البنات مركز الكون: الفصل التاسع من رواية زمن الموت والورود

الفصل9

 

شهقت راما بدهشة ونظرت إلى عمر. ”صحيح؟“.

”طبعا!“، قال علي.

”أنت رجل شجاع“، قالت راما لعلي وهي تحرّك رأسها مغمضة العينين، ”أنت فعلاً رجل شجاع“.

”لم أكن شجاعاً“، قال علي، ”كنت أخاف من خيالي ولا أزال إلى اليوم لكن ماذا تتوقعين أن أفعل يا راما؟ ألعب الطاولة في المقهى وحبيبتي في الغابة مع المارد الاخضر؟ لا يمكن، لذا ودّعت أهلي وقصدت الغابة“.

”وحدك؟“، سألته راما.

”طبعاً وحدي“، قال علي، ”من يغامر بنفسه ويذهب إلى المارد الاخضر غير مجنون مثلي؟“.

”أنت لست مجنوناً“، قالت راما، ”أنت رجل شجاع“.

”يجب أن اعترف لك أنني كنت خائفاً“، أكمل علي قصته، ”لكن حبي لهذه الفتاة أنساني الخوف فلم أعد افكر بشيء سوى استعادتها من المارد الاخضر وهكذا كان. توكلت على الله وأخذت معي صرة وضعت فيها أمي بعض الخبز والجبن والعنب مع علبتي بيبسي و-“

”بيبسي؟“، قالت راما ضاحكة، ”في ذلك الزمان؟“.

”لم تجد أمي كولا فأخذتُ البيبسي وأمري لله وانطلقت في الليل. وبينما أنا أسير رأيت نوراً على رابية عالية فقصدته فإذا هو يشعّ من كوخ صغير. نظرت فرأيت في داخله شيخاً كبيراً يقرأ من كتاب قديم بعرض متر أو أكثر. سمع صوت خطواتي فرفع رأسه وأشار إلي بالدخول فسلّمت عليه وجلست وأردت أن احكي له قصتي فاستوقفني. أبعد شعر شاربيه عن فمه وقال إنه يعرفها من أولها إلى آخرها، ثم قال إنني احمل روحي على كفي إن ذهبت إلى المارد الاخضر. قلت له إن حياتي لم تعد تهمني. إن لم أعشها مع الفتاة التي احب فلا أريد أن اعيشها. عندها؛ عندها يا راما رق قلبه لي ومد إلي يده فعاونته على الوقوف وقدته إلى صندوق قديم فتحه واخرج منه سيفاً دمشقياً عظيماً فأهدانيه وخرج من الكوخ ونثر شيئاً مثل الرماد على دجاجة في الخارج فتحولت في رفة عين إلى جواد أبيض. ركبت هذا الجواد وتقلدت بالسيف وقصدت الغابة. اقتربت منها بحذر فارتفعت منها أصوات مرعبة هكذا: وعـ§Ô•¶•¶≤•هعو. فلما سمعت هذه الاصوات انتفض جسمي من الخوف لكنني تذكرت حبيبتي وسددت اذنيّ ووكزت الجواد فطار بي ولم أر نفسي إلا وأنا في قلب هذه الغابة المظلمة والاشباح تحوم حولي. فجأة اهتزت أغصان فوقي ثم شعرت بهذا الشي يقفز فوق رأسي ويشدّ شعري حتى كاد يقتلعه تماماً“.

”يييي!“، قالت راما وهي تقبض على ذراع اختها من الخوف، ”ماذا كان؟“.

التفت علي في اتجاه فاتنة وامها وضحك جانباً ثم مسح ضحكته بجدّ وأكمل: ”حسبته سعداناً في البداية لكنه كان طويلاً فوضعت يدي وراء ظهري وبحثت عن عنقه ورفعته أمامي فوجدته نسناساً. شكله مثلنا لكن بذراع وساق واحدة فقط فلّوحته هكذا هكذا وضربته بالارض، وما كدت أنزل يدي حتى قفز نسناس آخر على ظهري فأمسكت به ورميته ثم جاء نسناس ثالث ثم رابع ثم خامس“.

”السيف“، صاحت راما تذكّره، ”السيف!“.

”ذكّرتني يا راما. طبعاً! السيف. سحبت هذا السيف الدمشقي من غمده ولوّحته هكذا فوق رأسي وضربت أول نسناس رأيته فوقع السيف على ذيله فقطعه لكن النسناس التقط ذيله ووضعه في عصعوصه فلزق به. استغربت وضربت نسناساً اخر فقطعت اذنه فالتقط اذنه واعادها إلى رأسه وصرت كلما قطعت شيئاً التقطتها النسانيس واعادتها إلى اماكنها“.

”كيف؟“، سألت راما.

”نسانيس مسحورة“، قال علي، ”كلها عبيد للمارد الاخضر. هو الذي سلّطها عليّ لكنني كنت امتلأت غضباً وتصميماً لحظتها فصرت أضرب هذه النسانيس وأنا في الطريق إلى القلعة وهي تلتقط اطرافها ورائي وتعيدها إلى أماكنها ثم تهجم علي. فجأة انفتح باب القلعة وشع منها نور عظيم فتطلعت إلى كل هذه النسانيس حولي وضحكت“.

”ضحكت؟“، قال عمر.

”طبعاً ضحكت. كانت النسانيس تلتقط الاطراف المقطوعة وتعيدها إلى جسومها لكنها لم ترَ في الظلمة ما تعيده لذا كانت أذن هذا محل أنف ذاك وذيل الآخر محل انف الرابع وهكذا. المهم خرج هذا المارد الاخضر من البوابة وهو يحني ظهره و-“

”لماذا؟“، سأل عمر.

”كان أكبر من البوابة. لا تنسى انه مارد عملاق. خرج من البوابة وقعد على حافة الخندق وصار ينظر إليّ وأنا اصارع نسانيسه حتى كلّت يداي وتحيّرت وصرت افكّر بما يجب أن أفعله قبل أن تقتلني النسانيس وتضيع حبيبتي إلى الأبد. وبينما أنا أفكّر مال الحصان إلي هكذا وهمس: -“

”حصان يحكي؟“، سألته راما.

”حصان مسحور، كان دجاجة كما تذكرين“.

”الدجاجة تحكي؟“.

”كل شيء يحكي في القصص“.

”آه! طبعاً!“، قالت راما.

”آه! طبعاً آه!“، قال علي، ”أنا قلت: آه! أيضاً عندما سمعت الحصان فقال لي: آه! ماذا؟ فقلت آه من -“

”أكمل يا علي!“، قالت فاتنة.

”المهم! أمال الحصان فمه إلي وقال إنه سمع المارد الاخضر يقول لكبير خدمه: انظر إلى بني آدم كم هم تيوس وهذا أكبرهم. يضرب النسانيس بحد السيف. الغبي! لو ضربهم بالجانب الآخر كما يفعل أهل العقل كان قتلهم كلهم. عندها أدرت السيف وصرت اضرب فيهم وكل ما ضربت واحداً انشطر نصفين وسقط على الارض وصار رماداً حتى افنيتهم كلهم“.

”أنت رجل شجاع“، قالت راما.

”أنا كنت حسبت نفسي شجاعاً إلى أن وقف هذا المارد الاخضر وسلّط يده في اتجاهي فارتفعت اظافره عن اصابعه وخرج من تحتها لهب وشرر ودخان. حرّك يده يساراً فأحرق كل الشجر إلى يميني وحرّك -“

”إلى يساري“، قالت رنا.

”إلى يميني لأنني كنت قبالته“.

”إلى يمينك إذًا“.

”وحرك يده يميناً فأحرق كل الشجر إلى يساري ثم دار بيده هكذا فخرج اللهب مثل الطوق وأحرق كل ما حولي“.

”ولم يحدث لك شيء؟“، قال عمر.

”لا! كان الحصان مسحوراً لذا لم نتأثّر. ولما عرف المارد أن ناره لن تحرقنا عبّ الهواء ونفخ نفسه هكذا فارتفع فنفخ نفسه مرة اخرى فارتفع اكثر وصار ينفخ نفسه حتى كان اقصى ما استطيع رؤيته منه هو الكاحل. قلت لنفسي: ما هذا يا ابن أبي الزفت؟ كيف أقتل مارداً مثل هذا وأنا لا أرى رأسه؟ كيف يا حصان؟ لكن الحصان لم يعرف الجواب وصار حائراً مثلي. وبينما نحن كذلك رفع المارد قدمه فوقنا ثم انزلها وهو يهدر مثل البركان ويضحك لكنه لم يكمل ضحكته. فجأة اشتعلت السماء فوق رأسه وجاء هذا النيزك الضخم وضربه في جبهته وصرعه فخرّ كما يخرّ ابن آدم إذا سُحب منه شخص هيكله العظمي على غفلة من أمره وساح في الارض وبدأ يفور ويعلو ويتمدد في اتجاه القلعة يريد أن يغمرها كلّها حتى لا تكون لأحد بعده“.

”أركض!“، صاحت راما، ”أركض وانقذ حبيبتك قبل أن تغرق“.

”هذا ما فعلته بالضبط“، قال لراما، ”قفزت مثل الرجل العنكبوت وتمسّكت بجدار القلعة ثم نزلت الادراج المظلمة إلى الزنازين وبحثت وبحثت وبحثت حتى وجدت حبيبتي مكبلة بسلسلة لم أرَ اكبر منها في حياتي. كان هذا السائل العجيب الاخضر يدخل من الشبابيك والطاقات وبدأ يسدّ الطريق عليّ فرفعت هذا السيف الجبار وضربت السلسلة ضربة واحدة فانقطعت فحملت حبيبتي على ذراعي هكذا وجريت بها خارج القلعة“.

”وماذا فعلت عندها“، قالت راما وهي تعود بظهرها وتبتسم بحياء، ”بستها؟“.

”لا!“، قالت رنا لاختها، ”لم يكونوا يعرفون البوس في تلك الايام. أخذها وتزوجا وعاشا في ثبات ونبات و-“

”لم يحدث أي شيء من هذا“، قال علي مقاطعاً.

”كيف؟“، سألته رنا، ”هذا يحدث دائماً في القصص“.

”ليس في هذه“، قال علي لراما، ”حاولت أن اضمّها هكذا، لأنه لم يكن بوس في تلك الايام كما قالت أختك، لكنها لم تسمح لي“. ”اسمع يا شاطر“، قالت وهي تنزل عن ذراعي وتنفض الغبار عن ثوبها، ”أنا شاكرة جداً إنقاذك لي لكنني مخطوبة لابن النجّار واحبّه ولا أريد غيره“.

”لكن الشبّاكة قالت -“

”كانت كلها خدعة“، قال علي لراما التي سألته، ”الشبّاكة، كما عرفتُ بعدها، كانت أمّ هذه البنت. كانت ضربت بالبخت فقالوا لها إن الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ ابنتها من المارد الاخضر هو أنا فجاءت إليّ وخدعتني وصوّرت إليّ أنني أحب ابنتها. احببتها وكان خطأ كبيراً لكن الجميع يخطىء“.

”يا مسكين!“، قالت راما بحزن، ”وماذا حصل بعدها؟“.

”لم يحصل شيء“، قال علي، ”عدت إلى المقهى وصرت ألعب الطاولة مع الاصدقاء“.

أطرقت راما قليلاً ثم نظرت إلى اختها وترددت ثم قالت لعلي: ”أنا كنتُ -“

”أنت كنت ماذا يا راما!“، صاحت رنا تستوقفها، ”كانت قصة“.

أبقت راما عينيها على علي لحظة ثم التقطت العلبة الزرقاء ووقفت وبدت حائرة تماماً.

”تعالي!“، قالت فاتنة، ”تعالي نجرّب المسجلة“، ثم مدّت يدها اليها.

انتظرت رنا حتى ابتعدت اختها مع فاتنة وقالت لعلي بحدة: ”لا تشجعها أكثر من اللازم. تعرف أنها متعلقة بك“.

”كيف أشجعها أكثر من اللازم؟ كنت احكي لها قصة“.

”وصفتَ لها تلك البنت في بداية القصة كما لو أنها هي“.

”لم تكن هي“، قال علي وهو يحاول ضبط أعصابه.

”عيناها خضراوان“.

”راما الوحيدة التي عيناها خضراوان؟ أنت عيناك هكذا“.

”وشعرها الطويل؟“.

”أنت شعرك كان طويلاً“.

”والهدية لي أيضاً؟“.

”عيد ميلادها بعد اسبوعين كما تعرفين ولن أكون هنا“.

اشتبكت عيناه بعينيها لحظة فهبط بهما فشدّت انتباهه كنزة بنية اللون انفتح زرّاها العلويان على قميص ابيض فحدّق في البياض لحظة ثم التفت إلى فاتنة ونظر إلى ساعته ووقف.

وقفت مثله ووضعت يديها وراء ظهرها وشبكت أصابع يديها بحزم فأنتبر صدرها من دون قصد ففتح الانتبار المفاجىء غرفة مغلقة في ذاكرته نظر فيها بسرعة ثم تفحّص شيئاً معيناً فيها. لم يتوصل إلى نتيجة نهائية فقرر أن يبقى فقط إلى أن يعرف.

”زعلتْ؟“.

تنفس بعمق وزفر بعمق أكبر. ”لم يكن لهذا الحديث لزوم“، قال بعد تردد، ”راما مثل سنا تماماً“.

انتبهت إلى تأويله فشهقت. ”لم أقصد هذا أبداً“.

”ماذا قصدت؟“، قال بجفاف.

”أنا سأعود إلى بيروت الأحد المقبل وأنت لن تجد الوقت لتكون معها كما الآن ولن تجد راما عندها الاهتمام الذي تجده؛ هذه ما عنيته والعدرا“.

”لهذا أريدها أن تتجاوز هذه المرحلة بسرعة. راما تعتقد أنها اخطأت وتريد أحداً أن يطمئنها أن هذه ليست نهاية العالم وأن الجميع يخطئون لهذا رويت لها هذه القصة بالذات. أريدها أن تستعيد ثقتها بنفسها؛ هذا كل شيء“.

”أعرف“، قالت بامتنان، ”كلنّا نقدر لك هذا فلا تزعل، أرجوك“.

”لماذا قلت إذًا أنني أشجعها اكثر من اللازم؟“.

”لا أدري. ربما غرت منها قليلاً“.

”رنا بحاجة إلى تشجيع؟“.

”كلّنا بحاجة إلى تشجيع خصوصاً عندما يحدث شيء مثل هذا“، قالت وهي تشير إلى راما. ”كنت أعتقد أن الخطر في بيروت وحدها لكن أنظر إلى ما حدث لنا هنا“.

”سقوط راما كان حادثاً عرضياً يحدث في أي مكان. الذبح والتقتيل في بيروت مقصود“.

”بيروت الوحيدة التي فيها عنف“، قالت كمحاولة أخرى لتسويغ عودتها، ”العنف في كل مكان“.

”العنف مؤسف لكنه من طبيعة الانسان. بيروت فيها قسوة وهذه من صنع الشياطين“.

”فيها شياطين لكن فيها ناس عاديون كثيرون وهؤلاء لا يزالون كما هم“.

”لم يبق أحد كما كان. حتى الاطفال تغيروا“.

تذكرت رشا فقالت: ”أطفال؛ كيف يتغيرون؟“.

”يتغيرون وهم يرون انفسهم في البانيو أو على أدراج الاقبية كلما اشتد القصف وآباؤهم وامهاتهم فوقهم يحمونهم بظهورهم من قذيفة يمكن أن تدمّر المبنى عليهم جميعاً“.

”يا سلام لو سمعك بابا!“.

”لماذا؟ لا يعرف؟ يتابع الاخبار مثل الجميع ويعرف“.

”تعتقد أن الوضع سينفجر من جديد“.

”من يدري ماذا قدر لبنان ومن فيه“.

”من منا يعرف قدره؟“.

”لا أحد“، قال، ثم هزّ رأسه وأضاف وهو يقول لنفسه أكثر مما يقول لها، ”لكن إحسان الاختيار يمكن أن يزيل بعض الغموض، أو أن يجعل القبول به أسهل بكثير“.

”لم أفهم“.

نسي ونظر حوله علّه يتذكر ما عناه بالضبط. لم يستطع فضحك. ”أنا أيضاً لم افهم“، ثم سكت سكتة خفيفة وأضاف وهو يفكّر بها، ”أعتقد أنني أردت أن أقول إنكِ لا تستطيعين استبعاد أي شيء مُسبقاً“.

ترددت لحظة وهي تفكّر به ثم قالت: ”أنا استطيع“.

”لا أعتقد. لو كنت تعرفين لما ترددت“.

”لم أتردد“، قالت رنا وهي تحسب مقدار ترددها.

”ثانية لكنه تردد“.

”لا يوجد من هو متأكد مئة في المئة من أي قرار يأخذه“.

”هذا تقوله رنا؟“.

”لماذا لا تقوله رنا؟ رنا مركز الكون؟“.

”كل امرأة مركز الكون“.

”أنا لست مركز الكون“.

نظر اليها باستغراب حقيقي ثم نظر إلى ساعته وحمل نفسه بعيداً عنها. ”سلّمي لي على الدكتور وانقلي إليه شكري على دعوته“، قال بسرعة ونظر حوله يبحث عن فاتنة.

نظرت حولها مثله وتأكّدت من رغبته في الذهاب فاستغربت. بدا لها مهتماً بالبقاء معها ولم تعرف ما الذي تغير فجأة. ”تريد الذهاب؟“، قالت تتأكد.

”عندما اسمع فتاة تقول انها ليست مركز الكون أشعر انني أريد أن اشفق عليها أو أن اهرب منها. أنا لم اشفق عليك وأنت في بيروت لأنك كنت تتصرفين وقتها كأنك مركز الكون، لذا أريد أن اذهب الآن. بيروت نالت منكم جميعاً. ساعدكم الله“.

”لا تزال متأثراً مما قلته عن راما؟“.

”طبعاً لا! لم أفهمك وقتها“.

”إذًا أنا مركز الكون ونصف“، قالت وهي تقفز خطوة إلى يسارها كي تريه أنها اصبحت في مركز الكون. نظرت إلى اختها وأضافت، ”لكن ابقَ قليلاً. راما ستعتقد أنني السبب في ذهابك وستلومني. اللوم الذي عندي يكفيني“.

”هذا ليس السبب“، قال ضاحكاً، ”دعوت إدوارد فوكس وزوجته إلى العشاء في الهيلتون“.

نظرت إلى ساعتها. ”ليست السابعة بعد“.

”أريد أن اشتري لهما هدية قبل أن يعودا الاربعاء وهذا وقت مناسب“.

”قل لراما انك تريد الذهاب لهذا السبب“.

قال لراما فسمعته فاتنة. ”إمشِ!“، قعقع صوتها مثل الرعد وهي جالسة على الكنبة الثلاثية، ”إدوارد فوكس ماذا؟ في الدنيا من يترك غزالة مثل رنا ليروح إلى فوكس غير مجنون مثلك؟“.

تغيّر الجو في الغرفة فجأة كأن صاعقة ضربتها وانفرط عقد الاهتمام بكل الخصوصيات ولم تعد في الجميع خاطرة قرب اخرى فارتفعت أعناقهم ولحق بارتفاعها ضحك أكثر ارتفاعاً فخرجت هوسة من المطبخ وضمّت عينيها إلى العيون التي تعلقت بفاتنة.

شرح علي لفاتنة مخططه فأبطلته: العشاء ليس قبل الثامنة والهدية ستشتريها هي ورنا في الصباح. ظل صامتاً فأضافت بنفس واحد، ”ورنا مركز الكون لكن بيروت أنستها لذا خذها من يدها واجلسا هناك وذكّرها لماذا؟“.

”سمعتنا؟“، قالت رنا ضاحكة.

قامت فاتنة فقام الجميع معها وتبعوها. ”سمعت وليتني ما سمعت“، قالت وهي تتوقف قريباً من رنا ثم تتنهد بعمق وتأسّف، ”ما هذا يا رنا؟ أنت في أبو ظبي الآن وليس في بيروت. هناك البنات بالكيلو لكن هنا الوضع مختلف. كل بنت هنا لها قيمة مضافة كما قلتُ لك ألف مرة ويجب أن تتصرفي على هذا الاساس. التواضع عند البنات عيب. من في مركز الكون غيرنا؟ الشباب؟“.

لم تجبها رنا فالتفتت فاتنة إلى راما. ”قولي لأختك التي ستتخرج قريباً من الجامعة وتعتبر نفسها فهمانة من في مركز الكون لأنها درويشة لا تعرف“.

”البنات طبعاً“، صاحت راما، ”بحاجة إلى سؤال؟“.

”لماذا البنات؟“، قال عمر بعدما مدّ لراما لسانه.

”قولي لصاحب اللسان الطويل لماذا“، قالت فاتنة لراما وهي تشير إلى اخيها.

فتحت راما فمها لتقول لكنها لم تقل والتفتت إلى فاتنة وفتحت لها يديها الصغيرتين وضحكت ثم وضعت يدها فوق فمها وقالت جانباً: ”لا أعرف“.

نزلت اليها فاتنة وهمست في اذنها.

”لأن الأولاد يكبرون ويصبحون أولاداً كباراً لكن البنات يكبرن ويصبحن امهات“، قالت راما لعمر ثم مدّت إليه لسانها مثله.

”نصبح آباءً أيضاً“، قال علي يستنصر لأبن خاله وزميل الذكورة.

”لكنكَ لست أباً الآن“، قالت له فاتنة ثم نظرت إلى رنا وحمّلتها السبب.

”لا أحد يريد أن يجعلني أباً“، قال علي لفاتنة بعدما كان نظر بسرعة إلى رنا وحمّلها السبب أيضاً.

نظرت راما إلى علي ثم إلى الارض وقالت بتردد: ”إذا انتظرتْ أنا يمكن -“

”راما!“، صاحت بها اختها، ”والله أزعل منكِ. هذا لم يعد مزاحاً. ماذا تقول ماما إذا سمعتك تتبرعين بنفسك هكذا كل خمس دقائق؟“.

”راما تقول بصيغة المتكلم لكنها تقول نيابة عنك وليس عن نفسها“، قالت فاتنة لرنا. ”هي أيضاً تريد أن تذكّرك أنك مركز الكون“.

”هي مركز الكون ورنا مركز الكون وأنت مركز الكون ونحن لا شيء؟“، قال عمر بعدما كان أشار إلى راما ثم رنا ثم اخته قبل أن يختم جملته بالاشارة إلى علي ثم نفسه.

”أنتم في الكون أيضاً ولكن ليس في المركز“، قالت فاتنة.

”نحن في مركز المركز“، قال عمر متحدياً.

”أنت في مركز المرحاض“، قالت فاتنة تردّ على تحديه، ”لو لم تأت بك ماما كنت في المرحاض الآن“.

”المرحاض؟“، صاح عمر بأمّه.

”لا تقصد المرحاض الذي نستخدمه هنا“، قالت امه تهدّئه، ”مرحاض فضائي. أنت في عيوننا كلّنا“.

رمت فاتنة رأسها وهي تسمع كلام أمّها لاخيها ثم التفتت إلى رنا: ”اسمعي يا حبيبتي يا رنا“، قالت وهي تشدّها من كمّ كنزتها، ”لا تخرّبي وضع حواء في ابو ظبي الله يخلّيك. علي ابن عمتي ورفيق الطفولة لكن عامليه كما يجب أن تعاملي كل باقي الشباب. قولي له: اعرض علي ما عندك وأنا سأستمع. إن اعجبكِ العرض قولي انك ستفكرين وإن لم يعجبك إمسحي يديك ببعضهما هكذا وتنهّدي بعمق وقولي له بهدوء: إرجع يا حبيبي إلى بيت امك وتعال إلي عندما تصبح ناضجاً. لا وقت عندي لأولاد مثلك الآن. أنت لا تعرفني! أنا رنا“.

انتظرت فاتنة حتى هدأ الضحك واقتربت من علي فعرف الجميع أن دوره جاء وضحكوا قبل أن تبدأ.

”وأنت“، قالت له ضاحكة، ”أنت واقف مثل اللقلق الذي لا يوجد ذكر غيره في ساحة إناث تشدّ هذه المسكينة من جهة وتدفعها من جهة أخرى؛ لماذا؟ أنت الوحيد في العالم الذي تخرّج من الجامعة الاميركية؟ انظر إلى الجامعة الآن! كلّها شيوعيون ويساريون مثلك فبأي حق تتفلسف عليها؟ تحسبها طالبة عندك؟“.

”ولماذا“، قالت تقطع على كلامه الطريق، ”لماذا تهددها كل دقيقتين انك ستذهب. اذهب!“، قالت وهي تشير إلى الباب، ”إذهب إلى حبيب قلبك فوكس وطوطح بيديك وانت داخل إلى الفندق وقل له: ها أنا علي العازب المُعذّب تركت ورائي أجمل بنت موجودة في ابو ظبي حالياً وجئت اليك. قل له هذا وسترى كيف سيمسكك من مؤخرتك هكذا ويدير وجهك إلى الباب ويرميك في الطريق ويأمرك أن تعود إليها جرياً“.

”تريدينني أن اتركه وزوجته؟“.

”لمَ لا؟ إدوارد لا يعرف كيف يأكل لوحده؟ يعرف. وإن لم يعرف زوجته ستطعمه. أنت من لك يطعمك؟“.

”لن أذهب“، قال علي وهو يجلس، ”إذا سألني أبوك: لماذا تركتَ يا علي اهم شريك لي في بريطانيا مرقوعاً مع زوجته في الفندق سأحمّلك المسؤولية“.

”حمّلني المسؤولية“.

”لن يرضى“.

”لن يرضى أيضاً أن تظل هكذا“.

”هكذا كيف؟“.

”قل شيئاً لا أعرفه“، قالت ثم اصدرت صوتاً من بين اسنانها، ”أنا أراكَ داخلاً فأعرف لماذا أتيت وماذا تريد أن تقول وأين ستجلس“.

وقف وابتعد عن المقعد الذي كان عليه. ”أين سأجلس الآن؟“.

”لو كانت رنا وافقت كنت قلت لك أين“.

”لو كانت وافقت وسمعتكِ الآن كانت غيّرت رأيها ورفضت“.

”رفضت ماذا؟“، قالت فاتنة بقلق وهي تحاول أن تتذكر إن كان فاتها شيء قالاه ولم تسمعه.

”لا أعرف!“، قال علي بارتباك، ”وافقت على ماذا؟“.

ضحكت رنا من دون أن تحاول أن تضبط نفسها فانتبهت لها فاتنة وقررت أن الوقت بات مناسباً. أمسكتهما من ذراعيهما وقرّبتهما من بعضهما. ”تحدثا وأعرفا ما الذي تريدان الموافقة عليه وما الذي تريدان رفضه. تحدّثوا يا جماعة! كم فرصة اعطيكم؟“.

”سنتحدث“، قال علي وهو ينظر إلى ساعته، ”رنا هنا إلى الاحد المقبل لذا سنتحدث“.

”تحدّثا الآن؛ رنا أهم من الدعوة“، قالت فاتنة.

نظر علي إلى رنا. لم ير رفضاً لكنه لم ير قبولاً. كانت فاتنة تقود وكانت رنا راضية حتى تلك اللحظة بالسير وراءها. ”سأختصرها“، قال علي، ”سأختصرها وأعود في أسرع وقت“.

شدّت راما ذراع فاتنة ورفعت اليها رأسها لتقول شيئاً لكن الجميع نظر اليها فاستحيت وأخذت فاتنة بعيداً وأسرّت لها.

”ييه يا عفريتة!“، صاحت فاتنة وهي تقبل راما، ”طبعا!“، ثم التفتت إلى علي ورنا ورفعت ذراع راما اليهما وطلبت منها أن تعيد عليهما ما قالته لها.

حاولت راما إلا انها خجلت كثيراً واختبأت وراء ظهر فاتنة.

”لماذا لا تذهبان معاً إلى فوكس“، قالت فاتنة. ”عرّفها على ادوارد وزوجته. صف لنا كيف سيسقط فمه عندما يرى رنا معك. اثبت له أنه عندنا بنات أحلى من بناتهم بألف مرة“.

قبل علي فوراً لكن القرار لم يكن قراره فانتظر.

”لم أقل لماما“، قالت رنا وهي تحاول التفكير.

”الهاتف هناك“، قالت فاتنة تزيل عقبة اخرى.

”لست متأكدة“.

”اقنعها يا علي“، قالت فاتنة برجاء.

لاحظ علي تردداً أعمق في رنا فقال: ”إن كانت تريد الاقتناع“.

”أقنعني“، قالت رنا تنذره برفع كتفيها انها لن تساعده على اقناعها.

التفتت فاتنة إلى راما ووضعت يديها على بطنها. ”تعالي يا حبيبتي أريكِ من أين يأتي الاولاد“.

اتسعت عينا راما فجأة ونظرت إلى اختها الضاحكة. ”أروح؟“.

”روحي لكن لا تنظري“.

”أنا أيضاً أريد أن أرى“، قال عمر.

”أنت شقي تعرف اكثر مني لكن تعال“.

”أنا أعرف من أين يأتون لذا سأبدأ في اعداد عشاء أبي عمر“، قالت الام ضاحكة وخفّضت صوت التلفزيون واتجهت إلى المطبخ.

انتظرت فاتنة حتى أخذ أخوها يدها الممدودة ثم مالت إلى علي في طريقها وهمست بطرف فمها، ”هذه فرصة جديدة أرسلها لك الله عن طريق راما. اقنع رنا أو أرشِها أو جرّها من شعرها مثل رجل الكهف لكن خذها“.

لاحظ علي ارتباكاً مفاجئاً في رنا فأراد فاتنة أن تبقى حتى لا يزيد وجودهما وحدهما ارتباكها فتبعها خطوة ليقول لها ذلك فالتفتت واعترضته واشرعت ذراعي عمر وراما في دربه، ”أنت غير مسموح لك أن ترى فلا تتبعنا“، ثم سألت الطفلين: ”مسموح له يا بنات ويا أولاد أن يرى؟“.

”لا!“، صاح الاثنان معاً بصوت واحد.

”سمعتْ؟“، قالت فاتنة لعلي وهي تومىء برأسها إلى راما ثم إلى عمر، ”لا أحد هنا يريدك“، ثم غمزته واومأت خفية إلى رنا.

”كم نعطيه وقتاً؟“، سألتهما فاتنة وهم بالباب.

”دقيقة“، قال عمر.

”ساعة“، قالت راما.

”حل وسط“، خاطبت فاتنة علياً ورنا، ”نصف ساعة ونصف دقيقة لئلا تتأخرا كثيرا“.

”الإقناع صار بسرعة الصوت؟“، قالت رنا.

”هذا لا علاقة لنا به“، قالت فاتنة ثم نظرت إلى راما فأخيها وسألتهما: ”لنا علاقة بسرعة الصوت يا أولاد؟“.

”لا“، صاح الاثنان معاً بصوت واحد.

نظر علي إلى الباب الذي أغلق وراءهم للتو والتفت إلى باب المطبخ المفتوح فلم ير زوجة خاله فنظر إلى رنا وقال: ”أين هرب الجميع؟“.

”لا أعرف“، قالت وهي تحاول معرفة سبب الاضطراب الذي اجتاحها، ”لكنني أفكّر بالهروب مثلهم“.

”اهربي إذًا“.

فكّرت بالهروب فوراً لكنها كانت فكّرت بالهروب قبل ذلك وكاد هروبها ينتهي بكارثة لها وكارثة أكبر لاختها فألصقت قدميها بالارض هذه المرّة. ”هذه أفضل طريقة للاقناع عندك؟ اهربي!“.

”ماذا أبقيت لي وأنا اسمعك تقولين انك تفكرين بالهروب مثلهم؟“.

”الكثير. ما رأيكَ بالقول: لا تهربي يا رنا لأنني أريد أن أقول لكِ شيئاً مهما؟“.

”ماذا يمكن أن أقول الآن؟“.

انحنت إليه ورفعته من كبوته ووضعته في الطريق. ”أنا سأساعدك على إيجاد شيء تقوله. لماذا تركتني أتعلق بك في بيروت ثم نسيتني؟“.

”لم أنس احداً. تعرفين تلك الفترة. كانت أبواب جهنم مفتوحة دائماً ولم نكن نفكر بأي شيء سوى كيف نغلق تلك الأبواب أو أن نتفادى امتصاصها لنا“.

”لم تنغلق ساعة حقيرة واحدة كي تراني؟“.

”جئتُ لكنك كنت انتقلت إلى غرفة خارج الكلية ولم تتركي العنوان“.

”تركتُ رقم الهاتف مع امّك“.

”كان عندكم هاتف واحد في البناية كلها تنقّلونه في سلة قديمة مربوطة بحبل يلحقه من بلكون إلى بلكون وأنت في الطبقة الثالثة. كنت انتظر أحياناً نصف ساعة قبل أن يقولوا لي انك لست موجودة“.

”لو كنت موجودة كنت قلت لهم أن يقولوا لك انني غير موجودة. خمسة أشهر يا علي وأنا أنتظر. لا زيارة ولا رسالة ولا اتصال وأنت في بلد واحد معي حجمه هكذا؛ لا يمكن أن أقبل أي عذر“.

”أنا في هذه اللحظة أفكر بكل شيء ولا اجد قدرة على قبول أي عذر“، قال وهو يحرك يديه في كل الاتجاهات، ”لكنني أفكّر الآن في زمن آخر. ذاك الزمن كان كارثة. لم يكن فيه شيء عادي على الاطلاق. النوم كان جهداً والاستيقاظ جهداً أكبر منه والاستمرار معجزة. لم يكن فيه شيء لي ولم يكن فيّ شيء لأحد“.

التقطت شيئاً من ذاكرتها كانت نظرت إليه كلما حاولت ترتيب عقلها وأرادت رميه لكنها ابقته لأنها كانت تعتقد أنها ستحتاجه يوماً. ”طيب!“، قالت وهي تتفحص الشيء في عقلها، ”تلك بيروت؛ أمرنا لله. لماذا لم تتصل بي بعدما جئتَ إلى ابو ظبي؟“.

كان فكّر بها لكنه لم يفكّر بالاتصال معها ولم يخطر في باله سبب مقنع الآن.

انتظرت لحظة وعادت رمت الهدف نفسه. ”فاتنة اتصلت بي مئة مرة؛ لماذا لم تقل لها سلّمي على رنا في طريقك؟“.

أراد ان يخلو بنفسه في زاوية صمته لكنها لم تسمح له. ”أبواب جهنم مفتوحة في بيروت وفي أبو ظبي أيضاً؟“.

”كنت أعتقد أنها ستنغلق هنا“، قال وهو يخرج من صمته متردداً، ”لكن… لكن لا أزال تحت السماء نفسها“.

”لهذا لم -“

”لم تنغلق“، قال دون أن ينتبه إلى أنه يقاطعها، ”شياطينها طالعون نازلون بحرية كما يريدون. أنا الذي أغلقت نفسي. كنت أعتقد أن الانسحاب يمكن أن يكون نصراً هذه المرة لكنني لست متأكداً الآن“.

صمت لحظة وابتعد بنظره عنها وقال كأنه يخاطب نفسه، ”أحياناً لا أعرف ماذا أغلقت وماذا تركت مفتوحاً. يوجد دهليز بين زمني الآن وزمني في الماضي. فيه باب لكنه بلا قفل. أريد أن ادفعه بقدمي أحياناً وأعود لكنني أعرف أنه لن يكون غير الزمن الذي أعرفه. أريد أن اضع قدمي على الارض من دون خوف لكنني لا استطيع أن ابعد عن نفسي هذا الشعور بأنني لا أزال في عدوة الآخرة“.

”عدوة الآخرة؟“.

”مكان في القاعدة كنا ندق فيه أبواب الجحيم عندما تصبح الحياة اكثر جحيماً“.

خفّضت صوته ورفعت صوتها وخاطبت نفسها. كانت قررت ألا تساعده. كانت قالت لنفسها انها ستساعده على الوقوف إن كبا فقط. مدّت ذراعيها ومنعت أي رغبة وراءها من الوصول إليه لكن يدها ارتخت فجأة وانطلق شيء نحوه وانضم إلى صفّه قبل أن تتمكن من إيقافه.

”لهذا لم تتصل؟“، قالت تساعده على تكوين عذر، ”لم تكن متأكداً؟“.

”أعتقد“.

”لماذا لا تضع قفلاً على الباب؟ ربما تأكدّت عندها“.

”هذا ما أحاول القيام به منذ أتيتُ أبو ظبي. كنتُ بدأت أعتقد أنه لا جدوى حتى من المحاولة لكنني لا أشعر بهذا الآن. أشعر أن هناك فرصة، ومع ذلك…“.

”تقصدني؟“

كان يقصدها لكنه لم يكن متأكداً. ”الوصول إليك ليس سهلاً“، قال وهو يزفر بشكوكه، ”أشعر أنني أسير على حد السيف ولا أعرف ماذا سأجد في النهاية“.

”أنا الوصول إلي هكذا؟“.

”هكذا أراكِ. ‘تعا ولا تجي’ كما تقول فيروز“.

ضحكت فجأة واهتز صدرها فأبعد عينيه ونظر إلى الباب الخارجي بسرعة كي لا تعلق الصورة في ذهنه. توقفت لحظة ثم ضحكت مرة ثانية ثم توقفت ثم وضعت يدها على فمها ونظرت إليه وقالت من دون غضب: ”تعرف ما افكّر به الآن؟“.

حرك رأسه وهو يرفعه فتذكرت تلك الحركة فيه وضحكت.

”لن تزعل؟“.

حرك رأسه ثانية.

”أريد أن أراك تسقط من المركب كما سقطت أنا وأريد أن أراك تغرق أمام عيني لكن أريد أن أرمي نفسي وراءك وأقول للبحر: نخرج معاً أو نبقى معاً. لماذا أفكّر هكذا؟“.

”لا أدري“، قال وهو يرى صفاء مذهلاً تذكّره في عينيها، ”ربما لأنك ترين المستقبل“.

”لا أراه. أنت انظر إليه وقل لي ما الذي تراه فيه“.

”أنا لا أراه أيضاً“.

”ماذا تريدني أن أفعل الآن؟ أفتح لك ذراعي وأقول نسيت كل شيء؟ لا أستطيع“.

نظر اليها من دون أن يعرف الشيء الذي ينظر إليه من خلالها. ”كان خطأ“، قال وهو يكتف بقبول كما كتفت في نهاية جملتها الأخيرة برفض، ”أنظر اليكِ الآن وأعرف أنه كان خطأً هائلاً ولكن ليست هناك حاجة إلى أن انظر اليك الآن وأعرف أنني اخطأت. كنت أعرف هذا في الماضي لكن الاخطاء كانت كثيرة آنذاك ولم يكن هذا أهمها“.

”نعم؟“، قالت وهي تفتح عينين تحدته باتساعهما على أن يجرؤ على اعادة ما قاله.

”كنّا خسرنا كل شيء تقريباً وقتها. لم أكن استطيع النظر في وجوه الناس حولي. لم أكن أريد أن اتذكرها لأنني لم أكن متأكداً أنها لن تختفي في أي لحظة. كان في عقلي من الوجوه التي اختفت ما يكفي. لم أكن قادراً على التعامل مع الحياة وأنا لا اتعامل إلا مع الموت. هل اجبتك هكذا؟“.

”أجبتَ على اسئلة طرحتها أنتَ على نفسك لكنك لم تجب على الاسئلة التي أريدها“.

”إسأليها؟“.

كتفت يديها والتفتت إلى النافذة، ”لم يعد لها ضرورة“.

نظرت إلى المارينا القريبة ورأت أنوار المراكب الراسية فيها فتوقفت عند أكبرها. رأت نفسها في الزاوية الخلفية اليسرى وكشفت الغطاء عن المخاوف التي دفعتها إلى الهروب من الحياة. كانت لا تجرؤ على التفكير بتلك المخاوف لكنّ هذا تغيّر الآن. لا تعرف السبب تماماً لكنها باتت أكثر ثقة بنفسها. قالت لعلي إنها تفكّر بالهروب منه لكنها لم تقصد ما قالته. ربما قصدته في البداية لكن ليس الآن. كان يستطيع أن يكذب كما كل الباقين ويخترع أعذاراً تزيل شيئاً من المرارة التي تشعر بها لكنه لم يكذب. كان اجبرها على التعلق به في بيروت إلا انه لم يكذب عليها. كان حدّثها واهتم بها وروى لها قصصاً مثل التي يرويها لاختها فتعلقت به كما تعلقت به اختها لكن أبواب الجحيم كانت مفتوحة آنذاك فعلاً ولا تزال مفتوحة له ولها. ربما ساعدته يوماً على العثور على القفل الذي سيغلق الباب بينه وبين زمن لا يريده لكنها ليست متأكدة. قبل أن تساعده يجب أن يساعدها على العثور على قفل مشابه لها وقبل أن يساعدها يجب أن تساعد نفسها. تستطيع أن تقول لعلي من دون الالتفات إليه انها فكّرت جيداً فوجدت أنه كان يجب أن ينتبه إليها في الماضي وهي الآن آسفة جداً لكن الوضع لم يعد مناسباً. سينسحب من حياتها وستنسحب من حياته إلا انها لن تستطيع أن تحمل إلى إيلي خياراً آخر ولن تستطيع أن تواجهه. إذا أرادت أن تواجهه يجب أن تقول لعلي ‘نعم’ الآن. قبل أن تدخل المعركة يجب أن تعلن الحرب وقبل أن تعلن الحرب يجب أن تستعد لها وقبل أن تستعد لها يجب أن تعرف الهدف منها.

”سنختصر الوقت يا رنا“، قال اليأس في علي بعدما انتظر ما اعتقده زمناً كافياً، ”سنقف دقيقة حداداً على الفرصة التي لن تكون وسنقول لفاتنة بعدها ان الحاضر لن يكون استمراراً للماضي لأن الماضي لم يترك شيئاً للحاضر كي يذكّره بنفسه. بعدها سأذهب إلى إدوارد. وبعدها سأتصل بك قبل أن تعودي إلى بيروت. ربما أردت أن تأتي إلى هنا مع راما لكن إن لم تجدي الوقت فلا تهتمي. سأراك عندما تعودين إلى ابو ظبي بعد التخرج“.

سمعت ما قاله بصمت. كان ما قاله حقيقة فكّرت بها وقبلتها في الماضي إلا انها لا تستطيع قبولها الآن. توقعت أن يكون فكّر بهذه الحقيقة مثلها لكنّها استغربت أن يتوصل اليها بهذه السرعة. كان مضى أبعد مما توقعت فاعترضت على قدر تأكدها من المدى الذي كان يجب أن يذهب اليه. كتفت خفيفاً جداً ونظرت إلى يمينها من دون قصد فرأت علبة هدية راما فكتفت في اتجاهه ثانية وقالت: ”ليست هناك حاجة للحداد. الظروف اختلفت. لم نقل شيئاً محدداً وقتها ولم نقل شيئاً بعدها. كانت أياماً عجيبة، كما قلت. كان فيها موت كثير لكن كانت فيها ورود أيضاً“.

”ورود؟“، أضاف اليأس فيه، ”ماذا تفعل باقة ورود في مقبرة؟“.

”إذا أردت أن ترى الورود يجب أن تزرعها أولاًً“، قالت وهي تلتفت اليه. ”يجب أن تزرعها وترعاها. هناك دائماً مكان للورود. حتى بين القبور هناك مكان“.

هزّ رأسه مُقراً ولعن الدنيا في سرّه وقبل اللوم مرة اخرى. نظر إلى رنا في قاع البحر – سمكة حمراء وخضراء وبنفسجية ونظر إلى رأس صنارة انزلها فلم يجد فيها طُعماً. فتح في خياله مقصّاً بحدين غاضبين وقطع الخيط. ”إذًا لم يبق شيء“، قال وهو يتجه إلى الباب بسرعة.

”بقي“، قالت وهي تحاول أن تتذكّر أين وضعت حقيبتها اليدوية الصغيرة، ”لم أقل لماما بعد“.

”نعم؟“، صاح بدهشة وهو يجمد في مكانه.

”لم أقل لماما اننا سنذهب إلى إدوارد وزوجته، لكن يجب أن نأخذ راما معنا“، ثم نادت اختها.

”رنا“، قال وهو يرفع رأسه ويديه إلى السقف ويُسقطهما بحدّة، ”هل في الدنيا طريقة كي تعطيني فكرة صغيرة مُسبقة عما يمكن أن تفعليه؟“.

”لماذا تريد أن تتعب فكرك في شيء مثل هذا“، قالت وهي تتجه إلى الهاتف، ”أنا نفسي لا أعرف“.

بقايا الوشم

من أجمل الروايات

“رواية بقايا الوشم لعادل بشتاوي واحدة من أجمل الروايات العربية التي قرأتها خلال السنوات الأخيرة، بحيث فاجأتني بهذا الكاتب المعتكف، والصائغ الدقيق، والحرفي الماهر، الذي استطاع من خلال روايته هذه أن يحلّ معادلة الإبداع والمتعة معاً. إنها، باختصار، ستكون معلما رئيساً في الرواية العربية المعاصرة، وهي ستكرّس بذلك كاتبها كواحد من أهم الروائيين العرب المعاصرين” (حسام الدين محمد).  أقرأ العرض كاملاً

 

رحلة أوديسية

“بقايا الوشم ليست مجرد رواية، بل رحلة أوديسية في الزمن تحكي قصة جيلين (الآباء والأبناء) على امتداد 554 صفحة تذكّرنا بنموذج الروايات العملاقة مثل مدن الملح لعبدالرحمن منيف وأولاد حارتنا لنجيب محفوظ وأطياف الظهيرة لبهوش ياسين من المغرب. سفر محموم في الذاكرة، ومراودة استبطانية لذوات موزعة ما بين الماضي والحاضر، ولعبة القدر في تصاريفه حين يحيي قصة حب أخفقت وطوتها عاديات الزمن، لتُستعاد من جديد في حياة جيل آخر. هي إذن رواية مركّبة تكشف كيف بإمكان الانسان ان يستسلم للقدر في آن ويعانده في آن آخر.(محمد علوط).  أقرأ العرض كاملاً

صورة الوطن

“الغربة عند عادل بشتاوي ليست سوى صورة اخرى للوطن انه يستحضر الوطن ولكن ذلك لا يتم من خلال حنين اليه بقدر ما يكون من خلال المواءمة بين الوطن والمغترب، من خلال الاستعانة بالحياة في احدهما على فقد الثاني. ففي غربته في لندن يتزوج بطل روايته هشام، وفيها تموت الزوجة الأنجليزية وتدفن هناك، ويدفن معها جزء من قلب هشام وذكرياته الحميمة. وهناك ينجب ابنه وسام الذي يكون في زمن الرواية في مقتبل عمره. ومثل والده هشام لا يجد وسام صعوبة في التعامل مع مغتربه، ولا يشير اليه بوصفه كذلك طوال الرواية، بل انه بعد ان يلتقي عروباً ويحبها في لندن يسافر الى عمّان ليتزوجها ثم يأخذها معه عائدا الى مغتربه دون ان يؤرقه شعور بفقد الوطن والابتعاد عنه وكان المغترب هو الموجه الآخر للوطن.” (الصديق الراحل صلاح حزين). أقرأ العرض كاملاً

القالب الروائي

“إن القالب الروائي الذي كتب به عادل بشتاوي بقايا الوشم هو في الدرجة الأولى ذاك الذي انتجته فكرة الرواية، ومن ثم مغامرة كتابتها في الدرجة الثانية. وإن كنت لا أملك القدرة على الوقوف عند مفاصل معينة من الرواية كما يفعل النقاد، إلا أنني أنوه بتلك السلاسة التي تنساب معها اللغة الروائية بينما هي ترسم سلوك شخصيات عربية تجد نفسها أثناء سفر لها إلى الغرب في مغامرة وجودية تأخذها إلى أعماق ذواتها، وتضعها، للمرة الأولى ربما، في مواجهة أسئلة كبيرة لم يسبق لها أن واجهتها بينما كانت في بلادها. كأن الخارج/الغرب هو مرآة لـ الأنا في مواجهة الآخر. ومناسبة كبرى لامتحان الذات وأشيائها. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الغرب في هذه الرواية لا يشكل عقدة لشخصياتها بمقدار ما يبدو تحدياً إجتماعياً وعلمياً وأخلاقياً ممكناً، ومسرحاً خصباً لمقارنة تعتمد القدرات المتشابهة في الإستعداد الإنساني مرجعاً لها، أكثر مما تعتمد الإختلافات الأيديولوجية، من دون أن يعني ذلك أن الكاتب يتجاوز الرواسب التاريخية المعقدة بين الشرق والغرب. إنه لو صحّ الظن يؤثر تجاوزها على اعتبارها عثرة أبدية في وجه العلاقات الإنسانية، أقله الفردية بين الشرق والغرب.” (الاستاذ الصديق نوري الجراح).  أقرأ العرض كاملاً

طيف العالم

«ومن ميزات الرواية أنها ترصد أبطالها رصداً دقيقاً في صمتهم وكلامهم وحركاتهم. وتتبّع ما يساورهم من انفعالات ومخاوف عميقة وغامضة وإحساس بالذنب والقلق. وتقبض على ارتعاشات العاطفة ودبيب اللذة وخدرها في النفس والجسد. حتى لكأنها بقوامها وأصواتها ولغاتها موشور يعكس طيف العالم والوجود.»( أحمد زين الدين).  أقرأ العرض كاملاً

نكهة شعرية خالصة وتقرير بالمستوى الرفيع في شدّ خيوط الحوار

في هذه الوقفة الأخيرة على بعض الموضوعات المركزية في رواية ”رواية بقايا الوشم“ للكاتب عادل بشتاوي نتجاوز مستوى المضمون في حدّ ذاته لنتوقف عند جماليات الاسلوب.
وفي هذا المستوى بالذات، لعل أول ما يسترعي انتباه القارئ هو قدرة الكاتب على المزاوجة داخل إيقاع حكائي واحد بين المونولوج والديالوغ، أي بين الاستبطان كمحاورة ذاتية وبين الحوار الذي يفترض تداعي الخطاب بين متحاورين.
ووقوفاً عند الحوار في حدّ ذاته لا نملك إلا نقرر بالمستوى الرفيع الذي بذله الكاتب في شدّ خيوط الحوار ليكون متماسكاً وشيّقاً يسمح للقارئ بأن ينساب في القراءة دونما ملل او كلل رغم طول الرواية. وقد استمد الكاتب الاسلوب الحواري في الرواية من نمط الافلام السينمائية ولذلك لا غرابة أن تكون هذه الرواية صالحة كمادة خام لكتابة السيناريو، وبتأويل آخر نستطيع ان نقول بأن الكاتب نفسه يملك في هذا الصدد ما يؤهله لكتابة السيناريو بامتياز.
ليس ذا بالأمر الغريب، فالعلاقة بين الرواية والسينما أقرب من حبل الوريد، وبالرجوع الى ملف الاقتباس السينمائي عن الرواية، فإن مجرد ذكر اسم نجيب محفوظ كاف لتبيان أن أيمة رواية في الحدّ الأدنى قابلة لأن تتحول الى فيلم روائي سينمائي. هذا إن لم يكن الكاتب ذاته يقصد الى ذلك، وهيّأ من الأسباب الجمالية ما جعل ذلك أمراً ميسوراً.
أما عن الاستبطان فقد جعله الكاتب الأرضية الخصبة لاستنطاق الذوات والشخوص، وفضلاً عن هذه الوظيفة التقليدية، فقد اتخذه أيضاً سنداً لبثّ الكثير من أدائه ومواقفه في قضايا سياسية وثقافية وفنية وفلسفية.
ثمة ايضاً بعض الجوانب البلاغية في الاسلوب الحكائي لـ ”رواية بقايا الوشم“ ويظهر ذلك بالخصوص في اعتماد الوصف والمشاهد عن طريق الصور الشعرية والإستعارات البلاغية، ومثل هذا الصنيع يزيح الحكي عن نمط الاسلوب التقريري الجاف ليمنحه نكهة شعرية خالصة.
هذه في النهاية بعض المؤشرات التي أثارت اهتمامنا اثناء قرءاة ”رواية بقايا الوشم“. وجدير بالنقّاد ان يهتموا بهذا العمل، فلربما حملت لنا قراءاتهم اضافات نوعية جديدة على مستوى الفهم والتأويل. (محمد علوط).

صرخة الليل في بقايا الوشم

وها هي الحياة! تئن بدولابها وتتوقف ثم يئن دولابها ويعود ادراجه كأنه نسي شيئاً وراءه فاستطاب الماضي وظل فيه. ها هو المجير الذي هربت اليه من هشام يصير جائراً، وها هو الرجل الذي حسبته جائراً يصير مجيراً، وها هي الفتاة التي اعتقدت انها اغلقت عليها باب الامس تعود اليها في صورة ابنتها، وها هو الشاب الذي ودعته يقوم من الماضي في صورة ابنه وهو يحمل قلبه على كفه ويبكي ويقول: خذوه واعطوني حبيبتي لأجل الله.

“ظلم والله، كله ظلم”، قالت علياء وهي تنحب عالياً. حتى الكلمات نفسها تتكرر؛ معقول؟ ترى ابنتها عروب على الشباك تنظر الى الشمال فترى نفسها. تسمعها تبكي بكاءً مخنوقاً حتى لا يسمعها أبوها فتسمع فيها نفسها؛ معقول؟، قالت عياء لنفسها.

 “وسام!” سمعتها تصرخ في الظلمة أمامها، “اسمعني يا وسام أينما كنت! إن لم يأتِ بك حبي ستأتي بي دموعي لكنك ستأتي. ستأتي غصباً عن الدنيا؛ ستأتي غصباً عن الحياة. ستأتي إلي مساءً وستخلع نعليك بالباب وسترمي سترتك على الكرسي وسترفع ظاهر يدي الى شفتيك وتقول: عَرُوب حبيبتي أنا عدت فلا تتركيني اذهب مرة ثانية” (الفصل التاسع عشر).

حدائق اليأس

GDoriginal_cover

الغلاف تصميم الرسام العراقي الشهير هاني مظهر

صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر للروائي الفلسطيني عادل بشتاوي رواية بعنوان “حدائق اليأس” هي الثالثة التي تصدرها المؤسسة بعد “بقايا الوشم” و”زمن الموت والورود. يتتبع الكاتب في هذه الرواية رحلة البطلة “رشا” في طريقها الصعب إلى تجديد الحياة عن طريق الإنجاب الذي استعصى عليها في البداية. لكن في اللحظة التي تتمكن فيها “رشا” بعد كل تضحياتها وإصرارها من تحقيق هدفها تكتشف متأخراً أن الطريق إلى الحياة يمكن أن يكون أيضاً الطريق إلى الموت فتخسر حياتها بعد وقت قصير من ولادة ابنها الوحيد.

وفيما تنتهي رحلة “رشا” يبدأ عمر بطل الرواية رحلة معاكسة تقوده بعيداً عن الحياة التي يمثّلها وليده الجديد، إلى الموت والعبثية والضياع تحت ثقل فاجعته فيعتبر ابنه مسؤولا عن موت ابنه وينبذه ويستوطن نفسه حديقة اليأس التي صارت حياته.

إلا أن رحلة عمر في الطريق إلى الموت تتوقف فجأة عندما يكتشف، وهو يحاول معرفة كنه الحياة والموت، أن الموت يمكن أيضاً أن يكون طريقاً آخر إلى الحياة، ولكي يرى ثانية عيني زوجته الراحلة ما عليه سوى النظر في عيني ابنه… “سينظر إلى الحياة هكذا من الآن فصاعداً. سيزيل أكوام الفكر من درب عقله لأنها لم تدلّه على شيء وسينظر إلى الحياة من منظار الحياة – من عينين صغيرتين مثل عيني ابنه. عندها فقط سيعرف. إن سأله ابنه يوماً عن الحياة سيقول له الشيء نفسه: “بني! بني! يا ابن رشا”، سيقول له، “الهدف من الحياة إدامة الحياة. ليست هناك حاجة إلى أي سبب آخر”.

“ليس من السهل أن يخرج القارئ من حدائق اليأس دون أن ترتسم في ذهنه انطباعات عميقة تتركها اللغة المميزة التي يكتب بها المؤلف، يعالج بها الأفكار الرئيسة في الرواية. وفي غمرة المشاعر الإنسانية المتضاربة تلوح شخصيات أبطاله التي تحاول الانفلات من قيود مفروضة عليها، غير أنها تظل متمسكة بنظرتها الواقعية إلى الأمور وبتفاؤلها، ورغم مآسي البطل وفقدانه لنصفه الثاني فإنه ظل يحيا يومه بانتظار يوم جديد يحمل معه الأهل والسعادة، فحديقة اليأس التي خبرها البطل لم تعد كما هي، ربما لأنه يتذكرها كما كانت ولا يريد “عقله أن يراها على صورة مختلفة”.

“وفي بحثه المستمر عن سبب تغيرها فجأة، قرر الخروج من حالة اليأس، لأن “رشا لا تحب الأسيد ولا تحب الوحشة ولا تحب اليأس، لهذا لن تعود حديقة اليأس إلى الشكل الذي يعرفه لأنه لم يعد ينظر إليها وحيداً. رشا لا تريد أن تعيش مع اليأس ولن تعود إلى اليأس مرة أخرى حتى في موتها”. فهو يحملها في قلبه ويحمل ابنها معه، وسيفتح “صفحة جديدة في كتاب الحياة” و”سيزيل أكوام الفكر من درب عقله لأنهت لم تدله على شيء” (النيل والفرات كوم).

 

هذه رواية مظلومة سأتهم نفسي بأنني أنا الذي ظلمتها لا الناشر. من بيروت والقاهرة أخبرني أصدقاء أن وقعها على بعض النساء كان مؤلماً، لذا لم أكن متحمساً للترويج لها، وتذرعت دائماً للأصدقاء بأنني لم استلم أي نسخ. إذا قرأ الراغب الرواية سيعرف السبب، لكن ربما كان على القارئة الكريمة أن تضع هذا في اعتبارها. سأعترف أنني اتجنب تصفح هذه الرواية. إذا كنت أريد أن أنظر الداخل في وضع القلق لا كتشف ما الذي يحدث بالضبط فالفصل الأخير من الرواية هو المبضع، لهذا سأعترف مرة أخرى أنني أقرأ بعض الفقرات من وراء غلالة تغشي العينين فجأة بلا جهد أو انتباه. حتماً ستكون آخر ما أريد قراءته. (المؤلف).

بطاقة الرواية:

الاسم: حدائق اليأس (2001)

المؤلف: عادل سعيد بشتاوي

عدد الصفحات: 359

تصميم الغلاف: الفنان العراقي القدير هاني مظهر.

 

hani_adel

الصديق هاني مظهر (يمين) مع عادل بشتاوي في حفل اطلاق المجلد الأول من كتاب الأصول الكبير – لندن وهو مصصم أغلفة زمن الموت والورود بالعربية والانكليزية، الأمة الأندلسية الشهيدة، ألف ميل في خطوة واحدة ولوحته علاف رواية بقايا الوشم بالانكليزية

 

تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية: الأنظمة اليوم هي الخائفة لا الشعوب

هل عرفت الأمة حتى في عصور التتار والاستعمار أنحس من عصر الأنظمة الوطنية؟

إن العربي المتمعّن في حال الأمّة العربية عشية تحررها من الخوف الاميركي في العراق ما كان سيراها خير أمّة أخرجت للناس بعد ستة عقود من الظلم الذي لم يعرفه البيت العربي في تاريخه الحديث. وإن العربي المتمعن في حال الأمة العربية بعد ستة عقود من التجهيل ما كان سيراها أمّة التنوّر والعلم والحضارة التي أضاءت عتمة عصور الظلام في أوروبا وآسيا وقدمت المثال على العظمة التي يمكن أن تجسّدها روح الإنسان عندما تحرر ذاتها من سلاسل الجهل والانغلاق والتخشّب الفكري.

وإن العربية المتمعنة في شعر الأمة وأدبها والغائصة في روحها ستجدها أمة تفتخر بأنها ولدت على صهوة الجواد ونشأت على الحرية وإذ بها بعد ستة عقود من عصر الأنظمة الوطنية الأسود قعيدة حفر الحضارة بعدما صارت الأنظمة رواهصها. وإن المتمعنة في حظ هذه الأمة العاثر ستراها كما لو ان القدر وضع كل أنظمة العالم في غربال حكمه ثم هزه عنيفاً وأفرغ ما بقي من عوالق فسقط فوق الأمة من الطائشين والجاهلين والولدان والمتخشّبين والبيّاعين والكذابين وتلاميذ هتلر وستالين أرذل الخلق وأردأهم وأقدرهم على الظلم وامتهان الكذب وصنع التخلف وفعل الشر والفجيعة.

وإن الباحث في حضارة الشعوب وثقافاتها ما كان سيجد كتاباً واحداً أهدته أمّة من أمم الأرض إلى الأمم الأخرى فاستولى على أحلام أطفال العالم مثلما استولت عليها العربية من خلال كتاب واحد هو ألف ليلة وليلة. هذا هو الكتاب الذي صار أجمل ما يمكن أن يُهدى إلى الصبي والصبية في أوروبا في عيد الميلاد، وهذا هو الكتاب الذي خرج الأدب الرومانسي في أوروبا من تحت عباءته، وهو الكتاب الذي اقتدى به جل المؤلفين الذين كتبوا لأطفال العالم، ومنه وجدت اللوحات الملونة طريقها إلى معظم الكتب الأخرى فلينظر العرب إلى ما أهدته الأنظمة الظالمة إلى العالم في عصرها المظلم: الإرهاب والظلم والتجهيل والتهجين والتسلط والتعذيب والتخلّف والفساد والرشوة المؤسساتية ومداهمات بيوت الناس واعتقال المئات بانتقال حرس الأنظمة من بيت إلى آخر واغتيال الضمير وتمزيق حقوق الإنسان وانتهاك الحريات الشخصية والعامة حتى بات العالم العربي يشغل الحيز الأكبر من تقارير جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات العفو الدوليّة والمؤسسات الديمقراطية بعدما شغلت حضارته العالم، فأين هذه الحضارة بعد ستة عقود من التخريب سوى الظل الباهت لجلال هذه الأمة الغارب؟

وخلال ستين عاماً عاشت الأمة جحيم ظلم أذاقتها الأنظمة كل نكهة منه: ظلم باسم الحرب على الإرهاب، وظلم باسم الحرب على المتشددين، وظلم باسم الدفاع عن الدين، وظلم بالتصدي للدين، وظلم باسم الوحدة، وظلم باسم الانفصالية، وباسم التقدمية وباسم المحافظة وباسم الوطنية وباسم القومية وباسم الاشتراكية وباسم الحزب وباسم العيلة المنحوسة الحاكمة. كان من ينادي بالحرية وحكم القانون يُتهم بالعمالة للاستعمار. وذهب الاستعمار فصار يُتهم بأنه عميل للإمبريالية، ولم يعد لهذا الاتهام معنى فصار يتهم بأنه شيوعي، وسقطت الشيوعية فصار يتهم بالإرهاب.

ستون سنة والأمة تعيش هذا الظلم. ما طالب مواطن في دولة عربية بشيء من الحرية إلا اتهموه بأنه عميل لوكالة الاستخبارات الأميركية. ما اشتكى مواطن في دولة عربية من قهر إلا اتهموه بأنه عميل للموساد. ما قال قائل كلمة حق في حاكم جائر إلا قالوا إنه إرهابي أو جاسوس أو خائن أو رجعي أو إمبريالي أو متآمر أو جمعوا فيه الصفات كلها فصار بيت العرب أكبر معسكر اعتقال مفتوح في العالم، ثم صارت ساحات مدنه ساحات المذابح والقصف والتدمير والتعذيب.

هذا وطن يقول المظلومون للنظام كفاية! فيرد كمن نفخ إبليس الاستكبار في أنفه: كلام أيه ده؟ مش كفاية أبداً! هذا وطن يقول الناس فيه للنظام: “كفانا من الأب ما كفانا!”، فيرد عليهم النظام: “الأب والابن وابن الابن أيضاً وبموافقة كل جنين في رحم كل أم أيضاً” وبنسبة فوز في انتخابات ملفة لا تقل عن 99 في المئة، عدّ من عدّ وصدر من رد. هذا وطن يطالب فيه الناس بالإصلاح وتأسيس البرلمان المنتخب للاعتراف بحقوق المواطنين فتتهمهم السلطات بالخيانة أو باستخدام مصطلحات غربيّة أو بالخروج على طاعة ولي الأمر.

في أي العهود البائدة تعيش هذه الأنظمة؟ اسمعوا: ثم دخل سعد بن مالك على معاوية بن أبي سفيان وقال: “السلام عليك يا أيها الملك”. فغضب معاوية وقال: “ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟” فقال سعد “ذلك إن كنّا أمّرناك”. والوالي؟ ذلك إن كنّا وليناك. والرئيس؟ ذلك إن كنّا رأسناك. ومن ولاهم ومن رأسهم ومن أمّرهم على الناس سوى الأخ وابن الأخ وابن العم وابن الخالة وأهل الثكنات والمخابرات ومن يهرولون وراء دفتر شيكاتهم التي يصرفون بها أموال الناس؟

بئس الأزمان هذه لكن لا تستغربوا فهذا وطن يقول الناس فيه للنظام نريد الحرية فيبني لهم سجناً، وهذا وطن تكفل فيه الأنظمة للمعارضين الحرية إن عادوا إلى وطنهم الذي أخرجوا منه على وجوههم وما أن ينزلوا أرض المطار حتى تكون المخابرات في انتظارهم، وهذا وطن لم تُبقِ فيه الأنظمة من فصول الأمة الأربعة سوى الخريف.

يجب أن يعرف العرب أن خوف الأنظمة الأكبر ليس في بقاء جنود الإمبراطورية الأميركية الجديدة في بيت العرب بل في خروجهم منه. يجب أن يعرف العرب أن خوف الأنظمة الأكبر ليس في استمرار التوتر والعنف مع إسرائيل بل في تحقيق السلام العادل المبني على الشرعية الدولية. يجب أن يعرف العرب أن الأنظمة لا تخاف أعمال العنف والقتل والاختطاف فهي تملك كل أدوات مقاومته وبعضها متهم بتشجيع من اختطفت عقولهم عليها وبمسرحة العمليات الإرهابية، بل تخاف المظاهرة السلمية لأنها تعبير حضاري ونتاج تفكير عقلاني والأنظمة لا تريد أن يفكر الناس إلا بعاطفتهم لأنها تعرف كيف تستغل العاطفة وتنشّط الكره لكنها عاجزة أمام العقل. وبالعاطفة والتأليب والتجهيل والتهجين تستفز الأنظمة بعض من اختطفت عقولهم للقيام بعمليات مثل هذه لكي تضرب كل المعارضة باسم ضرب الإرهاب، وتبرهن للغرب الكائد أنها تقف إلى جانبه فيمنحها المال والسلاح والشرعية ويتابع تأييد الظلم والتجويع وزراعة العنف والإرهاب في النفوس المُستفزة.

في سورية عشرة آلاف موقع أثري. في إبلة السورية أضخم مكتبة صلصالية في العالم القديم. على ضفاف وادي الفرات أقدم المستوطنات البشرية قبل أكثر من عشرة آلاف سنة. هي دولة عرفت العمارة وعرفت الهدم، عرفت العز وعرفت القهر. جيوش كثيرة عبرت دروبها إلى الداخل، وجيوش كثيرة هربت بمن بقي من جنودها أحياء.  انظروا إلى مدنها اليوم، إلى أحيائها، إلى مقابرها الكثيرة ثم لا يقارن أحد ما حدث في سورية أو ما حدث في ليبيا بما حدث في العراق أيام التتار.  في التاريخ هولاكو واحد، كم هولاكو في أوطان العرب؟ هذه الأنظمة وجيوشها أدواتالاستبداد والتسلط والعجز والقصور والفساد والتخشّب وقهر شباب الأمة وشاباتها. زعماء كثيرون أثبتوا أنهم أقدر على الهدم من البناء وأقدر على الظلم من العدل وأقدر على تضييع حقوق العرب من استردادها وأقدر على تحقيق التخلف من التنمية وأقدر على تشجيع الإرهاب من تشجيع الاعتدال وأكثر خبرة في تأسيس المافيات الأسرية والمخابراتية من تأسيس الجمعيات التي تنفع الناس. هؤلاء لا مكان لهم في عالم اليوم لأن العالم تغير. عليهم أن يتنحّوا ويتركوا الساحة للشعب كي يحكم نفسه بنفسه من دون حاجة للسلطان لأن السلطان لم يجلب للناس خلال ستين عاماً سوى المذابح والمحارق والاحتلال والظلم والقسوة والتخلف والجوع والتخريب.

إن الأنظمة ترتجف من البرد بعد خمود نار التأييد الأميركي لها. إنها  تعرف أن الجدار الذي اقامته لحماية نفسها مقبل على السقوط لأن الغرب لم يعد راغباً في حمايتها. هي اليوم في الخنادق والأقببية وحيدة وخائفة ويدها على الزناد. لكن هذه الأنظمة الظالمة تعرف سراً كبيراً: جدار الأنظمة لن يسقط ما لم تشأ له الشعوب أن يسقط. أنتم، أيها العرب، من يمسك بهذا الخيط الأخير الذي يُبقي الأنظمة فاوقفوا نزيف الأمة وظلم الأمة وخوف الأمة واقلعوه من أساسه، وليفعل كل عربي وكل صديق للعرب ما يقدر عليه: من لا يجد بندقية يدافع بها عن أسرته ونفسه من إجرام الأنظمة وجيوشها فليجد معولاً ينقب به الجدارالذي يحميها. من لا يقدر على نقبه فليرسل فيه مسماراً. من لا يقدر على ثقبه فليخدشه. من لا يقدر على خدشه فليقف أمامه ويتظاهر سلماً ويستصرخه السقوط. من لا يقدر فليلعنه في قلبه. من لا يقدر حتى على هذا لخوف ساكن فيه فليتمنّى في سره سقوط الجدار.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

الأمة الأندلسية الشهيدة

 هذا الكتاب:

“خرجت قشتالة إلى الوجود من تحت عباءة حربها مع الأندلس وخرجت إسبانيا إلى العالم من تحت عباءة حربها مع غرناطة. وخلال تلك المعارك الطويلة دفع الإسبان ثلاثة ملايين عربي خارج البلاد لذا يمكن اعتبار الأندلسيين من أكثر الشعوب المنكوبة آنذاك.

وتتجلّى مأساة الأمّة الأندلسية الشهيدة في انقطاعها عن باقي الأمتين العربية والإسلامية خلال صدامها مع إسبانيا في مرحلة من أكثر مراحل التاريخ إضطراباً. ومنذ تسليم غرناطة عام ١٤٩٢ أصبح الأندلسيون القاسم المشترك الأعظم بين كل أعداء إسبانيا فهم مسلمون مثل العثمانيين وعرب مثل أهل المغرب وأنصار فرنسا وفق القول “عدو عدوي صديقي” وإخوان الشقاء مع الألمان والهولنديين البروتستانت.

وسعت إسبانيا إلى تنصير الأندلسيين بالقوة وسلطت عليهم محاكم التحقيق التي احرقت أكثر من 30 ألف أندلسي وأندلسية وأوقعت عقوبات وغرامات في حق أكثر من 270 ألفاً آخرين. ولم تشهد أوروبة في القرن السادس عشر حرباً بوحشية الحرب التي شنّها الإسبان والمرتزقة على الأندلسيين خلال الثورة الكبرى (١٥٦٩-١٥٧١) فانتهت باستشهاد نحو 20 ألف أندلسي وجرح 30 ألفاً آخرين. وتحركت السلطة بعد ذلك فانتزعت ثروات الأندلسيين وأراضيهم وحتى عيالهم في واحدة من أطول عمليات النهب المنظّمة التي عرفها العالم.

وحاولت إسبانيا خلال أكثر من ١٠٠ عام من الاضطهاد قطع صلة الأندلسيين بدينهم ومجتمعهم وتذويب شخصيتهم إلا أنهم صمدوا وبقيت روحهم المعنوية عالية، وظلوا في سوادهم محافظين على دينهم وعروبتهم وعاداتهم حتى يئست الكنيسة من تنصيرهم، ويئست السلطة من إرهابهم فقررت تغريب معظمهم.”

عرض كتاب: الأمة الأندلسية الشهيدة

(تاريخ 100 عام من المواجهة والاضطهاد بعد سقوط غرناطة)

المؤلف: عادل سعيد بشتاوي

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت

كاتب العرض: الدكتور محمود السيد الدغيم

المصدر: صحيفة الحياة – لندن تاريخ النشر: 4 يونيو 2000

كتب الدكتور محمود السيد الدغيم في صحيفة “الحياة” يقول: إنه كتاب جديد خُصص لرحلة الأندلسيين بعد سقوط غرناطة إلى أبعد مدى اهتدى إليه المؤلف في ما يخص فهم تطور العلاقات بين الأندلسيين والاسبان في القرن السادس عشر الميلادي مع تسليط الضوء على علاقاتهم في القرن الثامن لفهم اسباب تبدل طبيعة العلاقات الدينية في شبه جزيرة آيبرية”.

و”قدم (المؤلف) معلومات مفيدة عن المسلمين في المغرب وتونس والجزائر وجنوب فرنسا وكورسيكا والمانيا وهولندا وسويسرا وولايات السلطنة العثمانية في افريقيا وآسيا واوروبا الشرقية، ومستعمرات اسبانيا في اميركا الجنوبية“.

”ويمتاز الكتاب بعدد وافر من الرسوم والصور والجداول التاريخية والاصطلاحية والمصادر والمراجع العربية والاعجمية مما يعطيه اهمية اكاديمية الى جانب تناول وقائع الاحداث باسلوب ممتع وتحليل ثاقب للأحداث“.

عرض كتاب: الأمة الأندلسية الشهيدة

المصدر: صحيفة السفير – بيروت

“بمكننا تصنيف “المدخل التاريخي” في باب فلسفة التاريخ إذ يقرر الكاتب أننا “نحن أبناء الماضي، وإذا كان الماضي هو التاريخ فنحن أبناء التاريخ أيضاً (…) صنيعة الماضي الذي هو في وجداننا، وكما يحاول الطفل أن يتعرف على نفسه من خلال التعرف على أبيه فإن معرفة التاريخ فرسخ مهم في الطريق إلى معرفة أنفسنا، كما ستكون هذه المعرفة مهمة كي يعرفنا الآخرون عندما نصبح جزءاً من التاريخ المجبول بخلطة الأحداث التي كونت حضارات الأسرة البشرية، وقبل أن تصبح معرفة الماضي طريقنا إلى معرفة الحاضر يجب أن نتحقق من أن صورة التاريخ هي صورة الأحداث الحقيقية التي صنعته، وليس المرآة التي نسج بعض المؤرخين على نولها ما قُدّم لنا في المئة سنة الماضية على أنه التاريخ”…

مقتطفات: الأندلسيون ومحاكم التحقيق

كانت الملكة إيزابيلا كاثوليكية في كل شيء وكانت تجلّ البابا وتنصت له باهتمام وخشوع لكنها لم تكن راهبة في دير. ونجد أن إيزابيلا وحفيدها كارلوس الخامس وحفيد حفيدها فيليب الثاني وحفيد حفيد حفيدها فيليب الثالث استمعوا دائماً إلى الكردينالات جيداً ووضعوا مصلحة الكاثوليكية في مرتبة عالية لكن كان عليهم في النهاية أن يتصرّفوا كملوك مسؤولين أمام الملوك الآخرين وأمام الشعب وأمام النبلاء، وأن يحافظوا على التوازنات القائمة، وأن يأخذوا مصالح مراكز القوى كلّها في الاعتبار. وإيزابيلا الكاثوليكية الورعة لم تكن خادمة للبابا إلا في رسائلها، وربما شعرت بعد تحقيق انتصارها على …

الأندلسيون المواركة

كيف ولدت فكرة كتاب “الأندلسيون المواركة”؟

الأندلسيون المواركة أول كتاب بالعربية خصصه باحث عربي لعرض بعض جوانب حياة الأندلسيين الذين بقوا في بلادهم القديمة بعد سقوط المدن الأندلسية في شمال البلاد ووسطها في القرن الثالث عشر، ثم بعد خرق الملكة القشتالية إيزابيلا شروط اتفاق الصلح مع غرناطة بعيد عام 1492 فكيف ولدت فكرة هذا الكتاب؟

الجمل الآتية من مقابلة مع الصديق القديم هاني الخير لكن أضيف إليها سببان آخران من أسباب كثيرة : الأول أنني كنت في قصر الحمراء مغ صديقة جميلة صارت في ما بعد زوجتي سوسن فسقط علينا كوز صنوبرة  صغير لا أزال احتفظ به إلى الآن، أو بما بقي منه، فظننت ذلك رسالة مخاطبة رمزية من أجدادنا في غرناطة. وعدنا في الليل إلى الحمراء فثارت شجون عجيبة وأوهام بعضها شيطاني وبعضها ملائكي فصغت بعضها في قصيدة منثورة هي في قسم الشعر لمن وجد الوقت.هذا رابطها:  بحثاً عنك عبد الرحمن

أما السبب الثاني فكتاب استعرته من الصديق الراحل كلود موريس كتبه ستانلي بول في القرن التاسع عشر له هذه الرابطة:

عروض لمجموعة من الكتب المتصلة بالأندلس ومحيطها

والآن إلى جزء من المقابلة مع الصديق الخير:

 هذا سؤال وجدت صعوبة في الإجابة عليه في عدد من المقابلات الأخيرة. وربما ولدت الفكرة لأن تاريح الأندلس بقي مبتوراً في عقلي منذ سمعت عن سقوط الأندلس للمرة الأولى لأنه انتهى بسقوط غرناطة سنة ١٤٩٢م لاكتشفت بعدها أنها لم تسقط أصلاً بل سُلّمت بموجب معاهدة رسمية لم يحترمها الإسبان. واعتقد أن الفكرة تبلورت بعد زيارتي الأولى الى إسبانيا أوائل ١٩٧٨ فحين تتجول في شوارع قرطبة أو إشبيلية أو قلعة أيوب أو بلنسبة وغيرها لا يمكنك إلا أن تسأل نفسك عما حل بالأندلسيين الذي سكنوا تلك البقاع وعمّروها طوال ثمانية قرون ميلادية. أما الشعور الطاغي بالتفكير بمصير الأندلسيين فيأتيك في قصر الحمراء في غرناطة وأنت تزورها ليلاً وهذا ما حاولت التعبير عنه في قصة/خاطرة “على جدار الليل”.

بعد زيارتي الأولى بدأت أجمع مصادر الكتاب وفوجئت بأنها أقل من قليلة، فما كتب عن الأندلسيين بعد سقوط غرناطة ضئيل جداً ولا يكفي حتى لإعطاء صورة عامة عن حياتهم؛ وهكذا وجدت نفسي أتردد على اسبانيا عدة مرات بعضها لمدة أشهر فتقفيت فيها سبل الفاتحين الأوائل، ثم سبيل الأندلسيين المنفيين في أوائل القرن السابع عشر. وجدت أيضاً ان الأندلسيين الذين ظلوا في الأندلس بعد سقوط غرناطة لم يبق لهم حتى الاسم فأطلقت عليهم اسم “المواركة” وهو تعريب كلمة “موريسكوس” الإسبانية التي تعني النصارى الجدد او النصاري الصغار. وطوال فترة خمس سنوات كنت اقتطع كل الوقت الممكن لكتابة سيرة المواركة لأنني شعرت أنهم بحاجة إلى انصاف، وشعرت أنهم عُوملوا كحاشية في صفحات التاريخ الأندلسي، وأن الأوان حان لتسليط الضياء على نضالهم ضد المحتلين الإسبان طوال أكثر من قرنين. واعتقد ان النتيجة كانت عملاً متواضعاًوموجزاً عاما، وأرجو أن يتاح الوقت لي، أو لغيري، لمتابعته في المستقبل.

ولم أكن واعياً في البداية لوجود أي ارتباط بين حال المواركة وحال الشعب الفلسطيني اليوم، إلا انني بدأت في مرحلة متقدمة ألحظ تماثلاً في هذه الحالة أو تلك، وهنا وهناك، ومشاركة في النضال من هذه الزاوية أو تلك، وشعرت أن هناك إسقاطاً من نوع او آخر، وهذا ما حاولت الايحاء به في الكتاب رغم أنني لم أشر صراحة الى احتمالات تماثل وضع المواركة مع وضع الفلسطينني، وان كنت حذرت من المخاطر الكامنة اليوم في الالتفاف على القضية اعتماداً على درس المواركة.

مجلة الظفرة: أبو ظبي، الأمارات العربية المتحدة:

… والكتاب محاولة لتسليط الضوء على هؤلاء الذين كاد التاريخ أن ينساهم، فينساهم الناس، وهم الأندلسيون الذي بنوا الحضارة التي لا تزال شواهدها حتى الآن. وفي مدن أندلسية، هناك مجموعات من الأندلس بدأت تتحدث بصوت عال عن أصولها العربية، ونسبتها إلى بعض العائلات الأموية العريقة، “كالناصريين” في مدينة (خايين) – جيّان- الذين ينتسبون الى الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر.

والكتاب بحق يعتبر هاماً من نواح كثيرة، أهمها أنه يلقي الضوء على فترة تاريخية غيبتها أحداث كبيرة زامنتها، وهي الفترة التي اشتد فيها الضغط على المسلمين والعرب في الأندلس الصغري (أندلس اليوم) والممتدة ما بين مطلع عام 1492 وهو عام سقوط غرناطة وانتهاء الوجود السياسي العربي في شبه جزيرة آيبريا، وعام 1834 وهو عام سقوط محاكم التفتيش، التي بقيت رغم مرور قرون عليها وصمة عار في جبين الفاتحين القشتاليين، وشاهداً من شواهد الاضطهاد الديني، والتمييز العنصري الذي وقع على المسلمين والعرب في تلك البلاد، رغم انهم لم يمارسوه ولو لمرة واحدة، حتى ضد أعدائهم الذين حاربوهم وغدروا بهم أكثر من مرة.

يقول المؤلف: “وفي الأندلس اشترك المسلمون والنصارى واليهود في صنع دولة كانت أقوى دول أوروبا…”

هذه حقيقة لم يغفلها التاريخ، فالعرب المسلمون بتسامحهم، وبأسلوبهم الحضاري الفريد بالتعامل مع شعوب البلاد التي يفتحونها، استطاعوا كسب مواقف هؤلاء، فأشركوهم معهم في إدارة البلاد، وفي بناء الدولة وفي إنشاء حضارة كانت بمثابة النور الذي استطاع تبديد ظلام أوروبا، فحولها عن طريق الجهل والجهالة، إلى طريق الحضارة.

أما اليهود، وهم أشد أعداء الإسلام والمسلمين منذ فجرالاسلام، فقد تلقوا رعاية كبيرة نتيجة للتسامح الذي لقوه لا في الأندلس وحدها، ولكن في كل بلاد المسلمين، فأصبح منهم الوزراء والأطباء والعلماء، فتمتعوا مع المسلمين العرب والنصارى، وأصبجت الأندلس جنتهم إلى أن جاء الغزو القشتالي، فوقف كثيرون منهم، بدافع الحقد الديني الى جانب الغزاة، حتى سقطت الأندلس بشكل كامل، وقامت محاكم التفتيش، فكانوا أول ضحايا أعمالهم الشريرة، ولكنهم مع كل هذا لم يدركوا بعد الفرق بين تعامل العرب معهم، وتعامل غير العرب، حتى في “أقرب التاريخ”.

ويتحدث الكاتب عن دور المواركة في الأندلس في الحياة الاقتصادية، ويؤكد أنهم، وإن كانوا في الدرجة الثالثة من حيث المواطنية، إلا انهم كانوا يديرون أهم وسائل الانتاج، وكانوا عوناً للامبراطورية الاسبانية التي كانت من أكبر القوى العسكرية في المنطقة، ولكنها لم تدرك سر قوتها، إلا بعد أن طردت المواركة، فانهار الاقتصاد، وانهارت معه القوة العسكرية عندما أرادت حشد الطاقات للتصدي للهولنديين، فوجدت ان أقتصادها قد انهار.

ورغم ان الكتاب يشير الى ثورات قام بها المواركة ضد الاضطهاد الذي عانوا منه في المحاولات المتتالية لتنصيرهم، إلا ان وضعه في قالب اليوم، وإسقاط أحداثه على الحاضر، يشير إلى أمور كثيرة هامة من أبرزها:

 ان ما يمارس ضد الشعب العربي الفلسطيني في الأرض المحتلة، يشبه إلى حد كبير، التجربة التي تعرض لها العرب والمسلمون في إسبانيا، وسقطوا فيها نتيجة لمعطيات كثيرة خارجة عن إرادتهم.
ان الكيان الصهيوني قد وعى بدقة الدرس الذي تلقاه من الأمبراطورية الاسبانية، فراح يعد اقتصاده بأسلوب يبعده عن الاعتماد الكلي على العرب.
القوة العسكرية التي يتمتع بها الكيان الصهيوني يمكن ان تهزم في حال وجود قوة مماثلة لها، ومعدة بشكل جيد للتصدي…لأن مسألة التفوق العسكري، تدخل فيها حسابات كثيرة، من أهمها القدرة على الاستمرار.
ان استمرار الثورة الفلسطينية ضرورة لاستمرار وجود الشعب الفلسطيني في فلسطين لأن توقفها، يعني القبول النهائي بالخروج من فلسطين تماماً كما خرج العرب مند خمسة قرون من إسبانيا.

هذه الأمور هي دروس يلقيها المؤلف من خلال ترتيبه المنطقي للأحداث، ومن خلال حديثه الموثق عن الثورات المعزولة التي قام بها المواركة، ولم يجدوا ساعداً يقف معهم، فكانت النتيجة انهم اجتثوا تماماً من وطن لا يعرفون غيره.

صحيفة الراية (رسالة القاهرة) بقلم: مصطفى عبد الغنى:

صدر في القاهرة أخيراً كتاب “الأندلسيون المواركة” وهو على قدر كبير من الأهمية والخطورة معاً. وتعود هذه الأهمية إلى أنه في كل يوم تصدر في القاهرة وفي غيرها من العواصم العربية كتب كثيرة هامة دون ان يلتفت اليها أحد مع أنها تعالج قضايا أقل ما يقال عنها أنها مصيرية، خاصة مثل هذا الكتاب الذي يعود بنا إلى قرون في التاريخ يحاول بالأدلة العلمية وبالوثائق التي تنشر لأول مرة ان يتناول قطعة هامة حزينة من تاريخنا العربي الإسلامي، فقد ضاعت الأندلس العربية بعد قرابة 8 قرون سيطر فيها العرب على هذا الجزء الغربي من اوروبا وكاد يهدد اوروبا كلها ولكن لم تلبث ان دارت حركة التاريخ وشاهدت الأحداث استسلام آخر معالم السلطة السياسية الإسلامية في يوم حزين من أيام سنة 1492 من شبه جزيرة آيبريا لتدق بعدها أجراس الكنائس في سائر أوروبا احتفالاً بهذه المناسبة الجليلة.

وهذه المأساة، إن صح أن يوصف جزء غال من تاريخنا حين يباع أو يستقطع بأن يطلق عليه مأساة، نقول إن هذه المأساة تعتبر في التو واللحظة القضية التي يعيشها العرب الآن، فبينما سقطت مملكة غرناطة الأندلسية بعد 234 سنة من اجتاح المغول لبغدادإ فإن فلسطين سقطت بعد قرون طويلة.

وهنا وجه الخطوة فالكتاب لا يكتفي باسترجاع ما حدث للعرب هناك في أقصى الغرب نتيجة لغفلتهم بل ان هذا يعطي بالدراسة المقارنة ما يريده المؤلف من أن الأندلس ضاعت بالأمس واليوم توشك أندلس أخرى ان تضيع بل ان المؤلف صرح بهذا في الإهداء فقال وهو دارس جاد بأنه يهدي هذا الكتاب الى الأندلسيين المواركة الذي حملوا راية العروبة والاسلام فسقطوا ضحايا لكارلوس الخامس وفيليب الثاني ومحاكم التفتيش وتخاذل الاخوان في الدين والقومية و(إلى كل الشرفاء الذي يحاولون اليوم منع كارثة مشابهة).

كتاب جديد … جدير بقراءته، جدير بالاهتمام به، جدير باقتنائه،

صحيفة الرأي العام: كتب محمد عبد الرحيم:

“الأندلسيون المواركة” “محاولة جادة لتسليط الضوء على تاريخ الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، وإزالة الغموض الذي لف سيرتهم، وإنصافهم من الموقع الذي احتلوه كحاشية في مجلدات التاريخ الأندلسي الموريسكي، وسرد وقائع النضال الذي خاضه أكثر من ثلاثة ملايين أندلسي في سبيل الحفاظ على وطنهم وعروبتهم ودينهم طوال قرنين كاملين نظموا خلالهما ثورتين مشرفتين تصدوا فيهما لأعتى قوى الأرض في القرن السادس عشر”.

ويضم هذا الكتاب ستة فصول وجلها مزدان بالصور النادرة والخرائط التوثيقية، وهذه الفصول تحمل عنواناً سرعان ما يشد انتباهك شداً غريباً يجعلك تقرأه بلا ملل أو كلل.

ومن الصعب والعسير الكتابة او التكلم حتى والتفكير بما آل إليه الأندلسيون دون الإحساس بنوع من الرهبة لسببين اثنين رئيسيين:

الأول: ان ضياع الأندلسيين كان شاملاً، وكأنهم لم يسكنوا ولم يعمروا شبه الجزيرة الآيبرية، حتى ولم يفتحوا أجزاء شاسعة من العالم ووصلوا إلى فرنسة، وكانوا في يوم من الأيام سادة الأرض والشعوب.

والثاني: ان ما حدث للأندلسيين يمكن ان يتكرر ثانية ليس في مكان ما من أطراف الوطن العربي، بل في وسطه، وربما نعيش اليوم فصلاً حقيقياً من هذه الفصول في قلب الوطن العربي – فلسطين.

أسئلة كثيرة، وكثيرة جداً تجول بخاطري منها:

1.     هل إن تناحر الأندلسيين ونزعة حكامهم للاحتفاظ بملكهم هو السبب في سقوط الأندلس وتبدد شعبها؟

2.     أم أن الأندلسيين أقاموا كياناً غريباً عما حولهم فكانوا كالجزيرة وسط بحر لم يحتمل ديناً غير النصرانية او شعباً غير الأوروبيين؟

3.     أم أن انفصال الأندلس عن بقية الوطن العربي حمل إليها بذور الفناء؟

4.     أم أن تلك الدولة ما كانت لتستمر قوية بعد أن ضعف الوطن العربي وتناهشته الشعوبية والمؤامرات وتكالب عليه أعداؤه من كل جانب؟

5.     أم أن الأندلسيين اخفقوا لأنهم كانوا مستعمرين، وكان عليهم الجلاء كما كان يحصل للانكليز والفرنسيين؟

6.     وأخيراً … ربما كان الوجود الاسلامي في شبه جزيرة آيبرية تجربة نمت وتقوّت واستمرت وعاشت، ثم هبطت وخارت وزالت؟

جميع هذه الأسئلة وغيرها، يجيب عليها كتاب (الأندلسيون المواركة) إجابة وافية وصادقة وأمينة، إضافة إلى سرد حقيقة قصة الأندلس المليئة بأخبار الانتصارات والهزائم، وسيرة شعبها الأول وقصص مقاومته التي استمرت عشرات السنين…

كتاب جديد … جدير بقراءته، جدير بالاهتمام به، جدير باقتنائه، فالحقيقية وإن وجدت داخل كتاب، علينا ان ننقبها ونصقلها ونخرجها من الظلمات إلى النور، لتبقى منارة وهدى.

صحيفة الفجر (أبو ظبي)، الأمارات العربية المتحدة:

صدر أخيراً بالقاهرة للزميل عادل بشتاوي كتاب “الأندلسيون المواركة” – دراسة في تاريخ الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، ويتضمن الكتاب 6 فصول بالإضافة الى باب خاص بأهم الأحداث الأندلسية والدولية، وحكام الأندلس، وأهم حكام الدويلات والممالك الشمالية، وشخصيات ومواضع معرفة وفصل خاص بالخرائط التوضيحية.

وهذا الكتاب صفحة جديدة لوضع نضال الأندلسيين ضمن إطاريه الدولي والمحلي، وتسجيل وقفتهم في وجه محاولات التذويب التي نظمها كارلوس الخامس وفيليب الثاني ومحاكم التفتيش ولدورهم في تقويض دعائم الأمبراطورية الإسبانية ورفع أعمدة التطور الحضاري والإنساني في أوروبا.

ألف ميل في خطوة واحدة – عبد الله بن مساعد بن عبد العزيز

قراءة وعرض حسام الدين محمد*

«بعد ان انتهيت من قراءة “الف ميل في خطوة واحدة” تذكرت احدى الروايات التي تقول انه عندما وصل الاسكندر الأكبر الى بحر الصين وقف على الشاطىء وحوله قواده ومنجموه ومستشاروه الذين أنهكتهم حروبه. سألهم: أين وجهتنا المقبلة؟ فردوا: هذه نهاية العالم. فقال: أعطوني عوالم أغزوها».

اذا كان مبدأ القراءة الموضوعية والحكم المعياري أن لا يكون القارىء متورطاً أصلاً في ما يتحمس له الكاتب فقد لا أكون القارىء المعياري الأمثل لهذا الكتاب الذي صدر الآن في طبعة ثانية لأن تأثري به قد يكون أكبر من تأثر نسبة كبيرة من القراء، فأغلب اهتمامات الكاتب هي من اهتماماتي الشخصية اليومية، يضاف الى ذلك وجود تشابهات عدة بين حياتي وحياته، منها الطفولة في بيروت، ثم مغادرتها في العام نفسه (1975)، ثم متابعة الدراسة في “بلد المنشأ” الخ…؛ ولكنني أظن ان القارىء الذي لا اطلاع لديه البتة على مسائل الاقتصاد الجديد والانترنت والأسهم سيتفاجأ اكثر مما تفاجأت ويتحمس اكثر!

غاليري صور الأمير عبد الله بن مساعد بن عبد العزيز

56246

اضافة الى هذه التأثيرات الشخصية فهذا الكتاب لشخص في عمري، يهتم بـ:

  1. الانترنت والتكنولوجيات الحديثة،
  2. الأسهم (والاقتصاد بشكل عام)،
  3. الأدب الروائي والشعر وأدب السيرة،
  4. دراسة مآلات تفكير النخبة العربية،

ولهذا فهو من الكتب التي لا يمكن لمن يقرأها أن ينساها أبدا.

إن لـ”ألف ميل في خطوة واحدة” طعم الكتاب الأول. فهذه المرة الأولى التي يقيّض لي، وأنا قارىء لكل انواع الكتب، أن أقرأ كتاباً فيه سيرة ذاتية شديدة الصراحة والثقة بالنفس، لأمير سعودي، وكذلك بيان نجاح لرجل أعمال عربي بهذه العقلية الحداثية، إضافة الى كونه ابن أبوين متميزين، وأب أطفال شديدي الحساسية والفرادة، وأخ شاعر معروف.

بل إنني لأجرؤ على القول ـ وأنا قارىء متحيّز سلفا كما أسلفت ـ ان للكتاب نكهة الكتاب الفريد مثل نكهة ألف ليلة وليلة لمراهق في الرابعة عشرة من العمر، وله سطوة ونفاذ بعض الكتب التي أثّرت فيّ كثيرا مثل “زوربا” كازنتزاكيس أو “1984” أورويل او “الحب في زمن الكوليرا” ماركيز.

أعدّد الآن كتبا حكائية او روائية لأن هذه هي الكتب الأولى التي أفغمت روحي برائحة لا يمكن أن أجد أكثر منها تلويعاً. نوع من الفلفل الخيالي الحرّيف الذي يلهب الذاكرة في كل مرّة تمرّ بمثل هذه التجربة.

الروعة في كتاب الأمير عبد الله بن مساعد هو أنه يستوفي هذه النقاط الأربع التي أشرت اليها، واذا كانت هذه النقاط هي أكثر ما يشغلني (حالياً) في حياتي كفرد، وفي قراءاتي كقارىء او ناقد، فإن الكتاب يفيض عن كل ذلك، ويعطي خيارات كبيرة لمروحة واسعة من القراء:

  1. الكتاب يمكن ان يكون ذا تأثير كبير في النخب العربية الحاكمة، وأتخيل أثره لو قرأه حكام مثل بشار الأسد والملك محمد السادس. اعتقد ان وصول الكتاب الى هذه الفئة، او الفئة المقربة منها مهم جداً، وهناك أفكار استراتيجية كبيرة في الكتاب إضافة الى حماسه الشديد للتحديث في مجال تقنيات المعلومات، منها مثلا أفكاره عن ضرورة محاربة الاحتكار، وضرورة حماية الطبقة الوسطى، وأساليب تحديث البنى والنظم.
  2. “المثقفون العرب” مصطلح عام وتشكيلة معقدة جداً، ولكنني اعتقد ان الكثير من المثقفين الشرفاء والعقلانيين سيرحبون كثيرا بأفكار هذا الكتاب، او انه سيحفزهم على مناقشته والسجال مع معطياته.
  3. هناك عدد هائل من الناس، بعد أن فقدت الايديولوجيات أسسها ومعانيها في عالم اليوم، أصبح شاغلهم الرئيس هو المال والرزق، والكتاب سيكشف لهذه الفئة بطريقة واضحة وعقلانية بعض الطرق الذهبية في عالم اليوم الى المال.
  4. المهتمون بالحداثة سيرون في هذا الكتاب بيانا للتقدم وشرحاً لكيفيات تغيير البنى القديمة التي تعرقل السير باتجاه التحديث وخصوصا في أسّه الرئيس: الاقتصاد.
  5. هناك فئة من الناس (جلّها من الشباب) تفتّش عن حل يجمع بين الايمان والعلم، وهذا الكتاب يقدّم مثالا مهما لخلق معادلة توازن بين الاحساس بالهويّة والأصالة وبين التطلع الى عالم أفضل دون الاحساس بالضغينة والحقد على العالم المتقدم، فالكتاب يوضح بسهولة ان الأسلوب الوحيد لمجاراة هذا العالم المتقدم هو منافسته في ما نجح فيه.
  6. التجار ورجال الأعمال سيستفيدون كثيرا من هذا الكتاب، سواء في ملاحظاته العميقة في التفاوض مع الشركات الاجنبية والمقاولين وضغط النفقات و”احترام” الأشياء المستهلكة والنفايات والتفكير في تدويرها، او في اهتماماته بالأسهم ودروسه (المدفوع ثمنها غاليا) لطرق التعامل معها، او في منهجيته العملية وأسلوبه في التعامل مع المصاعب(1).
  7. أخيرا، لا آخرا، اعتقد ان هذا الكتاب سيكون مهماً للمهتمين بالسعودية وآل سعود، من العرب، من جهة، والمهتمين بالعرب من غير العرب، من جهة أخرى. الكارهون لآل سعود والسعودية والعرب، على سبيل المثال، سيفاجأون مفاجأة كبيرة، لأن القارىء سيكتشف ان الأمراء السعوديين يعانون مثل بقية عباد الله، وهم مثل غيرهم من المواطنين بحاجة للدراسة والجهد والكفاح الحقيقي لكي يثبتوا ذواتهم، وبالتالي فهم ليسوا مجموعة من المتبطّلين الغارقين في ملذاتهم، كما ان الكاتب، في دفاعه الشديد عن هذه العائلة، يفكّك القولبة الاعلامية Stereo Type السائدة عن الامراء وعن السعوديين بعامة من خلال تقديم خطاب عقلاني متماسك للدفاع عن العائلة المالكة، والحكم السعودي، في الآن ذاته الذي يقدّم فيه مقترحات جذرية لتطوير أنظمة هذا الحكم، وتحسينها لتحقق ازدهارا اكبر لمواطني المملكة ولسكانها من العرب والمسلمين والاجانب، كما يمكن ان تفتح أبواب هجرة تقنية وعلمية كبيرة لها، وتجعل منها مركزا أكبر للدعوة والثقافة الاسلامية.

على الرغم من ان هذا يعني ان لهذا الكتاب مقروئية عالية، وان لديه الميكانيزمات الداخلية لينتشر، فان تجربتي في مسائل الانتشار في العالم العربي تقول انه لا يجب أن يتم التعامل مع هذا الكتاب كباقي الكتب التي تعتمد في نجاحها وانتشارها على امكانياتها الذاتية فحسب، بل يجب اعتباره مشروعاً استثمارياً، ووضع خطة تسويقية له يتم فيها تحليل آليات توصيله ونشره بين كل فئة من هذه الفئات.

الأسهم هي السياسة

يقول الكاتب: “كما أن المعلومات هي الأسهم والأسهم هي المعلومات، الأسهم هي الاقتصاد والاقتصاد هو الأسهم”، ويمكننا أن نعقّب على ذلك بالقول: “كما أن الأسهم هي الاقتصاد، والاقتصاد هو الأسهم، الاقتصاد هو السياسة والسياسة هي الاقتصاد”.

فرغم ابتعاد الكتاب عن التعاطي مع القضايا السياسية المباشرة فإن الباحثين عن السياسة (وكذلك الباحثين في السياسة) سيجدون أفكاراً شديدة الفاعلية والأهمية على المستوى السياسي العام والتفصيلي. فما يصح على الشفافية والمساءلة على المستويات الاقتصادية يمكن سحبه بسهولة واسقاطه على المستويات السياسية كافة.

في سرده لمساءلة مساهمي شركة “ديل” لمديرها مايكل ديل الذي توقع مبيعات بنسبة 04% ولم تكن النتيجة في نهاية العام الا 38%، واعتذار ديل للمساهمين، يعلّق الكاتب: “استحلف القراء بالله. لو وجّه هذا السؤال الى أي مدير او مسؤول في العالم العربي فماذا ستكون اجابته بعدما حقق لمساهميه ما حققه ديل؟”، وفي تعقيب على ذلك يقول انه لكي تنجح شركة ما “يجب ان يكون المساهمون على القدر نفسه من الذكاء والعمل والمتابعة وعدم المهاودة في المساءلة”، ويعتبر هذه المسألة (اي ذكاء ومتابعة المساهمين للمدراء والمسؤولين) هي سبب السيطرة الامريكية على الاقتصاد العالمي.

وهكذا فان الكتاب، وفي كل موضوعاته التي لا تبدو قريبة من السياسة أبدا (كتداول الأسهم، وادارة النوادي الرياضية الخ…) يلمس جذر السياسة الحقيقي، فلو استبدلنا المساهمين في الشركة بالمواطنين في الوطن يكون الكاتب قد قدم أساسا لفكرة المساءلة للمسؤولين، او بتعبير آخر للديمقراطية، مما يمكن أن يعتبره البعض، سواء الذين يجدون افكاره الاقتصادية مناسبة لهم او العكس، نقدا جذريا للمفهوم العملي للسياسة العربية. والكتاب، بهذا المعنى ـ تقصّد ذلك ام لم يتقصّد ـ هو كتاب في السياسة من الدرجة الأولى.

ان التعاطي مع قضية مثل منع الاحتكار هو تعاط مع قضية الغلبة والشوكة التي تستقوي بالتسلط السياسي وانعدام احترام المواطن، فالسماح لشخص أن يؤذي شخصاً في رزقه ويغلق مصنعه ويطرد عماله (لا لسبب إلا لأنه اكثر مالا منه، وأنه يريد ان يسيطر على السوق لنفسه) ليس الا انعكاساً في المرآة لمسؤول يعتدي على حقّ مواطن ويسجنه دون سبب إلا أنه قادر على ممارسة السلطة الغاشمة، وفرضها على الآخرين الذين لا يتفقون معه في الرأي، او يمنعونه من السيطرة. منع محتكر من اقفال مصنع منافس أصغر له، يوازي، بالطريقة نفسها، منع مسؤول من الاعتداء على مواطن دون حق، والمساحة التي توفّرها الدولة للمنافسة في الاقتصاد، هي المساحة التي يجب ان توفّرها في الآن نفسه للمواطنين لمنافسة بعضهم البعض سياسيا، وحتى منافسة الدولة نفسها في احتكارها للحقيقة.

هذا لا يعني ان الكاتب لا يتعرض للسياسة ابدا بشكل مباشر، لكنه يتناول منها ما يتعلق بتطوير الاقتصاد وتحديثه خصوصا، كما في رده القوي على الموظف الذي قال عن الطريقة التي طورتها الانترنت للاتصال بالخارج بأسعار مخفضة ان ذلك “خطر على الأمن القومي”.

كما أن في الكتاب ما يمكن ان يبدو احيانا رسائل مباشرة الى أشخاص بعينهم او مواقف خاطئة دون تسمية الأشخاص، كأن يقول “لا يمكن بعد الحديث عن ارتفاع مستوى التعليم بين السعوديين وارتفاع مستوى الثقافة بين السعوديين وارتفاع مستوى الوعي بين السعوديين ان يخاطبنا أي موظف الا بمستوى الذكاء الذي وهبه الله لنا”.

المخاطرة جزء من النجاة

من قناعاتي التي كونتها كقارىء ان من مميزات الكتب العظيمة انها عادة تحمل رؤية أساسية تدافع عنها بحماس فانها مع ذلك تحمل رؤى أخرى داخلها، بحيث تسمح للأفكار أن تتنفّس وان تجد لها أبواباً للتعبير، وذلك، إضافة لكون من كتبها انسان حقيقي من لحم ودم، هي تعبير عن غنى الواقع الانساني، وقدرة الكاتب على التعبير عن هذا الغنى وهذا التعقيد.

في تعليق لغابرييل غارسيا ماركيز على العشرات الذين ساعدوه في تحرير كتابه “الجنرال في متاهته” أنه أسف لأنهم صححوا بعض الأخطاء التاريخية في الكتاب، التي تجعل بطله سيمون بوليفار ـ مثلا ـ يوجد في بلدين مختلفين في الآن نفسه. “الف ميل في خطوة واحدة” هو من هذه الكتب، واحترام وجهات النظر المختلفة تعبير عن غنى الأرض التي حرث فيها الكاتب واتساع نفسه وأهليته لاستيعاب الجدل بين الظاهر والباطن والشكل والجوهر.

من ذلك مثلا موقف الكتاب الفلسفي من مسألة متى يقرّر او لا يقرّر، المرء او رجل الاعمال، ركوب المخاطر، الذي ذكّرني باحدى اقوال النفّري: “في المخاطرة جزء من النجاة”، ويوضح الكاتب ذلك بمثال عن اشارة المرور عند الجسر القريب من منزله، فهو يقطع الاشارة حمراء احيانا عندما لا يرى احدا خلفه لكي لا يقلده ولا يقطعها الا خضراء احيانا حتى لو لم يكن احد خلفه، يلخص الكاتب موقفه بالقول: “أرى الدنيا احيانا مثل اشارة المرور عند الجسر. يجب ان تكون مستعدا لقطعها حمراء احيانا وخضراء احيانا أخرى”.

مثال آخر يعبر عن هذه المسألة أيضا يظهر في تبشير الأمير الحماسي بالاستفادة من الخبرات الامريكية، على اكثر من صعيد، وقد تم الشرح باستفاضة في هذا الكتاب للكثير من حسنات النظم الامريكية، خصوصا في الحقلين الاقتصادي، والرياضي. غير ان القراءة الموضوعية للكتاب ستلاحظ ان هذا الحماس لتبييء الأمركة، ليس من النوع الانفعالي والآني، والذي يذوّب الهويّة الحقيقية (الاسلامية والعربية) للكاتب لصالح هوّية مختلقة وزائفة، وان الهدف منه ليس، في النهاية، الا خدمة ما يعزز الهويّة ويدافع عن الوطنية الحقة.

العائلة الصغيرة

لعلّ الفصل الذي يحكي فيه الأمير عن وفاة عمه الملك فيصل وأخويه الاميرين خالد وفيصل هو الاكثر ايلاماً من بين صفحات الكتاب، غير انه يكتسي أهمية خاصة، لأنه يضع الحروف على قضية في التاريخ السعودي الحديث، جعلتها مأساويتها، وكونها حصلت بين أفراد العائلة المالكة نفسها وأدت الى وفاة ملك وأميرين شابين، في ظروف غامضة، شديدة الحساسية، وبالتالي متمنعة على الخوض فيها، ومجالا للتأويلات والغمز واللمز، مما يجعلها قابلة للنكء وفتح الجروح، كلّما اراد أحدهم الخوض في تاريخ المملكة، مما يؤدي الى ايلام الناس المتّصلين بالأمر، ومنهم، بالتأكيد، الامير عبد الله كاتب الكتاب، وعائلته الأقربين.

لو امتنع الأمير عن الخوض في هذه القضية لما كان سيكون من هو عليه صراحة وجرأة وتواضعا ورغبة (في الآن نفسه) في وضع النقاط على الحروف، ولكان الكتاب مثقلا بالألم الداخلي المكبوت(2)، وهو خيار، قد يعتبره البعض أكثر أماناً وابتعادا عن الخوض في الحزن والألم وشؤونهما، ولكنه في رأيي ما كان ليكون كتاب عبد الله بن مساعد بن عبد العزيز، الانسان الشجاع الواثق من نفسه والمؤمن بقضاء الله وقدره، كما عرفته في هذا الكتاب.

احدى العبر المؤلمة والمفيدة معا التي تبادرت الى ذهني بعد ان قرأت عن موقف الامير خالد من الحداثة، عبر موقفه من التلفاز، الذي أدى، من بين أسباب أخرى معقدة، الى وفاته، وموقف الامير عبد الله من الحداثة أيضا، وطريقته في استخدامها، في اغناء معارفه وزيادة ثروته، وتأثير ذلك في زيادة الخير له، ولأهله وأقربائه وأصدقائه ووطنه، وتساءلت، هل كان يجب دفع هذا الثمن الهائل، الذي كلّف حيوات عزيزة وكريمة، لملك واميرين شابين، ومن ثم الثقل الباهظ الذي تحمّلته العائلة الصغيرة التي بين أفرادها الامير عبد الله، والمملكة، والعرب عموما، لكي نصل الى هذه الحقيقة، وهي ان الحداثة ليست ضدّنا لو استطعنا فهمها وتوجيهها لمصلحتنا؟ واذا استمر هذا الوعي الخاطىء ألن يستمر دفع العرب لهذا الثمن الباهظ؟ من هنا فان الكتاب بايراده ما أورده من حقائق، يساهم، في الردّ على “اجتهادات” خاطئة ـ غفر الله لأصحابها ، ويكون قد أدّى الأمانة الثقيلة، التي كلّفت عائلته ما لا يحتمل.

تأثير العائلة ظاهر وواضح في الكتاب وفي الكاتب وصفاته وطباعه. يبدأ ذلك مع الأب الديّن الورع الذي لا يهتم بالمظاهر والصبور الذي لا تهزّه الحوادث الأمير مساعد بن عبد العزيز آل سعود، ثم الأم فاطمة النجرس، المجتهدة التي لا تعرف اليأس، والحاضّة ابنها دائما على التعلّم ومغالبة الصعاب، والزوجة المتحدّرة من صلب الشجرة السعودية نفسها، والمتحملة للصعاب المجاهدة لرفعة زوجها وتربية أطفالها، والأخ الشاعر الرقيق عبد الرحمن، فالأولاد الذين هم استمرار للسلالة العريقة في الميول والطباع والحساسية والفرادة(3).

رواية الاقتصاد؟

احدى الأسباب التي تجعل هذا الكتاب شديد التأثير والفاعلية هو هذه القدرة على خلق معادلة متوازنة بين المواضيع التي تطرح والأسلوب الذي يستخدم لطرحها، فالكتاب مقسم الى فصول والفصول مقسمة لأجزاء معنونة تشرح النصّ وتشدّ القارىء. كما أن الفصول لا تتضمن فقرات طويلة، والجملة فيه واضحة وقليلا جدا ما تستخدم الفواصل بل تنتهي بنقطة لتبدأ جملة اخرى.

يستخدم الكاتب اسلوب السجال المنطقي الهادىء، حيث تتدرج الفكرة بسلاسة الى ان تصل الى المعنى المطلوب شرحه او التأكيد عليه. يضاف الى ذلك استخدام أسلوب الأمثلة والصور الواقعية بحيث تكتسي الأفكار لحما ودما، واستخدام الأرقام والتشبيهات (كرة البلياردو البيضاء مثلا).

هناك حرفية عالية في قفلات الفصول، وكذلك في الربط بين تفاصيل الكتاب بشكل مشوّق ومثير، كما في قوله مثلا في الصفحة 52 من الكتاب: “لولا هذا التوفيق لكنت أروي هنا قصة فشلي وسأشرح في مكان آخر من هذا الكتاب لماذا”، او قوله: “أهم حقيقة تعلمتها من الأسهم، خصوصا أسهم شركات تقنية المعلومات، سأكشفها في الفصل الأخير من هذا الكتاب” (145)، بحيث يستفيد الكتاب من التقنيات الروائية، بل ان اسلوبه احيانا يشبه الحبكة البوليسية المثيرة. الى حد انه من السهل جدا على القارىء احيانا ان ينسى انه يقرأ كتابا في الاقتصاد او السيرة الذاتية ليظن نفسه قارئا لرواية شديدة الامتاع والاثارة، ولعلّ بعض الباحثين عن قضايا جديدة للكتابة عنها من الروائيين سيجدون في هذا الكتاب امكانيات روائية عالية.

كل ذلك يجتمع مع كون ان الكتاب ليس دعويا خطابيا بل محصلة تجارب وتعب وهزائم وارباح، ففيه عصارة الدم والفكر البشري الذي يحسّ القارىء، العربي والمسلم خصوصا، بهويته فيه وبانتسابه اليه.

الكاتب على بحر الصين

رغم هذا الحجم الكبير للكتاب، والعدد الهائل من الأفكار التي يطرحها(4) فإنني ظللت أحس أن هناك شغورا هائلا في مكان ما. فهذا الكتاب يضع أصابعه على كل الرموز الموجودة على لوحة المفاتيح لكنه يضغط خزّانا احتياطيا (Back-up) هائلا وراءه.

تتطور مواضيع الكتاب من الذكريات الطفولية عن بيروت ومغادرتها، الاحساس بالغربة، التأقلم، كرة القدم (والسلة)، المدرسة والشلل والمرح والاحساس الطفولي بأهمية مركز النبالة (قصة عبد العزيز بن خالد)، الولع بالقراءة والانتساب للجامعة (ووضع الاصبع على بعض جذور المشاكل البيروقراطية والعقلية الدكتاتورية: “ارهاب” الدكتور عبد رب النبي)، العمل في الجامعة والاحساس بالحلقة المفرغة للعمل الوظيفي، بدء مشروع مصنع الورق، التعامل بالأسهم، الخسائر الكبيرة التي تلاها تعلم الدروس الكبيرة لسوق الأسهم (الابتعاد عن مخاطر الحدس باتجاه العمل الدؤوب للمعرفة)، اكتشاف الأهمية الهائلة للانترنت واقتصاد المعرفة، انفتاح الطرق امام تملّك الكاتب لحياته، الخطط التي يطرحها لتحديث الاقتصاد، والرياضة، والنظام الضريبي والسعودة… إضافة الى سرده الخاص لمأساة وفاة أخيه الأمير خالد، ثم عمه الملك فيصل، فأخيه الثاني فيصل؛ هذه المواضيع كلها التي يمكن ان تعتبر سيرة حياة كاملة، ظلّت تداورني وتدعوني للاحساس بأن هناك طاقة هائلة ليس هذا الكتاب إلا… (سأتجرأ على القول) حلولا محلّها واحتلالا لهوائها وازاحة هائلة لها.

من أين جاءني هذا الاحساس؟

يصف الكاتب كتابه بالنفي فهو “ليس ورقة عمل للاقتصاد السعودي في القرن الحادي والعشرين وليس سيرة ذاتية”. صحيح ان الكتاب ليس هذا ولا ذاك فما هو إذن؟

اذا كان الحاضر بالفعل في الكتاب يخفي كمونا بالقوة، كما يقولون في الفلسفة، فهل يمكن حلّ هذه المسألة بالقول ان في إهاب عبد الله بن مساعد بن عبد العزيز شخصية أخرى كبيرة، كأن يكون سياسيا كبيرا لم يتوفّر له هذا الدور فاستثمر قدرته في الاقتصاد؟ أو ان يكون محاربا لم توفر له الظروف ان يجتاز الألب ليحتل روما (مثل هنيبعل)، او يجتاز القسطنطينية ليصل الى فيينا (مثل محمد الفاتح)، ام هو فحسب روائي مكبوت دفعته للخلف الرغبة الهائلة في النجاح في دنيا الأعمال؟، أم أن الرغبة في دور لاعب مهم في حلبة الاقتصاد كافية لاشباع هذه الطاقة الظامئة للمجد؟: أغلب ظني الحالي أن لا، وان هذه الطاقة المزاحة التي أخذت فاعليتها في عالم الاقتصاد والأعمال هي ذات كبيرة لعربيّ مشبع بعظمة المثال المحمّدي للفتح، والمثال الرائع للتجار المسلمين الذين فتحوا ماليزيا واندونيسيا والهند والصين وافريقيا. غير ان مجاهل الأمير الكاتب الآسيوية والافريقية ودار حربه صارت الآن اقتصاد المعرفة والانترنت والأسهم. والفاتح العربي المسلم، الذي هو ابن عائلة مُلك وجبروت (وابن ألم وتراجيديا عائلية فظيعة في الآن نفسه) ما زال يقبض على جمرة الإمام عليّ مفتخرا بهويته دون عقدة نقص وبنبالته دون مركّب غطرسة، وأسلوبه لفتح العالم كومبيوتر وجرائد ومحطات تلفزيون واحصاءات وكتب، لكن القارىء للكتاب يستطيع ان يحدس بسهولة ان هذا العالم كله الذي فتحه، ليس كافياً ولا هو بمقدار الجذوة الظامئة للتغيير التي تعتمل في حناياه.

بعد ان انتهيت من قراءة “الف ميل في خطوة واحدة” تذكرت احدى الروايات التي تقول انه عندما وصل الاسكندر الكبير الى بحر الصين وقف على شاطىء هذا البحر المترامي وحوله قواده ومنجموه ومستشاروه الذين أنهكتهم حروبه. سألهم: أين وجهتنا المقبلة؟ فردوا: هذه نهاية العالم، سيدي. فقال: أعطوني عوالم أغزوها.

هذه الرغبة المستمرة في الاستكشاف والتعلم والمغامرة وفتح طرق جديدة هي نقاط علاّم كتاب عبد الله بن مساعد بن عبد العزيز الفريد هذا. لنسمع رغبة الاسكندر تلك بعد وصوله بحر الصين ولنقرأ تفاصيل الرحلة التي قطعها عبد الله بن مساعد بن عبد العزيز ثم لنعد الى بداية كتابه وهو يقول: “امامي من العمل والجهد والتعلم ومراكمة الخبرة اكثر بكثير مما ورائي. احيانا اعتقد انني لم أبدأ بعد، لا أزال في طريق رحلة الألف ميل”.

*حسام الدين محمد
رئيس قسم الثقافة ومدير التحرير في صحيفة القدس العرب

المؤلف

prince_abdulla copyولد الأمير عبد الله بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود في الرياض عام 1965 لوالده صاحب السمو الملكي الأميرمساعد بن عبد العزيز آل سعود (نجل جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية)، ولوالدته سمو الأميرة فاطمة بنت هاشم بن تركي النجرس التي نشأت في دير الزور شمال شرقي سوريا، وجدها هو شيخ قبائل العشارة التي هي بطن من بطون قبيلة شمّر التي تنتشر في منطقة الجزيرة في سورية. وللأمير عبد الله شقيق يصغره هو الشاعر المعروف صاحب السمو الملكي الأمير عبد الرحمن بن مساعد بن عبد العزيز.

انتقل الأمير عبد الله بن مساعد وأسرته إلى بيروت عام 1965 ودرس في مدرسة المقاصد الإسلامية وبقي في لبنان حتى عام 1975 عندما عاد إلى الرياض وتابع دراسته الإعدادية والثانوية.

التحق الأمير عبد الله بكلية الهندسة في جامعة الملك سعود حيث درس الهندسة الصناعية وتخرّج عام 1987 بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، واختير في ذلك العام لإلقاء كلمة الخريجين، كما حاز على شهادة الماجستير في علوم الهندسة الصناعية من جامعة الملك سعود عام 1993.

أسس عام 1989 مؤسسة الأمير عبد الله ثم الشركة السعودية لصناعة الورق التي تعتبر الأكبر في الشرق الاوسط، فالشركة السعودية لاعادة التدوير والشركة السعودية لمشاريع البيئة ضمن المجموعة السعودية لصناعة الورق وهو رئيس مجلس إدارتها ومديرها التنفيذي، إضافة إلى تأسيس شركات ومشاريع أخرى مسجلة في المملكة العربية السعودية وخارجها.

وضع الأمير عبد الله بن مساعد مجموعة من الأوراق والدراسات والمقالات ويحاضر بالعربية والانكليزية، كما يشارك في الاجتماعات والندوات والمؤتمرات الاقتصادية والاستثمارية المهمة.

أصدرت له المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت) عام 2000 الطبعة الأولى من كتاب ألف ميل في خطوة واحدة وتبعتها طبعة ثانية عام 2003.

للأمير عبد الله اهتمام خاص بالرياضة السعودية والدولية يمتد ثلاثة عقود وله صداقات حميمة ومتابعات وثيقة مع عدد من أشهر الرياضيين العالميين خصوصاً عبد الحكيم ألجوان لاعب كرة السلة الأميركي الأشهر.

وخصص الأمير عبدالله في كتابه ألف ميل في خطوة واحدة فصلاً كاملاً عن الرياضة بعنوان صناعة الرياضة، كما كتب في هذا الموضوع الكثير وساهم مساهمة أساسية في الاجتماعات والحوارات الخاصة بتخصيص الرياضة السعودية لا سيما بعدما تولى رئاسة نادي الهلال السعودي الذي يعتبر أهم الأندية الرياضية والثقافية والاجتماعية في المملكة العربية السعودية.

حرم الأمير عبد الله هي صاحبة السمو جواهر بنت فهد بن عبدالله بن محمد نائب قائد القوات البحرية ومنّ الله عليهما بخمس بنات وولد هم سارة ونوف ولطيفة وريم وعبد الرحمن وهيفاء.

عنوان المؤلف: ص. ب 55375 الرياض 11534 – المملكة العربية السعودية

البريد الالكتروني: abdullahma@gmail.com

 

فهرس كتاب: ألف ميل في خطوة واحدة وبعض المقتطفات من فصوله

مدخل وعرض: افق المستقبل    10

الجزء الأول: بداية الطريق

الفصل 1 – الميل الأول    24

الفصل 2- العالم وراء السور    35

الجزء الثاني: مشروع صناعة الورق

الفصل 3- الدفتر الاسود    41

الفصل 4- الشركة السعودية لصناعة الورق    55

الفصل 5 – المجموعة السعودية لصناعة الورق    74

الجزء الثالث: اكتشاف عالم الأسهم

الفصل 6 – الأرقام والأسهم    95

الفصل 7- العودة إلى القاع    105

الفصل 8- زمن التقنية    119

الجزء الرابع: الاقتصاد الجديد والاقتصاد القديم

الفصل 9 – صناعة النجاح    128

الفصل 10- صناعة الإحباط    146

الفصل 11- صناعة السلوك    169

الفصل 12- صناعة الرياضة    183

الجزء الخامس: رجل الاعمال ومحيطه الانساني

الفصل 13- المحيط الصغير    210

الفصل 14- المحيط الكبير    229

الجزء السادس: مشارف طريق المستقبل

الفصل 15- صناعة الفرص الواعدة    243

الفصل 16- الميل الجديد    256

خاتمة    274

 

 

تاريخ الظلم الأميركي وبداية زمن الأفول الامبراطوري المديد

أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت-عمّان) كتاباً جديداً للمؤلف عادل بشتاوي بعنوان ”تاريخ الظلم الأميركي وبداية زمن الأفول الأمبراطوي المديد“ بعد نحو 18 شهراً من إصدار كتاب ”تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية“ الذي صنفه موقعان من أهم مواقع المكتبات العربية في الإنترنت من بين الكتب الأكثر رواجاً في الوطن العربي وأوروبا.

ويُكمل المؤلف بهذا الكتاب الثاني تأريخ الظلم الذي عانت منه الأمة العربية ومعها معظم العالم الاسلامي على مدى السنوات الستين الماضي على يد أنظمة الظلم العربي والدول الغربية المتحالفة معها وأهمها الولايات المتحدة الأميركية. وللكاتب دراسة تاريخية نشرتها الدار نفسها عام 2000 بعنوان ”الأمة الأندلسية الشهيدة – تاريخ 100 عام من المواجهة والاضطهاد بعد سقوط غرناطة“ يعتبره بعض الدارسين من أهم الكتب الحديثة التي تناولت التاريخ الأندلسي في مرحلتيه القديمة والحديثة وقام في قسم كبير من خلفيته التاريخية على كتاب نشره الكاتب في القاهرة عام 1982 وصدرت منه ثلاث طبعات هو ”الأندلسيون المواركة“.

وكتب الناقد الأدبي المعروف حسام الدين محمد في صحيفة القدس العربي (لندن) في تقديم لكتاب ”تاريخ الظلم الأميركي وبداية زمن الأفول الأمبراطوي المديد“: ”أهمية هذا الكتاب نابعة من قدرته علي تفهم مركّب لأواليات السيطرة الامريكية الحقيقية التي يلخّصها وحش ثلاثي الرؤوس: القوة العسكرية، والدولار المحمول علي بحر من النفط، وشركات التسويق العابرة للقارات (هوليوود واخواتها). وخلال هذه الرحلة في هذا الكتاب يؤهلنا الكاتب لمراجعة كشوف حساب في قضايا سياسية شديدة الأهمية، واضعا احداث الماضي والحاضر في منظور جديد مفاجيء، كتحليله للاستغلال العجيب الذي قامت به امريكا لمفاعيل لحرب تشرين الاول (اكتوبر) والحظر النفطي الذي رافقها، ومثل كشفه لأسباب تأجيل الضربة الامريكية لايران عام 2005 بسبب التدهور المفاجيء لحالة شارون الصحية.“

ويبدأ المؤلف الفصل الثاني من كتابه الجديد بإزاحة الستارة عن الوضع العربي في بداية عام 2007 فيقول:

”إن الناظر إلى الأمّة من شرفة الزمن سيرى فئتين فاعلتين وسط بحر من اللافعل: فئة عازمة على بقاء أميركا لأنها تعرف أنها لن تستطيع البقاء إن رحلت، وفئة عازمة على طردها لأنها تعرف أنها لن تستطيع البقاء إن بقيت، ومعظم ما يُقال عن وجود خيارات خلاف ذلك كذب لا يُغرق صوت تقاسيم نغمة البقاء والرحيل الواحدة. وكذب أيضاً ما يُقال عن الإجماع العربي فهو إجماع الأنظمة، وعن المصالحة الوطنية فهي خلاف الفئات على تقاسم الوطن، وعن الحوار بين أخوة السلاح فهو حوار بالسلاح، وعن إعلاء مصالح الإسلام فهو إعلاء مصالح ممتطي الطوائف إلى السلطة لأن الفئتين تعرفان أنهما وصلتا إلى نهاية الطريق لأن الولايات المتحدة وصلت إلى نهاية الطريق ولم يعد تعايشهما أو تصالحهما ممكناً. لذا لا مفرّ من الاستنتاج بأن الفئتين إلى صدام كبير، ولا يبدو أنه سينتهي قبل أن تشلّ إحدى الفئتين الأخرى فتسلك الولايات المتحدة طريق البقاء في بلاد العرب إلى حين، نجزم بأنه قصير، أو تسلك طريق الخروج الذي سلكته كل الأمبراطوريات التي عاثت في بلاد العرب خلال الألفية الثانية.“

ويضيف: ”وصورة الكل في بلاد العرب عموماً جملة صورة الأجزاء. لذا فإن الناظر إلى العراق الذبيح سيرى فئتين رئيسيتين: فئة تقاتل لبقاء أميركا لأنها تعرف أنها لن تستطيع البقاء إن رحلت، وفئة تقاتل لخروج أميركا لأنها تعرف أنها لن تستطيع البقاء إن بقيت، وكل ما يُقال عن المصالحة الوطنية وحقن الدماء والتوفيق والتوافق بين الفئتين كذب إذ لا يمكن أن تتعايش هاتان الفئتان، ولا مفر من استمرار حمام الدم العراقي إلى أن تقضي فئة على الأخرى. لهذا ولج العراقيون بوابة الذبح قبل العرب الآخرين لأن جيوش أميركا عبرت البوابة البابلية إلى العراق قبل أن تعبر بوابات الدول العربية الأخرى.“

ومن لا يعرف العراق رآه على مر العصور طريدة لا تماثلها طريدة في العالم فاندفع إليها وقد قتل الطمع في نفسه الخوف. لكن من يعرف العراق رآه أكبر مصيدة عرفها العالم لأنه رأى في التاريخ كل الغزاة وهم يغنون ويرقصون في طريقهم إلى العراق ثم رآهم يخرجون وهم يولولون. ومن يسمع الأميركيين الذين لا يعرفون العراق يتحدثون عن النصر ليستهجن عليهم ادعاءه لأنفسهم فيما هو نصر للمقاومة ولإيران. ومن يسمعهم يتحدثون عن التصعيد والمواجهة في العراق والخليج وبحار العرب ولبنان وفلسطين والصومال والسودان وإيران وغيرها ليسمع الهستريا الأميركية وقد وصلت الأوج واضطربت قرارات أميركا فباتت تستعد لمعركة رهيبة في الشرق الأوسط بمساعدة أدواتها من العرب والأكراد والاسرائيليين، وتستعد في الوقت نفسه للانسحاب.

لقد كان في العراق جوع، ثم صار فيه ظلم، ثم صار فيه حرب ودمار، ثم صار فيه قتل، ثم صار فيه تهجير لكن الزمن الوحيد الذي صار في العراق جوع وظلم وحرب ودمار وقتل وتهجير هو زمن أميركا في العراق. ونعرف اليوم أن حكومات بوش وبلير وبيرلسكوني (إيطاليا) وأثنار (أسبانيا) وهاوارد (استراليا) وحكومات دول صغيرة من النوع الذي يمكن شراء بعضه من مواقع المزادات العلنية في الإنترنت، لجأت إلى أكبر حملة كذب وتضليل وتزييف عرفها العالم لتسويغ غزو العراق. ونعرف أن الإعلام في الدول الضالعة بالغزو والإعلام في دول عربية ظالمة ضالع هو الآخر في التمهيد للغزو ومن ثم تسويغه وتسويقه لذا فهو ضالع بالقياس والمقارنة في ذبح العراقيين واغتصاب بناتهم وإذلال شبابهم وتدمير مدنهم. ونعرف أيضاً أن وعود السياسيين الأميركيين والبريطانيين ببيع الشرق الأوسط أفضل الديمقراطيات التي يمكن شراؤها بدولارات النفط والتخويف وبيع مواقف الشعوب والأمة تهريج غير مسبوق.

إن بعض أنظمة الظلم العربية تحاول إقناع العرب أن إيران هي التي تحتل العراق لا أميركا، وأن شيعة العراق هم الذين دمروا الفلوجة وليست القوات الأميركية، لكن يجب أن يعرف العرب أن تمزيق العراق هو ثمن بقاء بعض أنظمة الظلم ومليشيات الحكيم وغيره. ولن تتضح فداحة هذا الثمن إلا عندما يكتشف العالم المذابح التي عرفها العراق في زمن نظام بوش، وعندما يتضح مدى الدمار الهائل الذي ألحقه الطيارون الأميركيون بمدن وسط العراق وبلداته وقراه. ولا تمر دقيقة دون أن تقلع طائرة حربية من قاعدة بلد الجوية وهي تحمل القنابل والصواريخ لقصف مدن الأنبار، ومثلها طائرات تقلع من الكويت وغيرها. ويضخ إعلام المنطقة الخضراء مئات التقارير الإخبارية عن العراق يومياً لكن معظمها تقارير البنتاغون ووكالات التجسس الأميركية مع إضافات لا قيمة لها. وحتى وكالات الأنباء المفترض أن تبتعد عن مواطنية ملكيتها وتلتزم الحياد لأنها تعيش على بيع أخبارها ليس لأميركا فقط بل للعالم لا تلتزم الحياد. بل أن صحافيين عاملين في بعض الوكالات لا يفوّتون فرصة لبث السموم الطائفية وينقلون مزاعم عراقيين مشبوهين يعملون أدوات للاحتلال الأميركي ويدرجون إحصاءات فبركها الاحتلال عن الشيعة الذين قتلهم السنّة وعن السنّة الذين قتلهم الشيعة مع أن معظم الصحافيين لا يبرحون الكيلومترات المربعة الأربعة التي تقوم عليها المنطقة الخضراء.

إن كاره الظلم لينظر إلى وطن العرب في عهد العدوان الأميركي ثم ينظر إلى الوطن نفسه في عهد العدوان الثلاثي ويتساءل لماذا خرجت جماهير العرب بغضبها إلى الشوارع في الخمسينات لتنصر مصر وتدين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ولم تفعل الشيء نفسه بالقوة نفسها في عام 2003؟ ولماذا خرجت الجماهير إلى الشوارع لإدانة فظائع أميركا في فيتنام ولم تخرج إلى الشوارع نفسها لإدانة فظائع أميركا في العراق؟ ولماذا وقف المثقفون العرب ضد ظلم الغرب في الستينات والسبعينات ثم وقف كثيرون إلى جانب الظلم الأميركي الآن؟

لقد  رأى بعض من يعرف ما الذي تريده أميركا من العالم حقيقة أن التحالف حتى مع الشياطين أهون الشرين. ويجد غالبية العرب أنفسهم اليوم، ولأسباب معروفة تماماً، في وضع يمكن أن يفضلوا فيه أي شيطان على الشيطان الاميركي الذي خبروه كغيرهم على مدى نصف قرن فوجدوا فيه من العنف والإرهاب والتسلّط ما لم يجدوه في غيره من الشياطين التي اقتحمت بيتهم. وليس السبب الاعتقاد بأن كل فرد من 300 مليون أميركي يريد أن يسفك دم العرب لأن المواطن العربي المتنوّر يعرف أن عشرات الملايين من الأميركيين يريدون للعرب ارتفاع الظلم ويتمنون لهم الخير والديمقراطية والحرية، بل لأن أميركيين كثيرين غيرهم يعتقدون أن فناء ملايين العرب كي تحيا أميركا ليس ثمناً باهظاً. وبوش ليس الديكتاتور الذي كان صدام حسين وغيره، لذا لا يستطيع الأميركيون لوم بوش على كل ما حدث ويحدث في العراق ويعفون أنفسهم من المسؤولية. وفاز بوش بفترة رئاسية ثانية ليس لأنه قاد الدبابات إلى البيت الأبيض بل لأنه حصل على أصوات 62 مليون ناخب أميركي كانوا يعرفون بوش تماماً لأنهم خبروه على مدى أربع سنوات. وهذا الموقف ليس بجديد فأميركيون كثيرون قبلهم كانوا يعتقدون أن فناء عشرات الملايين من الهنود الحمر والأفارقة والمكسيكيين والفليبينيين والكوريين والفيتناميين واللاتينيين ليس ثمناً باهظاً كي تعيش أميركا وتنمو. وليس مستبعداً أن ينظر أميركيون كثيرون إلى حال أميركا خلال 15 ــ 20 سنة ويلومون حتى الرئيس بوش لأنه لم يكن أكثر دموية وتدميراً واستفزازاً خلال زمن الشر والتصعيد في الشرق الأوسط.

وكما تطرح بعض أنظمة الظلم العربي على أميركا الاختيار بينها وبين الإرهاب الذي صنعت معظمه، فإن أميركا تطرح على العرب الاختيار بين الفوضى التي تنتظرهم إذا خرجت من الشرق الأوسط والفوضى التي يعيشونها في ظل وجود أميركا. ويرى الملايين في فوضى الخروج أهون الشرين لأنهم يعرفون أميركا الآن جيداً، ويعرفون أن الذبح والتدمير سيكون أقل بكثير حتى مع المغول. ويوجد في التاريخ المعاصر حالات كثيرة على ترتيب ما يُطلق عليه الأميركيون اسم ”الفوضى الخلاقة“ وقفت مؤسسات الجاسوسية الأميركية وراء أهمه وأكثره نجاحاً على الاطلاق مثل الفوضى التي سبقت الانقلاب على رئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق (1953)، والفوضى والاضطرابات العمالية التي مهدت لانقلاب أوغسطو بينوشيه العسكري على حكومة سلفادور أيندي التشيلية المنتخبة (1973)، و100 حالة مشابهة رمت إلى تحقيق أهداف مختلفة خصوصاً في أميركا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط. لكن نادرة هي الفوضى ”الخلاقة“ وأدواتها الانقلابية والعسكرية التي تنتهي وفق تصوّر مسبق أو بالتوقعات المُسبقة نفسها. ولم يتوقع الأميركيون أن تؤدي حملة ”خليج الخنازير“ على كوبا عام 1961 إلى تعزيز حكم الرئيس فيديل كاسترو بدلاً من إطاحته، ولم يتوقعوا أن تؤدي إطاحة مصدق وفرض الشاه على الإيرانيين إلى قيام الثورة الإيرانية (1979)، ولم يتوقعوا أن تؤدي إطاحة الرئيس العراقي صدام حسين إلى إحلال عدو أخطر بكثير هو المقاومة، ولم يتوقعوا أن تؤدي 100 عام من الظلم في أميركا اللاتينية إلى عودة اليسار إلى البرازيل والأرجنتين وتشيلي وجمهورية الدومينكان وأوروغواي وبوليفيا وفنزويلا ونيكاراغوا، فيما صبت إدارة الرئيس بوش إمكاناتها الحربية والجاسوسية على العراق وسحبت حراساتها من بوابات أميركا اللاتينية لنقلها إلى مدن بلاد الرافدين.

ومن يعتقد أن إسرائيل في الشرق الأوسط قصة نجاح كبير عليه أن يقارن حالها بين عامي 1967 و2007 وربما اكتشف بعدها أنها مرآة الفشل الأميركي الكبير في الشرق الأوسط لأن المعلم والمخطط كان واحداً في الحالتين فوضع إسرائيل في موقع لم تعد قادرة فيه على تحقيق السلم ولم تعد قادرة على تحقيق النصر العسكري. وغير صحيح أن خارطة الحلم اليهودي بدولة من الفرات إلى النيل هي الخارطة التي رسمتها مخابرات قياصرة روسيا لتأجيج الكراهية لليهود بل الخارطة التي رسمتها الأساطير القديمة. إنها أيضاً الخارطة التي وضعتها إسرائيل على العملة الجديدة التي أصدرتها عام 1980 عندما انتقلت من الليرة إلى الشيكل وسكت ”العاقورات الحداشة“ (العاقورة الجديدة) كأجزاء مئوية للشيكل. إنها القطعة النقدية المقومة بعشرة عقورات التي عرضها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على مجلس الأمن الذي انتقل من نيويورك إلى جنيف ليستمع إلى شكواه من إسرائيل في 25 مايو 1990 بعدما منعته أميركا من زيارة نيويورك لمخاطبة العالم. وعندما أزالت إسرائيل حدودها الشرقية (الخط الأخضر) من الخرائط والكتب المدرسية فإن الإزالة لم تكن قرار المطبعة بل قرار غولدا مائير التي قالت إن حدود دولة إسرائيل هي حدود الأرض التي يعيش فيها اليهود.

لقد قاد شارون الحلم اليهودي إلى بيروت عبر الحدود الشمالية عام 1982 فأوصلها إلى ذروة قوتها، ولم ينسحب إلى ظلمة عالمه في مستشفى حداسة عام 2006 إلا وفي لبنان الذي طارد فيه فلول منظمة التحرير الفلسطينية خصم أعند وأقوى هو حزب الله. وفي فلسطين حكومة تضم حماس التي لا تعترف بوجود إسرائيل ”ضمن حدود آمنة“ ويجب أن تصر على هذا الموقف لأن إسرائيل لا تعترف بأي حدود بعدما قررت اللجنة الثقافية في الكنيست في يناير 2007 بأغلبية كبيرة ”أن الحدود التي سبقت حرب الأيام الستة (1967) لم تعد قائمة.“ أما الاعتراف ”بحق إسرائيل في الوجود“ فهو يختلف تماماً عن مجرد ”الاعتراف بإسرائيل“ لأنه يتضمن حكماً أخلاقياً يعني موافقة الفلسطينيين على أن النكبة التي ألحقها الإسرائيليون بهم كانت عملاً مقبولاً.

وينطبق على ديناميكية ”الفوضى الخلاقة“ ما ينطبق على كثير من الحروب التي اختلقتها الولايات المتحدة في القرن العشرين، أو كانت فيها أهم أطراف النزاع خصوصاً الحرب الكورية وحرب فيتنام ثم المثال الأهم وهو الحرب في العراق. وفي الدراسات العسكرية نظريات كثيرة حاول أصحابها تسليط الضوء على هذه الناحية لكن يبدو أن الحرب كائن طبيعي يعكس طبيعة المشتركين فيها. لذا تكتسب الحرب بسرعة ديناميكية خاصة لا يمكن السيطرة عليها كما بالنسبة لحالات طبيعية أخرى مثل العواصف والفيضانات الارتدادية. وهكذا نجد أن تجربة أميركا الناجحة عموماً في صنع الفوضى الخلاقة قابلتها تجربة فاشلة في صنع الحروب الخلاقة، وتجربة أكثر فشلاً في إقامة الدول المستقرة. ولم تربح أميركا الحرب الكورية لأن الصين منعتها من تحقيق النصر، ولم تربحها في فيتنام لأن صلابة الفيتناميين منعتها من تفادي الهزيمة، وهي تتجه إلى نهاية مماثلة في أول حربين تخوضهما في القرن الواحد والعشرين وهما حرب أفغانستان وحرب العراق.

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: رؤيتي: التحديات في سباق التميز

رؤيتي: التحديات في سباق التميز

My Vision: Challenges in the Road to Excellence

“One of the most important books published in the Middle East in the past 50 years

Gulf Today Newspaper, Monday, April 24, 2006, page 4

أحد أهم الكتب التي نُشرت في الشرق الأوسط خلال خمسين عاماً (صحيفة جلف تودي، 24 ابريل 2006)

 vision_cover

Sheikh Mohammed Bin Rashid Al Maktoum

Vice President of the United Arab Emirates, Prime Minister and Ruler of the Emirate of Dubai

الفصل الخامس من كتاب رؤيتي: التحديات في سباق التميز

القرار وفريق العمل

هل تعرفون ما هو أقوى شيء في العالم بالنسبة لي؟

إنه القرار الصائب في الوقت الصائب، وأخذ مثل هذه القرارات أهم صفات القائد لأنها تتطلب الجرأة وقوة الإرادة وسرعة البت والإدراك العميق لأبعاد قراره والأهداف التي يريد من قراره تحقيقها. يستطيع القائد بقرار مثل هذا أن يقلب الموازين وأن يسبق الآخرين ويصنع شيئاً من لا شيء ويوفّر الحظ الذي يريده لشعبه ولنفسه ويعزز مكانته ويزيد احترام الناس له.

إن القيادة هي القدرة على اتخاذ القرار، والقيادة الناجحة هي القدرة على اتخاذ القرارات الناجحة. كل الهدف من الدراسة والمشاورة والبحث والتفكير هو التوصل إلى القرار الصحيح، وكلما ارتفعت جودة المعلومات التي يستند إليها القائد في اتخاذ قراره ارتفعت مثلها فرص اتخاذ القرار الجيد. إن لم يستطع القائد أن يترجم رؤيته إلى قرار ويترجم قراره إلى واقع فهو قائد فاشل، وإذا أراد أن يتجنّب هذا المصير عليه أن يتابع تنفيذ رؤيته ويتأكد من تحقيق أهدافها وفق جدول زمني معين لأن التأخير والتأجيل عدوّا النجاح. إذا استعرضنا التاريخ سنجد قادة كثيرين خسروا معارك حاسمة بسبب تأجيل القرار، وعندما اتخذوا قرارهم في النهاية كان الوقت قد دهمهم وتغيرت الظروف فانقلب النصر المتوقع إلى هزيمة.

وراء كل فشل كبير قرار فاشل كبير ووراء كل قرار فاشل كبير حكومة فاشلة أخطأت في حق شعبها، ولم تؤد واجبها على الوجه الأكمل لأنها أضعفت قرارها بتأجيله أو اتخذت قرارات رأتها صائبة، وإذ بها تعطي عكس مردودها وتفرز مضاعفات لم تكن في الحسبان وتعيد تلك الدول إلى الوراء.

لكن كيف يستطيع القائد تفادي اتخاذ القرار الخاطىء؟

لكل قرار أهداف وشروط ومعايير ويجب أن يعرف القائد ما الذي يريده من القرار، وما هي الفوائد والمساوىء المحتملة لكل جانب منه، وأين يمكن أن يكمن الخطأ وما هي احتمالاته، وما هي البدائل. لا توجد زوايا مظلمة في أي قرار صحيح. يجب أن يكون الطريق واضحاً في كل مرحلة من مراحله، وفي كل جزء من المرحلة الواحدة. هذا يقتضي دراسة متأنية لكل خطوة من خطوات اتخاذ القرار يضيف إليها القائد ما استقاه من خبراته وتجربته وما تعلّمه من أخطائه، ومن خبرات الآخرين وتجاربهم وأخطائهم، ويستشير أهل الاختصاص ثم يحلل كل هذه العناصر بعناية وتمعّن.

لا نأخذ قراراً في شأن مشروع إن لم نكن متأكدين تماماً من جدوى المشروع والقدرة على استيعابه أو تسويقه، لكن عندما نبدأ مشروعاً فإننا لا نتوقف إلا لحظة استكماله، ويتم كل ذلك بسرعة وكفاءة ومتابعة من الجهات المعنية. المعصومية والتحيز والغرور والمحسوبيات ليست المواصفات المناسبة للقرار الصائب فلكي تحقق الإنجاز يجب أن تدرس وتخطط وتعد للقرار إعداداً جيداً.

إعقلها وتوكل. لا تترك الأمور على غاربها ولا تتوقع ريحاً طيبة ما لم تهب لأننا نعرف في بيت الشعر المشهور أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن. إن أتت هذه الريح فجأة فالأفضل أن يكون قاربك راسياً في الميناء بدلاً من أن يكون في عرض البحر. وإن هبت الريح وكنتَ في عرض البحر فيجب أن تعرف ما الذي ستفعله بالضبط لأنه يُفترض عندئذ أن تكون فكرت في المشاكل المتوقعة وحلولها، وخططت لكل شيء خلال مراحل الدراسة. هذا يعني أن تترك لنفسك خيارات وأن تعتمد المرونة وتبتعد عن ركوب الرأس والعناد.

بعض القرارات سهل يأتي في سياق العمل ويستطيع أي مسؤول اتخاذه، لكن القائد يجب أن يكون مستعداً في أي لحظة لأخذ أصعب القرارات لتحقيق أهداف معينة خلال فترة زمنية قصيرة أو أحياناً بلا أي تأخير. لا أستطيع حصر القرارات الصعبة التي اتخذتها حتى الآن، وبعضها لا يدخل ضمن نطاق اهتمام هذا الكتاب لكن أستطيع أن أعرض على القارىء الكريم مثالين:

خلال حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١ اضطربت الأوضاع نتيجة القصف والصواريخ والطائرات الحربية فسحبت الشركات الدولية غطاء التأمين عن الملاحتين الجوية والبحرية فاتخذنا على الفور قراراً شجاعاً بالتأمين على خطوطنا الجوية والبحرية في وقت لم يستطع البعض توفير مثل هذا الغطاء واضطر آخرون إلى وقف نشاطهم. وهكذا استمرت خطوطنا الجوية في العمل كالمعتاد وصبّت كل البضائع في موانىء دبي ونُقلت منها إلى وجهاتها النهائية في الخليج واستفدنا من هذا القرار القوي استفادة كبيرة.

المثال الثاني تضمن الإعلان خلال معرض دبي للطيران في نوفمبر 2001 عن صفقة بقيمة ٥٥ مليار درهم لشراء ٨٥ طائرة ركاب لدعم أسطول طيران الإمارات. البعض آنذاك تساءل عن الحكمة من إبرام هذه الصفقة بعد شهرين من أحداث سبتمبر في نيويورك وما تبعها من انخفاض حاد في حركة السفر الجوية تسبّب في أزمة حادة لشركات الطيران في أوروبا وأميركا وغيرهما وأدى إلى إفلاس بعضها. جوابي كان بأن الرؤية المستقبلية هي الدافع الأول، لأن الاستفادة من الصفقة في المستقبل ستكون عظيمة خصوصاً أن أسعار الطائرات التي سنحتاجها لاحقاً ستكون أعلى من السعر الذي دفعناه. أضف إلى ذلك أن الصفقة تعزز الثقة الدولية بشركة طيران الإمارات وتزيد قدرتها على استغلال ازدياد حركة السفر عندما ينتهي الركود العالمي، فمهما يَطُل الركود فلا بد أن ينتهي يوماً ولا بدّ أن يستأنف الناس الطيران مرة أخرى لذا ليس من الحكمة في شيء أن نسمح للتطورات الطارئة بأن تؤثر في تخطيطنا البعيد المدى، ولذا لم نتردد في اتخاذ هذا القرار وكل ما حدث منذ ذلك الوقت لم يثبت فقط صواب القرار بل صواب توقيته أيضاً.

وبعض القرارات يأتي في إطار قرارات أشمل ورؤية أبعد بكثير. مثلاً عندما افتتحت طيران الإمارات خطاً مباشراً بين دبي وأوساكا قالت لي فوسايه أوهتا حاكمة مدينة أوساكا إن هذه الرحلات ستحقق طاقتها القصوى خلال وقت قصير فوافقتها وقلت إنني كنت متأكداً من هذا لأنني لم أضع في اعتباري ما سيحدث فور تسيير الخط بل ما سيحدث بعد سنة ونصف السنة من تشغيله.

هل تتضمن هذه القرارات المخاطرة؟

طبعاً. لكننا نعتبر أنفسنا أمناء على مصالح الناس وعلى خير البلد. وبما أن خير البلد هو خير الناس لا بدّ أن نفكر كأمناء في زيادة هذا الخير وتحسين معيشة الشعب وهذا يقتضي توخّي أقصى درجات الحرص. إن الأرباح الكبيرة في المخاطر الكبيرة لكن هذا لا يعني أن يضرب القائد بعرض الحائط كل المعايير المطلوبة للوصول إلى القرار الصحيح لذا نحن لا نأخذ المخاطر إلا بعد دراستها من كل الجوانب ونستبعد كل ما سوى ذلك من مخاطر مأخوذة على المجهول لا يعرف أحد إلى أين ستجر تلك المخاطر الوطن والشعب والاقتصاد. ولكن ما كل القرارات واحدة ولا كل المخاطر واحدة فهي على درجات ويتطلب كل واحد منها إيفاءه حقه من الدراسة والاستناد في اتخاذه إلى خطة متكاملة متضمنة الموضوع والمسؤول عن التنفيذ والجدول الزمني للتنفيذ والجهة المسؤولة عن المتابعة والبدائل المختلفة. هذا لا يعني أننا لا نرتكب الهفوات لكن الهفوات لم تكن في يوم من الأيام سبباً في فشل أي مشروع.

أستطيع أن أضرب أمثلة كثيرة على قرارات نُفذت في شكل مشاريع وحققت النجاح المتوقع منها، مثل أول ملعب غولف ومدينة دبي للإنترنت والتكنولوجيا والإعلام، لكن لا أستطيع أن أقدم أمثلة على مشاريع فشلت. الفشل في تنفيذ القرارات لا نعرفه والنجاح يتحقق رغم كل الانتقادات التي تتوقع للمشروع الفشل. مثالي على ذلك مشروع جزيرة النخلة التي بيعت كل وحداتها السكنية خلال ٢٧ ساعة وقبل بناء جدار واحد في المشروع كله بعدما رأينا أن يكتفي المشروع بأرباح قليلة لكي يزداد تعميم فائدته.

ومن الضروري ألا يكتفي القائد بإقناع شعبه أنه يعمل لصالحه من خلال أخذ القرارات التي تعود على الناس بالفائدة بل يجعلهم يلمسون ذلك لمس اليد من خلال استهداف المشاريع التي تحقق هذا الغرض وتوزيع كعكة الثروة على أكبر عدد ممكن من الناس لأن هذا سيحفزهم على الإنفاق وبالتالي تسريع دورة الاقتصاد. إن العمل لصالح الناس يعني ضمناً العمل لصالح التجار لأنهم أعمدة اقتصاد الوطن وكلما قويت هذه الأعمدة قوي الشعب وشبع وارتاح وصب جهده وتفكيره على صنع الثروة فقويت الحكومة وتحسّنت قدرتها على اتخاذ القرارات المناسبة التي تصبّ في هدف زيادة ثروة الوطن. إنها دورة واحدة في سلسلة واحدة اتصالها يضمن الخير للجميع وانقطاعها يقطعه.

البعض يريد أن يعرف ما هو المشروع الأقرب إلى قلبي، وجوابي إن الأمر يعتمد على المكان والزمان وطبيعة المشروع الذي ننفذه. المشروع بالنسبة لي مثل ولدي أحب أن أظل قربه وأعمل له وأرعاه وأتعهده وأتابع شؤونه إلى أن يترعرع ويكتمل، ثم يأتي مشروع جديد فيصبح هو الآخر ولدي والأقرب إلى نفسي، وهكذا.

 

فريق العمل

يقول الناس: «الطير يحتاج إلى جناحين لكي يطير»«، وأنا أقول: «بس جناحين؟ لو فرد أحدنا جناح طائر كم ريشة سيجد فيه؟ لو نتفنا الريش من الجناحين هل يطير؟» إذَنْ حتى وجود الجناحين والريش لا يكفي لكي يطير الطير وسأقول لكم بعد قليل لماذا.

البعض يدّعي أن العرب جيدون كأفراد وسيئون كفريق لهذا يعانون من تخلّف الإدارة وضعف المؤسسات لكن هذا تعميم ظالم لا يمكن البرهنة على صحته. إن بناء الحضارة يتطلب جهداً جماعياً والعرب أبناء حضارة عريقة، وحتى لو نحّينا الحضارة جانباً للحظات بوصفها نشاطاً إنسانياً متميزاً فإننا سنكتشف أن العمل الجماعي ضرورة لبقاء النوع وقد رافقت الإنسان منذ الأزل وهي تقتضي التعاون والتنسيق سواء في الزراعة أو العمارة أو الصيد أو في غير ذلك من الشؤون.

يعرف الجميع مدى نجاح أجدادنا في رحلات الغوص. تلك الرحلات مثال جيد على إدراك أهمية الفريق فلكل فرد من أفراده عمل محدد يقدّمه في الوقت المناسب بأفضل أداء ممكن. إنّ تعاون الجميع شرط أساسي لتحقيق هدف العودة بمحصول جيد أما الفردية فكانت تعني الخسارة وربما الهلاك لذا فإن الفريق قوة أساسية وراء كل عمل كبير، وفهم كل عضو من أعضاء الفريق دوره جيداً يزيد شعوره بالمسؤولية المشتركة ويجعله أكثر إصراراً والتزاماً بتحقيق أفضل النتائج.

اقتصادنا اليوم أكثر تعقيداً وتنوعاً من اقتصاد الأمس بكثير، ولأجل هذا يستلزم درجة أعلى من التنسيق ليس بين أعضاء فريق العمل الواحد فقط بل بين مجموعة من فرق العمل لتحقيق الأهداف المشتركة التي تتضمنها الرؤية. إن فريق العمل يمثّل أحد أهم وسائل إنجاح رؤية القائد من خلال تحقيق أهدافها، لذا فإن القائد الناجح هو مَنْ يتصدر الفريق ويحدد مهماته ويختار أعضاءه من المتميزين الناجحين على مجرى من قال: أريد أعضاء فريقي ممن يحبون الفوز ويكرهون الهزيمة. لكن إن لم يجد القائد الفريق المتميز فعليه أن يجمع عناصره واحداً واحداً ويصنعه. يجب ألا يعمل الفريق بامتياز فقط بل أن يفكر بامتياز وأن يتصرف بامتياز، وأن يكون واثقاً بقدراته وبنفسه ذلك أن الثقة بالنفس أولاً وبالآخرين ثانياً تعزز المسؤولية الجماعية في أي عمل.

ويمكن أن يكون لكل عضو من أعضاء الفريق رؤيته الخاصة وطموحه الذي يدفعه إلى التفاني في عمله لكن على جميع أعضاء الفريق أن يكونوا واثقين برؤية القائد، وأن يكون لهم فيها رأي إيجابي وأن يعملوا على تحقيق أهدافه.

يقوم بناء الفريق الفعال على أسس عدّة أهمها الثقة المتبادلة والالتزام والتعاون الوثيق والاتصال الجيد وتحديد الهدف وتقدير أعضاء الفريق وتشجيعهم وحفزهم وإشراكهم في تحمّل المسؤولية. ويمكن تحقيق ذلك في وجوه عدّة أهمها ضمان مساهمة أعضاء الفريق في الإعداد للمشروع ومختلف مراحله التالية وتفويضهم بالصلاحيات الضرورية لتنفيذه.

ومن أهم مقومات تفويض الصلاحيات أن يعرف القائد لمن يفوّض. القائد هو المسؤول الأول والأخير لذا فإن التفويض بالصلاحيات لرئيس الفريق وأعضاء الفريق لا يعني إعفاء القائد من مسؤولية الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها المفوَض، لأن قرار التفويض نقل مؤقت لبعض صلاحياته وبغرض أداء مهمة محددة أو مشروع معين وليس تنازلاً نهائياً عن الصلاحيات. ومن البديهيات ألا يفوّض القائد وينسى الأمر تماماً، بل عليه متابعة سير العمل أولاً بأول والتدخل لتصحيح المسار أو الإرشاد، ومن الضروري أيضاً أن يعرف المفوَض تماماً أن الصلاحيات التي مُنحت له يمكن أن تُسترد في أي وقت. لكن رغم أهمية المتابعة والمراقبة فإن تفويض الصلاحيات يتضمن أخذ المخاطرة فمثلاً عندما بدأنا التفكير في تنفيذ مشروع حكومة دبي الإلكترونية كخطوة إضافية لجعل دبي مركزاً دولياً للاقتصاد الجديد واعتماد التقنيات الحديثة لتطوير الأداء والانتاجية وخدمة العملاء كنت أستطيع اختيار الفريق التنفيذي من مديري الدوائر المعروفين بالكفاءة لكنني قررت في النهاية جمع الفريق من الصفوف الخلفية واخترت مجموعة كنت متأكداً أنها قادرة على التحرك السريع وإنجاز المهمة الموكلة إلى الفريق بنجاح ليس في الوقت المحدد فقط بل في وقت قياسي.

هذا ليس مثالاً بل نموذجاً لما نفعله في كثير من المشاريع والخطط، ففي كل الحالات هناك عين على الموظف ذي القدرات الواعدة وعين على الفرصة المناسبة له فإذا سنحت الفرصة وعرف ذلك الموظف المهمة المطلوبة منه فإنني انتظر منه أن يبدأ العدو. ومتى وُضع تحت محك التجربة وكان أداؤه كما توقعته فقد يتولى منصباً تنفيذياً قيادياً وربما أسندتُ إليه مشروعاً أو أكثر وقدمت له خلال هذه المرحلة من طريقه في الفريق القيادي كل العون والدعم والتشجيع الذي يحتاجه. ما هو الشرط الأساسي في كل هذا؟ أن يكون القائد مستعداً لقبول مسؤولية الخطأ الذي قد يرتكبه من يفوضه والمضاعفات التي يمكن أن تنتج من ذلك.

ويقصر بعض القادة اختياره على الوزراء والوكلاء وأصحاب الصف الأول في الإدارة ليجنّب نفسه المشاكل التي يمكن أن يسببها التفويض وينعم براحة البال لكن ما هكذا يُصنع القياديون في المجتمع. لو لم نمنح الصلاحيات ولم نتحمل مسؤولية أي قرارات أو أعمال فوضناها ولم نتابع عن بعد ونتأكد من حسن سير الأمور لما كان لدينا اليوم هذا العدد من الشباب محل فخرنا لأنهم يضاهون في خبراتهم وقدراتهم أفضل فرق العمل في العالم، ولبقي التقوقع والانكماش مسار حياتهم المهنية بدلاً من الإبداع والحماس والقدرة على الأداء المتميز.

إن الاستمرارية في هذا النهج والمعاملة خلال تنمية القدرات القيادية لدى الموظف المتميز تُسهم في استقراره النفسي وتزيد ثقته بنفسه وبمن حوله وتطوّر مفهوم روح الفريق وتكامل عمل أعضائه ودعم بعضهم بعضاً فهذه من المتطلبات الأساسية لقيام الفريق بمهامه بالصورة الصحيحة. ويجب أن يكون كل عضو من أعضاء الفريق واعياً لدوره كحلقة في سلسلة مترابطة بإحكام. إن التوصل إلى هذا المستوى المرتفع من التنسيق خبرة يجب على أعضاء الفريق اكتسابها بالتدريب والتعلّم. وفي علوم الإدارة فرع يركّز على هذه الناحية بالذات يستقي المتدربون منه مهارات العمل من خلال الفريق وكيف يتقبلك الفريق وكيف تكون عضواً فاعلاً فيه.

ولماذا يجب أن تنطبق كل هذه الشروط وغيرها على الفريق وأعضائه؟ لأن وجود الجناحين لا يكفي لكي يطير الطير. يجب أن يرف الجناحان بالإيقاع المناسب. يجب أن يتحركا وكأنهما جناح واحد. ريشة مكسورة واحدة يمكن أن تؤثر في سرعة الطائر وتناسق حركاته في الحط والطيران لذا ترى الطير يسقطها بسرعة لتنبت أخرى سليمة مكانها. من يراقب الطير يلاحظ اعتناءه بتنسيق ريش جناحيه وتخليصها من العوالق، لأن هذا يعطيه الرشاقة وسرعة الحركة والقدرة على المناورة.

الإخفاق في هذا يعني تردي الأداء وربما الفشل.

 

القائد والفريق

كلنا جنود في جيش التنمية وبحسب الرتب وتوزيع المهام الذي نجده في الجيوش. فرق العمل هي مغاوير التنمية ووظيفتها تنفيذ المهمات الحرجة التي تضمن تحقيق النصر في حرب التنمية. وما لم يتعهد القائد هذه الفرق بالتدريب والتحفيز والعناية والتشجيع، وما لم يكن قادراً على أن يكون على رأس هذه الفرق فلن تستطيع الفرق اقتحام المصاعب وقهرها وتحقيق الأهداف المرسومة لمهمتها.

قلت في غير مكان إنني أجد القيادة من أصعب المواضيع شرحاً وتفسيراً لأن المرجع الوحيد الذي اعتمدته لهذه الدراسة الجديدة هو الخبرة والممارسة العمليّة اليومية، وسأضيف هنا أن ممارسة القيادة صعبة هي الأخرى.

كثيرون سألوني ما هو أصعب شيء واجهته خلال عملية التنمية على مدى العشرين سنة الماضية، لذا سأستغل وجودنا معاً في صفحات هذا الكتاب لأكشفه أخيراً: إنه إبلاغ المعلومة إلى المعنيين بعملية التنمية لكي يفهموا بالضبط ما الذي أريده. إنه التأكد من أن العاملين معي يعرفون ما هي رؤيتي بالتحديد وما الذي أريد من كل واحد منهم القيام به لتحقيق أهدافها والتعرّف جيداً على طريقها ووضوح كل مرحلة من مراحل الطريق في أذهانهم لكي لا نحيد عن الرؤية ونضل الطريق إلى أهدافها.

المشاة ليسوا كالخيّالة. إذا كانت وتيرة التنمية بطيئة والأهداف عادية والطريق قصيرة فالمشاة يمكن أن يكونوا جيشاً مناسباً لكننا نريد أن نسابق الناس في مضمار التنمية الدولي ولا يمكن أن نحقق الفوز بالمشاة. نريد كوكبة من فرسان التنمية لكي يواكبوا الفارس الذي يقودهم وإعداد هؤلاء يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً وصبر الوالد على ولده وتشجيعه وتهذيبه إلى أن يتمكّنوا من مجاراته.

هل اقتصرتْ هذه الصعوبة على من أتعامل معهم في القطاع العام؟ لا. عرضت مرّة رؤيتي للحكومة الإلكترونية في اجتماع عام وكنت أرى كثيرين من مكاني على المنصّة يتلفتون يميناً وشمالاً للاستفسار عن هذا الموضوع. وبعد الانتهاء من عرض رؤيتي جاءني شباب مثقفون وسألوني: ما هي الحكومة الإلكترونية، وماذا سيحدث لشركاتهم، وكيف ستؤثّر في أعمالهم!

باختصار لقد كان الجهد عظيماً لكن الجميع عرفوا مهمتهم في النهاية وسارعوا إلى التنفيذ وصرنا الآن في مضمار السباق معاً واعتبر هذا الإنجاز مكافأة كبيرة لي.

لقد قلت قبل قليل إن ممارسة القيادة صعبة لكنني استمتع بعملي وأتأكد دائماً من استمتاع فريقي بعمله لأن من لا يستمتع بعمله لا ينتج.

معرض الكتاب

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

 Stacks of copies available at Dubai airport the morning after the official launch. Photo by AB

 The Man   الرجل

SM37

HH Sheikh Mohammed Bin Rashid was born in 1949

He studied in the United Arab Emirates and Scotland, UK

He Graduated from Mons Military Academy (Uk)

Assumed command of Dubai police forces in 1968

Appointed UAE Defence Minister in 1971, the youngest in the World

Became Crown Prince of the Emirate of Dubai (United Arab Emirates) in 1995

Became UAE Vice President, Prime Minister and Ruler of Dubai in 2006

Founded a number of companies including Emirates Airlines, Dubai World Ports, Emaar, Nakheel and others

    The leader  القائد

2004__47_1

 The brothers: right to left: Sheikh Mohammed, Sheikh Maktoum and Sheik Hamdan   الاخوة

mohammed_maktoum_hamdan_350

    Book production   اعداد الكتاب

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

في العوير

 Gallery   غاليري

0

SM13

SM38

SM40

SM45

SM46

بعض صور الكتاب بتنسيق بي دي اف

section_ii_2_red._selepdf

All rights to these photographs are strictly reserved

My Vision – Challenges in the Race for Excellence
Press Release

Dubai, Beirut, Sunday, April 23, 2006, Motivate Publishing, Dubai, and The Arab Institute for Research and Publication, Beirut, have today unveiled their latest title: My Vision – Challenges in the Race for Excellence by Vice-President & Prime Minister of the UAE and Ruler of Dubai, His Highness Sheikh Mohammed Bin Rashid Al Maktoum.

The co-publishers said the book is a unique and detailed account of the exceptional development of Dubai and the vision behind the outstanding accomplishments that included transferring the UAE and Dubai from their role as a regional powerhouse to their new and advanced role as international economic and financial centres, and the attainment of these high rates of growth was accomplished by way of providing excellence in services and industry.

One of the most important features of the book, they noted, is the simplicity with which the author approaches complex subjects such as vision, leadership, state management, enhancement of skills and expertise in human resources that played a paramount role in constantly pushing development in Dubai to new heights.

The author in this Arabic version of his book used his close and almost daily involvement in projects as the basis for his work. It is therefore a credible and lively account of processes and foundations of ultra modern development based on first-hand experience and direct guidance.

The book specifically provides a true description of an exceptional development experience that is regarded by many as a role model for other Arab and Muslim countries, the publishers said in a joint statement. Dubai is proving to be one of the most successful development stories in the world and is viewed increasingly in the Arab and Muslim Worlds as a source of pride.

Compared by the author to Cordova, the old capital of Arab Spain, Dubai’s melting pot of nations and creeds is adding new and exciting dimensions to the concept of co-existence and enhancing human interaction and understanding. And like Cordova, Dubai today is providing a new hope for humanity that different civilisations and religions can co-exist and strive collectively to create excellence in everything for the benefit of all.

My Vision – Challenges in the Race for Excellence

Brief Editorial Review

This book is primarily about development as four of the five parts of the title carry the word “development”. The fifth, The Road to the Future, is an overview of future economic developments and covers topics such as Globalization and the economic integration of the Central World Economic Zone (CWEZ) for which Dubai is providing the economic role model, positioning itself as the leading economic and developmental metropolis.

In his book the author reveals, for the first time, the “secrets” that made the Emirate of Dubai one of the most astounding development phenomena in the world. Sheikh Mohammed Bin Rashid provides insight into the strategies that can produce excellence in development, including vision, leadership, management, teamwork, and decisive and timely decision taking.

The book is primarily about the development and successful management of countries, presenting Dubai as a role model. This makes the book unique due to the absence of other books in Arabic on this vital subject. It gains further importance due to the authoritative account of the various components of development, based on personal experience and daily involvement rather than on abstract theories and untested experiences.

The book, though, is much more than that. In the chapter Made in Dubai, the author details the nature of development in Dubai: what has been achieved and what will be achieved in the future. The aims and targets set in the book will take the development into the mid-21st century and beyond. Other chapters deal with the challenges met in the course of building modern Dubai, and one is dedicated to horses, as Sheikh Mohammed is an avid rider and one of the most renowned owners of horses worldwide.

The author dedicates the book to H.H. Sheikh Khalifa Bin Zayed Al Nahayan, President of the UAE, but he gives credit for the successes of Dubai to nationals and residents alike and to the public and private sectors in equal terms. Their immense contribution is appreciated and recognized at every stage, and all are called upon to participate in the “consensus planning” of Dubai and the Emirates, as a prerequisite to reaching new heights of development and excellence.

The author is not only addressing the people of Dubai and the Emirates but the entire Arab and Muslim World of 1.3 billion. The success story of Dubai, he believes, can be replicated in other Arab and Muslim countries. The book, therefore, represents a message of optimism that a second stage of outstanding development can be achieved throughout the Arab and Muslim World. The proof he provides is Dubai itself.

A Special Review:

My Vision – Challenges in the Race for Excellence

Sheikh Mohammed, a leader with a vision, unveils the ingredients of Dubai’s success,

provokes Arabs to revive past glories while looking at the future

A Stunning Book from a Man of Stunning Achievements

Monday, April 24, 2006

My Vision – Challenges in the Race for Excellence by Vice-President, Prime Minister of the UAE and Ruler of Dubai, His Highness Sheikh Mohammed Bin Rashid Al Maktoum, can be described as a book about the man behind the outstanding success story of Dubai, and the story behind this unique man. But this is just a one side of a multi-faceted volume of exceptional diversity, simplicity, and nothing less than a stunning achievement.

Reviewers of advance copies of the book have described it as perhaps one of the most important works published in the Middle East in the past 50 years. They may not be far off the mark. Books produced more than a century ago by great Arab thinkers like Abdul Rahman Al Kawakibi, Jamal Uddin Al Afghani and Mohammed Abdou had a catalytic impact on the future of the Arab World and the Islamic Umma as both nations, at the time, were attempting to shake off the oppressive shackles of the Turkish Sultans. Later on, exceptional literary, philosophical and historical works were published in Egypt, Syria, Lebanon and other Arab countries, but scientific, economic and social works paled in comparison. Only a handful of such titles can be easily remembered today.

Violence and political unrest in the Arab World must not obscure the fact that the greatest battle awaiting Arabs in the 21st century is the battle for development. Similarly, poverty, underdevelopment and the chaotic, inefficient planning in most Arab countries must not obscure the fact that this region is on the threshold of what could become the greatest development for a thousand years.

Wishful thinking? Not according to Sheikh Mohammed: “All the ingredients necessary for the emergence of an exceptional Arab development are present today and I am confident it will be realized, and confident also of the ability of Arabs to achieve. The exceptional development was a dream once but the dream was embodied in a vision that has made the great Arab State,” he says in the introduction to his book. “The vision suffered a setback and back we went to the old dream, but I do believe there is a chance now to wake up and turn this dream into a clear vision once again. How? I don’t want to begin something I can’t complete within the confines of this introduction so I will leave my book; my vision, with the task of providing the answer.”

In many ways this is exactly what his book is about: providing answers. How was it possible for Dubai to rise to such towering heights from beneath the sand dunes of time and oblivion, and with so little oil to export?  How could Dubai attract more tourists than Egypt, with its Great Pyramids and River Nile? How could it become the largest financial center in the Middle East, with the most successful airline carrier, the most expansive aluminum smelter, the tallest hotel, the widest seaport and two out of four structures in the world that can be seen from the moon? And what does Dubai have that others don’t? Sand? Every country in the Gulf has that. The sea? They all have it. White, warm beaches? They are everywhere.

The answer is: The people of Dubai and the UAE. There are no more oil wells to drill, so Sheikh Mohammed is poring into the minds of both nationals and residents. This is where the true wealth of nations lies. Their brains are the only true renewable source of wealth; a single exceptional idea could be worth more than all the wells of the largest oil field in the Gulf combined. Microsoft was an idea. How much is it worth?

For nearly 20 years, my father has consistently bet against Dubai and Microsoft alike. He has gained notoriety amongst hardened skeptics but he lost a fortune. Now Sheikh Mohammed is telling us in his book that he plans to double the size of Dubai in the next five years. It is already bursting at the seams of its boundaries, but that is what he is intent on doing.

Even this outstanding project is not enough for the grandest vision of the 21st century. Listen again, carefully, very carefully: “I will not discard an opportunity by waiting for another, but the highs we aim for have not been reached. All that has been achieved is nothing compared to my vision. All that you see around you is merely the beginning of our long road to development. All that you observe are merely small stops on the road to an expansive station, and all that you see merely represent the cornerstones of what is to come. From these, the grand edifice for my people will be built. Then I will wish all other Arab leaders to do the same in their countries, to build the universal Arab development of excellence. The arms of the UAE are stretched towards you, my Arab brothers, so let’s begin.”

What else but overwhelming awe can the reader feel when confronted with such inspiring vision, but to follow him in his journey of development?

I will ask my father, firmly this time, not to bet against Dubai anymore. I know he will lose again and the author will win. Why? Because he has won the bet with so many others all along. Sheikh Mohammed says: “Failure is a great mentor but we have no time to learn from our failures. Simply put, we have no experience in failure. All that we’ve learnt came from the failures of others.”

Microsoft is an idea but so is Emirates Airlines, Emaar, Dubai Holding, Nakheel and dozens of other successful companies and corporations. As long as there are brains that generate such great ideas, Dubai will only grow further. But minds have to be trained in order to produce excellence and here lays the greatest challenge in the Arab World. The author explains: “We could talk about financial resources derived from exporting energy but I would rather talk about the optimum use of these resources because the availability of finance does not necessarily mean the automatic creation of development. Moreover, the true value of money lies not in its volume but in the ways it is used. You may start a certain project with US $12 million only to see it increase 1,000 fold in 20 years. Alternatively, you may pour billions into another project that bleeds hundreds of millions of dollars a year simply to cover its losses and help to keep its wings raised.”

The author expands on this idea further: “The difference between these types of projects and others is the difference between a good idea and a bad one, and the difference between a bad idea and an excellent idea is between a mind that can generate excellence and another that can’t. This doesn’t mean that the mind that can produce excellence is the mind of a particular nationality or one region of the world and not another, but that we failed to implant in the Arab mind the distinctive thinking process that leads to the production of excellence. Why did we fail to do that? Because we invested handsomely in failed projects and we failed in investing generously in minds. Why again? Because we pile the back of the Arab steed with so many political, social and economic loads that he can’t cope with the weight, and we expect him later to join nimble, well-trained horses and win the race.”

Can the Arabs rise to the challenge? Could they achieve excellence that lasts for 1,000 years? The author believes they could. The proof he offers is Dubai itself. We have succeeded, he tells his Arab brethren, and you can succeed too. With Dubai’s help, he declares, you can achieve it. We can all achieve it together.

Dubaians Are Like This

“Walking or driving alone through the streets of Dubai, I am sometimes overcome by this feeling that I can’t accurately describe. It seems to me something like the translucent shades of dawn or the shadowy folds of late night. I could say that what I really feel is the spirit of Dubai. If I were asked what I meant by that, I may say that this feeling is a mixture of the spirit of this great city and that of its people”.

Thus starts a section of Chapter 10, described as one of the most beautiful passages in Arabic. Undoubtedly, it is the most melodious song about Dubai and its people. You see,” he continues, “the lips may part but it is the heart that really smiles. Dubaians are like this. The first step in evoking the gentle smile is to uproot the negative energy from peoples’ hearts and empty their chests of despair and frustration. This happens when we do satisfying work that brings us joy and pride. When this happens the morale of each of us will be boosted and we will be nice to others and ourselves. Work days, in such a case, will be an extension of our weekends.”

“Those who live in Dubai are likely to remain in Dubai. Even when they leave us for another city, part of them remains here and many return. I’ve heard stories of people who left for Canada, Europe and the USA only to come back a year or two later with their children ahead of them. Some had a modest beginning with us and grew globally in business and investments. Some bought large companies while others gained advanced work experiences and were lured by large salaries and generous offers of work in other countries. Still, they came back. They left good management to look after their investments abroad, quit their senior posts and returned. Why? There is affinity in Dubai. There are warm surrounding feelings and emotions. This tolerance is observed by all and these traditions are respected by all. There is self-respect and this results in the respect of others. There is balance, excellence and culture. Cordova was like this.”

The author has all the people of Dubai in mind. Nationals will have all the attention and support they need, but resident expatriates are not at all forgotten soldiers: “Dubai needs the effort, creativity and the participation of all those who live in it. Those who have a stake in Dubai’s present will have a stake in its future but they have to safeguard the present and work for their future which is Dubai’s future as well.”

This creative participation is the cornerstone of Sheikh Mohammed’s vision. For him, a vision is legless unless supported by the people, and the people will not participate in turning a vision into reality unless they are convinced of its value, and unless this vision corresponds to their needs and interests. It should move away from theorisation and complexity into clarity and simplicity: Everyone should know that his or her opinion is important in any vision or plan. And each is duty bound to participate in its making, even with a single word. Then, and only then, the national and the resident who participate in making the vision of Dubai become a part of Dubai.

 spread

The man and his horse in Dubai desert

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

الأميرة هيا بنت الجسين والشيخ محمد بن راشد في أبراج الامارات (عادل بشتاوي)

Sheikh Mohammad and Princess Haya Bint Al Hussain. Photo by AB

BOOK TITLE: My Vision: Challenges in the race for excellence
Credit goes first and foremost to H.H. Sheikh Mohammed for his trust, his patience during several hours of interviews in 12 meetings over several months, his kindness and his invaluable help and guidance
Interviews, research, writing, title & sub-title, galley and photo sections preparation, typesetting, proof reading, comprehensive production and printing supervision by Adel S. Bishtawi
BOOK TITLE My Vision
SUB-TITLE: Challenges in the Race for Excellence
AUTHOR: H.H. Sheikh Mohammed Bin Rashid Al Maktoum
DESIGNATION: Vice President and Prime Minister of the UAE, Ruler of Dubai
DEDICATION: H.H. Sheikh Khalifa Bin Zayed Al Nahayan, President of the UAE
CATEGORY: Leadership, Management & Economic Development
LANGUAGE: Arabic
PUBLISHERS: Arab Institute for Research and Publishing (AIRP), Beirut, Amman
Motivate Publishing, Dubai
COVER PHOTO: Roger Mkarzel, Beirut, Lebanon
COVER DESIGN:: WUNDER  MAN (www.wundermanmena.com)
DATE OF RELEASE: 22nd April 2006
COPYRIGHT UKCS – RN 258536 – 2006-2016
Book Production
DIMENSIONS 17 x 24 x 2 cm (approx.)
FORMAT Hardback (debossed with foil) & Jacket in Full Colour
CONTENT 224 Pages
PRINTED Jacket and 40 pp of colour photographs divided into 2 sections and 3 forms (16:16:8 pp)
MATERIALS 100gsm
WEIGHT 760 grams approx
 OLYMPUS DIGITAL CAMERA