمتوني ابي بكر بن عمر والشؤون الدينية للمغربي عبدالله بن ياسين من أجل نشر الدعوة التي اعتمدتها القبائل المتحدة. وكانت شجّعتهم المثل الدينية والسعي الى تعميق ونشر سُنّة الإسلام، وكذلك إرادتهم الثابتة من أجل السيطرة على طريق القوافل المتاجرة بالذهب وهي الطريق التي كانت تربط بين المغرب والسنغال من جهة والبحر الابيض المتوسط من جهة أخرى.
ويقول المشرفون على الكتاب في المقدمة : “مسالك المرابطين والموحدين… هل بمقدورنا وصفها دون الاشارة الى ما كان يسمّى العدوتين؟ فعلى جانبي المضيق كانت المسالك تتعاقب وتتقاطع ناسجة روابط بين البشر يصعب وصفها. من هذه الاتصالات المتعدّدة، إن كانت تحالفات أو مواجهات، تجاوز الجوهري صدامات التاريخ: خلفية ثقافية وفنيّة مشتركة وأسلوب في الحياة خاص جداً. ولكن، في أي نقطة كانت تتلاقى مسالك ذلك العهد؟”
وللإجابة عن هذا السؤال، قدّم العاملون على الكتاب نصوصاً تفصيلية وصوراً عدة للآثار والمباني التاريخية التي تعود الى تلك المرحلة، سواء في المغرب او في الاندلس، وكانوا باشروا في أبحاثهم انطلاقاً من خارطة العالم التي وضعها الادريسي في منتصف القرن الثاني عشر. فبعد تفحصّهم الدقيق لها إبتداء من مراكش، عاصمة المرابطين والموحدين، اكتشفوا محورين من المسالك المتّجهة من الجنوب الى الشمال.
كان المحور الأوّل يمتّد عبر السهول المنبسطة عند أقدام جبال الأطلس منطلقاً من اغمات أو من مراكش، يخترق تادلا متوجهاً نحو مكناس وفاس حتى يصل الى موانىء سبتة والقصر الصغير وطنجة. وبعد ذلك كانت تبدأ مسالك الاندلس انطلاقاً من الجزيرة الخضراء. وأطلق المشرفون على العمل اسم “مسالك المرابطين” على هذا المحور لأنه كان في عهدهم طريق القوافل التجارية التي كانت تربط افريقيا جنوبي الصحراء بشواطىء البحر الأبيض المتوسط عبر طريق سجلماسة التي كانت بمثابة رأس الجسر لتجارة اعتمدت على الذهب الافريقي.
وأمّا المحور الثاني، فيعبر السهول الأطلسية وينحرف تجاه موانىء آسفي وطيط وآزمور وآنفا وفضالة والرباط التي أنشأها الموحدون، وسلا التي بدأ ازدهارها آنذاك. ويتابع مساره بعد ذلك نحو القصر الكبير، النقطة التي تربط طنجة وموانىء المتوسط مع شبكة مسالك فاس. وساهمت الحاجة الى تزويد مدن الاندلس بالحبوب والمواشي وغيرها من المواد الخام في مضاعفة التبادل عن طريق البحر بين موانىء المغرب على المحيط الأطلسي وموانىء جنوب الاندلس. وسُميّ هذا النسيج من الطرقات بـ”مسالك الموحدين”، ذلك ان التنقّل عبره أصبح أكثر أماناً بفضل تغلّب الموحدين على إمارة برغواطة التي كانت حاجزاً بين سهول الأطلس الشمالية والجنوبية.
ومع تقدّمها شمالاً، تعبر مسالك المرابطين والموحدين مضيق جبل طارق وتدخل الأراضي الإسبانية بادئة في السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة الايبيرية ومدن المضيق، مفتاح الإتصال بين المغرب والأندلس، كالجزيرة الخضراء ثم أركش وشريش لتصل بعد ذلك الى مدينة اشبيلية، أكبر مراكز الأندلس والتي أصبحت عاصمة الموحدين بالتوازي مع مراكش. وتستمرّ فيما بعد لتصل الى لشبونة في البرتغال.
وأمّا الطريق الرئيسية للإتصال ما بين الوادي الكبير وهضاب قشتالة فهي المسار التاريخي لتحرّك الجيوش والحضارات في ذهابها وإيابها الذي يبدأ في قرمونة ويدخل استجة ليصل بعد ذلك الى قرطبة ويخترق ضواحيها صعوداً الى أعالي الوادي الكبير عابراً أرجونة واندوجر وحيّان، ويمضي قدماً الى مناطق غنية بالآثار كقلعة بني سعيد وبياسة وابذة… ومن جهة أخرى، تتشعّب من مضيق جبل طارق طريق مهمة جداً بالنسبة الى المرابطين والموحدين في دخولهم الى بلاد الاندلس، وهي تتجّه نحو الشرق والشمال فيعبر الجزء الأوّل منها مدناً استمرّت في ولائها لمملكة غرناطة، آخر المعاقل الإسلامية في الاندلس: رونده ومالقة وغرناطة والمرية التي كانت – حسب الادريسي – مدينة الأندلس الرئيسية في عهد المرابطين. ويتابع فرعها الآخر بإتجاه ما سماه المسلمون شرق الأندلس ، الى منطقة انتشرت فيها الحواضر والقلاع والموانئ لتبلغ بلنسية، المركز التجاري المزدهر على ساحل البحر الابيض المتوسط ذا الكثافة السكانية الكبرى في تلك المرحلة. وأخيراً، تقترب الطريق من الحدود الشرقية والشمالية لما كان الاندلس ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر: جزر البليار في المتوسط كحدود بحرية، ونحو الداخل مدينة قونقة التي كانت وسيطاً بين مراكز السلطة في هضبة المنجى وشرق الاندلس. من مدينة الى مدينة، ومن منطقة الى أخرى، من المغرب الى الأندلس، ينقلنا الكتاب في مسار طويل الى مرحلة مهمة من التاريخ، ويقدّم – إضافة الى المعلومات التاريخية الدقيقة – تفاصيل عن التبدلات التجارية والثقافية، وعن الانجازات المعمارية والفنية والعلمية، وعن الرجال الذين لعبوا دوراً بارزاً فيها، وفي مقدمهم ابن رشد.

 

بحوث مؤتمر “التأثير العربي على أوروبا العصور الوسطى” في كتاب

القاهرة – سامي كريم
صدرت عن دار “عين” للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية في القاهرة الترجمة العربية لكتاب “التأثير العربي على اوروبا العصور الوسطى”، ويتضمن أوراق مؤتمر نظمه قسم الدراسات الخارجية في جامعة أوكسفورد من ٦ إلى ٨ نيسان (ابريل) 1990 تحت العنوان نفسه.
وقام بتعريب الكتاب الدكتور قاسم عبده قاسم رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب – جامعة الزقازيق المصرية. ويتضمن الكتاب سبعة أبحاث أعدها خصيصاً للمؤتمر سبعة باحثين، تكتفي – كما يشير محررا الطبعة الانكليزية ديونيسيوس آغيوس وريتشارد هيتشكوك – بتوضيح بعض الطرق غير العادية التي تمت بها تجربة تأثير العرب والاسلام على أوروبا الكاثوليكية في العصور الوسطى.
والمواضيع التي يتضمنها الكتاب لا ترصد الاتصال والتفاعل بين العرب وأوروبا خلال فترة العصور الوسطى في شبه الجزيرة الأيبيرية وحدها، على رغم أنه كان واضحاً أن بلاد الأندلس لعبت الدور الرئيسي في نقل مادة ذلك الاتصال، ولكن أيضاً في منطقة حوض البحر المتوسط الأكثر إتساعاً، والتي لم يكن دورها أقل أهمية. ويشار في هذا الصدد الى أنه كانت هناك أدبيات هائلة الحجم وتأثير ثقافي في كل من صقلية وايطاليا. وفي المجالات العلمية كانت المعرفة العربية منتشرة على نطاق واسع، كما أنها اخترقت الأديرة منذ القرن العاشر.
ورتبت الأبحاث في الكتاب – كما يشير المحرران – وفق نظام قُصد به أن يعكس الحركة من شرق المتوسط عبر صقلية وايطاليا الى الأندلس.
ويشير الدكتور قاسم في تقديمه للطبعة العربية الى أن القرن الحادي عشر كان بالنسبة الى الأوروبيين عصر اكتشاف “الآخر”، وكان هذا “الآخر” بالنسبة الى أوروبا هو الامبراطورية البيزنطية من ناحية والعالم الاسلامي من ناحية أخرى. وكان المسلمون يمثلون “الآخر” الغائب الحاضر دائماً، فهو العدو المخيف والمكروه بالنسبة الى أبناء الغرب الكاثوليكي، وهو الجار المتقدم الراقي “المحسود” في الأندلس وصقلية وبلاد الشام ومصر وشمال افريقيا. وكانت الحروب الصليبية ضد المسلمين في فلسطين والشرق العربي والمغرب العربي من ناحية، وضد الدولة البيزنطية المسيحية من ناحية أخرى، محاولة عنيفة من قبل الغرب الكاثوليكي للخروج من جلد أوروبا الضيق.
والدراسة الأولى التي يتضمنها الكتاب عنوانها “دور التجارة في الاتصال الاسلامي – المسيحي خلال العصور الوسطى”، أعدها داود أبو العافية المحاضر في تاريخ البحر المتوسط في جامعة كامبردج.
أما الدراسة الثانية فهي لدونالد هيل، وهو من الكُتاب المشاركين في “دائرة المعارف الاسلامية”، وتحمل عنوان “التكنولوجيا العربية الراقية وتأثيرها على الهندسة الميكانيكية الأوروبية”.
وتحمل الدراسة الثالثة عنوان “تأثير المشغولات المعدنية في منطقة البحر المتوسط العربية على مثيلاتها في أوروبا العصور الوسطى” أعدها جيمس آلان، وهو محاضر جامعي في الفن الاسلامي عمل في متحف “اشموليان” في أوكسفورد منذ 1966
وتناولت الدراسة الرابعة موضوع “الأصول الاسلامية للكوميديا الإلهية لدانتي”، وأعدها فيليب كيندي، وهو باحث في مجال الشعر العربي القديم.
والدراسة الخامسة موضوعها “الحدود المسيحية – الاسلامية في الأندلس: الفكرة والحقيقة”، وهي من إعداد الباحث الأسباني إدوارد مانزانو مورينو.
أما الدراسة السادسة فتحمل عنوان “طريقة إسلامية في التنجيم في أسبانيا” لتشارلز بورنيت الباحث في تاريخ التأثير الاسلامي على أوروبا في معهد واربورغ في جامعة لندن.
وحملت الدراسة الأخيرة عنوان “الغلمان والنساء والسكارى: هل هناك تأثير أسباني – موريسكي على الأغنية الأوروبية؟”، وهي لدافيد ولستان الاستاذ في جامعة ويلز.

 

العرب لم يغزوا الأندلس

تأليف: اغناسيو أولاغي
ترجمة: الدكتور اسماعيل الأمين
عرض عادل سعيد بشتاوي
لعل البعض من قراء خفيف التاريخ الاندلسي يتساءل وهو يقلب كتاب “العرب لم يغزو الاندلس” لماذا يصرف باحث مهم مثل الدكتور اسماعيل الأمين أربع سنوات من عمره يستقرئ ويحقق ويترجم كتاباً عن الاندلس لم يسمع به الدكتور إحسان عباس حتى لو كان كاتبه (اغناسيو اولاغي) ينتمي الى الجنسية الاسبانية!
الا ان هذا التساؤل لا معنى له عندما نكتشف ان الكاتب وضع مؤلفه الاصلي تحت عنوان “الثورة الاسلامية في الغرب” فتلقفه فرنسي معجب يدعى جان بايرت فقدمه ولخصه بالفرنسية ثم جاء الكتاب بالعربية نتاج فكر الاثنين وان كان الدكتور الامين أعلمني انه عاد الى الكتاب الاصل في مرحلة لاحقة ليتحقق منه ويثبت بعض افكاره.
وعلى رغم انني لم اطلع على الكتاب الاصل ولم اسمع بمؤلفه خلال اعداد دراسة عن المواركة في اسبانيا، فانني اميل الى اكبار عمل الدكتور الامين الذي وجد الكتاب “مؤلفاً صعباً موجهاً للمختصين” فاستخدم معلومات ومقدمات ومنهج المؤلف لـ”تبسيطه وتوضيبه وتنقيته وتلخيصه” كي ينقل الفكرة التي يريد الدكتور الامين نقلها.
وقبل ان نستعجل الحكم على الدكتور الامين ونتهمه ظلما بوضع اسمه حيث وجب وضع اسم “اولاغي” لابد ان نعود الى التسويغ الذي تعرضه المقدمة اذ يسجل فيها: “لم يتسم عملنا بالامانة الخالصة، ففي كثير من الاحيان استخدمنا معلومات ومقدمات وكذلك منهج المؤلف للخلوص الى نتائج مختلفة عن تلك التي خلص المؤلف اليها.”
هذا عن المؤلف/المؤلفين فماذا عن المؤلَف نفسه؟
يكاد الكتاب ان يقول ان انتشار الحضارة الاسلامية العربية لم يكن نتاج عمل عسكري لان القدرات العسكرية التي تقيم الامبراطوريات تزول مع الزمن ويبقى التأثير الحضاري اكثر عمقاً اذ وصلت الحضارة الهيلينية الى اماكن لم يسمع بها الاسكتدر المقدوني، وانهارت القوة العسكرية العربية ومع ذلك استمرت الحضارة العربية تزدهر، وانتشر الاسلام سلميا في اندونيسيا وجزر المحيط الهادىء على رغم التفوق العسكري البرتغالي والهولندي آنذلك.
ويحاول الكتاب البحث عن الاسباب التي قدمت الطاقة الضرورية لهذا الانتشار فيقترح ان التاريخ ينتج ما يسميه تطور “الافكار/القوى” التي تتدفق وتتصارع مثل القوى الحية باعتبار ان الحضارة والازدهار تعبير عن اوج الفكرة/القوة المهيمنة، ويلجأ الى تفسير احداث الماضي بتطورات الحاضر فديناميكية الاسلام في القرنين السابع والثامن، مثلا، قابلة للشرح استنادا الى الطريقة التي انتشر بها الاسلام في عهده القريب.
وهكذا يستنتج الكتاب من دراسة الحركات المشابهة ان انتشار الاسلام كان نتيجة الفكرة/القوة وليس نتيجة القدرة على الهجوم العسكري المسلح: “اما الاستمرار في الاعتقاد بان شعوبا تزدهر في بلادها حضارة مهمة تركت معتقداتها وغيرت عاداتها لان حفنة من الفرسان الميامين قهرتها عسكريا فلا يوحي الا بمفهوم صبياني سخيف للحياة الاجتماعية.”
ان القول بان انفراد الامبراطورية العربية من دون كل الامبراطوريات الاخرى بالاحتفاظ بمعظم المناطق التي فتحتها جيوش تلك الامبراطورية عمل لا يمكن تفسيره باستمرار القوة العسكرية وانما بطغيان الحضارة العربية واستتباب الاسلام في تلك المناطق، يكاد يدعم فكرة الكاتب لولا اصراره على التقليل المفرط من اهمية تلك القوة بل والتشكيك بوجودها اصلا فمن اين لعرب الصحراء العطشى بكل تلك الخيول الضرورية للفتح والحصان يحتاج ٠٤ ليترا من الماء في اليوم!
وطبعا الحصان لا يُسقى باربعين ليترا من الماء في اليوم كما ورد في ص 24، الا ان الهدف من ادراج ذلك مفهوم ويصب في النهاية في حفرة تاريخية عميقة يجد المؤلف/المؤلفين نفسه معها في موضع غريب يفرض عليه اما ان يلغي كل الفتوحات العربية او يشكك فيها الى الحد الذي يقترب جدا من اعطاء ذلك الانطباع.
وما يسريه الكتاب طوعا على الفتوحات الاولى يسريه قهرا على فتح الاندلس (خرافة الغزو) والتشكيك بوقوع معركة وادي لكة ( ص 200). وعندما يشكك المرء بالحدث فلا بد ان يلحق بذلك التشكيك بصاحب الحدث الى الحد الذي لا يخلو من طرافة: “فما هي حقيقة الرجل الذي عرف باسم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي؟ الا يمكننا الافتراض ان اولئك الفرسان الذين اندفعوا في غزواتهم حتى مدينة بواتيه الذين تدعي الروايات انهم عرب، لم يكونوا الا من سكان جبال البيرينيه، ولم يُعرفوا الا باسماء عربية!”
وهناك فرضية اكثر طرافة (الصفحتان 197-198) فباستقراء “رواية بربرية” تقول ان طارق بن زياد كان حاكم طنجة يستنتج اولاغي الآتي: “في هذه الحال لابد ان يكون قوطيا من اصل جرماني ذك لان اسمه المكتوب والمقروء باللغة القوطية Taric يدفعنا الى قبول هذه الفرضية”. ويمضي الكاتب في الحاشية ليقول ان نهاية الاسم (ic) تعني بالجرمانية القديمة “ابن” … واسم Taric يعني “ابن تار Tar”.
ويسحب الكتاب هذا المنهج على موسى بن نصير فيقول “اما ان يكون موسى بن نصير شخصية خرافية، وبالتالي يتعين علينا استبعاد مآثره من التاريخ الرصين، واما ان يكون لهذه الشخصية اساس في الروايات المصرية والبربرية وفي هذه الحال لا يكون موسى قائدا عسكريا بل مبشرا دينيا.” (ص 196)
وبما ان كتب التاريخ المتوافرة متخمة بهذه الاحداث وبسير اصحابها فان من الطبيعي ان يجد الكاتب نفسه مضطرا الى انكارها او تسفيه مؤلفيها فمعظم ماجاء في كتب التاريخ “خرافات” ومعظم المؤرخين “اخباريون” “مغفلون”، وما لا ينسفه الكاتب من اساساته يشبعه تشكيكا.
ان الكتاب يحمل عنوانا فرعيا يقدمه كـ “رؤية تاريخية مختلفة” الا ان قراءة هذا الكتاب اعطتني الانطباع بان هدفه الحقيقي اعادة ترتيب الحقائق المتوافرة عن تاريخ الاندلس في صورة تخدم فكرة الكاتب مقدمة لاعادة كتابة تاريخ شبه جزيرة ايبيريا بكامله فيقرض من التاريخ عمودا من هنا او عمودا من هناك ويختار مجموعة معتبرة من المصادر التاريخية ليحيطها بشكوك واضحة من دون ان يقدم، في معظم الحالات، بدائل يمكن الاستناد عليها في اعادة النظر بذلك التاريخ.
ومع ان اطلاق اي حكم على هذا الكتاب يعتبر تجنيا صارخا مالم يتمكن القارىء من درس مؤلف اولاغو الاصلي فان من السهل فهم حماس الدكتور الامين للفكرة التي حمّلها للكتاب وهي ان العمليات العسكرية التي وقعت في العام الميلادي 711 (ان وقعت!) لم تكن السبب في انتشار الاسلام والحضارة العربية لان الفتح كان حضاريا ودينيا قبل ان يكون عسكريا.
ولكن اذا كان المؤلف الاصلي نفسه يربط بين الفكرة والقوة فلماذا يتحتم علينا ان نلغي القوة ونحيل طوعا بعض القادة العسكريين العرب الى مبشرين او نعمد الى ما هو اسوأ فنلغي عروبتهم ونكسبهم الجنسيات القوطية او البيرنية!

العرب في اسبانيا

تأليف: استانلي لين بول
ترجمة: علي الجارم
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1998
راجعه: ياسر شعبان
شهد عام 1491م) آخر مراحل خروج العرب من اسبانيا وزوال دولة الأندلس بعد صمودها نحو ثمانمئة عام. وكان ذلك إيذاناً ببدء تراجع المد العربي ليُفسح مجالاً للقادم الجديد، أوروبا.
وفي عام 1991م) تزامن احتفال الاسبان بذكرى مرور خمسمئة عام على خروج العرب مع افتتاح “الأغاخان” لقصر “ميديڤال زفرال” الذي يشهد على عظمة الحضارة العربية في الأندلس.
كما تزامن مع احتفالات أخرى باكتشاف العالم الجديد “الاميركيتين” بواسطة “فاسكو ديجاما”.
وها هو القرن العشرون يكاد ينقضي، وفي العقدين الأخيرين منه شهد العالم تغيراً نوعياً في طبيعة وأهداف العلاقات الدولية، وظهر ما أطلقوا عليه “النظام العالمي الجديد”، وتتبلور فلسفته فيما يُدعى بـ”العولمة”. وتوالت الأسئلة عن “الهوية” و”الآخر”. وتظهر كُتب يزعم مؤلفوها أنهم يبحثون عما أخفته التحيزات بأنواعها زمناً (مثل كتاب “فتح أميركا” لتودروف وكتاب “الغزو مُستمر” وكتاب “”الحُمر والبيض والسود”)، بالاضافة الى ظهور نظريات جديدة تبحث مسألة المواجهات والصدامات في المستقبل، وهل ستكون عسكرية أم ثقافية أم اقتصادية أم معلوماتية أم بيونية، وبدأنا نتداول مُصطلح “صدام الحضارات” الذي يحمل بداخله اعترافاً ضمنياً بالانتباه وإعادة الاحترام للحضارات التي تراجعت أمام المد الغربي طوال ستة قرون مضت، واختار أصحاب هذه النظرية حضارتين “الصين والإسلام” بوصفهما حضارتي تَحدٍ للغرب، ولهذا ستكون الصدامات عنيفة بينه وبينهما، صدامات تستهدف المحو وليس التدمير، الهوية وليس الحدود العقيدة وليس الاقتصاد، الإنسان وليس النظام.
ومواجهة مثل هذه الصدامات يستلزم مُراجعة دقيقة ونزيهة وواعية لتاريخنا، لتحديد أسباب القوة والضعف،. الانتصار والاندحار، ولبلورة رؤية جديدة لعناصر الحضارة الاسلامية ولمفاهيم مثل: الثقافة والهوية، والمدهش أن كتاباً مثل “العرب في الأندلس” والذي ترجمه (علي الجارم) عام (1947) انتبه – بطريقة ما – إلى ضرورة هذه المراجعات. وعنوان هذا الكتاب أول ما يلفت الانتباه: “العرب في الأندلس”، ولم يأت “خروج العرب من الأندلس”، أو “زوال دولة الأندلس”، وربما يوحي هذا باهتمام المؤلف بدراسة ما يتعلق بالوجود العربي في الأندلس وليس ما يتعلق بزوال دولة الأندلس.
ويقول المترجم (علي الجارم) إن مؤلف هذا الكتاب مُحقق، تتميز طريقته في التأليف بالجمع بين التحقيق العلمي وربط الحوادث ببعضها البعض، وسرد قصة الأندلس بأسلوب شائق وسياق رائع. وبالفعل يعتمد المؤلف على منهج شاع في الرُبع الأخير من هذا القرن، ويزعم تبنيه لوجهة نظر الآخر، وذلك لأجل الكشف عما أخفته التحيزات طوال قرون، ولذلك نجده لا يُخفي إشادة بالدين الاسلامي، ولا بمظاهر الحضارة الاسلامية في الأندلس من آداب ومدنية. ويتضح عبر فصول الكتاب أن ثمة صورة أخرى للعرب في الأندلس تختلف عما شاع عن غرقهم في الشهوات والملذات، واستعانتهم بالاعداء في صراعاتهم على الحُكم، ويكفي الانتباه إلى أن مُسلمي الأندلس كانوا في أرض غير أرضهم، وفي إقليم اجتمعت فيه كل صنوف الفتنة والجمال. وكان اعداؤهم من الأسبان يُحيطون بهم من كل جانب، وفي الشرق أعداؤهم ينصبون لهم الحبائل، ورغم كل هذا احتملت دولتهم وصمدت ثمانمئة عام.
وتشهد آثار (قرطبة- أشبيلية – غرناطة)، التي لا تزال ماثلة حتى الآن، على تَحضُر وثقافة العرب في الأندلس، وتدحض هذه الآثار الشامخة والمؤلفات المتنوعة، المزاعم بأن العرب همج يهدمون ويخربون.
ولا يعني هذا أن سقوط دولة العرب في الأندلس كان من تصاريف القدر، ويجب عدم تجاهل الأسباب التي أدت الى تساقط الدول الاسلامية العربية الواحدة تلو الأخرى.
تماماً كما يجب عدم الاستسلام لمزاعم التاريخ والمستشرقين والغرب بأن الطبيعة القبلية المتأصلة في تكوين الشخصية ستقف حائلاً دون توحد الدول العربية والاسلامية لاستعادة مكانتهم ثانية، ومواجهة القرن المقبل بمستجداته وتحدياته وصداماته.. فهل ننتبه؟!
تعقيب محرر الموقع: صدرت الطبعة الأولى من هذه الترجمة في القاهرة عام 1960

*العروض كلها نشرت في صحيفة الحياة – لندن


مقابلة الكاتب والصحافي حسام الدين محمد بمناسبة صدور المجلد الأول من كتاب الأصول

 

الأسس الطبيعية لحضارة العرب

الأسس الطبيعية لحضارة العرب

كتاب الأصول الكبير (الجزء الأول)

الأسس الطبيعية لحضارة العرب

وأصل الأبجديات والعد والأرقام والمقاييس والأوزان والقضاء  والنقد

 

عادل بشتاوي: العرب اقدم امة تجارية في العالم واول من ابتكر الابجديات الادبية والرقمية 

 يقول ان موت اسرائيل سيكون طبيعيا ومن لا يعتقد بذلك لم يقرأ التاريخ

2010-10-06

كتب حسام الدين محمد:

المتابع لمسيرة عادل بشتاوي الطويلة ينذهل من حجم وتنوع العالم الذي يجوسه بعقله الاشبه بمفاعل فكري. من القصة القصيرة التي اصدر عدة مجموعات منها بدأها بمجموعة ‘لا تقتلوا الكناري’ عام 1982 (احدى قصصها ما تزال مطبوعة في ذاكرتي عن امرأة تذهب لاستعادة زوجها من العاصمة فتغتصب وتفقد مالها وعنوان زوجها وتنقفل القصة دون ان نعرف المصير المخيف الذي ينتظرها)، مرورا ب3 كتب اساسية في موضوع مواركة الاندلس ومأساتهم ومصائرهم، وروايات ثلاث (‘بقايا الوشم’، ‘زمن الموت والورود’، و’حدائق اليأس’) جدلت بين شؤون العشق والموت والولادة والقضايا العامة الكبيرة، وكتب سياسية تاريخية تبحث في ماضي ومستقبل العرب والعالم، وصولا الى انجاز علمي كبير قدمه في كتاب بالانكليزية (History of the Arabic numerals) يبحث اصول الابجدية الرقمية العالمية، والذي مقدمة لفتوحات اكبر سينشرها في ‘كتاب الاصول الكبير’ الذي سيصدر الجزء الأول منه قريبا.
بشتاوي المولود في الناصرة بفلسطين عام 1945 ليس روائيا ومؤرخا فحسب بل هو اعلامي مخضرم شارك في تأسيس صحيفتي ‘الشرق الاوسط’ و’الحياة’ اللندنيتين، وعمل في مواقع اعلامية رئيسية في دمشق ودبي ولندن، وحاور خلال عمله الصحافي عددا من الشخصيات السياسية الشهيرة بينها انديرا غاندي ومارغريت ثاتشر ومهاتير محمد وبرونو كرايسكي.
في اعمال بشتاوي كلها نلاحظ خيطا مستمرا، فانشغاله بقضايا الانسان البسيطة معطوف دائما على مسائل الحضارة الكبيرةبحيث نشهد معادلة فذة تقارب بين هذين الاقنومين، كان منذ بدء كتاباته يعبر عنها بكل وسائل الفكر، من الرواية والشعر الى البحث العلمي والسياسي والتاريخي.
لاستشراف مشروعه الفكري الجديد والقاء الضوء على مشاغل اخرى كان ل’القدس العربي’ هذا اللقاء معه:

كتبت الكثير عن محن العرب الأندلسيين، وحين تكتب عن احوال العرب المعاصرين وتحلل امورهم وشؤونهم برؤياك العالية التي تستعين بالتاريخ والعلوم والسياسة والادب، ترى، انت الفلسطيني، ان ما يجري في فلسطين امرا عابرا، بينما تتوقف تحليلات غيرك عند سقف اسرائيل فلا يرون حدودا تاريخية بعدها’كأنها حجاب يمنع من رؤية المستقبل، فالى ماذا تستند في دعواك؟

يبدو لي أن الفارق الأساسي هو طبيعة الأفق الذي يريد المهتم بأمر ما التطلع إليه من المكان والزمان الذي يقف فيه،فالبعض يحسب الأشياء بعمره ويريد لها التحقق خلال الفترة الزمنية التي يعيشها. وهذا موقف طبيعي للإنسان العادي لأن المسألة أو القضية محل الاعتبار قضية تتصل به بصورة أو أخرى ويريد لها الانتهاء إلى النتيجة التي يفضّلها بأسرع وقت ممكن. لكن قضية مثل القضية الفلسطينية ليست قضية الفرد العربي أو المسلم فقط بل قضية الأمة لذا من الطبيعي أيضاً أن ينظر إليها المؤرخ من منظار أشمل بكثير وسنكتشف بسرعة أن الوجود الاسرائيلي في بلاد العرب وجود عابر فعلاً، وأن 62 سنة من الاحتلال الاسرائيلي لا شيء تقريباً مقارنة بوجود عربي في بلاد العرب عمره أكثر من عشرة آلاف سنة. ثم لنستعرض بسرعة تاريخ فلسطين وسنجد إذ ذاك أن بلاد العرب الفلسطينية وقعت تحت احتلال أعظم الامبراطوريات التي عرفها العالم بدءاً من الامبراطورية الفارسية فالمقدونية (في عصر الاسكندر ومخلّفاته من العسكر) فالرومانية ثم الامبراطورية البريطانية فيالعصر الحديث فأين إسرائيل من كل هذه الامبراطوريات وهي الدولة الصغيرة التي لا يزيد عدد الاسرائيليين فيها بكثير على واحد في المئة من عدد العرب ناهيك عن عدد المسلمين الذي يتجاوز 1.7 بليون شخص؟ ولم أحسب بدقة مجموع الفترات التي كانت فلسطين خلالها محتلة لكن أقدّر أنها لم تزد على 500 سنة، أي خمسة في المئة من تاريخ فلسطين الذي يبدأ بوصول قوم من عاد من جنوب جزيرة العرب. وأياً كان المقياس الذي يريد واحدنا استخدامه لقياس عمر الوجود الاسرائيلي في بلاد العرب الفلسطينية فأحسب أنه لا بد سيستنتج أن هذا الوجود وجود عابر بالطبيعة، واعتقد أن اسرائيليين كثيرين باتوا يعرفون هذا جيداً، ومثلهم كثيرون في أوروبا وأميركا. الوحيدون الذين ينظرون إلى فلسطين في المستقبل فلا يرون فيها غير الاسرائيليين ثم ينسجون أوهام السلام هم بعض الفلسطينيين أنفسهم وبعض إخواننا العرب وغيرهم. وعرضت بعض أسباب استمرار هذه النظرة مطولاً في كتاب ‘تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية’ وفي كتاب ‘تاريخ الظلم الاميركي وبداية زمن الأفول الامبراطوري المديد’. ولو شاء المرء أن يعرض أحد هذه الأسباب في معرض الجواب عن سؤالك فربما اقترح أنه توهّم فلسطينيين وعرب وغيرهم أن للإسرائيليين ‘حق’ في فلسطين، لكن لو درسنا هذا ‘الحق’ جيداً لوجدناه يرتفع على أرض رخوة أساسها الخرافات التي وردت في بعض مشغولات التراث اليهودية ودعمها بعض النسابين والمؤلفين المسلمين والعرب قديمهم وحديثهم بدس عدد مذهل من الاسرائيليات في تاريخ العرب وهوامش بعض كتب التفسير وغيرها، وهو تاريخ مشوه أصلاً كما عرضت في هذا الجزء الأول من ‘كتاب الأصول: الأسس الطبيعية لحضارة العــرب’ الذي سيصدر قريباً.
وباختصار، أنا كمؤرخ أنظر إلى أرض العرب الفلسطينية في المدى المتوسط فأرى مجموعات من اليهود فيها لكنني لا أرى إسرائيل التي أتصوّر أن موتها كدولة عابرة سيكون موتاً طبيعياً كما مات الوجود البرتغالي العابر في ماكاو والوجود البريطاني العابر في هونغ كونغ وكما سيموت الوجود القشتالي العابر في سبتة ومليلة، بل وأعتقد أن المشكلة التي سيواجهها إسرائيليون كثيرون خلال العشرين أو الثلاثين سنة المقبلة لا تكمن في محاولة البقاء في أرض عربية محتلة بل في مجرد الخروج منها. وأنا كفلسطيني أحب السلام وأتمناه للجميع لكن النزاع في فلسطين نزاع على الأرض، أي على الملكية، وهذا النوع من النزاعات لا يُحل في أي مكان في العالم عموماً إلا أمام قضاء عادل وإلا فبطرق أخرى، ولا أعرف، بالتالي، فائدة من أي محادثات هدفها الأساسي تمييع الحقوق وإطالة امد احتلال فلسطين والسماح لمهاجرين لا علاقة لهم ببلاد العرب باستغلال أرض فلسطينية ليست أرضهم ولن تكون أرضهم مهما حدث، ومن يعتقد غير هذا لم يقرأ التاريخ الحقيقي أو أنه اكتفى بقراءة تفاهات المؤرخين المستشرقين. وأسمح لي هنا أن أضيف بسرعة أن مجموعة صغيرة جداً من المستشرقين كانت أقل جوراً من الباقين في الحكم على حضارة العرب والاسلام، لكن مشكلتي مع الفكر الاستشراقي ارتفاعه على أرضية فاسدة تحكمها قواعد فاسدة، وأرى أنه من الأسلم استبعاد الفكر الاستشراقي برمته لأن التنقيّة الصحيحة لما كُتب لن تُبقي في ما يتوافر من كتب استشراقية بين أيدي العرب ما يسوّغ استمرار التعامل معها، وقد عرضت هذا وغيره مما يتصل بالفكر الاستشراقي في هذا الكتاب بصورة أظن أنها وافية وربما عدت إلى الموضوع في الأجزاء الثلاثة الباقية من كتاب الأصول


الامة الاندلسية الشهيدة

استدرك في نهاية هذا الجواب لأعرض لك باختصار جوابي على ما بدأت به سؤالك عن كتاباتي عن محن العرب الأندلسيين في كتابين أساسيين هما ‘الأندلسيون المواركة’ وأفقها الأوسع كما عرضته في كتاب ‘الأمة الأندلسية الشهيدة’، وكذا في عددكبير من الدراسات والمقالات. وعلى الرغم من وجود نقاط التقاء كثيرة وتماثل بين محن الأندلسيين في الماضي ومحن الفلسطينيين اليوم فإن الغايات الثلاث الأهم التي حاولت سبرها في الأعمال تلك هي إعادة بناء تاريخ الأندلس في كتاب واحد لتحديد أسباب سقوط الأندلس، ورواية معاناة الأندلسيين على أيدي ملوك قشتالة ومحكمة التفتيش (التحقيق) القشتالية، وموقعة الحضارة الأندلسية في البناء الحضاري العالمي. لكن فلسطين ليست الأندلس والأندلسيون ليسوا الفلسطينيين والقرنين السادس عشر والسابع عشر ليسا القرنين العشرين والحادي والعشرين، وما وجدته في بعض المواقع العربية عن الربطالتاريخي الحازم بين فلسطين والأندلس ليست القراءة المناسبة لهذين الكتابين، وليس هدفي الأساسي من بحوثي الأندلسية.
ولو سمحت لي بالتوسع في الإجابة لقلت إن كتاب ‘الأمة الأندلسية الشهيدة’ عمره الآن أكثر من عشر سنوات، وكان من المفترض، بل ومن الضروري، تحديثه وإثراؤه بمعلومات جديدة كثيرة جمعتها من بعض المؤتمرات التي شاركت فيها والبحوث التي اطلعت عليها والمقابلات التي اجريتها مع خبراء في تاريخ الأندلس لكن حال صناعة نشر الكتاب العربي عموماً كمثل حال الصناعات الأخرى، وأتوقع إصدار طبعة جديدة في العام 2011 سأركز فيها على محور أهمية الحضارة الأندلسية وتميزهابوصفها أحدى أهم القنوات التي رفدت عصر النهضة الأوروبي. ولكي نحيط بمعالم الحضارة الأندلسية ربما وجب علينا أن ننظر إليها للحظات من المنظار نفسه الذي ينظر إليها مفكرون ومؤرخون أوروبيون.
وتحضرني بهذه المناسبة مكاتبة حديثة مع الدكتور نورس دياب تلخص ما تقدّم إذ كتب لي من ألمانيا يقول إنه على امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية، ترك المسلمون من المعالم الحضارية العلمية والفكرية والدينية والأدبية والعمرانية الكثير هنا وهناك، لكن الأندلسيين أبدعوا في ذلك كله ، فبات كل من يريد أن يستشهد بتاريخ الحضارة الإسلامية يوجه وجهه قبلة الأندلس، فالكم الحضاري الأندلسي كبير إلى درجة أن لا أحد يستطيع إنكاره حتى من قبل الغرب، ثم سأل: ‘هل صحيح أن إسهامات الأندلسيين الحضارية تفوقت على ما قدمه إخوانهم المسلمون الذين عاصروهم في البلاد العربية الإسلامية أو الذين سبقوهم في التاريخ؟ وإذا كان الجواب بنعم فما السر الذي جعل الأندلسيين يتميزون عن غيرهم من المسلمين؟’
وأعتقد أن المقارنة الحقة هي مقارنة الكل بالكل لا الكل بالجزء أو بعدد من الأجزاء، ولو فعلنا فربما اكتشفنا أن الكل المشرقي أهم بكثير من الكل الأندلسي، وأفكر الآن بما أعرفه عن الانتاج الأندلسي فلا أجد أهم من المحكم لابن سيده لكن تهذيب اللغة للازهري أهم، في رأيي، من المحكم. ولا نريد أن نبخس أي كاتب حقه، ونحن أصلاً كتاب، لكن لا أظن أن التراث العربي سيهلك من دون التراث الأندلسي. أما لو سألنا أنفسنا: هل كانت الأندلس ستعرف تراثها الأدبي والفكري لو لم يكن في المشرق تراثه المعروف فاعتقد أن الجواب سيكون إما بالنفي أو بالقول إن تراث الأندلس كان سيختلف تماماً عن مضمونه المعروف لأن تأصيل البدايات الأندلسية، على الأقل، تأصيل قائم في المشرق.
ومع ذلك يجب الاعتراف بأن التراث الأندلس ‘متميز’ لا بالتأصيل الطبيعي بل لأن الجمهور الأندلسي تميز عن غيره من المجتمعات سواء في المشرق أو في المغرب. والكاتب، كما يعرف الجميع، يكتب لقرائه، والقارئ الأندلسي يختلف عن القارئ المشرقي للأسباب المعروفة كلها لذا اتصف الكثير من تراث الأندلس بالنكهة الأندلسية المعروفة. ولهذا أسباب كثيرة أود أنأقدم على غيرها ثراء الأندلس ومتانة اقتصادها وتنوعه وانفتاح المجتمعات الأندلسية مقارنة بمعظم المجتمعات المشرقية لضعف تأثير المتشددين من تجار الدين إلى أن دخل الأندلس المرابطون ثم الموحدون.
وبعض إخواننا الجاهلين في المشرق يعتقدون أن العرب والمسلمين كانوا مستعمرين في الأندلس، ولو شاء أحدهم وصف سكان الأندلس لقال إنهم أشبه بإخوانهم في المشرق وهذا ليس بصحيح لأن عدد الفاتحين الأوائل لم يتجاوز، في تقديري، 25000 رجل ولا يعقل أن يستنسل هذا العدد القليل نسبياً ثمانية ملايين أندلسي في زمن الخلافة، بل أن محاكم التفتيش اكتشفت في مراحل لاحقة صعوبة بالغة في فصل المسلم عن غيره لأن الكثيرين من الأندلسيين كانوا من الشقر والبيض. وأقصد بما سقته هنا أن الطفل الأندلسي كان ينطق بالعربية مع أبيه لكن أمه كانت في حالات كثيرة تنطق بإحدى اللهجات المحلية ومثلها خال الطفل وابن خالته وغير ذلك. ولو نظرنا كتابا مثل رحلة ابن جبير لوجدناه يستخدم التقويم الهجري إلى جانب التقويم الغربي، ولو نظرنا بعض أدوات الرصد لوجدنا عليها الأرقام الأبجدية (العربية) إلى جانب الأرقام الرومانية. وإذا جمعنا اختلاف اللغات والنطق والتأثيرات الحضارية والثقافية والاجتماعية فربما سهل عندها اكتشاف سبب اختلاف نكهات التراث الأدبي والفكري الأندلس عن مثيله المشرقي.

النثر والشعرثم عرض الدكتور دياب الآتي: ‘سمعت من الآراء مالا تطيب له النفس، من أن أوروبا هي السر في ذلك، فما إن وطأت أقدام المسلمين أرض القارة حتى فتحت بصائرهم على الإبداع والإنشاء وإن كنت لا أتفق مع ذلك فقد كانت الحضارة الأوربية غارقة في الجهل في تلك الحقبة وقد وضحتم ذلك في كتبكم في أكثر من موضع، في حين يقول البعض الآخر إن الأندلسيين أبدعوا بمقدار ما أبدع أخوانهم المسلمون في البلدان العربية لكن هجمات التتار وغيرها من الحروب طمست معالم هذه الحضارة، وهذا لم يقنعني أيضاً فقد عرفت الأندلس حروباً كثيرة وتعرضت إلى حملات تطهير إثنية واسعة حاولت طمس كل معالم الإسلام ومع ذلك بقي من آثار حضارة المسلمين هناك الشيء الكثير.’
ومرة أخرى أعتقد أن’أول ما يخطر في البال هو القول إن معظم الأوروبيين لم يعتبروا الأندلس قسماً من أوروبا، وهو موقف استمر حتى الخمسينات من القرن الماضي وعبّر عنه ديغول بصراحة. أما الخاطر الثاني فهو أن فاقد الشيء لا يعطيه ولم يكن في أوروبا في القرن الثامن حضارة لذا لا يمكن تأصيل الحضارة الأندلسية في أوروبا. ومثلاً كانت عملة الأندلس في زمن الامارة ثم الخلافة هي الدينار (الذهب) فيما كانت عملة جارة الأندلس الكبيرة (غالة أو فرنسا لاحقاً) الفضة التي كانت أيضاً عملة شارلمان. وفي كتب أهل الغرب الكثير عن التأثير الأوروبي في الأندلس لكن نعرف أن ثراء الأندلس كان أهم أسباب استقطاب الأوروبيين إليها، وهذه الثروة من أهم أسباب حملة شارلمان الفاشلة على سرقسطة. ومعروف أن الفرنسيين وراءتأسيس البرتغال وبعض الممالك في الشمال الشرقي من الأندلس، كما لعبوا دوراً حاسماً في غزو الأندلس بعد أخذ طليطلة ثم في مرحلة التوغل الكبير في القرن الثالث عشر وحملوا إليها الهمجية التي اتصفوا بها آنذاك وهذا واضح من بطشهم وتعطشهم إلى سفك دم الأندلسيين.
والموضوع يطول، كما ترى، لكن أعتقد أن أهم إنجازات الأندلس ليس في تراثها وليس في جامع قرطبة وليس في غرناطة واشبيلية بل في تمكن الأندلسيين من صنع حضارة متميزة اشتغل فيها المسلم والنصراني واليهودي حتى أن بعض أهم المفكرين اليهود يقولون إن عصر الأندلس كان العصر الذهبي للفكر اليهودي فأين في الحضارة الأوروبية المشاركة الاسلامية الحقيقية، وأين هو الصوت المسلم في الثقافة الأوروبية اليوم؟ وعلينا في البداية أن نعرف ما هو المقصود بالحضارة، لكن إذا تجاوزنا السفسطات المعروفة والتسطيح فربما قلنا بوجود حضارة أندلسية متميزة لا شك أنها جزء من حضارة العرب والاسلام، ثم لقلنا إن حضارة أوروبا قامت في جزء مهم منها على حضارة الأندلس. وقد قال نيشته قولته في حضارة الأندلس وهو من أفضل ما قرأت، ومثله روبير بريفو في كتابه المدهش ‘صنع الإنسانية’، وربما أضفت بعد ذلك أنني أعتقد أحياناً أن حضارة أوروبا ليست في واقع الامر سوى نهكة أوروبية من حضارة المشرق العربي ومغربه وأندلسه، ويكفي القول إن أهم أداتين في صنع الحضارة الأوروبية، بل وأي حضارة أخرى، هما الأبجديتان الأدبية والرقمية، ونعرف أن كلا هاتين الأبجديتين المعمول بهما في الغرب من ابتكار أهل جزيرة العرب لأن أهل جزيرة العرب أقدم أمة تجارية في العالم، ولأن جامعات الماضي القديم لم تكن في الواقع سوى الأسواق التجارية التي كان العرب يقيمونها في شهور السنة وينتقلون من بعضها إلى بعض وتحضرها سائر قبائل العرب ممنقرب منهم وبعد ومنها دُومة الجندل وهجر وإرم وعدن ثم السوق الأشهر: عكاظ.

أنت مؤرخ وباحث وروائي (اضافة’لأشياء اخرى)’لكنك احيانا تضمن كتبك ورواياتك الشعر، كما تكتبه، مقلا، ضمن باب الاخوانيات ربما. اغلب الروائيين الذين اعرفهم لا يحبون الشعر الحديث فهل انت من ضمن هؤلاء وما السبب؟

أظنك يا أخي تلمح إلى قصيدة في موقعي بعنوان ‘أقلي في العتاب’ يقول فيها العاشق لعشيقته الغاضبة أبداً:
وصار خطابنا شعرا حديثا ثقيل الوقع والدم والكلام
فهذا حديث عشاق لا يعتد به إنما أود القول إنه يبدو لي أن تصنيفات مثل ‘الشعر الحديث’ و’الشعر الموزون’ و’الشعر النبطي’ تصنيفات خاصة بوعاء الشعر لا بالشعر نفسه الذي لا يحتمل أكثر من تصنيفين ذاتيين فإما أن يكون شعراً جيداً أو أن يكون شعراً رديئا، ففي الكتب أطنان من الشعر الموزون الرديء وفي الكتب الأخرى أطنان غيرها من رديء الشعر الحديث. وكما يمكن رد ملايين مفردات العرب إلى ثمانية وعشرين أو تسعة وعشرين حرفا يعرفها معظم الناس، كذا يمكن رد شعر العرب لا إلى ما يفرّق القصيدة عن القصيدة والبيت عن البيت والتفعيلة عن التفعيلة، بل إلى ما يفرّق الشعر عن النثر، والنثر عن اللغو، وهو البناء والتركيب والقافية واللحن (الموسيقى). والعرب أمّة أمّيّة، كما يُقال لنا دائماً ولا أدري لماذا ونحن نعرف في الجاهلية الشعر المتميز وكتب اسمها الرواسم ونظام نقدي متطوّر، والشعراء أميّون مثل الأمّة، ولغتهم الأصليّة متأصّلة في أمّهم اللغوية التي هي الطبيعة فهي في معظمها اشتقاق طبيعي، والطبيعي سلس ومنقاد وسهل على الاستيعاب والتقليد الذي هو أول درجات العلوم كافة. ويعني هذا أن الصلة الطبيعية بين كل أوعيّة الشعر يجب أن تكون أبسط بكثير مما عرضه الخليل وأصحابه وإلا لانتفت عنها صفة الطبيعية، أي السلاسة والسهولة واللحن المتدفق مع الكلام المنغوم، ولبات الشعر عملية اصطناعية لا موهبة تستجيب لشرارة الحالة العاطفية فتضرم نار الإبداع مُترجماً إلى لحن أصوات النطق وتلاحق الإيقاع أوالرنم على قيام الحركة وكبو السكون بالتوالي المضبوط. ولا يتصورنّ أحدنا بيت الشعر الذي قطّعه الخليل وأصحابه بيت يطل على دجلة فهو مشتقٌّ من بيت الخِباء، وهو يقع على الصغير والكبير، كالرجز والطويل، وذلك لأنه يضم الكلام، كما يضم البيت أهله، ولذلك سموا مقطَّعاتِه أسباباً وأوتاداً، على التشبيه لها بأسباب البيوت وأوتادها، وهذا أبسط بيوت العرب وأقربهم إلى البساطة والطبيعية التي يتميزون بهما عن سائر خلق الله، ولا يعقل بالتالي أن يخضع شعرهم إلى أكثر من مئة حالة درس.
ونقلت في أحد كتبي عن الزمخشري إقامته بناء الشعر على المتحرك والساكن (فَعْ أو لُنْ من فَعُولُنْ) أو على متحرّكين (عَلَ من مُفاعَلَتُنْ)، أو ثلاثة أحرف متحرّكَين يتوسطهما ساكن (لاتُ من مَفْعُولاتُ) أو متحرّكين يعَقبُهما ساكن (عِلُنْ من فاعِلُنْ). إذاً، هي في الاختصار متحرك وساكن. والكلام كله متحرك وساكن، فقد يُنظم بتلاحق معين فيصبح سجعاً، وقد يُنظم بتلاحق أسرع فيصبح نوعاً من الشعر. وتباين حالات التلاحق هذه وانتظامها لا يفرّقان بين النثر والسجع والشعر فقط، بل بين درالشعر وبعره. أما السجع فهو بعر كله لأنه مرسل كله بالتكلف والصنعة وخلق اللحن غير الطبيعي.
ومثل من يحاول أن يتعلّم نظم الشعر عن طريق العروض كمثل من يحاول أن يتعلّم قيادة السيارة بقراءة أدلة تشغيلها. ولا يتحقق ضبط الوزن إلا بالتدريب والخبرة فيصبح العقل في الحالة الناضجة قادراً على معالجة الوزن في حالة شبيهة بالحالة الطبيعية، أو بحالة مساهمة اللاوعي في قيادة السيارة. ولكل شاعر طريقته الخاصة في النظم، ويُقال عن شاعر دون غيره إنه صاحب أذن موسيقية مما يعني ضمناً أن ما كل الشعراء في هذه الملكة واحد بغض النظر عن الوعاء الذي يستخدمه.
والكلام الجميل جميل لا يستطيع أحد إنكار جماله وكذا الرديء رديء، لكن أعتقد أن المشكلة ليست في الوعاء الشعري بل في بعض الشعراء أنفسهم وأخص منهم من يريد أن يفرض على الناس شعراً رديئاً ثم يشتكي من أن الناس لا يستطيبونه لا لأنه شعر رديء بل لأن العرب متخشبون ومتحاملون على كل ما هو حديث ومن جملة هذا الحديث الشعر الحديث. ويا أخي الكريم إذا كان الكاتب سيفرض علينا كلاماً ضعيفاً وصوراً أكثر ضعفاً وكان وقع كلامه كوقع الضرب على طنجرة نحاسية بلا حس موسيقي أو عاطفة من أي نوع فلماذا نجبر أنفسنا على المجاملة فنزعم أنه ممتاز لا لشيء إلا لأنه شعر حديث؟ ألا نعرف جميعاً أن أول من نادى بابتكار هذا النوع من الشعر الخالي من الموهبة والموسيقى والجماليات سيلفستر دو ساسي، زعيم المستشرقين بلا منازع؟ وما هو دافع هذا المفكر الاستعماري الفرنسي اليهودي الذي ساهم أيما مساهمة في التمهيد الفكري لاحتلال الجزائر سوى إضعاف أحد أهم أعمدة اللغة العربية الحديثة وبالتالي العربية لأنها لغة القرآن الكريم وفصل العرب عن دينهم وتراثهم لتسهيل تقطيعهم وسرقة أرضهم وخيراتهم؟
وما قلتَه عن تضمين رواياتي بعض القصائد صحيح لأني شعرت أن النثر بات قاصراً عن التعبير عن حالة نفسانية شديدة العاطفة في مواجهة الحب واليأس والموت وغيره فلجأت إلى الشعر لأنه أقدر على التعبير عن هذه الحالات، وألبست بذلك كل حالة لبوسها اللغوي المناسب، أو هكذا أظن. ونشرت في أحد مواقعي عدداً من القصائد في الباب الذي أشرت إليه (بابالإخوانيات) لكن لي قصائد أخرى سأجمعها في كتاب واحد أسميته ‘حكايات نيلمار’ سيكون آخر عمل لي قبل لقاء أجدادي.
ووصفتني في مقدمة سؤالك بالمؤرخ والباحث والروائي لكنني في النهاية كاتب أداتي الرئيسية الكلمة التي لا غنى للمؤرخ والباحث والروائي عنها. والواقع، يا أخي الكريم، أنني أجد نفسي، دون وعي أحياناً، اعتمد التأريخ حتى في الروايات وهذا ما حدث في رواية بقايا الوشم التي تتضمن ‘تأريخاً’ روائياً وعاطفياً لقصة حب هشام لعلياء، أو في رواية زمن الموت والورود وهي، كما تعرف، قائمة على خلفية تاريخية هي مذبحة صبرا وشاتيلا. أما رواية حدائق اليأس فهي الأخرى تأريخ محاولة رشا صنع الحياة بالولادة، إضافة إلى أنها الإطار الذي حاولت فيه لملمة أطراف مفهومي للموت والحياة.

اصل الابجديات

‘ تقول في ‘كتاب الاصول الكبير’ الذي سيصدر قريبا: ان العرب لم يكن لهم معلم سوى الطبيعة، وانهم تعلموا نطق الكثير من حروفهم المجهورة لأنها الامضى في سلاح الصياح، ومنها تعلموا فنون الصيد، ومن الطيور تعلموا كيف يدفنون موتاهم الخ… الا ترى ان هذه النظرية الطبيعية يمكن تطبيقها على كل امم الارض وليس العرب فحسب؟
ج1: علينا الافتراض أن بعض أمم الأرض تعلمت ما سقته في السؤال من الطبيعة لذا لم ينفرد العرب بمثل هذا المعلم الطبيعيلكن كيف نستطيع البرهنة على ذلك؟ نحن نستطيع البرهنة على أن أمة العرب تعلمت كل هذا وغيره الكثير من الطبيعة بتحليل كلام العرب الذي نتخاطب به اليوم. كما نستطيع بسهولة البرهنة على أن بعض كلامنا اليوم كان كلام الآشوريين والبابليين والمصرين القدماء والكنعانيين وغيرهم من الأمم بمقارنة كلامنا اليوم بكلامهم وباستشارة ما خلده هؤلاء على الحجر والصلصاليات وغيرها من الأسطح المناسبة للتخليد. وبعض هذه النقوش مخلد من نحو 4500 سنة لذا فهي أقدم النقوش الكتابية في العالم في المطلق مما يجعل لغتنا ولغة كل هؤلاء أقدم لغة مخلدة في العالم. هل نطقت الأمم التي سبقت العرببلغات تضمنت مفردات تتضمنها العربية أيضاً؟ يمكن أن نفترض ذلك لكن لا يوجد برهان لأنه لا توجد نقوش كتابية خلدتها تلك الأمم. وأشرنا إلى النقوش المخلدة قبل 4500 سنة لكن هذه النقوش لا تعني أنها النقوش الكتابية الأولى فاللغات لا تولد كاملة مستكملة وإنما تبنى بالتراكم حرفاً حرفاً وكلمة كلمة وجملة جملة لذا يجب أن نفترض وجود نقوش أقدم بكثير لم يستطيع خبراء الآثار اكتشافها بعد أو نقوش على أسطح غير قابلة للتخليد (خشب وعظام حيوانات وغير ذلك). الأمر الثالث أن الكلام المنطوق يسبق الكلام المكتوب وربما تطلب بناء أبجدية مناسبة للتعبير عن الكلام المنطوق آلاف السنين مما يعني أن علينا الافتراض أن كلام العرب أقدم مما نظن بكثير وهو حتماً سبق العصر الزراعي الذي يعتقد بعض الخبراء أنه بدأ قبل 11 ألف سنة لوجود مفردات كثيرة تعود إلى عصر الصيد من جهة (صد، فخ، طر (بمعنى طارد)، قط (بمعنى قطع)، بت (أصل كلمةبيت)، وغيرها) ولأن الكثير من كلام العصر الزراعي (فلح، زرع، سقى، حصد، الخ) ثلاثي ونعرف أن الكلام الثنائي سبق الكلام الثلاثي لأننا نعرف أن الإنسان الأول عرف الرقم واحد قبل الرقم اثنين والأربعة قبل الخمسة وهكذا.
‘ كتابك الجديد يبحث في كشف أصول العد والكتابة، وقدمت فيه فكرة تأسيسية تثبت اتصال اشكال الارقام العربية باشكال الحروف المكتوبة وهو برأيي كشف خطير، غير أنه يعد بكشف أسرار اكثر عن كيف تأسست اللغة العربية، بل انك ذكرت لي مرة انك تحصلت ببحثك هذا على مفتاح يفتح ابواب التاريخ من اصول الكلام، هل يمكنك ان تعطي لمحة عن الابواب التي تعمل على فتحها؟
‘ كشفت في كتاب بالانكليزية صدرت طبعته الأولى قبل نحو عامين أصل نظام العد العربي والأرقام العربية بما فيها الصفر، وجاء هذا الكشف في ختام اهتمام بنظام العد والأرقام بدأ مطلع السبعينات عندما بدأت لسبب لا أذكره جمع كل ما وقعت عليهيداي من كتب ومقالات عن النظام وأرقامه. ثم حدث في عام 2007 أن قرأت في أحد المواقع الغربية المتخصصة بنظام العد العربي وأرقامه أن العرب في بغداد كانوا يحسبون بأيديهم ثم يخلدون النتيجة كتابة بالكلام. لكن الكاتب ساق هذه الجملة الأخيرة بطريقة فيها استخفاف واضح موحياً أن العرب بسطاء أو حتى أغبياء. واستوقفتني هذه الجملة طويلاً لأنني لا أعرف العرب أمة من الأغبياء ولا بد أن الكاتب نفسه هو الغبي أو خفي عليه سبب الحساب بالأيدي وتخليد ناتج الحساب بالكلام لا بالأرقام. وأذكر وقتها أن محاولة معرفة السبب شغلني تماماً وأنا انتقل من غرفة إلى غرفة على عادتي عندما يشغلني شيء مهم، ثم وجدت نفسي في الحمام. وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي أرفع سبابة اليمنى واتفحصها جيداً فاكتشفت أنها تشبه الرقم واحد، ثم رفعت السبابة والوسطى فاكتشفت أنها تشبه الرقم 2 ثم السبابة والوسطى والبنصر فاكتشفت أنها تشبه الرقم ثلاثة، وما هي إلا دقائق حتى كان في استطاعتي التعرف على معظم الأرقام العربية مكتشفاً أن الأرقام العربية ليست سوى تشكيلات بالأصابع واليد، ثم عرفت في ختام نحو سنة كاملة من البحث في أصل نظام العد العربي وأرقامه أن الأرقام التييستخدمها الغرب أشكال أصلها الأرقام التي نستخدمها في المشرق أو أشكال معدلة منها.
هذه باختصار شديد قصة اكتشاف أصل نظام العد العربي والأرقام العربية لكنني بدأت في مرحلة متقدمة من البحث الاحظ وجود تشابه واضح بين بعض أشكال الأرقام العربية المشرقية وبعض أشكال الحروف الكنعانية (الفينيقية) فعكفت على دراسةالمخطوطات والنقوش القديمة. وزرت لندن مرة ووجدت بعض الفراغ فزرت المتحف الوطني وتوقفت طويلاً أمام حجر الرشيد بعدما لاحظت تشابهاً مدهشاً بين أشكال الأرقام العربية المشرقية وحروف الأبجدية الديموطية فالتقطت بعض الصور وكبّرتها فتأكد لي وجود صلة واضحة بين أشكال الأرقام المشرقية وحروف النص الديموطي في الحجر، ثم اكتشفت وجود تشابه واضح بين أشكال الأرقام وبعض الحروف في النقوش الثمودية الموجودة بالمئات على حجارة جبال شمال جزيرة العرب، وكذا وجود تشابه بين بعض أشكال الأرقام المشرقية وحروف أبجديات لغات قديمة في آسيا ثم كانت مفاجأة كبيرة لي الاكتشاف أن الكثير من حروف أبجدية جزر المالديف أرقام عربية مشرقية كما هي أو معدلة بالمد والاطالة والتدوير والقلب الخفيف.
وانتقلت بعدها إلى محاولة الإجابة عن السؤال المتصل بتحديد عمر الأرقام العربية وكل ما اقتربت من تحديد عمرها اكتشفت بسرعة أن عمرها أقدم من ذلك بكثير إلى أن اطلعت على دراسات مخبرية أثبتت أن بعض أنواع القردة قادرة على التعرف على بعض القيم العددية لبعض الأرقام العربية قياساً، كما يبدو، إلى أصابعها. والشائع أن نظام العد العربي عشري، أي أنه مؤلف من عشرة أرقام، لكن اكتشفت أنه ليس نظاماً عشرياً تماماً لأنه مؤلف من وحدتين خماسيتين الأولى من واحد إلى خمسة يعرضها الإنسان بتشكيلات للأصابع، والثانية (6-9) تعرض بتشكيلات لليد فيما يعرض الإنسان رقم عشرة بتشكيل حلقة صغيرة بين رأس السبابة ومنتصف الإبهام. ويعني هذا أن الإنسان العربي القديم اكتفى بالعدد البسيط خمسة للتعبير للآخرين عن أكبر عدد عرفه آنذاك، وأن العدد خمسة لم يعد كافياً للتعبير عن عدد أعلى فطوّر وحدة خماسية جديدة وصار بمقدوره عرض عدد ‘ضخم’ هو عشرة.
وهذا الكلام واضح لمن يعرف تاريخ العد والرياضيات لكنه ليس واضحاً للقارىء العادي فنشأت حاجة للبرهنة على صحةاكتشافي اعتمدت فيها على اللغة العربية لأن اللغة حقيقة مطلقة ولأن الكلام لا يكذب. وفي العربية كلمة ‘ثل’ وهي أصل العدد ثلاثة لكن من ‘ثل’ نعرف ‘ثلة’ التي تعني مجموعة كما في ‘ثلة من الحرس الوطني’. وفي العربية كلمة ‘ربع’ ومنها العدد أربعةلكن ‘ربع’ تعني’ مجموعة كبيرة من الناس وربما استخدمها البعض بمعنى ‘قبيلة’. ومن ‘خمس’ نعرف ‘خميس’ وهو الجيش الجرار لذا علينا أن نفترض أن العدد خمسة كان يوماً ما رقما ضخماً ومثله العدد عشرة الواضح اتصاله بكلمة ‘عشيرة’.
وهذه وغيرها كلمات معروفة لم تستوقفني خلال المرحلة الجديدة من البحث في أصول اللغة العربية لكن كلمة ‘واحد’ استوقفتني طويلاً لأسباب عدة. واتضح لي في وقت لاحق أن أصل العدد ‘واحد’ كامن في ‘حد’ ومن معانيه خط طبيعي أو اعتباري يفصل بين شيئين ومنه الحدود التي تفصل بين البيت والآخر أو الدولة والأخرى. إذاً، ‘حد’ لم يكن يعني يوماً سوى هذا الخط المحفور بحجر أو قضيب بين مكان وآخر ولا نزال إلى اليوم نرفع السبابة للدلالة على هذا الخط الذي نعرفه أيضاً باسم العدد واحد.

اللسان الاول

ولنوضح هنا شيئاً مهماً تنفرد به الأعداد. إنها تستخدم لأغراض كثيرة أهمها تحديد الملكية فعندما يرسم الإنسان بحجر أو عصا خطاً بين داره ودار الآخر فهو يعلن ملكيته لداره. والملكية يجب أن تكون واضحة للجميع لذا ليس في الأعداد اللبس أو التأويل الذي نجده في الكلام فالخمسة ليست أربعة أو ثلاثة بل خمسة صحيحة، والعشرة ليست ثمانية أو تسعة بل عشرة صحيحة لذا اعتمد الإنسان القديم الأعداد للتعبير عن الملكية الواضحة وعرضها للناس باستخدام تشكيلات واضحة للأصابع والأيدي ثم بهذه الأشكال التي نقشها على الحجر أو رسمها على الورق. وهذا هو حال الأرقام اليوم لأن الصيني والماليزيوالبرازيلي يعرف القيمة العددية للرقم 7 مثلاً عندما يراه ولا حاجة له لمعرفة العربية لتحديد هذه القيمة العددية. وأحد أسباب ذلك أن الإنسان القديم عرف الأرقام من واحد إلى عشرة لأنها موجودة في أصابع يديه وهي محفوظة في اللاوعي. ولهذا نجدتماثلاً مدهشاً في لفظات الكثير من الأعداد في معظم اللهجات التي انحدرت من أصل لغوي واحد مثل الآكادية (لهجة آشور وبابل) والمصرية القديمة والكنعانية والعربية وغيرها من نحو 70 لهجة أو لغة انحدرت كلها من هذا الأصل اللغوي الواحد الذي اسميته في كتابي ‘اللسان الأول’.
ولنعد قليلاً لشرح سبب توقفي الطويل أمام كلمة ‘حد’ ولنبدأ بالإشارة إلى أن الإنسان القديم لم يبتكر كلاماً لا حاجة له به، ولم يبدأ بناء مفرداته بالكلام المؤلف من خمسة أصوات بل بالكلام المؤلف من صوت ثم من صوتين فثلاثة وهكذا، وكما وجد حاجة ماسة لابتكار كلمة جديدة للتعبير عن شيء جديد في البيئة التي يعيش فيها أو عن ملكيته لعدد أكبر من الأشياء أو الماشية والطيور وغيرها لجأ إلى بنائها والتأكد من قدرة الآخرين على لفظها وتكرارها وفهمها لأن الاجماع أساس بقاء اللغات وتطويرها. وإذا كانت كلمة ‘حد’ لا تعني في الأصل أكثر من هذا الشكل المحفور على الأرض فما هو الزمن الذي حفر فيه الإنسان الأول هذا الخط؟ إنه في عصر الصيد حتماً لكن عصر الصيد مديد ولم تكن حاجة الإنسان إلى الكلام الكثير فيه كبيرة.
وعلينا الافتراض أن الإنسان في عصر الصيد كان إنساناً بسيطاً ولذا يجب علينا أن نستبعد توافر القدرة الذهنية على ابتكار مبان لغوية مثل المجاز والاستعارة أو الحساب بأرقام كبيرة وتوظيف العمليات الحسابية المعقدة لاستخراج الناتج. وإذا كان هذا التصور صحيحاً فعلينا الافتراض أيضاً أن لغته كانت لغة بسيطة جداً أو بدائية اختار لها بناء بسيطاً يستطيع معظم أفراد مجموعته استيعابه لا البناء المعقد الذي عرضه الليث والخليل في العين بالاستثناءات التي لا نهاية لها. وبما أننا افترضنا في الإنسان القديم هذه البساطة والعفوية في معظم الأشياء، فلا بد أن يقودنا التفكير بالبساطة نفسها أو القريبة منها إلى البناء الطبيعي الذي اعتمده لبناء لغته، وعندما نستطيع تحديد ‘المفاتيح’ التي تفك أسرار تلك اللغة فإننا نستطيع إعادة بناء اللسان الأول وبالتالي إعادة بناء العربية بوصفها ألصق لهجات بنات اللسان الأول بأمهم اللغوية الأولى لأن العربية كانت لسان أهل الجزيرة العربية وضمن انعزالها الجغرافي النسبي نقاء لسان أهلها على مر ألوف السنين مقارنة بالآشوريين أو المصريين القدماء أو الكنعانيين الذين اختلطوا بأمم أخرى نطقت بلغات لم تنحدر من اللسان الأول فأخذوا الكثير من كلام تلك الأمم.
واعذرني، يا أخي الكريم، لأنني لا أستطيع في هذه المرحلة الكشف عن مباني العربية القديمة ومفاتيح فهمها وإعادة بنائها لكنني قدمت في هذا الجزء الأول من كتاب الأصول أمثلة كثيرة، ويستطيع الباحث الذكي أخذ صورة مناسبة عن هذه المباني لو جمع الأمثلة تلك ودرسها جيداً، ومنها ما عرضته في ‘عش’ و’حر’، وكلاهما من أهم الكلام في العالم. وما استطيع قوله في هذه المرحلة المتقدمة من البحث إن العربية أبسط بكثير مما عرضه الليث والخليل وهي لا تقوم على مبنى الثلاثي بل على نحو 700 وحدة لغوية تصوّر نحو 400 حالة. وهذا يعني أن المعاجم المتوافرة قاطبة لا تقدم لنا صورة العربية الأصلية، وإن شئت وصفاً لما تحتويه هذه المعاجم لقلت إن علينا أن نتصور نحو 700 وحدة لغوية و400 صورة قطّعها أهل اللغة إلى أكثر من 9000 جزء ثم عرضوا لنا هذه الأجزاء في المعاجم ففصلوا بذلك بين الجزء والآخر في الوحدة اللغوية الواحدة، وبين القسم ومتمماته في الحالة اللغوية الواحدة. ولعملية الفصل هذه مضاعفات خطيرة، وهي السبب في حالات عجيبة كثيرة نجد فيها مثلاً أن اشتقاقات كلمة مثل ‘بطل’ تستخدم لوصف نقيضين مثل البطلان والبطولة ، ومثلها ‘عجم’ (أعاجم ومعاجم) والنعش والانتعاش والوقور والموقور والدلال والدلاّل، وما السبب في هذا اللبس سوى الإخفاق في تحديد أصل هذه الثلاثيات فخلطوابذلك بين النسائل وبين سوابق الثنائي الثلاثية.
ومهمة جمع أجزاء هذه الوحدات اللغوية، ثم فصل هذه الصور الاربعمئة عن بعضها ليست يسيرة على الإطلاق لأن لغتناالمدهشة نتائج تراكم لغوي أعتقد أنه لا يقل عن 15 ألف سنة وربما كانت له امتدادات أبعد زمنياً بكثير لا أستبعد أن تستقر في الواحة الأولى أو المنطقة الأولى التي عاشت فيها أول مجموعة من الإنسان الحديث الذي هو أنت وأنا. إنه جهد لا أعتقد أنني استطيع استكماله في صورته الأوليّة الصحيحة قبل خمس سنوات لكن النتاج النهائي سيكون مذهلاً. ولا أعتقد أنني أبالغ إن اقترحت أنه ربما تحتم علينا عند ذلك إعادة كتابة التاريخ والإقرار أن العربية التي ننطق بها اليوم أقدم لغة مستديمة عرفها الإنسان الحديث، وفيها أهم الأسرار التي شغلت بال الناس منذ ألوف السنين شاملة أصول الاجتماع والحضارة والأديان والمعارف الأساسية وأصول بعض أهم أسماء المواضع مثل اليمن ومأرب وعدن ومكة المكرمة والكعبة المشرفة وتيماء والعراق ودمشق والشام وسورية والكرمل وغيرها، وكذا بعض أهم الشفعاء (الأرباب) مثل عشتار ورع والللات. وعرضنا في هذا الجزء الأول أصل كلمة ‘عرب’ وعدد آخر من الكلام الذي خفي على الناس ألوف السنين، كما عرضنا أصول بعض قبائل العرب والعروق التي سكنت جزيرة العرب وسنستكمل هذه الرحلة الطويلة في أصول الكلام في الأجزاء الثلاثة الباقية.
‘ تقول في كتابك ان تاريخنا خليط من انصاف الحقائق والروايات التي روجها المستشرقون وهو كلام ثقيل بحق النخبة الفكرية في بلادنا التي اخذت شؤونها عن الغرب في كل ما تكتبه او ترتأيه. اذا كان تأويلي صحيحا فما هو حجر الأساس الذي تستند اليه في ما تقوله؟
‘ أهم أدوات الحضارة الأبجديتان الرقمية والأدبية فلولاهما لما حسبنا ولما كتبنا فانظر بربك إلى الكتب العربية بين يدي أولادك وأولادي واقرأ في بعضها أن أصل نظام العد العربي والأرقام العربية هندي أو هندوسي وأن الأبجدية العربية مستمدة من الأبجديةالفينيقية وأن كلمات مثل ‘انجيل’ و’شيطان’ و’ابليس’ و’درهم’ يونانية فيما هي عربية الأصل والفصل والكثير الكثير من مثل هذا الهذيان الفكري.
مصر جارة جزيرة العرب بينهما هذه الوصلة الجغرافية التي نعرفها باسم سيناء ولم ينقطع تواصل أهل المنطقتين في يوم من الأيام، وسورية والعراق جارتا جزيرة العرب ومن اتجه من أهلها شمالاً فلا بد أن سيصل إلى سورية، ومن اتجه شمالاً ثم شرقاً لا بد أن يصل إلى العراق فكيف نكرر كلام المستشرقين الذين يقولون إن حضارة مصر والعراق وسورية لا علاقة لها بحضارةجزيرة العرب؟ هل يعقل أن يردد بعضنا أن هذه الحضارات جاءت من المريخ؟
إن جهل الأمة من جهل علمائها ومن بين علمائنا استثناءات باهرة لكن الجل ليس جليلاً لأنه كرر لنا ما قرأه في كتب المستشرقين ولم ينتبه إلى الرسالة الحقيقية التي أراد إدوارد سعيد توجيهها إلى أبناء الحضارات التي استهدفها المستشرقون سواء خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر أو النصف الأول من القرن العشرين، وهي أن أحد أهداف الجهد الاستشراقي محاولة إقناع أبناء تلك الحضارات أن أفكار المستشرقين واستنتاجاتهم ليست سوى أفكار واستنتاجات أبناء تلك الحضارات، لذا نجدهم في حالات يكررون ما كتبه المستشرقون عن اقتناع كامل وكأن تلك الكتابات بهرتهم تماماً وسلبتقدرتهم على التفكير المستقل.
وسيجد القارىء الفاضل في الجزء الأول من كتاب الأصول وفي الأجزاء الثلاثة بعده ما لا يجده في غيره، وسنعرض عليه أحداثاً وتطورات عرضها آخرون باختلاف فليعلم القارىء العربي الفاضل من الآن أنه لا يوجد فائزان أوّلان في سباق الحضارة: إمّا العرب أول من ابتكر الأبجديات الأدبية والرقمية في العالم لأنهم أول أمّة تجارية وبحرية في العالم، أو غيرهم. الكتابة والحساب أساس الحضارة لأنهما أساس تخليد الحضارة. ومن يريد استكشاف أصول الحضارة فليبدأ باستكشاف أصول الكلام والحساب، وهذا يقتضي البحث عن أصول الأمم الأولى التي ابتكرت الكلام والحساب.
ويمكن بدراسة ملامح الطفل أن يتعرّف الدارس على ملامح الأب، ويمكن بدراسة ملامح الأم أن يتعرّف الباحث عن البنت، ويمكن بدراسة أصول الحضارة بناء صورة أصحابها. وبدراسة أصول لغتنا اليوم لا بدراسة سقط الكلام يمكن أن نحدد ملامح اللسان العربي الأول في العصور التي سبقت التأريخ. ولم نستنتج ما استنتجه آخرون قبلنا فلنقل بجرأة الحقيقة إن صورة الطفل في تاريخ العرب ليست صورة الأب، وصورة البنت ليست صورة الأم، وصورة الحضارة ليست صورة أصحابها. وليعلم القارىء الفاضل من الآن أنه لا توجد روايتان صحيحتان للتاريخ. وكما نسب الصبي لا يحتمل أمّين، كذا عمود نسب أجداد العرب لا يحتمل أصلين: إما العرب العاربة من أدّهم وعادهم وجرهمهم وطسمهم وجديسهم هم أصل هذا العمود، أو غيرهم؛ إما أن ينتسب العرب إلى أد وعاد وجرهم وطسم والعماليق من قبائل أهل الزمان الأول، أو أن ينتسبوا إلى تارح بن أرغو بن فالغ ابنعابر بن أرفخشذ؛ إما أن تكون الحقيقة أصدق من الاسطورة والخرافة، أو العكس؛ إما أن يصدّق العرب تاريخهم، أو أن يصدّقوا التاريخ الذي اخترعه لهم العبرانيون خلال سبيهم الطويل في اليمن، ثم المستشرقون في الدول الاستعمارية.
وكلا الجماعتين في الكثير من أوجه الالتقاء جماعة مدّعيّة واحدة كشفنا في الجزء الأول من كتاب الأصول الكثير من مزاعمها، ورددنا إلى العرب بعض أهم الابتكارات والاختراعات التي غيّرت تاريخ البشرية. أمّا الأمر الثاني فليس بيدنا لأن الانتماء ليس خيار الأمّة فلها تاريخها المعروف الأقدم منّا جميعاً. الفرد هو الذي ينتمي إلى الأمّة لا الأمّة إلى الفرد. إنه، إذاً، خيار الفرد فهو الذي يقرر انتماءه إن شاء الانتماء. ووجدنا في العلوم والثقافة والأدب أقلام عرب كثيرين قرروا انتماءهم فانضموا إلى ثقافة ملايين الأيتام الذين خلّفهم كولبروك وموللر وفالغ ابن عابر في الهند وأوروبا وبلاد العرب على أنقاض ورشات صناعة الحضارة الاستشراقية التي أنتجت معظم الكتب التي تحتويها المكتبات اليوم.

مروجو الاسرائيليات

”لا يستطيع القارئ ان يكتفي باعتبار عملك كتابا علميا عن تاريخ العرب الطبيعي ودورهم في تأسيس الابجديتين الرقمية واللغوية، وسبب الحيرة هو الخطاب السياسي والفكري الذي يمتلئ به والذي يذكرني احيانا بكتابات النهضويين العرب الكبار نهاية القرن 19 وبداية العشرين. هل ذهبت 100 عام من التاريخ العربي الحديث عبثا مع النهايات الكارثية لأنظمتنا، وخصوصا ‘الثورية’ منها، وهل نحن بحاجة لخطاب ‘نهضوي’ جديد؟

‘لا أعتقد أن الأمة الآن بحاجة إلى خطاب من أي نوع فهي أمة ذكية تعرف بالضبط ما تريده وهي في وضع انتظار وترقّب، وأعتقد أنها قادرة على تحقيق أهدافها بسرعة عندما يحين وقت التحرك خلال العشرين أو الثلاثين سنة المقبلة. ولنفترض أن الأمة بحاجة إلى خطاب فمن هو المؤهل لإرسال هذا الخطاب وحال الجماعات الحاكمة الحال الذي يعرفه الكبير والصغير، وحالمعظم المنتمين إلى ما يُقال إنه ‘النخبة’ الفكرية والثقافية الحال المعروف من الغيبوبة والضياع والاضطراب؟ ولا يستطيع من يعرف تاريخ هذه الأمة أن يسمح لليأس بالتعمير في قلبه، وهي واجهت خلال أكثر من عشرة آلاف سنة أوضاعاً أخطر من الأوضاع الراهنة بكثير لكنها تمكنت في النهاية من السيطرة على مسار قدرها وتابعت الطريق الذي تعرفه. وأعتقد أن الأمة بحاجة إلى مجموعة من أصحاب الفكر الراغبين في خدمة الحقيقة، ولا شك عندي أن الرغبة في خدمة الحقيقة يجب أن تكون الرغبة في خدمة الأمة وهذا شرف لا يعلو عليه شرف. ولا نحتاج إلى ‘حركة تصحيحية ثقافية’ من أي نوع وإنما العودة إلى تراثنا الهائل وتنظيفه من الشوائب والدس والخلط وقلع أفكار مروجي الاسرائيليات والمستشرقين من الكتب تمهيداً لقلعها من الذهن العربي. وأعتقد أنه من المطالب المهمة في هذه المرحلة الكتابة بنفس جديد وجهد بحثي جديد في مواضيع مهمة كتب عنها الكثيرون قبلنا لكنهم أخفقوا في إعادة الفكر العربي إلى صوابه لأن كتاباتهم لم تكن مقنعة وكيف وكثيرها صياغة بالعربية لأفكار ابتكرها المستشرقون الفرنسيون والانكليز؟ وكما تعرف، التخلف الثقافي ينتج التخلف الحضاري، وأقول بتواضع ابن بسيط من أبناء هذه الأمة الفريدة أن الأجزاء الأربعة من كتاب الأصول مشروع ثقافي يبدأ من عصور ما قبل التاريخ عماده تحليل الكلام لتقديم صورة حقيقة عن تاريخ العرب وحياتهم وحضارتهم التي هي أقدم حضارة في التاريخ لأنهم أقدم أمة تجارية فيالتاريخ.
وبداية هذا الجهد الجزء الأول من كتاب الأصول واخترت له هذا العنوان الطموح بعد تردد لما عرفنا في كل محور من محاور الدرس متون كتب بعضها في أجزاء والآخر يفوق هذا الكتاب حجماً. وأياً كانت الزاوية التي نظرت منها ببعض الشمول إلىمخطوطة هذا الكتاب وجدتها صفحة من موشور تترابط وتتداخل مع الصفحات الأخرى في الموشور نفسه حتى ليكاد الناظر في إحداها ينفذ بلا عناء كبير إلى الأخرى. وأياً كان موقع طبقة البحث التي حاولت اختيارها من بين طبقات الدرس الأخرى لتكون الطبقة الأهم في محاور هذا الكتاب وجدت لها عروقاً ضاربة في ما تقدمها من طبقات نسيج الزمان العربي وما تأخر. وباختصار، اكتشفت في المراحل الأخيرة من وضع هذا الكتاب ما وجب علي اكتشافه في بدايتها وهو أن تاريخ العرب يستعصي على الاقتطاع والفصل والفرز أياً كان نوعه. ورأيت أن تاريخ العرب الطبيعي ليس سوى وجه تاريخهم الحضاري، وتاريخهمالحضاري ليس سوى وجه تاريخ الإبداع الذي يبدأ بابتكار العدد الأول والحرف الأول والفكرة الأولى. وإن جمعنا كل هذه الأوجه في موشور بحثي واحد سنجد أمام عيوننا تاريخهم الإنساني الذي رأينا فيه تاريخ الإنسانية وحضارتها، ولا أعرف قبل نهوضحضارة العرب أي حضارة سبقتهم في أي مكان في العالم.
أمّا بناء الحضارة الطبيعية فهو بناء الحاجة. ومن كبريت الحاجة وملح الضرورة تنطلق شرارة الإبداع الإنساني، فليعلم القارىء الفاضل أن الرقم المتميز والحرف المتميز عنصران في الأبجدية الرقمية أو الأدبية المتميزة التي ترتقي بحسابها وكلامها في لحظة من لحظات نضوجها فتصبح أبجدية حضارة الأمّة التي ابتكرتها، فإن تابعت تميزها ستصبح لا محالة أبجدية الحضارة الإنسانية. هذا هو حال الأبجدية العربية الأدبية والأبجدية العربية الرقمية اليوم، وهو حال هاتين الأبجديتين منذ زمنين متصلين بدأ أولهما قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، والثاني قبل أكثر من 1200 عام. أما أصول هاتين الأبجديتين اللتين لعبتا الدور الأهم في صنع الحضارة الإنسانية، فأقدم بكثير. وأعتقد أن أساس الحساب كامن في زمن الصيد لأن حسب العربية لغة في حصب وحصب هي الحص ثم الحصى، ومن الحساب بالحصى عرف العرب الأوائل الحصص والاحصاء. هذا هو معداد العرب الأول. أما خط فهو الأثر الذي تتركه الحيّة وهي تنساب على الرمل والترب، ومن أثر الحيّة عرفنا الخطاط والتخطيط والمخططات وخطوط الاتصالات والتمويل والتموين. في أي لغات العالم يمكن رد مثل هذه الرموز الحضارية الحاسمة إلى هذه الأصول الطبيعية الموغلة في القدم؟ في أي اللغات يمكن التعبير عن شيء غاية في التقدم التقني مثل الذرّة بشيء في غاية البدء مثل ذر؟
وفي عيون الناس غشاوة الشك التي أعتقد أنه من السهل إزالتها إن شاء صاحب الشك إزالتها. فإن زالت باليقين سيكتشف العرب أن إحدى أشكال حروف الأبجدية الأدبية التي طوّرها أجدادهم اعتماداً على الأشكال التي كانت شائعة في النسيج القبائليالعربي اللغوي القديم، هي أبجدية معظم أمم العالم اليوم. أما الأبجدية الرقمية ونظامها العددي فهما أبجدية أمم العالم كلها. هذه هي المفاجأة المدهشة التي توصلت إليها في نهاية مرحلة بحث اعتقدت أنها نهاية البحث كله. ثم استوقفني سؤال استنتاجي اضطرني إلى متابعة البحث: إذا كانت الأبجديتان الأدبية والرقمية بهذا التميّز العالمي، أفلا يكون منطقيّاً افتراض مثل هذا التميّز في الأدوات والعناصر الأخرى التي تتطلبها الحضارة المتميزة مثل النقد والمقاييس والأوزان والقضاء والأحكام؟والجواب، كما يُقال، في الكتاب..
حوار: حسام الدين محمد

 

اقرأ النص في صحيفة القدس العربي بتنسيق بي دي اف (ص 10)

اقرأ نص المقابلة في موقع الجمعية الدولية لمترجمي العربية وفي الصفحة عدد من التعليقات والدراسات التي تستعرض حضارة العرب

 

روابط

كتاب الأصول الكبير

مقابلة الكاتب والشاعر السوري المتميز نوري الجراح مع عادل بشتاوي

اقرأ المقابلة على الشاشة

انقر على الصفحة

nouri_interview_arabinjustice_Page_1