مقتطفات من عروض ومراجعات لكتاب الأندلسيون المواركة

مجلة الظفرة: أبو ظبي، الأمارات العربية المتحدة:

… والكتاب محاولة لتسليط الضوء على هؤلاء الذين كاد التاريخ أن ينساهم، فينساهم الناس، وهم الأندلسيون الذي بنوا الحضارة التي لا تزال شواهدها حتى الآن. وفي مدن أندلسية، هناك مجموعات من الأندلس بدأت تتحدث بصوت عال عن أصولها العربية، ونسبتها إلى بعض العائلات الأموية العريقة، “كالناصريين” في مدينة (خايين) – جيّان- الذين ينتسبون الى الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر.

والكتاب بحق يعتبر هاماً من نواح كثيرة، أهمها أنه يلقي الضوء على فترة تاريخية غيبتها أحداث كبيرة زامنتها، وهي الفترة التي اشتد فيها الضغط على المسلمين والعرب في الأندلس الصغري (أندلس اليوم) والممتدة ما بين مطلع عام 1492 وهو عام سقوط غرناطة وانتهاء الوجود السياسي العربي في شبه جزيرة آيبريا، وعام 1834 وهو عام سقوط محاكم التفتيش، التي بقيت رغم مرور قرون عليها وصمة عار في جبين الفاتحين القشتاليين، وشاهداً من شواهد الاضطهاد الديني، والتمييز العنصري الذي وقع على المسلمين والعرب في تلك البلاد، رغم انهم لم يمارسوه ولو لمرة واحدة، حتى ضد أعدائهم الذين حاربوهم وغدروا بهم أكثر من مرة.

يقول المؤلف: “وفي الأندلس اشترك المسلمون والنصارى واليهود في صنع دولة كانت أقوى دول أوروبا…”

هذه حقيقة لم يغفلها التاريخ، فالعرب المسلمون بتسامحهم، وبأسلوبهم الحضاري الفريد بالتعامل مع شعوب البلاد التي يفتحونها، استطاعوا كسب مواقف هؤلاء، فأشركوهم معهم في إدارة البلاد، وفي بناء الدولة وفي إنشاء حضارة كانت بمثابة النور الذي استطاع تبديد ظلام أوروبا، فحولها عن طريق الجهل والجهالة، إلى طريق الحضارة.

أما اليهود، وهم أشد أعداء الإسلام والمسلمين منذ فجرالاسلام، فقد تلقوا رعاية كبيرة نتيجة للتسامح الذي لقوه لا في الأندلس وحدها، ولكن في كل بلاد المسلمين، فأصبح منهم الوزراء والأطباء والعلماء، فتمتعوا مع المسلمين العرب والنصارى، وأصبجت الأندلس جنتهم إلى أن جاء الغزو القشتالي، فوقف كثيرون منهم، بدافع الحقد الديني الى جانب الغزاة، حتى سقطت الأندلس بشكل كامل، وقامت محاكم التفتيش، فكانوا أول ضحايا أعمالهم الشريرة، ولكنهم مع كل هذا لم يدركوا بعد الفرق بين تعامل العرب معهم، وتعامل غير العرب، حتى في “أقرب التاريخ”.

ويتحدث الكاتب عن دور المواركة في الأندلس في الحياة الاقتصادية، ويؤكد أنهم، وإن كانوا في الدرجة الثالثة من حيث المواطنية، إلا انهم كانوا يديرون أهم وسائل الانتاج، وكانوا عوناً للامبراطورية الاسبانية التي كانت من أكبر القوى العسكرية في المنطقة، ولكنها لم تدرك سر قوتها، إلا بعد أن طردت المواركة، فانهار الاقتصاد، وانهارت معه القوة العسكرية عندما أرادت حشد الطاقات للتصدي للهولنديين، فوجدت ان أقتصادها قد انهار.

ورغم ان الكتاب يشير الى ثورات قام بها المواركة ضد الاضطهاد الذي عانوا منه في المحاولات المتتالية لتنصيرهم، إلا ان وضعه في قالب اليوم، وإسقاط أحداثه على الحاضر، يشير إلى أمور كثيرة هامة من أبرزها:

ان ما يمارس ضد الشعب العربي الفلسطيني في الأرض المحتلة، يشبه إلى حد كبير، التجربة التي تعرض لها العرب والمسلمون في إسبانيا، وسقطوا فيها نتيجة لمعطيات كثيرة خارجة عن إرادتهم.
ان الكيان الصهيوني قد وعى بدقة الدرس الذي تلقاه من الأمبراطورية الاسبانية، فراح يعد اقتصاده بأسلوب يبعده عن الاعتماد الكلي على العرب.
القوة العسكرية التي يتمتع بها الكيان الصهيوني يمكن ان تهزم في حال وجود قوة مماثلة لها، ومعدة بشكل جيد للتصدي…لأن مسألة التفوق العسكري، تدخل فيها حسابات كثيرة، من أهمها القدرة على الاستمرار.
ان استمرار الثورة الفلسطينية ضرورة لاستمرار وجود الشعب الفلسطيني في فلسطين لأن توقفها، يعني القبول النهائي بالخروج من فلسطين تماماً كما خرج العرب مند خمسة قرون من إسبانيا.

هذه الأمور هي دروس يلقيها المؤلف من خلال ترتيبه المنطقي للأحداث، ومن خلال حديثه الموثق عن الثورات المعزولة التي قام بها المواركة، ولم يجدوا ساعداً يقف معهم، فكانت النتيجة انهم اجتثوا تماماً من وطن لا يعرفون غيره.

صحيفة الراية (رسالة القاهرة) بقلم: مصطفى عبد الغنى:

صدر في القاهرة أخيراً كتاب “الأندلسيون المواركة” وهو على قدر كبير من الأهمية والخطورة معاً. وتعود هذه الأهمية إلى أنه في كل يوم تصدر في القاهرة وفي غيرها من العواصم العربية كتب كثيرة هامة دون ان يلتفت اليها أحد مع أنها تعالج قضايا أقل ما يقال عنها أنها مصيرية، خاصة مثل هذا الكتاب الذي يعود بنا إلى قرون في التاريخ يحاول بالأدلة العلمية وبالوثائق التي تنشر لأول مرة ان يتناول قطعة هامة حزينة من تاريخنا العربي الإسلامي، فقد ضاعت الأندلس العربية بعد قرابة 8 قرون سيطر فيها العرب على هذا الجزء الغربي من اوروبا وكاد يهدد اوروبا كلها ولكن لم تلبث ان دارت حركة التاريخ وشاهدت الأحداث استسلام آخر معالم السلطة السياسية الإسلامية في يوم حزين من أيام سنة 1492 من شبه جزيرة آيبريا لتدق بعدها أجراس الكنائس في سائر أوروبا احتفالاً بهذه المناسبة الجليلة.

وهذه المأساة، إن صح أن يوصف جزء غال من تاريخنا حين يباع أو يستقطع بأن يطلق عليه مأساة، نقول إن هذه المأساة تعتبر في التو واللحظة القضية التي يعيشها العرب الآن، فبينما سقطت مملكة غرناطة الأندلسية بعد 234 سنة من اجتاح المغول لبغدادإ فإن فلسطين سقطت بعد قرون طويلة.

وهنا وجه الخطوة فالكتاب لا يكتفي باسترجاع ما حدث للعرب هناك في أقصى الغرب نتيجة لغفلتهم بل ان هذا يعطي بالدراسة المقارنة ما يريده المؤلف من أن الأندلس ضاعت بالأمس واليوم توشك أندلس أخرى ان تضيع بل ان المؤلف صرح بهذا في الإهداء فقال وهو دارس جاد بأنه يهدي هذا الكتاب الى الأندلسيين المواركة الذي حملوا راية العروبة والاسلام فسقطوا ضحايا لكارلوس الخامس وفيليب الثاني ومحاكم التفتيش وتخاذل الاخوان في الدين والقومية و(إلى كل الشرفاء الذي يحاولون اليوم منع كارثة مشابهة).

كتاب جديد … جدير بقراءته، جدير بالاهتمام به، جدير باقتنائه،

صحيفة الرأي العام: كتب محمد عبد الرحيم:

الأندلسيون المواركة” “محاولة جادة لتسليط الضوء على تاريخ الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، وإزالة الغموض الذي لف سيرتهم، وإنصافهم من الموقع الذي احتلوه كحاشية في مجلدات التاريخ الأندلسي الموريسكي، وسرد وقائع النضال الذي خاضه أكثر من ثلاثة ملايين أندلسي في سبيل الحفاظ على وطنهم وعروبتهم ودينهم طوال قرنين كاملين نظموا خلالهما ثورتين مشرفتين تصدوا فيهما لأعتى قوى الأرض في القرن السادس عشر”.

ويضم هذا الكتاب ستة فصول وجلها مزدان بالصور النادرة والخرائط التوثيقية، وهذه الفصول تحمل عنواناً سرعان ما يشد انتباهك شداً غريباً يجعلك تقرأه بلا ملل أو كلل.

ومن الصعب والعسير الكتابة او التكلم حتى والتفكير بما آل إليه الأندلسيون دون الإحساس بنوع من الرهبة لسببين اثنين رئيسيين:

الأول: ان ضياع الأندلسيين كان شاملاً، وكأنهم لم يسكنوا ولم يعمروا شبه الجزيرة الآيبرية، حتى ولم يفتحوا أجزاء شاسعة من العالم ووصلوا إلى فرنسة، وكانوا في يوم من الأيام سادة الأرض والشعوب.

والثاني: ان ما حدث للأندلسيين يمكن ان يتكرر ثانية ليس في مكان ما من أطراف الوطن العربي، بل في وسطه، وربما نعيش اليوم فصلاً حقيقياً من هذه الفصول في قلب الوطن العربي – فلسطين.

أسئلة كثيرة، وكثيرة جداً تجول بخاطري منها:

  1. هل إن تناحر الأندلسيين ونزعة حكامهم للاحتفاظ بملكهم هو السبب في سقوط الأندلس وتبدد شعبها؟
  2. أم أن الأندلسيين أقاموا كياناً غريباً عما حولهم فكانوا كالجزيرة وسط بحر لم يحتمل ديناً غير النصرانية او شعباً غير الأوروبيين؟
  3. أم أن انفصال الأندلس عن بقية الوطن العربي حمل إليها بذور الفناء؟
  4. أم أن تلك الدولة ما كانت لتستمر قوية بعد أن ضعف الوطن العربي وتناهشته الشعوبية والمؤامرات وتكالب عليه أعداؤه من كل جانب؟
  5. أم أن الأندلسيين اخفقوا لأنهم كانوا مستعمرين، وكان عليهم الجلاء كما كان يحصل للانكليز والفرنسيين؟
  6. وأخيراً … ربما كان الوجود الاسلامي في شبه جزيرة آيبرية تجربة نمت وتقوّت واستمرت وعاشت، ثم هبطت وخارت وزالت؟

جميع هذه الأسئلة وغيرها، يجيب عليها كتاب (الأندلسيون المواركة) إجابة وافية وصادقة وأمينة، إضافة إلى سرد حقيقة قصة الأندلس المليئة بأخبار الانتصارات والهزائم، وسيرة شعبها الأول وقصص مقاومته التي استمرت عشرات السنين…

كتاب جديد … جدير بقراءته، جدير بالاهتمام به، جدير باقتنائه، فالحقيقية وإن وجدت داخل كتاب، علينا ان ننقبها ونصقلها ونخرجها من الظلمات إلى النور، لتبقى منارة وهدى.

صحيفة الفجر (أبو ظبي)، الأمارات العربية المتحدة:

صدر أخيراً بالقاهرة للزميل عادل بشتاوي كتاب “الأندلسيون المواركة” – دراسة في تاريخ الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، ويتضمن الكتاب 6 فصول بالإضافة الى باب خاص بأهم الأحداث الأندلسية والدولية، وحكام الأندلس، وأهم حكام الدويلات والممالك الشمالية، وشخصيات ومواضع معرفة وفصل خاص بالخرائط التوضيحية.

وهذا الكتاب صفحة جديدة لوضع نضال الأندلسيين ضمن إطاريه الدولي والمحلي، وتسجيل وقفتهم في وجه محاولات التذويب التي نظمها كارلوس الخامس وفيليب الثاني ومحاكم التفتيش ولدورهم في تقويض دعائم الأمبراطورية الإسبانية ورفع أعمدة التطور الحضاري والإنساني في أوروبا.

انقلاب : قصة قصيرة – عادل بشتاوي

عبرا الشارع إلى الحديقة خطفاً، واتجها نحو أكثر الزوايا ظلمة، لكن سناء توقفت فجأة وشدّت ذراعيها المتصلبتين إلى جسدها. كان في المكان ظلمة وستار لكن لم تكن الظلمة كافية ولا الستار. من نوافذ البيوت المحيطة بالحديقة والبلكونات سقطت خيوط الضوء كما شاءت، وشاء بعضها أن يحتل مكاناً قريباً من المقعد الخشبي العتيق الذي كان ينتظرهما بلهفة.

«يا ربي!» قالت بحرج، «يعني لازم الليلة؟»

«عندي دورة في الصحافة الرقميّة غداً لمدة شهر، إن لم يكن الليلة فمتى؟»

«عندما تعود، كلّها شهر.»

«أريد أن أتذكرك دائماً.»

«ألا تستطيع أن تتذكرني من دون هذه الرجرجة التي تطلّع الخلق والسوائل المرئية المسكوت عنها؟»

«يا ربي!» قال يقلّدها، «لو كنت أجرّك إلى المسلخ كان أهون، أنا لا أريد أكثر من تذكيرك دائماً أنك أنثى.»

نقزت سناء، «يي! تريد تذكيري أنني أنثى أم أن تتذكر أنك ذكر؟ انظر إليهما،» وقالت وهي تلفتُ عينيه إلى صدرها، «أنا أنثى بالتمام. صحيح أنهما لا يصرخان بالبنات في طريق الصالحية: انظروا إلى هذين التكويرين وموتوا بحسدكم! لكنهما محمولان على المحفة أمام كل الناس مثل العراضة.»

«عراضة، كما تشائين، ولو بالطول. اعتبريها تذكير بالمتعة في انتظار اليوم الموعود،» وأشار برأسه في اتجاه سرير ينتظر المستقبل، مثله.

نقزت سناء، «يي! متعة ماذا في حديقة عامة؟ أنا كنت مستمتعة بالبيت على الآخر. تلفزيون على اليمين بيعرض فيلم عربي، وكومبيوتر على اليسار بيعرض فيلم فرنجي، وفي النص استريو، وفي أيدي التلفون باتكاتب مع رفقاتي، وجنبي طنجرة بوشار. أكثر من هيك متعة شو في؟»

«أقصد متعة حقيقية مع شاب تحبينه ويحبك.»

تنهدت بحسرة، «يا حسرة؟ متعتك أنت معروفة، كلها شرشرة بشرشرة: على القميص، على البنطلون، على الجرابات، على السكربينة، على السجاد، على البلاط، يعني الواحد وين ما مشي بيتزحلق.  بعد ما شرفتنا وقت كانوا أهلي بره ضليت ساعتين وأنا مطوبزة على الأرض أمسح وأغسل. بعدين أربع ساعات وأنا عم استنى تخلص الغسالة وبعدها كوي، كوي، كوي. أنت شو حاطط تحت؟ طرنبة؟»

«اعطيني فاتورة وخلصيني من ها القصة، مبسوطة الآن. الآن تعالي!»

خلّصت يدها من يده، «تذكرتُ الآن الآن شيئاً كنتُ نسيته،» قالت وهي تنظر إلى الأسفل، «جاءتني العادة اليوم.»

«العادة عندك إدمان، كما يبدو.»

«يه، كيف؟ أقول لك والله العظيم، والله العظيم، والله العظيم أجت.»

فتح يديه، «ولو يا سناء، على مين؟ الأربعاء قلتِ لي إنها جاءت، نسيتي؟»

تصنعت محاولة التذكّر لكنها لم تبذل جهداً، «لا أذكر، لكن أحذرك من الآن، يمكن أن تأتي في أي لحظة.»

أشار إليها بيده، أي اتبعيني، ومشى أمامها يشجعها، «لا تقلقي، سأكون متأهبّاً طوال الوقت.»

«يا ربي!»

توقف والتفت إليها، «ماذا الآن؟ جاءت؟»

حركت رأسها، «لا، لكن انظر هنا!»

نظر ثم رمى برأسه إلى السماء، «بحص،» قال بصوت قريب من هسيس الثعابين المنرفزة، «لا شيء سوى البحص. هذه حديقة، ماذا تتوقعين؟»

خرج من حلق سناء صوت يصعب على الكاتب وصفه، ثم همست من بين أسنانها: «أعرف يا فهمان أنه بحص لكنّك تمشي فوقه مثل المدحلة. تريد أن يسمعنا بابا؟»

أدار أحمد جسمه بزاوية حادة على طريقة العسكر ونظر صوب بيتها، «بيتكم في المهاجرين؛ كيف سيسمع؟»

«أنت تعرف بابا أكثر مني؟ عنده حاسة سابعة اسمها سناء. إذا أمسكتَ يدي في عرنوس قفز من الكرسي واقفاً في المهاجرين. سيسمعنا ولو كنّا في المريخ.»

تزاحمت جمل في رأس أحمد تطالب بالتعبير الفوري عن الرأي فاختار ممارسة المشيئة الحرة وصمت. صمت لحظة ثم استدرك، «اسمعي يا حبيبتي، أنا لست ذاهباً إلى مقديشو بل إلى باريس وأنت تعرفين البنات هناك.»

«تهديد؟»

«بيان نوايا.»

«نواياك معروفة؛ بصراحة بصراحة كلها غير شريفة، ثم أنا لست على المزاج، وربما أتتني العادة في أي لحظة، وربما صار معي صداع قوي.»

مد ذراعه وراءها ودفعها أماماً برفق، «وربما انخسفت الأرض؛ لنعد إذاً. أنا لا أفهم كي ترضى شامية أصيلة مثلك على نفسها أن تكون أقل كرماً من الفرنسيات.»

وقفت فجأة وواجهته، «فشروا بنات فرنسا وبنات أوروبا كلها؛ يي! كيف تقول هذا؟ تعال!» قالت بتصميم وهي تشده من يده وراءها، «سأريك أن الدمشقيات أكرم بنات الدنيا.»

توقفت أمام المقعد القصي تحت شجرة نارنج قطّع صبية بعدد النجوم معظم أغصانها القريبة، وأجالت النظر حولهما تتأكد أنهما وحدهما في ركنهما، ثم جلست بهدوء على حافة المعقد. فجأة غيّرت رأيها، وقاست شبرين من الحافة وجلست.

فتح أحمد كفيّه ثم لاح برأسه متسائلاً.

وضعت سناء رأسها في جيدها وضحكت، أو فعلت شيئاً آخر، «أنا أعمل بنصيحة ابن عباس. هو قال أهل الكتاب لا يأتون البنات إلا على حرف وأنت كاتب فلا أجلس على حرف إلا على تخت الزوجيّة بعد الكتاب.»

رفع أحمد رأسه إلى السماء وضحك. اختار مكاناً قريباً منها فاستوقفته قبل أن يجلس. رفعت يدها في الهواء وقاست شبرين، ثم أومأت برأسها، أي أجلس هناك بلا زعرنة وقلة أدب.

نظر حوله، «كنت سأظنّ أننا وحدنا في هذه الحديقة المظلمة لكننا جماعة. أبوك معنا دائماً وابن عمك والآن ابن عباس.»

«وماما.»

أغمض أحمد عينيه وابتسم برضا، «أمك رائعة، كلما رأيتها تمنيت لو كانت أمي.»

رمت سناء يديها يميناً ويساراً وشهقت: «مجنون! إن كانت ماماك فهي ماماي، وهذا يعني يا عبقري أنك أخي وأنا اختك.»

قاس ابتعادها فوجده بالنظر أقصى من امتداد ذراعه، «أنت أكثر من أخت.»

شهقت ثانية: «كيف؟ يعني كل ما نفعله حرام؟»

«حرام كيف؟ مفسرون كثيرون أفتوا بعناق العشاق في الحدائق العامة بعد الثامنة والربع  ليلاً.»

نظرت تتفحصه فرأت البراءة في عينيه لكن لا على جبينه الذي تعرّق فجأة وعرّى رغبته، «مثل من؟»

رفع كتفيه، «كثيرون، المنفلوطي واحد منهم.»

أبعدت رأسها ونظرت إليه عن بعد لكنها لم تكن أكثر تأكداً مما كنت عليه عن قرب، «لا أذكر أنه اشتغل بالتفاسير.»

«ولو يا سناء، مجلده مشهور: تفسير العارفين تحت ظلال الزيزفين.»

«أذكر: زيزفون.»

«ذاك بالرفع، هنا بالخفض.»

رفعت إليه ذراعيها ونصبت صدرها، «إذا مسموح شرعاً، يلا! عانق على كيفك.»

تعانقا طويلاً، مرة على كيفه ومرة على كيفها، ثم قرّب فمه من أذنها التي كان الدم يغلي فيها مثل معقود البندورة، وهمس، «الانطاكي أفتى في تفسيره المشهور تزيين الأسواق في أخبار العشاق بجواز أكثر من مجرد العناق.»

«كيف؟ عناق السيقان المشلحات، مثلاً؟»

«تقريباً.»

«حلو كتير. وأنا قرأت في كشف الغطاء عن أسرار الغشاء للزنبركجي أن فاقدة الغشاء قبل ليلة زواج الاغشاء تأتي يوم القيامة وأصبعها الأوسط في أذنها.»

«ليس في الدنيا عدل ولا في الآخرة، يبدو. لماذا تُعاقب البنت على إسعاد شاب تحبه بإجبارها على وضع إصبعها الأوسط في أذنها؟»

«أين تريدها أن تضعه؟»

«في مكان مناسب.»

«اقترح عليها، أين، مثلاً؟»

مال يميناً وضحك طويلاً، ثم انبطح على جنب المقعد وأكمل الضحك.

نكزته بإبهامها في ظهره. لم يتوقف فلكزته، «أنا لو كنت مكانك كنت بكيت على حال البنات في الدنيا والآخرة. المقصود بالقول أكثرهن في النار يعني أنا ودينا وريم وسوزان وأختك مديحة وبنات الجيران وهذه المسكينة التي تضع اصبعها الأوسط في أذنها.»

ربّت على كتفها الذي انهدل فجأة، «كيف في النار؟ أنت في الجنة حتماً.»

رفعت كلا كتفيها، «طز، شو يعني؟ أنتو الشباب موعودون بالحور العين، يعني موعودون بنا نحن البنات. كل يوم لائحة جديدة لنا: أنتِ اليوم مع فلان وفلان وفلان، وأنتِ مع علان وعلان وعلان. الحال، إذاً، الحال نفسه: تحتكم في الدنيا وتحتكم في الآخرة، لا استشارة ولا استخارة ولا رأي.»

«إذا لم تكوني معي -»

«شش، شش، شش!» قالت بعدما سدّت فمه بيدها، «لك والله نسيت، وليّ عليّ. حبيبي! يا روح قلبي، إيدي بزنارك، إذا سألوك من هي الحور العين التي تريدها الليلة قل لهم «سناء وبس». ومو بس ليلة السبت أو الاربعاء، كل ليلة. لا تتفلسف وتقول ناتالي إيمانويل أو إيملي بلنت أو ايموجين بوتس أو سميّة أو عفريت. والله أزعل منك.»

«خلص؛ سناء وبس. إن اعترضوا سألتحق بك في النار.»

شعرت بدفء. تنفست بارتياح ومالت إليه. وضعت كفيها على خديه، ثم أسندت جبهتها إلى جبهته، «أنا أتصنّع البياخة وأتدلل واتغنج واشتغل بالمزاح لأنني لا أريد أن أبكي. إن لم تأتِ إلينا كل يوم أنا أذهب إليك. ماذا أفعل بنفسي في شهر بحاله؟»

جمع كفيّه وأسند سبابتيه تحت أنفه. كل ما قاله هو أيضاً لأنه لا يريدها أن تكون حزينة. وجودها معه في أي مكان يكفي. رؤية ابتسامتها تكفي. الاحساس بدفء جسدها ولو عن بعد يكفي. هو لم ينتبه لكنه انتبه الآن. كانت قدماها تتفاديان حصى الحديقة كما تتفادى راقصة الباليه البارعة نقاط المطر الهاطل من السماء. الفرق بين الجسد والطيف معروف، لكن ليس عند سناء. هي الطيف عندما تريد والجسد عندما تريد؛ هي الوقار المطلق عندما تريد والشقاوة المطلقة عندما تريد.

هبطت مشاعر ثقيلة على المكان فأثقلت قلباهما لحظات ثم بدأ يشعر باهتزازات خفيفة على المقعد. ظنّها تبكي فقلق والتفت سريعاً إليها فرآها عضت شفتها السفلى برؤوس أسنانها، ثم سوّت رأسها وأرخت عينيها، «قرأت في كتاب طبي لم أعد أذكر اسمه أن الشعر الطويل عند البنات يسبب حركة عصبية لا ينتبهن عادة إليها.»

«أين؟»

«هنا مثلاً،» قالت وهي  لا تزال تفتح ساقيها وتغلقهما.

ضحك. التقط يدها ووضعها إلى صدره ووضع يده الأخرى عليها. نقلت جسدها إليه ووضعت رأسها على كتفه، «سأقول لك شيئاً لم أقله من قبل»، همست وهي ترفع شفتيها إلى عنقه، «أنا بين يديك عارية حتى وأنا في ملابسي. أعفني من السوائل وأفعل ما شئت. عندك دقيقة بحالها فاستغلها جيداً.»

لم يكن متأكداً أنه يريد أن يفعل أي شيء. كما المسافرالذي لا يعرف لنفسه أي وجهة محددة، رأى نفسه على الرصيف ينتظر مرور السيارة فالأخرى لكنه لم يكن في حاجة إلى أن يقطع الطريق. الوقوف نفسه متعة. مجرد تبين الخطوط الحانية التي رسمت حدود شفتيها كان متعة. مجرد مراقبة صدرها يرتفع ويهبط مع تنفّسها كان متعة لا تحتاج إلى انتصاب من أي نوع.

لكنها كانت تنتظر. انتظر في خياله  مرور سيارة عسكرية في طريقها صعوداً إلى ثكنة عند الجبل، ثم خطت يده خطوتها الأولى في الطريق لكنه سحبها بسرعة.

في مكان ما جنوب الحديقة جلجل صوت انفجار ضخم المحيط الملتف حولهما، تلته أصوات انهيارات  متلاحقة.

ندلت سناء صدريتها من بين أيدي مخيلتها الراغبة، وهمست، «انقلاب؟»

حبس أحمد أنفاسه وحدّق في الظلمة البعيدة. أنصت لحظات قليلة، ثم أبعد يديها عن صدرها. «بقي شيء في سورية يستأهل انقلاباً جديداً؟ ربما اسطوانة غاز أخرى انفجرت في مطبخ أحد الدراويش.»

نفضت رأسها واستبعدت، «إنفجار إسطوانات الغاز أعرفه جيداً؛ هو في الحارة كل يوم تقريباً.»

«إذاً، صوت أبيك يرجم رجماً مثل آلهة الآشوريين.»

شهقت، «تظنّه يعرف؟»

«إذا كان من آلهة الآشوريين فهو يعرف حتماً.»

«بابا يستخدم ابن عمي مثل العصا. إن تأخرت هددني به، إن لم أكن الأولى في الصف هددني به، إن لم أكن على ركبتي أغسل وأمسح هددني به. اعتقد أنه يُعدّني نفسياً للقبول به. أحياناً أعتقد أن  نهايتي ستكون في سرير ابن عمي، هو فوقي وأنا تحته وأمه على اليمين تتفرج علينا وجارتكم أم عباس على اليسار وبين الاجرين وتحت التخت عشرة أولاد.»

وقف ومد إليها يده، «لا تقلقي. أنا الوحيد الذي سأكون فوقك إلى الأبد.»

«كلامي صحيح، إذاً.»

«أي كلام؟»

«حياة البنات كلهن نكح في نكح، في الدينا وفي الآخرة. اتساءل أحياناً ما الذي سنجده في الجنة ولا نجده على الأرض ونحن ننظر دائماً من تحت إلى فوق. لعل الوضع سيكون معكوساً في الجنة. إن كان معكوساً فتوقّع ألا ترى السماء ثانية واحدة لأنك ستبقى على ظهرك قرنين أو ثلاثة وأنا ألهث في وجهك مثل فتحة فرن المشروح يميناً وشمالاً.»

«أي نكح؟ أنا الوحيد من بين الأصدقاء لا تزال حبيبته عذراء.»

«إذاً صحيح أن أكثرهن في النار.»

شد أحمد شعره بعنف، «ييه علينا! كلامك بلا منطق. لو فكّرت قليلاً ربما وجدتِ أن السبيل الذي سيقود إلى النار هو السبيل الذي سيخلّصك من النار.»

لم تحك سناء رأسها وهي تفكر، على عادة الرجال، لكن القول استوقفها، «يخلص من النار كيف؟»

«ابن عمك، مثلاً. إذا قلتِ له: اسمع يا روح عمك: أنا أخذت حقنة ولم أعد عذراء، لن تري وجهه في حياتك.»

أومأت برأسها إعجاباً. «فكرة جهنميّة. الحقنة عندك جاهزة دائماً واصبعي الأوسط في أذني من الآن. أذهبُ معك أم تأتي معي؟»

«أبوك سيفتح باب غرفة النوم ويعزم علينا بالثلاثة ثم سيُغلق الباب ويهزج: جول، جول، بدنا جول؟»

نتست من بين أسنانها ونفت، «في بيتنا فراغ الليلة. كلهم عند تيته الليلة، طابخة له رز بفول، وجايبه فيلم لشادية. السهرة لنص الليل.»

قفز من جلسته واقفاً، «ماذا ننتظر؟»، ثم مد إليها يده.

وقفا قبالة بعضهما يتوعّدان بعضهما البعض ثم ضحكا معاً بصخب.

فجأة رمت نفسها عليه وهبطا أرضاً معاً.

كان وقع الانفجار الثاني صاعقاً فاهتزت الأرض تحت أقدامهما. حبسا أنفاسهما وانصتا. شاهدا أنواراً كثيرة في غرف كثيرة تُنار فجأة ثم تعود إلى عتمتها الاولى. رأيآ أشباح أشخاص خرجوا إلى شرفات ضيّقة وحملقوا في الشارع تحتهم ثم جروا إلى الهواتف وشاشات التلفزيون للاستفسار، لكن آخرين صاروا ينظرون إلى السماء البعيدة في انتظار أنوار حرائق، وبدأوا التنظير مع جيرانهم عبر البلكونات في الأسباب المحتملة.

اختفى الوهج المفاجىء من وجناتهما. أمالت رأسه في اتجاهها ونصبته بسرعة خاطفة، أي هيا.

 

2

 

قطعا الشارع الرئيسي ودخلا الجزيرة الخضراء وسط الدوّار. رسم أحمد طريقه: من أعلى الجزيرة كانا سيعبران الشارع الرئيسي بمحاذاة النهر حتى الجسر الكبير، ثم سيتجها شمالاً في الطريق إلى بيتها، فإذا أوصلها انقلب على عقبيه يساراً إلى بيته.

«اعتقد أسطوانة غاز،» قالت وهما يقتربان من بوابة الحديقة، «أسطوانتنا تحت الدرج الآن. هذه الدفعة الأخيرة من الاسطوانات التي استوردتها العيلة من موزامبيق قنابل موقوتة. لا تزورنا جارة إلا حذّرت منها؛ أما كانوا يختبرونها قبل توزيعها؟»

«لماذا يضحّون بأسطوانات الغاز لمجرد الاختبار؟ مرحلة الاختبار هي مرحلة التوزيع فتنفجر في مطابخ الناس ويحققون في الأسباب ويتلافونها، ثم يبيعون الاسطوانات بثلاثة أضعاف الثمن الآن.»

وافقته لحظة ثم خالفته، «يمكن، يمكن، لكن هذا ليس وقت طبخ. أنا متأكدة الآن أنه انقلاب لأن الصوت جاء من ناحية الأركان.»

استعاد أحمد صوت الانفجار، لكنه لم يكن متأكداً من مصدره، «كيف تعرفين؟ اصبعك كان في أذنك وقتها.»

«عندنا نحن الشاميّات حاسة خاصة بالانقلابات؛ نعرف أنها ستأتي قبل أن تأتي.»

«يعني مثل العادة الشهرية.»

«يعني، بس دمها أثقل. لو شافت عينك عساكر الجزيرة عند باب الجامعة بعد الانقلاب الأخير. رتل بيطلّع لقدام للفرجة على بزاز البنات ورتل جنبه بيطلّع ورا للفرجة على طيازهم، وكلهم رافعين آرمات «الجيش حماة الشعب» وحاطين فتحة محل الضمة. على راس كل رتل عريف ببلغ عريف الرتل الثاني من اللي بزازها حلوين أو طيزها محرزة، وفي رقيب ورا طاولة خشب تحت الشجرة فاتح سجل كبير قدامه ونازل تقييد بأيد وأيدو الثانية تحت طاولة الله يعلم شو عما يساوي فيها. كل ما فاتت بنت شافوها حلوة سحبوها على جنب وتكوّشوا حواليها وصار كل واحد يرفع رأسه فوق الثاني ويصرخ متل المسعور «لَكْ بّوس إجرك تجوزيني من شان الله.»

«منيح ها اللي ما اغتصبوهم.»

شهقت سناء، «لكْ والله الاغتصاب أسهل. لو تشوف البنت المسكينة حاطه أيديها على راسها وعم تولول وشخاخها بركة بين البساطير من الخوف. هَيْ كيف بتولد بعد هيك؟ والله لو ضلّت على ضهرها سنتين وشب نازل عليها من هون وشاب قايم من هنيك ما بيطلع منها صرصور.  ومو بس هيك. بعد يومين جابوا لنا دبابة صفرة فوّتوها جوا البوابة وحطّوها على الشمال جنب مكتب التسجيل. ابن الحرام اللي فيها كل ما شاف بنت جاية صوبه ما بيحلاله إلا يوجّه السبطانة هون،» وأشارت سناء إلى الفجوة بين فخذيها، «وبيضل يحرّك السبطانة يمين وشمال وفوق وتحت وين ما راحت، يعني على الهدف بالتمام. بس تقرّب عليه، كان ابن الحرام بيرفع السبطانة شوية شوية، وبس توصل عنده كتير بيرفع السبطانة بسرعة للسما، يعني شو؟ يعني شيته قد السبطانة وهللأ قام، وهات يا ركض من حلاوة الروح. لو كانت المسكينة في سباق المئة متر مع أبطال العالم كلهم كانت الأولى حتى وهي عم تغنّي: هذا أوان الشدّ يا سيقان فاشتدي   الوطن عـ راس بس الجيش من تحتي.»

«إذا كان في انقلاب الليلة، لازم نساوي اللي قلتُ لك عليه.»

رمت عينيها يميناً وتفحصته عن شمالها، «أي اقتراح، كل اقتراحاتك انتصابية، وأنا هللأ مو عالمزاج.»

«لا تغيّري رأيك. نذهب معاً إلى بيتكم  ونتدارس معاً شؤون الأمة وقضايا العالم الثالث، ثم نخرج زوج وزوجة، تقريباً.»

«يي! وين الكتاب والعرس والزفة وشهر العسل؟»

«هذا كله بعدين. الآن استطيع أن أشتري وثيقة زواج من مكتب رئيس الوزراء بخمسة آلاف ليرة على نسختين، واحدة لك وواحدة لي. إذا ذهبتِ إلى الجامعة واستوقفك العسكر ما عليك سوى إبراز وثيقة الزواج وسيتركونك في حالك، ما رأيك؟»

بحلقت في السماء ودارت برأسها، يعني هي مع شاب مجنون على حافة جبل أقرع، «يتركوني في حالي كيف؟ أنت بتعرف كيف بيفتشوا البنات عند المدخل؟ أول شيء بيقولوه: أرفعي أيديك فوق ولا تتحركي أبداً. بعدين بيجي العسكري رافع راسه متل الحردون وبيهزه متله تمام وعيونه مفنجرة هيك، وريالته عم تشر من دقنه متل الخروع، وبيأشّر هون على البزاز وبيسألها: شو في هون؟ البنت المسكينة بتستحي تقول وبتسكت. فيقول لها: شايفك ساكتة، شو مخبية؟ قنبلة انتحارية؟ البنت بتصير تصرّخ من الخوف مثل المجنونة: كيف لغم؟ صدر، والله العظيم صدر! بيقول لها: يعني ما في قنبلة انتحارية؟ بتقول وهي عم تبكي لا والله، صدر وبزاز بس. بيهز راسه يمين وشمال وبيقول لها: كل الانتحاريين اللي مسكناهم قالوا إن القنابل الانتحارية بزاز. لازم اتأكد. البنت المسكينة بتغمض عيونها وبتخليه يتأكد ساعة. وبعد البزاز بيصير  يدسدس من هون ويلحمس من هنيك ويحسس من هون ومن هنيك،” أكملت سناء وهي تشير إلى الأماكن المعنيّة، «يعني المسكينة، الله يعينها،  ما بتطلع من الطابور إلا وهي حاطة أيد من قدام وأيد من ورا وماشية متل الجاجة اللي هللأ باضت.»

«إذاً، سألغي الدورة وأذهب معك كل يوم إلى الجامعة إلى أن تهدأ الأوضاع،» قال وهو يمسك بيدها استعداداً لعبور الشارع.

نظرا معاً يميناً ثم نظرا معاً في اللحظة نفسها يساراً، لكنهما لم يعبرا الشارع. سمعا صخباً بعيداً يقترب منهما بسرعة، وما هي إلا ثوان إلا وخرجت إلي عينيهما من ظلمة نهاية الشارع طليعة رتل من السيارات العسكرية تبعه هدير عميق لدبابتين روسيتين، تلاهما رتل آخر من السيارات العسكرية المكشوفة غصت بحمل ثقيل من الجنود.

أعادهما الخوف داخل الجزيرة. ارتفعت مع اقتراب الرتل الأول أصوات الجنود الذين كانوا يهزون بنادقهم في الهواء ويهزجون:

 

باسم الأمة وباسم الدين

جينا نحـــــرر فلسطين

 

هدرت الدبابتان أمامها، وشعرت سناء براحة من القلب عندما لم يوجّه أياً من السائقين سبطانة دبابته في هدفها. الجنود في الرتل الثاني كانوا جلوساً، فيما وقف جنود على جانبي سيارات عسكرية أقدم كانت آخر الرتل، وقعد بعضهم فوق كوم كبير من خبز الصموّن العسكري في العربة الأخيرة.

كان الجالسون على الكوم أسبق من الباقين في رؤية أحمد وسناء. قفز اثنان منهم في اتجاه كابينة القيادة وراحا يطبّلان بقوة على السقف، «لك وقف، وقف!، في بنت حلوة هون.»

كانت السيارة تجاوزت أحمد وسناء بنحو أربعين متراً عندما توقفت أخيراً.

دس جندي قدميه في الفراغ بين حرف صندوق العربة والشبك فوقها، وصاح: «لَكْ بوس إجرك يا حلوة تجوزيني من شان الله.»

أمسكت سناء يد أحمد بحزم وصاحت: «آسفة يا حماة الوطن المغلي، أنا متزوجة على الآخر،» ثم رفعت ذراع أحمد عالياً.

انضم جندي آخر إلى زميله على حرف الصندوق وصاح، «ولك ما بيساوى بصلة، شوفي، شوفي، ولا عضلة بأيده، بس شوفي هون،» ثم رفع ذراعيه جانباً وشدهما ليبرز عضلاته.

قفز جندي ثالث وانضم إلى زميليه، «لا تقولي أنا لابس بدلة عسكرية مشرشحة وريحتي كيماوي ودقني متر، أنا باعجبك،» ثم غمز بعينه نحو الأسفل، أي في الفراش.

حاولت سناء رفع ذراع أحمد أعلى مما كانت عليه، فلم تجد في ذراعه بقية فوقفت هي على رؤوس قدميها ورفعت قامتها، «والله بعرف يا حماة الوطن المغلي، يا ريت، بس متزوجة.  شو بدي أعمل، قسمة ونصيب، يلعنها.»

«بسيطة،» صاح الجندي الأول بها، ثم التفت وراءه وصرخ، «ولك خليل! ناولني البارودة حدّك،» ثم عاد والتفت إليها، «لك والله تكرم عيونك يا حلوة، رصاصة واحدة وبيتكوّم على الأرض مثل الزلحفة اللي ماعستها دبابة وبخلصك منه. وبعدين بادخل عليكي وبنعيش في صبيان وبنات وبنخلف سبات ونبات وعجوة كمان، تكرمي.»

حملقت سناء في الجندي بذعر، ثم التفتت إلى أحمد الذي لم يكن أقل منها ذعراً. بطريقة شامية تعبيرية أصيلة تماماً حطت يديها على رأسها وولولت.

أسند جندي يديه على حافة مؤخرة الصندوق، ونزل. صاح عليه زميل بأن يساعده على النزول للانضمام إليه.

انتشلت حلاوة الروح أحمد وسناء من تسمّر الدهشة، فصهرا يديهما في يد واحدة.

قفزا قفزة أذهلت الجنديين اللذين كانا يعدوان في اتجاههما لاتساعها، ولم يفيقا من الذهول إلا وكانت سناء وأحمد ولجا الشارع الشمالي واختفيا في الظلمة.

 

3

 

قعد أحمد على الدرجة الوسطى خارج شقة سناء وسعل ولهث في آن. لم تكن الجلسة مريحة فوضع رأسه إلى الدرجة العليا وصار يشهق الهواء بفمه.

رفع عينيه فرأى وجه سناء فوقه مباشرة.  «أنا أقول لنفسي من الآن: يا مشحّرة ستأتين يوم القيامة واصبعك في أذنك مع أن الغشاء لم يتزحزح من مكانه.»

خرج من صدر أحمد لهاث أصوات لم يفهم بعضها على بعض فلجأت بنفسها إلى سناء التي فهمت من تقبّض وجهه أنه لم يفهم. «يعني إذا كنتَ لا تستطيع صعود الدرج فكيف ستستطيع،» ثم أمالت رأسها خلف الباب المغلق وغمزته بمعنى.

تنفس أحمد عميقاً، ثم عدل جلسته وربّت لها على الدرجة إلى جانبه.

جلست على حرف الدرجة ثم زلقت مؤخرتها بهدوء وابتعدت عن حرفها قليلاً، وضحكت، ثم زلقت نفسها والتصقت به.

انفرجت شفتا أحمد بحركة تشبه الابتسامة، «كأنك جادة؟»

نظرت إلى مكان أمامها لم يكن حيث نظرت، ثم أومأت، «بيتنا لا يفرغ إلا ليلة واحدة في السنة؛ هذه فرصتنا. إذا كان عندك حيل، أنا عندي مَيل.»

لم يسمع منها شيئاً مثل هذا من قبل ففكر سريعاً واستخلص أنه ربما كان السبب، «كنت أمزح، يا سناء. حبي لك كبير لكن احترامي لك أكبر، تعرفين هذا.»

رفعت كتفيها، «أعرف، طبعاً أعرف، لكن الاحترام في التخت أكل هوا. يعني شو بدك تقول؟ اقلبي إذا سمحتِ يا آنسة سناء؟ هيك ما راح اقلب ولو طلع خلقك من منخارك. بدها أوامر: اقلبي! وانتهينا. تنفيذ فوري مثل العسكرية. نفذ ثم اعترض لكن بعدين كثير.»

ثبّتت رأسها الذي راح يهتز من الضحك، ونظرت في عينيه طويلاً كأنها تتأكد للمرة الأخيرة، «أنا لا أمزح. أنا فعلاً مستعدة،» ثم وقفت ومدت يدها إليه توقفه لكي يدخلا معاً.

التقط يدها، ثم شدّها إليه وأجلسها، «قولي لهذا العقل داخل هذه الجمجمة الجميلة أن يُفهمني ما الذي يفكر به حقاً.»

صمتت وفكّرت، «لا أعرف تماماً. البنات غير الشباب. في حالات مثل التي رأيناها قبل قليل يخرج من داخلي صوت يحضني على الهروب فأهرب. أنتم الشباب تفكرون بالهروب مثلنا لكن أحياناً تفكرون بالمواجهة لأسباب لا تعرفونها. المواجهة لا تجدي. معظم الجنود بسطاء ليس لهم دور يعرفونه فيصدّقون ما يقوله ضباطهم، لكن دمشق مدينتي لا مدينتهم أو مدينة الضباط والعيلة. ولدتُ فيها وسألد أولادي فيها وستكون مدينتهم من بعدي ومن بعدك. معقول يا أحمد؟ معقول أن نكون في شارع لنا في مدينة لنا في وطن لنا فيحدث لنا ما حدث؟»

«لم يحدث شيء. هل تعتقدين أنني كنت سأسمح لهم حتى بمجرد لمسك وفيَّ حياة؟»

حرّك الأسى رأسها يميناً وشمالاً، «حب البنات ليس مثل حب الشباب، لهذا لا تفهمني أحياناً. إذا خيّروني بين موتك وبين اغتصاب فصيلة كاملة لي طبعاً سأختار الاغتصاب من دون أي تردد. لماذا  أريد أن أبقى حيّة، إن كنت ستموت، لا سمح الله. لم يحدث شيء لأنني هربنا. بين البنات أشياء لا تُقال للرجال. ست من رفيقاتي في الجامعة أسررن لي ولصديقات مشتركات معهن أن ضباطاً في المخابرات اعترضوهن في نهاية شارع الجامعة ثم نقلوهن إلى مراكز أمنية وتداورا عليهن. لم يعطوهن في النهاية حتى محرمة كلينكس لمسح الدم والوسخ. بعد كل ذلك تهديد: إن قالت لأهلها شيئاً سيعتقلون أباها ولن تراه ثانية. بنت سابعة تنفي بالكلام أن يكون هذا حدث لها لكنها تعترف بدموع تشر من عينيها من دون أن تنتبه. هذه أشياء تُحدث شرخاً دائماً في العقل. مهما حاولت لن تستطيع النسيان. يوماً ما يمكن أن تفكّر بتدمير نفسها وأسرتها معاً.»

رجف فجأة، «معقول؟»

«أنا أقول لك الصدق، هذه قصصهن. أحياناً لا أريد الذهاب إلى الجامعة، وإذا ذهبت لا أريد الخروج. كلما مرت سيارة سوداء إلى جانبي ارتجف. هذا انقلاب جديد سيحدث فيه ما حدث في الانقلابات الماضية. ضباط جدد سيأتون  وسيريدون أن يسرقوا بأسرع وقت ممكن، وينكحوا بنات الناس بأسرع وقت ممكن قبل أن يطيح بهم انقلاب جديد.»

بصق أحمد في الليل أمامه، «أنا أسمع قصصاً مثل هذه طول الوقت، خرا على هيك وطن. عند معظم الناس وهم أن فلسطين هي الوحيدة المُحتلّة. لو نظروا حولهم لاكتشفوا أن دول العرب جميعاً محتلة. هل يغتصب الاسرائيليون بنات عرب فلسطين وهن خارجات من الجامعة؟ دمشق ستعود مدينتنا ومدينة أولادنا يوماً لكن ليس الآن. الآن هي، مثل الوطن كله، مدينة العسكر والمخابرات والمغتصبين واللصوص.»

أرادت أن تضيف شيئاً لكن لم يعد له لزوم. وقفت ومدت له يدها بحزم، «تعال. إذا حدث لي ما حدث لهن أريد أن أرى الدهشة على وجوههم عندما يكتشفون أنني لست العذراء التي حلموا باغتصابها.»

هز رأسه بعنف ورفض.

«ييه! تريد منّي أنا سناء بنت اسماء أن أترجاك على قص شريط بكارتي؟»

نفض يديه، «ييه! هذا ليس وقته. وماذا يحصل إن عاد أبوك فجأة؟»

رفعت كتفيها ومطت شفتها، «يحصل اللي يريده أن يحصل. بكارتي وليست بكارة خالته. هو لي وأنا صاحبة القرار، وأنا أقررت أن أهديها لك طوعاً لا للمخابرات قسرا.»

«سناء! في البلد انقلاب، هذا وقت مزاح؟»

وافقته، «حسناً، إذا دهمنا سماحة البابا سنعترف له معاً أننا نحرر فلسطين.»

رفع رأسه، «لا! ستولولين وستبكين وستقولين له إنني غررت بك ولم تنتبهي إلى ما حدث إلا بعدما حدث.»

«يه! طبعاً سأولول وأشر الدموع وسأقول إنك غررت بي ولم أنتبه إلى ما حدث إلا بعدما حدث، لكن تمثيل في تمثيل.»

نفى برفعة رأس أخرى، «لم اقتنع، ثم كيف سنحرر فلسطين على التخت؟»

شمّت سناء الهواء عميقا، «المكان الوحيد لتحرير فلسطين هو على جبهة التخوت. ستظل بنات العرب يُخرجن الأولاد بالجملة حتى تمتلأ الدنيا بها ولا يبقى لليهود مكان فيعودون إلى ألمانيا واميركا لوحدهم. إذا عادوا لن يكون للعسكر لزوم فتتحرر دمشق من جيشها الوطني المحتل أخيراً وتصبح الثكنات متنزهات وحدائق للأطفال.»

انتظرت لكنّه لم يقل شيئاً، «لم تقتنع بعد؟»

رفع رأسه إليها ورفع حاجبيه، ثم حرك رأسه يميناً وشمالاً زيادة في تأكيد عدم الاقتناع.

اقتربت من وجهه وتصفحته، ثم نأت بجسدها ونظرته من بعد. اقتربت من إذنه وهمست، «أغمض عينيك.»

أغمضهما.

«اقتنعتَ الآن؟»

تحسس دفء شفتيها العالق على شفتيه، «في الطريق، في الطريق.»

«والآن؟»

«اقتنعت.»

فتحت سناء الباب لكنها استوقفته فجأة، «أحاول أن أتخيل ما الذي قصده ابن عباس بالاتيان على حرف؛ عندك فكرة؟ يمكن فيها بَرَكة.»

 

لا لتطهير القضاء المصري كاريكاتير

الموريسكيون والبحر الأبيض المتوسط في القرنين السادس عشر والسابع عشر

study_small

صور أندلسية وإسبانية وتونسية تاريخية وحديثة

الصورة إلى اليسار لثلاث قرى في وادي البوقيرة وفي الأعلى جبل شلير وجبل الثلج وهذه كلها كانت ساحات المعارك بين الأندلسيين في القرن السادس عشر. الصورة من تنزيل Uploaded by Bergerie

expulsion_moriscos

لوحة تصوّر إخراج الأندلسيين الجدد (المريسكيين) من بوابة بلنسية

الأندلسيون ومحاكم التحقيق (نص طويل)

القسم الرابع من الجزء الرابع

الأندلسيون ومحاكم التحقيق
كانت الملكة إيزابيلا كاثوليكية في كل شيء وكانت تجلّ البابا وتنصت له باهتمام وخشوع لكنها لم تكن راهبة في دير. ونجد أن إيزابيلا وحفيدها كارلوس الخامس وحفيد حفيدها فيليب الثاني وحفيد حفيد حفيدها فيليب الثالث استمعوا دائماً إلى الكردينالات جيداً ووضعوا مصلحة الكاثوليكية في مرتبة عالية لكن كان عليهم في النهاية أن يتصرّفوا كملوك مسؤولين أمام الملوك الآخرين وأمام الشعب وأمام النبلاء، وأن يحافظوا على التوازنات القائمة، وأن يأخذوا مصالح مراكز القوى كلّها في الاعتبار. وإيزابيلا الكاثوليكية الورعة لم تكن خادمة للبابا إلا في رسائلها، وربما شعرت بعد تحقيق انتصارها على غرناطة أن البابا مدين لها لا العكس. وإذا أخذنا في الاعتبار الأموال الهائلة التي وفرتها البابوية لتحقيق الانتصار على غرناطة فلعلنا نقول إن إيزابيلا هي التي استغلت حاجة البابوية إلى إحراز تقدم على الجبهة ضد الإسلام. وكانت إيزابيلا ككاثوليكية تقبّل يدي البابا وقدميه إلا أنها تقف في وجهه كملكة وتمنعه من ممارسة صلاحياته في تعيين أساقفة لا تريدهم على غرار ما فعله ملوك قشتالة على مر العصور. ونجد في تاريخ قشتالة عدداً من الأمثلة على ذلك منها اعتراض إيزابيلا عام 1478 على الأسقف الإيطالي الذي اختاره البابا لمنصب أسقف مدينة قونقة. وردّ البابا على هذا الموقف بابقاء المنصب شاغراً اربع سنوات قبل أن يرضخ لرغبتها ويُعيّن أسقفاً اختارته إيزابيلا. وعاد البابا بعد ذلك فاقترح عليها تعيين ابن اخته رئيساً لأساقفة إشبيلية لكنها رفضت هذا الطلب أيضاً. وصحيح أن البابا سيكستوس الرابع هو الذي وافق على إنشاء محكمة التحقيق في قشتالة لكنّه لا بدّ أن يكون ندم بعد ذلك لأنه لم يحفظ خط الرجعة عن طريق الإصرار على فرض آرائه على عمل المحكمة فتركها أداة تستخدمها إيزابيلا كما تشاء، ووضعت ملكها وسلطتها ونفسها في مكان متقدم سبق الكاثوليكية والبابوية بل جيّرت بعض سلطة الكاثوليكية والبابوية لصالحها.

وإذا كانت إيزابيلا قادرة على رفض مطالب البابا فإن ما لم تستطع رفضه هو مطالب النبلاء، أركان مملكتها، الذين وفّروا القسم الأكبر من آلة الحرب ضد غرناطة. ففي تلك الاثناء لم يكن حتى الملوك الكبار قادرين على الاحتفاظ بجيش كبير. وعندما تنشب حرب ما فإن كل نبيل ودوق وكونت مشارك يتعهد بتقديم عدد معين من المشاة أو الفرسان ويكون له سهم من الغنائم والأسلاب. وكان هؤلاء النبلاء تواقين إلى إشعال الحرب مع غرناطة لأنّ الحرب كانت أهم السبل وأسرعها إلى جمع الثروة والجاه والمناصب الرفيعة. ولما انتهت الحرب وحل السلام سعى هؤلاء إلى جمع ثروتهم من انتاج الأراضي التي اقطعتهم إيزابيلا إياها، وكان عليهم استخدام الأندلسيين لهذه الغاية، لذا كان من شأن الاستمرار في الضغط على الأندلسيين الحاق الضرر بالنبلاء. وهكذا تغلبت مصالح إيزابيلا الملكة على مصالح إيزابيلا الكاثوليكية وقاومت إغراء اقامة محكمة للتحقيق في غرناطة ومنعت عمالها في حالات كثيرة من التدخل في شؤونهم.

وكانت قشتالة في الطريق إلى أخذ دورها الكبير في أوروبة عندما انفتحت بوابة الكوارث الشخصية على إيزابيلا ففجعت بابنها الوحيد وبقيت ابنتها كاتلينا حبيسة الأديرة في انكلترا وماتت ابنتها إيزابيلا خلال الوضع وفقدت ابنتها خوانا صوابها، وفقدت إيزابيلا حفيدها ميغيل. وهكذا عاشت إيزابيلا سنواتها الأخيرة في شقاء وحزن شبه دائمين وماتت كئيبة مغمومة عام 1504. وقاوم فرناندو تسليم مملكة زوجته إلى فيليب (الوسيم) زوج ابنته خوانا ثم اعترف به ملكاً جديداً على قشتالة لكن فيليب ابن أمبراطور النمسا ماكسيمليان مات عام 1506 فآل إليه عرش قشتالة من دون أي معارضة. ووجد فرناندو نفسه فجأة ملكاً شرعيّاً على كل شبه جزيرة آيبرية باستثناء البرتغال. وكان يستطيع الآن تخطيط مستقبل البلاد في الصورة التي يريدها لكن كان عليه في الوقت نفسه موازنة مصالح مملكته الأرغونية الأصليّة مع مصالح قشتالة خوفاً من أن يثير استياء مراكز القوى فيها خصوصاً النبلاء والكنيسة ومحاكم التحقيق التي بات خيمينس وقتها محققها العام. إلا أن خيمينس كان أيضاً أهم رجل في الكنيسة القشتالية فجمع أطراف السلطتين بيده وتخطت أهميته حدود آيبرية فبات في المرتبة الثانية بعد البابا نفسه. وانتقلت محاكم التحقيق في عهد خيمينس إلى قمة جديدة فقسم البلاد إلى عشر مقاطعات شكّل في كل منها محكمة، ووضع على رأسها محققاً من اختياره. وكان لخيمينس حساب لم يتمكن من تصفيته بعد الثورة الأندلسية الأولى التي تسبب بقيامها، واعتقد بعد استلامه منصب المحقق العام أن الوقت حان، وأراد أن يقيم فرعاً للمحكمة في غرناطة غير أن الملك فرناندو تدخل وكفّ يده عن الأندلسيين في غرناطة متابعاً بذلك النهج الذي اختطته زوجته قبله وللأسباب التي تقدّم ذكرها. وفي عام 1508 أصدر فرناندو مرسوماً أعاد تأكيد المحظورات على الأندلسيين الغرناطيين وشدّد على ضرورة توقف هؤلاء عن ارتداء ملابسهم الأندلسية غير أنه منحهم مهلة سنة ثم سنة اخرى. ولم تعمل السلطات على تنفيذ بنود هذا المرسوم لأن السلطة الأولى المسؤولة عن ملاحقة المخالفين وتوقيع العقوبات بحقهم (أي محاكم التحقيق) لم تكن موجودة في غرناطة. وحاولت محكمة التحقيق في قرطبة، التي كانت الأقرب إلى غرناطة، مدّ صلاحياتها إلى أطراف غرناطة لكن فرناندو حظر ذلك أيضاً.

وعلى رغم المكانة الكبيرة التي تمتّع بها خيمينس لم يستطع معارضة فرناندو، ولم يجد في غرناطة مسرحاً مناسباً لتحقيق طموحاته الصليبية فتبنّى توصيات إيزابيلا بنقل الحرب إلى الإسلام في العدوة لإضعاف قدرة أهلها على تهديد قشتالة وفق الاستراتيجية القائلة إن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. ونظّم خيمينس بالفعل حملة كبيرة على وهران عام 1509 انفق عليها من عائدات بيع صكوك الغفران لتمويل الحملات ضد الإسلام، وذُبح في تلك الحملة بين خمسة آلاف وثمانية آلاف شخص، ثم أسس هناك عام 1515 أول محكمة للتحقيق على أرض إسلامية.

الأندلسيون واللوترية (البروتستانتية)

عاش خيمينس السنة الأخيرة من حياته وهو يعتقد أن الإسلام أهم خصوم الكاثوليكية القشتالية. لكن الخطر الأكبر لم يأت من المغرب ولا من الأندلسيين بل من كاثوليك مثل خيمينس الذي لم يكن موجوداً للتصدي له. فقبل ثمانية أيام من موته علّق استاذ العلوم اللاهوتية التوراتية في جامعة مدينة فيتنبرغ Wittenberg مارتين لوتر (لوثر) على بوابة كنيسة قلعة فيتنبرغ لائحة احتوت 59 أطروحة للمناقشة حدّد فيها اعتراضاته على صكوك الغفران. ولم يكن لوتر الراهب الكاثوليكي وأحد أهم الدعاة في ألمانيا يقصد من تلك الأطروحات شق الكنيسة ولا الحديث عن فساد الكنيسة الكاثوليكية لأنه كان لا يزال كاثوليكياً ورجلاً من رجال الكنيسة، غير أن نشرها في تلك الفترة بالذات شجّع بعض الألمان على توجيه انتقادات إلى سلطات البابا كاستمرار للصدام الذي نشأ بين الملوك الألمان والباباوات منذ نهاية القرن الحادي عشر. واتسع نطاق هذه الانتقادات مع الزمن فشملت السلطات البابوية الدينية والزمنية، ثم شرعية البابوية نفسها وأدت إلى انفجار صراع ديني دموي رهيب انتهى بأحداث شرخ في الكنيسة الكاثوليكية أهم من الشرخ الذي حدث بين الكنيستين الغربيّة والشرقية قبل نحو خمسة قرون من ذلك في مكان آخر هو القسطنطينية.

وعكس لوتر مشاعر استياء رجل الشارع الألماني عندما انتقد في 13 تشرين الأول (اكتوبر) عام 1517 تسويق صكوك الغفران مما يفسّر التأييد شبه الفوري الذي حظيت أطروحاته به. فخلال تلك الفترة كان الألمان العاديون يعانون ضائقة مالية سببها جشع التجار المحليين الذين رفعوا الأسعار، وانتشار الأزياء الأجنبية ذات التكلفة العالية في البلاد مما أثّر في الصناعة الوطنية. وجاءت صكوك الغفران فامتصّت جزءاً من السيولة فاتسع نطاق الإستياء الذي ظل مع ذلك مخنوقاً لأن إظهاره كان يعني انتقاد البابوية وبالتالي الكاثوليكية التي كانت مذهب الألمان حتى تلك الفترة. ووجد لوتر نفسه آنذاك في وضع فريد إذ مكّنه تعمّقه في دراسة أصول المسيحية من ملاحظة الاختلاف بين حال الكاثوليكية آنذاك والحال الذي كانت عليه النصرانية في بداية انتشارها، كما وجد اختلافات في الترجمات الكثيرة التي أعدّت للعهدين القديم والجديد.

وفي زمن لوتر كانت الترجمة “الرسمية” الوحيدة للعهدين القديم والجديد التي اعترفت بها الكنيسة الكاثوليكية هي ترجمة لاتينية عن اليونانية عُرفت باسم Vulgate، أي النسخة الشائعة. ولا تعكس هذه التسمية واقع حال أوروبة لأن تلك النسخة لم تكن في الواقع شائعة إلا في الكنائس والأديرة وبين فئات محدودة جداً من المتعلمين الذين اتقنوا اللاتينية وربما لم يتجاوز عدد هؤلاء واحداً من بين كل عشرة آلاف شخص. وفي البداية كانت التوراة بالعبرية لكن يهوداً كثيرين كانوا ينطقون بالآرامية فوُضعت ترجمة للتوراة بالآرامية اسمها Targum، أي “الترجمة”. وعندما مات الإسكندر الأكبر أسس أحد قواده (بطليموس) مملكة في الإسكندرية وبنى مكتبة كبيرة أعد فيها نحو 70 عالماً لاهوتياً عبرانياً ترجمة لقسم من التوراة إلى اليونانية الدارجة آنذاك هي المعروفة باسم Septuagint، أي ترجمة السبعين، وأتم من جاء بعدهم ترجمة التوراة. ومع استمرار انتشار النصرانية تطورت حاجة إلى إعداد ترجمات أخرى في القرن الثاني للميلاد منها ترجمة إلى السريانية التي هي احدى اللهجات الآرامية، وترجمة إلى اللاتينية التي كانت لغة الرومان. وفي عام 504 أتمّ القديس جيروم، بناء على تكليف سابق من البابا دماسوس الأول (366-384)، ترجمة باللاتينية للعهدين القديم والجديد عاد خلال إعدادها إلى ترجمات سابقة. واعتمدت البابوية تلك الترجمة منذ ذلك الوقت واعتبرت الباقي نحلاً، وسرى هذا الاعتبار في ما بعد على الإنجيل الذي ترجمه لوتر إلى الألمانية عام 1517 وعلى إنجيل (القديس) برنابا الذي كان يهودياً قبرصياً اهتدى الى المسيحية ورافق بولس مبشراً.

ومنذ الاعتماد البابوي لتلك الترجمة نُشرت عشرات الترجمات بلغات كثيرة للعهدين القديم والجديد توخّى بعض المترجمين فيها تنقيتها من الأخطاء الموجودة في النصوص الأولى اعتماداً على توسع المعرفة باللغات القديمة. وجاء لوتر في بداية القرن السادس عشر فأحدث ثورة دينية وأدبية كبيرة عندما ترجم العهد الجديد إلى الألمانية، وبات في استطاعة مواطنين عاديين لا يعرفون اللاتينية قراءة الانجيل بلغة يعرفونها للمرة الأولى. وأشرك لوتر بتوفير تلك الترجمة الناس في ما بعد في الحوار الدائر في شأن طبيعة مهام البابوية، وكان في إمكانهم أن يلاحظوا أن الأنجيل لا يتضمن كثيراً من الطقوس والممارسات الشائعة في الكنيسة الكاثوليكية وليس فيه ما يسوّغ عملاً مالياً مثل تسويق صكوك الغفران لمحو الخطايا.

ولا نعرف متى طرحت البابوية أول صك غفران ولا سببه، غير أن الهدف من الصكوك الأولى كان مساعدة المذنبين على سلوك طريق سريع لغفران بعض ذنوبهم. وقبل تطوير فكرة بيع الصكوك كانت الكنيسة تقضي على المذنب الذي يعترف بذنوبه الذهاب إلى الديار المقدسة للحج أو المساعدة في بناء كنيسة أو دير أو الصيام والتقشف فترة معلومة وفقاً لطبيعة الذنب المُرتكب، وصار في إمكان هؤلاء بعد ذلك شراء صك الغفران. ويبدو أن دفاتر حسابات تسويق صكوك الغفران قبل عام 1509 اختفت لذا لا يعرف أحد قيمة كل تلك الصكوك لكن بعض التقديرات تعطي فكرة عن قيمتها الهائلة. ففي عام 1487 مثلاً سوّق عدد من الذين خولتهم البابوية القيام بهذا الجهد، بمن فيهم الحكومة القشتالية، صكوك غفران بابوية يُعتقد أن قيمتها وصلت إلى 800000 دوقة ذهبية استخدم معظمها للإنفاق على الحرب ضد غرناطة. وخلال السنوات الأولى من الحرب طلبت إيزابيلا من البابا سيكستوس الرابع زيادة جهود تسويق الصكوك وتيسيرها فأصدر صكوكاً ذات قيمة متدنية وصلت أحياناً إلى ريالين فضيين وأحياناً أقل من ذلك لذا بات في متناول حتى الفقراء شراء هذه الصكوك. كما عمل سيكستوس الرابع على تنويع الغفرانات في هذه الصكوك فباتت تضمّ لائحة طويلة من الذنوب المشفوعة، وجرى في ما بعد صرف وصول استلام تثبت استحقاق مشتري هذه الصكوك أنواع الغفرانات التي مُنحت له.

ومع مرور الزمن صارت صكوك الغفران واحدة من أهم مصادر التمويل المُتاحة للبابوية، وبدأ بعض مُسوقي هذه الصكوك يبالغون في الغفرانات لزيادة التسويق عن طريق إقناع المشترين بأنها يمكن أن تضمن لهم مكاناً في الجنة. وفي عام 1515 خوّل البابا ليو العاشر رئيس أساقفة مدينة مينز Mainz الألمانية المدعو ألبريشت بيع صكوك الغفران للصرف على صيانة كنيسة القديس بطرس في روما فكلّف شخصاً يدعى يوهان تتسل Tetzel عملية التسويق فصار يقول للناس إن الصكوك التي يبيعها تعفي المذنبين المعترفين من العقاب وتطلق الأرواح من النار. وسمع لوتر ادعاء تتسل فبعث إلى رئيس الأساقفة رسالة احتجاج ضمّنها أطروحاته. واستند لوتر في أطروحاته إلى أن دفع المال للتخلص من الذنوب يصرف الناس عن طلب التوبة الخالصة للذنوب المرتكبة ويمكن ان يساعد على ارتكاب المزيد.

وفيما عكفت البابوية على دراسة الاطروحات بدأ بعض الألمان توسيع نطاق الخلاف فشمل بعض صلاحيات البابا. وتطور انتقاد تسويق الصكوك إلى حركة ضد السلطات البابوية الزمنية، ثم صارت اللوترية حركة أصولية نصرانية نادت بالعودة إلى نقاء النصرانية الأولى والرجوع إلى تعاليم العهد القديم ونبذ البدع التي دخلت على الدين. وظل لوتر في البداية مصراً على أن انتقاده محصور بتسويق صكوك الغفران ولا يشمل البابا. لكن الفرق بين البابا والكاثوليكية لم يكن واضحاً آنذاك فالبابا رأس الكاثوليكية وانتقاده انتقاد للكاثوليكية لذا فالأطروحات هرطقة تجب محاربتها بكل الوسائل وصاحبها “مهرطق” يجب ألا يبقى كاثوليكياً.وحاولت الكنيسة حتى اللحظة الأخيرة احتواء الخلاف فتشدّد لوتر في مطالبه واقترح اختصار أركان الطقوس الكاثوليكية السبعة إلى اثنين فقط هما التعميد والمناولة. ولم يحتمل البابا ليو العاشر هذا الوضع فلعن لوتر في كانون الثاني عام 1521 وحرمه من الكنيسة.

وجاءت ولادة الحركة اللوترية فيما كارلوس الخامس يعزّز ممالكه الأوروبية، ووجد نفسه يتصدى للوتر بوصفه أمبراطوراً على ألمانيا وهولندا وأمبراطوراً رومانياً مقدساً (تنصّب عام 1519) وأهم زعيم سياسي في بلاد الكاثوليكية. وحاول كارلوس التوصل إلى حل توفيقي لهذه المشكلة فأعطى لوتر الإمان من الاعتقال واستدعاه للمثول أمام محفل فورمز Worms في ألمانيا الذي عقد في نيسان (إبريل) عام 1521 برئاسته، وأمره بسحب أقواله واطروحاته. وعرف كارلوس أنه ارتكب خطأ كبيراً بدعوة لوتر بعد دقائق من إعطائه الفرصة للكلام، وسنجده يندم على تلك الخطوة بقية حياته.

لكن التراجع في المحفل لم يعد ممكناً وكان عليه الانصات إلى لوتر وهو يشرح مبدأه القائم على أن الدين في نظره يضع الإنسان مباشرة أمام الخالق، وبأن الله يجعل المؤمنين أخياراً من خلال عطفه عليهم، وبأن خلاص الناس ينبع من الإيمان بالمسيح الذي يوجد فيه فقط الصلاح الكافي لتحقيق الخلاص. وبعدما قدّم لوتر أسباب تبنيه هذا المبدأ قال للمحفل: ”ما لم أكن مقتنعاً بشهادة الكتاب المقدس أو بسبب واضح (لأنني لا أثق بالبابا ولا بالُمجمعات الكنسية ومعروف جيداً أنهما غلطا مراراً وناقضا نفسيهما)، فأنني ملتزم عهدي بالكتاب المقدس الذي اقتطفت منه وضميري أسير كلمة الله. لذا لا استطيع سحب أي شيء ولن أسحب أي شيء فليس سليماً ولا صحيحاً مخالفة ضميري“.

وأعطى كارلوس لوتر بعض الوقت لمراجعة نفسه، ولما وجده متشبثاً بآرائه أحل دمه ونادى بقتله في سائر ممالكه. وكانت شهرة لوتر ذاعت وقتها والتفّ حوله الناس فخشي أمير ساكسون الألماني فريدريش الملقب بـ”الحكيم” من ثورة الناس عليه إن قتل لوتر أو سلّمه فآواه وحماه. وهكذا وجد لوتر نفسه يقود هذه الحركة الإصلاحية ضد ممارسات البابوية 25 عاماً حتى موته عام 1546. ولا علاقة لكلمة “بروتستانت” بمبادىء لوتر الإصلاحية إذ استخدمت هذه الكلمة للمرة الأولى في محفل عُقد في مدينة شبير Speyer الألمانية عام 1529 “احتج” الأمراء الألمان المساندين للوتر خلاله على الضغوط التي كان كارلوس الخامس يمارسها عليهم للتخلي عن مساندة لوتر. ولم تكن اللوترية حتى ذلك التاريخ وضعت أسس حركتها الدينية التي ولدت بعد عام من ذلك في محفل أوغسبرغ Augsburg عندما قدم إليه فيليب ميلانشتون وثيقة اللوتريين التي عُرفت باسم “اعتراف أوغسبرغ” فاتسع نطاق الخلاف مع الكاثوليكية ليشمل معارضة التبتل وإكرام القديسين والقدّاس وغيرها. وأضافت جماعات إصلاحية مبادىء أخرى إلى اللوترية مثل وقف تعميد الإطفال وتعميد البالغين بدلاً من ذلك (الحركة المُضادة للتعميد Anapaptist). ومن أشهر الكنائس التي تفرّعت من البروتستانتية تلك التي اعتمدت مبادىء المصلح الديني الفرنسي الأصل جان كلفين (1509-1564). ووضع كلفين واحداً من أهم كتب الإصلاح الديني هو “الأسس المسيحية” فصار يُعتبر من أهم اللاهوتيين المصلحين الذين عرفتهم الكنيسة، كما أسس حكومة ثيوقراطية في جنيف وكثر أتباعه في انحاء متفرقة من فرنسا حيث يُعرفون هناك باسم “أوغنو” Huguenots.

ونعرف هذه الجماعة من المذبحة المروعة التي تعرضت لها على يد أنصار الكاثوليكية في فرنسا عام 1572 بتحريض البابوية والملك الإسباني فيليب الثاني، إلا أن المذابح وقتها باتت مظهراً عادياً من مظاهر الاضطهاد الديني في وسط أوروبة. وفيما بدأت الحركة البروتستانتية تنتشر في شمال أوروبة وانكلترا وحتى في بعض مناطق إسبانيا نفسها، عملت البابوية على توظيف كل اسلحتها لمواجهة هذا الخطر المتعاظم في كل مكان. وسخّر كارلوس الخامس لهذه المواجهة كل طاقات امبراطوريته الهائلة مُستهدفاً في صورة خاصة هولندا التي كانت أكبر قوة اقتصادية في أوروبة ومالكة أعظم أسطول تجاري فيها. وزج كارلوس في هذه المعركة الجيش تلو الآخر، إلا أن محاكم التحقيق باتت وقتها من أهم الأسلحة. ولم يتصومع كارلوس في دير يوست عام 1556 ويتنازل عن الحكم لابنه فيليب الثاني إلا وضحاياه في هولندا يعدّون بين 50 ألفاً و100 ألف شخص، وسيكون فيليب الثاني من بعده مسؤولاً عن قتل وتشريد عشرات الألوف غيرهم.

ووجد الأندلسيون في البروتستانتية المظاهر التي عرفوها في النصرانية القديمة فهنا وحدانية الرب والمسيح ليس إلهاً وأمّه ليست أمّ الرب والتماثيل في الكنيسة سمات وثنية لا تجدي والعبادة والصلاة والابتهال لله وحده. وتبنّى الأندلسيون في جدالهم مع الكاثوليك القشاتلة الحجج التي قال بها البروتستانت فوضعتهم الكاثوليكية في صف واحد مع أعدائها الإصلاحيين. إلا أن البروتستانتية ليست الإسلام، لذا كان أول اتهام وجهته البابوية إلى لوتر هو أنه يتبنّى التعاليم الإسلامية ويؤيد بحركته هدف المسلمين شق الكنيسة الكاثوليكية. وسعى لوتر إلى دفع هذه التهمة عن نفسه فكتب ضد الإسلام وعدّد انتقاداته للدين الإسلامي ومن بينها عدم الإعتراف بصلب المسيح، لكن التهمة ظلت عالقة به. ودعا مرّة إلى تنظيم حملة صليبية ضد العثمانيين لكنّه عاد وقال إن الحملات الصليبية أعمال مسيحية غير شرعية.

ونظر الأندلسيون إلى البروتستانت باعتبارهم ضحايا مشتركين لمحاكم التحقيق فساعدوهم في اشكال عدّة، وحصلوا منهم على المساعدة أيضاً خصوصاً من جانب البروتستانت الفرنسيين. واعتنق عدد من الأندلسيين البروتستانتية عن قناعة كما يبدو فيما انضم آخرون إلى اللوترية نكاية بالقشاتلة الكاثوليك وسعوا من خلال دينهم الجديد إلى النفاذ إلى إسبانيا والمساهمة في تدميرها. ومن الأندلسيين البروتستانت المعروفين خوان غونثاليث الذي اعتقله عمال محاكم التحقيق عندما كان في الثانية عشرة من العمر بعدما أشاد بالإسلام. وأصبح غونثاليث في ما بعد قساً وراح ينادي في اشبيلية باصلاح الكنيسة علناً فاعتقله عمال محاكم التحقيق وعذبوه ثم أحرقوه في اشبيلية مع اختين له وعدد آخر من “الهراطقة” في 14 كانون الأول (ديسمبر) 1559. ومن الذين صاروا بروتستانت أيضاً القسيس ألونثو غوديل Alonzo Gudel وكان أندلسي الأب يهودي الأم. ولم تردنا هذه الإشارة إليه لولا أنه قدّم إلى المحاكمة مع قسيس آخر يدعى لوىس الليوني Luis de Leon بتهمة تفضيلهما ترجمة للإنجيل إلى العبرية على الترجمة القشتالية.

ولعل اشهر الأندلسيين اللاهوتيين البروتستانت على الإطلاق هو كاسيودورو دو لا رينا Casiodoro de la Reina. والثابت أن كاسيودورو من مواليد غرناطة حيث درس العلوم المسيحية وأصبح راهباً كاثوليكياً لكنّه انشق بعد ذلك وانضم إلى اللوترية في بداية عهدها وأصبح واحداً من أهم دعاتها، وساهم في إعداد بعض ترجمات الإنجيل. ونشط كاسيودورو في نشر البروتستانتية في إسبانيا وكان يرسل الأناجيل اللوترية إلى قشتالة في براميل النبيذ من محلته في بال (بازل) في سويسرا حيث كان يقيم مع المصلح الفرنسي جان كلفين، الرجل الأشهر الثاني في الحركة البروتستانتية بعد مارتين لوتر.

الأندلسيون ومحاكم التحقيق في عهد كارلوس الخامس

وجد كارلوس نفسه فجأة صاحب سلطة هائلة لم تنافسه في اتساعها وقوتها سوى الدولة السلطانية العثمانية. ووجد كارلوس نفسه فجأة يدافع عن امبراطوريته ضد خطرين داخليين هما الحركة اللوترية في المانيا وسويسرا وثورات أهل المدن في إسبانيا، وخطرين خارجيين هما فرنسا والعثمانيون. وكان القضاء على ثورات أهل المدن لا شيء تقريباً في مقابل خطر التصدي للوترية التي كرّس لها جل حياته الامبراطورية وانتهت باعترافه بالكنيسة البروتستانتية. ولولا صعود اللوترية لكان كارلوس، على الأرجح، حلّ محاكم التحقيق في إسبانيا، إلا أنه بدا واضحاً أنه سيكون في حاجة إلى كل القوى التي يستطيع حشدها دفاعاً عن مصالحه الدولية. ولم يحدث بعد ذلك ما كان سيغيّر رأيه ويلغي محاكم التحقيق أقله للتخلص من سمعتها السيئة في أوروبة. لكننا نجد بعد ذلك سلوكاً عاماً عند كارلوس الخامس واكب فيه تشدّده وتهاونه مع الأندلسيين ازدياد الخطر البروتستانتي أو انحساره، وبمعنى آخر انتصاراته على الأمراء البروتستانت أو هزائمه، وكذا حال الحرب المستعرة في صورة شبه مستمرة مع فرنسا، جارة أرغون الأقرب.

وألغت السياسة الجديدة التي بدأ كارلوس يفكّر بها ليس فقط تعهدهّ عدم التدخل في الشؤون الدينية لأندلسيي أرغون (بما في ذلك بلنسية)، بل تعهّد كل الملوك الذين سبقوه، ووضع بذلك نهاية لتقليد ملكي استمر نحو ثلاثة قرون. فمنذ القرن الثالث عشر والأندلسيون الأرغونيون يتمتعون بقسط وافر نسبياً من الحرية الدينية والاجتماعية مكّنهم من الاستقرار والنمو. وتبوأ بعض هؤلاء مناصب عالية نسبياً بعدما اثبتوا ولاءهم لأرغون من خلال المشاركة في حرب الفرنسيين الذين حاولوا التوغل في المناطق الشمالية من المملكة. وبما أن عدداً مهماً من هؤلاء كانوا يعملون لدى النبلاء فقد كان في استطاعتهم دائماً الاعتماد على حمايتهم دفاعاً عن المصالح المشتركة. ووقف النبلاء في وجه محاولة فرناندو إدخال محاكم التحقيق إلى أرغون. ولما أصر على ذلك دبّر النبلاء اغتيال المحقق العام بدرو دو أريويس، وتابعوا معارضة قوية لأي توسيع لنطاق محاكم التحقيق خارج حدود مدينة سرقسطة إلى المناطق ذات الكثافة الأندلسية العالية في بلنسية والمدن والأرياف في أرغون. ووجد فرناندو في النهاية أن المحافظة على وحدة مملكته الأرغونية واستمرار تدفق الأموال من الأراضي الميرية التي استأجرها الأندلسيون يستدعيان وضع مصالحها ومصالح النبلاء على رأس أولوياته فوافق على عدد من القوانين التي حظرت تعميد الأندلسيين في أرغون أو طردهم أو التعدّي على أملاكهم أو التدخل في شؤونهم. ولم تلبث سرقسطة أن حذت حذو المدن الأرغونية الأخرى وأقرت عام 1519 هذه الحقوق وباتت جهود محكمة التحقيق فيها موجهة إلى عدد صغير من اليهود المتنصّرين.

وكان الأندلسيون الغرناطيون سمعوا بنهوض الحركة اللوترية وبنشوب الحرب مع فرنسا، إلا أن كارلوس بدا لهم ملكاً لا يمكن قهره. وكانوا يعتقدون أنه سيظهر امتنانه للولاء الكبير الذي أدّوه له خلال ثورات أهل المدن فيرفع عنهم القيود المفروضة على ممارسة دينهم وعاداتهم بموجب مراسيم ملكية سابقة بعدما خطا خطوة إيجابية بإلزام نفسه في خطاب استلام عرش أرغون بعدم التدخل في الشؤون الدينية للأندلسيين الذين يعيشون في تلك المملكة. وعلى الرغم من أن كارلوس استمع إلى شكاويهم ووعد بدرس مطالبهم إلا أنه كان قرر أن فرنسا يمكن أن تحاول آجلاً أو عاجلاً النفاذ إلى إسبانيا عبر أرغون، وأن الحرب ضد اللوترين تقتضي أولاً ضبط إسبانيا باعتبارها قاعدته الأساسية، والعمل على توحيدها من خلال كثلكة كل من يعيش فيها أياً كان مستقرهم ومهما كانت النتيجة.

وبما أن هذه السياسة تقتضي الرجوع عن تعهده للأرغونيين عدم التدخل في شؤونهم الدينية فقد كتب إلى البابا يطلب منه أن يحلّه من هذا التعهد. وكان وصول جواب البابا بالموافقة على ذلك في الثاني عشر من آذار (مارس) عام 1524 إيذاناً بإطلاق كارلوس يد محاكم التحقيق لتنفيذ سياسته الجديدة شاملة جميع الأندلسيين في كل مكان من إسبانيا. وفي الفترة القريبة التي تلت موافقة البابا بدأت المحاكم اتخاذ الخطوات العملية لتنفيذ أوامر كارلوس الخامس، ووجد الأندلسيون أنفسهم مرة أخرى في الأجواء التي سبقت نشوب الثورة الأندلسية الأولى مع فارق أساسي هو أن الأندلسيين الأرغونيين كانوا هذه المرة الهدف الرئيس الذي وضعته الحكومة والكنيسة ومحاكم التحقيق نصب عيونها.

تنظيم ملاحقة الأندلسيين والوشاية بهم

… ”وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب باصبعه على الأرض. ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاًً بحجر“.

لماذا لم يستوقف هذا المشهد المُدهش عمّال محاكم التحقيق كما استوقف معظم من قرأ العهد الجديد؟ وإذا كان استوقفهم يوماً وعرفوا بعد استيعابه أهمية الرأفة في تغيير عقول الناس وقلوبهم فلماذا تجاهله معظمهم في تعامله اليومي مع الأندلسيين؟ هل كان القشاتلة مسيحيين أم شيئاً آخر؟ هل اعتبروا أنفسهم جنوداً في جيش كاثوليكية قشتالة ونفذوا الأوامر ثم اعترضوا، أم أنهم لم يعترضوا قط؟ هل كانوا يريدون فعلاً أن يجعلوا من الأندلسيين المُنصّرين بالمراسيم نصارى طيبين، أم كانوا يريدونهم أن يصبحوا شيئاً آخر؟ أين اخطأ استراتيجيو محاكم التحقيق وأين أصابوا؟ وما هي المعادلة الصعبة الهيّنة التي واجهت محاكم التحقيق، ومن الذي حددها فعلاً، ومن خدمت في النهاية؟

يوجد خطأ كبير ما في هذه المؤسسة. ويوجد خطأ كبير ما في الاستراتيجية التي وُضعت لهذه المؤسسة. ويوجد خطأ كبير ما في قشتالة القرن السادس عشر جعل حدوث الخطأين الأولين ممكناً. وعرفنا الآن ما هو العقاب الذي يمكن ان تُنزله محاكم التحقيق بالخطأة والمخالفين والساخرين من التعاليم الكاثوليكية، لكن ما هي مكافأة من يعصم نفسه وينصاع ويجلس في الكنيسة باحترام ويستمع إلى القداس؟ نكاد نظن أن المكافأة، في معظم الحالات، كانت تجنّب العقاب لا غير. ليس لأن محاكم التحقيق والكنيسة الكاثوليكية القشتالية من ورائها لم تكونا راغبتين دائماً في تقديم المكافأة لأنهما تحدثتا عنها في مناسبات لا تُحصى، بل ربما لأنهما لم تكونا قادرتين على تقديم المكافأة الحقيقية، ولم تكونا في النهاية إلا أداتين استجابتا في معظم الأوقات لمطالب السلطة والشارع القشتالي.

لماذا؟

لأن المجتمع القشتالي لم يكن قادراً على قبول أي حل عادل. ولنفترض مثلاً أن عبدالله بن أحمد السّراج الغرناطي اليمني الأرومة تنصّر باختياره وعن قناعة داخلية تامة وصار يأكل لحم الخنزير ويشرب الخمر ويذهب إلى الكنيسة ويجمع لها التبرعات وينصت بخشوع للقداس فأي نصراني سيكون بعد كل هذا؟ سيكون نصرانياً من الدرجة الثانية، أي نصرانياً جديداً Morisco. وهل كان هذا النصراني الجديد يستطيع أن يأمل في أن يصبح يوماً مساوياً للنصراني القديم؟ لا! ليس في معظم الحالات على الأقل. يمكنه أن يصبح متساوياً مع النصراني القديم من جهة الواجبات لكن ليس الحقوق. لماذا؟ لأن شغل المناصب الرفيعة كان يتطلّب مبدأ أهم من مبدأ التنصر هو نقاء الدم، ليس بالانحدار من الأب فقط بل من الجد وجد الجد أيضاً، وربما الرجوع بالنسب الرفيع إلى فارس حارب في معركة العقاب التي قادها ألفونصو الثامن قبل أكثر من ثلاثة قرون. هل يستطيع أحد أن يُثبت شيئاً مثل هذا؟ طبعاً! إذا كان النصراني يستطيع أن يشتري صك الغفران يستطيع أيضاً أن يشتري شهادة نسب تعود به إلى أبعد من معركة العقاب. لماذا نتصوّر أن ما يحدث اليوم لم يحدث في الماضي؟

وبين عهد المحقق العام الأول لمحاكم التحقيق توماس دي توركيماده والمحقق العام الخامس ألفونصو مانريك تعاقب على هذا المنصب المهم ديثا وخيمينس وأدريان الاترشتي الذي صار بابا في ما بعد. وعمل كل واحد من هؤلاء على تعزيز عمل محاكم التحقيق وتوسيع صلاحياتها ومد أذرعها خلف حدود الممالك التي تشكّل إسبانيا لتصل إلى المُتهمين. ونما مع نمو المحاكم هيكل بيروقراطي كبير ضم عدداً متزايداً من القضاة والمحققين والمعرّفين والعيون (المخابرات) والكتبة والنسّاخين والخطّاطين ومراقبي الكتب والمخطوطات وعمال المطابع الخاصة بالمحاكم والمحاسبين والمخمّنين والمسؤولين عن حجز الأموال وتسويق عقارات المُدانين وأملاكهم الشخصية والطبّاخين والخدم وغيرهم من موظفين وعمّال. وكانت مهمة هذه المحاكم في المراحل الأوليّة محصورة باليهود المتنصّرين وجماعات من القوط استمروا يمارسون المسيحية على المذهب الآريوسي وبعض الأندلسيين في قشتالة أو الفارين من مناطق سكنهم لسبب أو آخر أو الأندلسيين العبيد الذي يهربون من مالكيهم.

وشهدت مهام محاكم التحقيق اعتباراً من عام 1523 توسيعاً هائلاً في دائرة اهتمامها ومسؤولياتها لم تقتصر على ملاحقة الأندلسيين بل أيضاً على اللوتريين أو أنصارهم في إسبانيا وخارجها. وفي إسبانيا نفسها اعتمدت محاكم التحقيق دائماً وفي صورة حاسمة على وشايات الإسبان بممارسي الهرطقة بموجب المرسوم المشهور الذي أصدرته إيزابيلا. ولم يكن الإبلاغ عن مظاهر الهرطقة واجباً قوميّاً ودينياً فقط بل كان الامتناع عن ذلك جريمة ينزل بمرتكبها عقاب شديد. وقدمت محاكم التحقيق إلى جانب التهديد بالعقاب حافزاً مادياً فكان الواشون يحصلون على مكافآت مالية تتناسب والأحكام التي تصدر على المتهمين في حال ثبوت التهم الموجهة إليهم. وإضافة إلى المكافأة المالية، كانت المحاكم تصرف لبعض الواشين شهادات “حسن سلوك” يمكن استخدامها، إلى جانب شهادات نقاء الدم، لشغل المناصب الرفيعة أو المهمة. ومع الزمن تطورت حاجة لحماية هؤلاء الواشين من انتقام ذوي المتهم المُدان فكانت المحاكم تحفظ سرّية اسمائهم وعناوينهم وتمنع المتهم من مواجهة مُتهمه مهما كانت الظروف أو نوع الاتهام. ولم يكن دافع الوشاية الحصول على المكافأة أو الانتقام دائماً فبعض الوشاة كانوا مواطنين صالحين وكاثوليكيين أتقياء دلّوا على جيرانهم وأصدقائهم انطلاقاً من شعورهم الكاثوليكي العميق بصدق موقفهم وعدالته.

وكانت المحاكم تصدّر لوائح تنظيمية سنوية تؤطّر الوشاية وتحدد أنواعها، لذا كان سهلاً على الإسبان، وحتى بعض اليهود وربما بعض الأندلسيين أيضاً، التعرّف على نوع الهرطقة الذي يمكن ابلاغه إلى عمّال محاكم التحقيق. إلا أن هذه اللوائح كانت خاصة باليهود وببعض المسيحيين ذوي الممارسات الدينية غير الكاثوليكية. واقتضت ضرورات تنفيذ أوامر كارلوس الخامس وضع لائحة خاصة بالأندلسيين تمهيداً لدعوة الشعب الإسباني إلى الوشاية بهم. ووقعت هذه المهمة على المحقق العام ألفونصو مانريك الذي جمع العناصر والمظاهر القابلة للوشاية بها في لائحة جرى تعليقها في الأماكن العامة يتقدمها أمر بأهمية الوشاية بمن يمارس أياً من البنود المذكورة خلال ستة أيام من رؤيتها أو تعريض نفسه للعقوبات الصارمة ومخالفة تعاليم الكاثوليكية.

وتضمنت هذه اللائحة 36 بنداً منها أن يسمع الواشي أو يرى: أن دين محمد هو الأفضل، وأن لا سبيل لغيره إلى الجنة، وأن المسيح نبي وليس إلهاً، وأن أمّه لم تكن عذراء، وإذا سمعنا أو رأينا ان المسيحيين الذين تم تعميدهم يقومون ببعض طقوس أعياد دين محمد مثل الاحتفال بيوم الجمعة بأكل اللحم وقولهم إنه حلال وكذلك تزينهم بقميص نظيف وملابس أحسن من بقية الأيام الأخرى، وإذا ذبحوا الدواجن أو الحيوانات قاطعين العنق بسكين وتاركين إشارة على الرأس ومحولين وجهة الرأس نحو المشرق وقائلين “باسم الله” ورابطين أرجل الحيوان المذبوح، وإذا رفضوا أكل لحم الحيوانات غير المذبوحة أو التي ذبحتها النساء، وإذا ختنوا أبناءهم أو لقّبوهم باسماء عربية أو أظهروا الفرح بتلقيبهم بتلك الاسماء ونادوهم بها، وإذا قالوا وجب الإيمان بالله وإن محمداً نبيه، وإذا حلفوا بكل الايمان القرآنية، وإذا صاموا رمضان وراعوا ذلك أثناء عيد الفصح وسلموا بعض الصدقات ولم يأكلوا ولم يشربوا حتى يلاحظوا النجمة الاولى واستفاقوا ليأكلوا قبل طلوع النهار أو غسلوا أفواههم ورجعوا إلى فراشهم، وإذا توضأوا فغسلوا السواعد والأيدي حتى المناكب والوجه والفم والأنف والاذنين والساقين والاعضاء الجنسية، وإذا صلوا وحولوا وجهتهم نحو الشرق فوق حصير أو قطعة قماش ثم حرّكوا رؤوسهم قائلين بعض الكلمات العربية وقائمين بغيرها من الصلوات المحمدية، وإذا احتفلوا بعيد الاضحى بعد الوضوء، وإذا تزوجوا على سنة محمد، وإذا غنوا الأغاني العربية ونظموا حفلات أو رقصات وضربوا آلات موسيقية ممنوعة، وإذا وضعوا على أبنائهم أو أشخاص آخرين شكل يد بخمسة أصابع كذكرى للفرائض الخمس، وإذا احترموا تعاليم الإسلام الخمسة، وإذا غسلوا موتاهم ولفّوهم في كفن من قماش أبيض ودفنوهم في أرض بكر أو في قبر عميق واضجعوهم فيه واضعين حجارة تحت رؤوسهم وتاركين على اللحد أغصاناً خضراء وشيئا من العسل والحليب وطعام آخر، وإذا تذكروا محمداً عند الحاجة وقالوا إنه نبي الله ورسوله، وقالوا إن أول بيت لله هو ببكة، وان محمداً دفن فيها (هكذا جاء في اللائحة)، وإذا قالوا ان العربي يجد الإنقاذ في التجائه الى دينه واليهودي الى عقيدته، وإذا اجتاز أحدهم البلاد الى المغرب أو غيرها وارتد عن المسيحية، وإذا قالوا أو فعلوا أي شيء مرتبط بدين محمد”.

ولم ينتظر عمّال محاكم التحقيق كثيراً إذ بدأت الوشايات تنهمر على قصرهم في بلنسية فور تعميم اللائحة فقبضوا على عدد كبير من الأندلسيين لأسباب اعتبرها الأندلسيون بسيطة، وبدأت مصادرة أملاك المشتبه بمخالفتهم ما أدرجته اللائحة لصالح خزانة الدولة ومحاكم التحقيق والواشين. ووقعت هذه الأعمال على الأندلسيين وقوع الصاعقة فسعوا إلى فتح المفاوضات مع السلطة لكن الأخيرة كانت سلّمت الأمر إلى محاكم التحقيق وبدأ قطار نشاطها يندفع بسرعة كما لو كان بالقوة الكامنة. وفي 28 نيسان (إبريل) عام 4251 استقبل المحقق العام مانريك في مدينة برغش الواقعة في قشتالة القديمة شمال البلاد وفداً أندلسياً واستمع إلى شكاويهم من تشدّد عمّاله في معاملتهم “وحصلوا منه على وعد بتوخّي العطف على الموريسكيين”.

وليس هناك ما يُثبت أن مانريك هدّأ تسارع ملاحقة الأندلسيين بعد ذلك إذ أجبرَ رئيس محكمة التحقيق في بلنسية غاسبار دافالوس أسقف وادي آش وعمّاله عدداً كبيراً من الأندلسيين على قبول التعميد.ويحمّل التعميد معنى مهماً هنا لأن الكاثوليكية تعتبره عقداً بين المُعمّد والكنيسة فإذا أخلفه حق عليه العقاب ويجب على محاكم التحقيق اعتقاله أينما كان ومهما كانت جنسيته. وعندما فرضت الكنيسة على الأندلسيين قبول هذا العقد لم يبق بعد ذلك سوى متابعته لذا نجد أن مانريك أمر في أيار (مايو) من العام التالي (1525) جميع الأندلسيين المُعمدين بالتوجه إلى كاتدرائية بلنسية لإبرائهم من تهم الهرطقة، وتوّعد من يرتد منهم بعد التعميد بالإعدام ومصادرة الأموال والممتلكات. وفي 13 أيلول (سبتمبر) عام 1525 وجّه كارلوس إلى الأندلسيين في بلنسية أمراً بقبول التعميد رغبة في “إنقاذ أرواحكم وانتزاعكم من الضلال الذين تعيشون فيه”، وتبع ذلك قرار في 16 تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه بإجبار الأندلسيين على التعريف بأنفسهم عن طريق وضع هلال من قماش أزرق على قبعاتهم بحجم البرتقالة، ولحق به أيضاً قرار آخر صدر في 18 تشرين الثاني من العام ذاته بأجبار الأندلسيين على الإبلاغ عن أي أندلسي يرجع إلى الإسلام.

أما آخر سلسلة القرارات التي عرفها العام 1525 فهو الذي صدر في الثامن من كانون الاول ونصّ على وجوب قيام محاكم التحقيق والكنيسة بتعميد جميع الأندلسيين قسراً قبل 31 كانون الثاني (يناير) من العام بعده. وكان القرار منتهى ما تحمّله أندلسيو أرغون فثاروا في انتفاضة اشترك فيها نحو 26 ألف عائلة موريسكية أو نحو 130 ألف شخص انتقل قسم منهم خلالها إلى الجبال خصوصاً جبال Espadan لكن جيش كارلوس الخامس هاجم الثائرين وتمكّن من إنهاء تلك الانتفاضة كما تمكّن قبلها من انهاء انتفاضة شملت عدداً كبيراً من الأندلسيين الذين احتموا بالجبال.

ولم يكن تحرّك كارلوس الخامس في مملكة غرناطة أقل سرعة من تحرّكه في أرغون إذ أمر بتأسيس محكمة للتحقيق في مدينة غرناطة عام 1526، وقدمت في أيار (مايو) عام 1529دفعة من الضحايا احرقوا في احتفال خاص تألّفت من المتهمين الآتين: ملحد، مزور جوازات مرور باسم محاكم التحقيق، ثلاثة رجال تزوجوا من أكثر من امرأة واحدة، ثلاث ساحرات، 44 يهودياً متنصّراً، 22 يهودية متنصّرة، أندلسيين مسلمين، سبعة رموز شخصية ليهود متنصّرين فارّين، عشرة رموز شخصية ليهوديات متنصّرات فارّات من محاكم التحقيق، رمز لأندلسي مسلم فر من وجه عمال محاكم التحقيق.

تخفيف الضغوط عن الأندلسيين

بدأت سياسة كارلوس الخامس تتغير في نهاية العشرينات من القرن السادس عشر. ففي عام 1528 أمر المحقق العام لمحاكم التحقيق بعدم التدخل في شؤون الأندلسيين الموجودين في إقطاعية مونزون (منتيشون) الواقعة في الشمال الشرقي من سرقسطة في الطريق بين مدينتي لاردة ووشقة. وتابع كارلوس سياسة التهدئة في السنوات اللاحقة فوجّه محكمة التحقيق في بلنسية في 21 كانون الثاني (يناير) 4351 بالامتناع عن مصادرة أي أملاك جديدة تخص الأندلسيين المتهمين بالهرطقة لمدة 40 سنة. ولحق بذلك (1535) قرار تبنّاه المجلس الأعلى في بلنسية يحظر تطبيق عقوبة الحرق على الأندلسيين المُعمدين. وفي عام 1536 أصدر كارلوس قراراً يقضي بعدم مصادرة أملاك الأندلسيين في المستقبل، وقراراً آخر منع تدخل محكمة التحقيق في شؤون الأندلسيين في بلنسية وقطالونيا، كما رافق هذه القرارات قرار خاص بمملكة غرناطة تضمن منع محاكم التحقيق من التدخل في شؤون أهل غرناطة لمدة 04 سنة، وبات واضحاً أن كارلوس غيّر سياسته.

لماذا؟

توجد أسباب محلّية ودوليّة عدّة وراء تتابع القرارات بكف يد محاكم التحقيق عن تجمّعات أندلسية معينة في إسبانيا شملت الأندلسيين في أرغون ومملكة غرناطة وقشتالة خصوصاً قشتالة القديمة شمال البلاد. ويمكن البرهنة على الطابع الاقتصادي لهذه القرارات لارتباطها بحصول كارلوس الخامس على دفعات نقدية كبيرة لمرة واحدة ودفعات سنوية و”تبرعات” من جانب الأندلسيين للمساهمة في تغطية نفقات محاكم التحقيق المتزايدة باستمرار. وضمّت الكنيسة الكاثوليكية بعد عاصفة العشرينات من القرن السادس عشر الألوف من المُعمّدين الأندلسيين الجدد الذين لم تكن هناك ثقة بصدق إيمان معظمهم. لكن خزانة الدولة خسرت مباشرة أو من خلال الحصة التي كانت تقتطعها من إيرادات محاكم التحقيق مبالغ كبيرة، قابلتها خسارة نسبية كبيرة لحقت بخزانات الممالك المحليّة والمجالس البلدية التي كانت “تجبي” من الأندلسيين أنواعاً عدّة من الدفعات في شكل كفالات مالية وغرامات وضرائب محلية على الأرباح والانتاج والمبيعات وغيرها.

وكان النبلاء والإقطاعيون أكبر المتضررين مباشرة من قرارات تعميد الأندلسيين وملاحقتهم خلال تلك الفترة المضطربة. وحاول كارلوس الخامس تلطيف وقع قراراته على اقتصاد النبلاء من خلال منحهم أوقاف المساجد الأندلسية في أرغون بعد تحويلها إلى كنائس فلم يلق هذا الاجراء قبول الجميع. وتطورت معارضة قوية لهذه السياسة واستطاع النبلاء في النهاية ثلم شفرة قرارات الامبراطور محليّاً ثم إفشال تنفيذها كمقدمة لتجميدها مدة 04 سنة في قسم كبير من أرغون ومملكة غرناطة. وربما كانت حصة الدولة من الأموال والممتلكات التي صادرتها محاكم التحقيق من الأندلسيين كبيرة في البداية وعوّضت تراجع الدخل من الأراضي الميرية التي استأجرها الأندلسيون، ثم فقدوا بعد المرحلة الأولى من المصادرات والغرامات قسماً مهماً من ثروتهم. ووجدت محاكم التحقيق بعد ذلك أن عليها رفع عدد حالات المصادرة لضمان استمرار المستوى نفسه من تدفق الأموال عليها وعلى الدولة.

ونعرف أن الأندلسيين في غرناطة تعهّدوا لكارلوس الخامس بالطاعة لكن الطاعة لم تكن آنذاك العملة التي يريدها كارلوس. ففي عام 1529 ضرب العثمانيون حصارهم الأول على فيينا، عاصمة القسم الغربي من امبراطورية كارلوس المتروكة في عهدة أخيه فرديناند، ووجد نفسه بلا جيش ولا مال لدعم دفاعات النمسا، فتدخل في الشؤون الدينية لأمراء ألمانيا فقاموا عليه مما اضطره إلى الموافقة على معاهدة “الصلح الديني” في نورمبرغ عام 1532 للحصول على الدعم العسكري من الأمراء اللوتريين ضد العثمانيين.

وفي الوقت نفسه بدأت سفن خير الدين بربروسا اعتراض السفن الإسبانية وشن عشرات الغارات على المدن والمواقع المنتشرة على سواحل إسبانيا وإيطاليا فنظّم حملة احتل خلالها تونس عام 1535 ثم اشتعلت الحرب مرة أخرى بينه وبين فرنسا في العام بعده. ولم يصل كارلوس إلى أوج قوته إلا عام 1544 عندما وافق فرانسيس الأول على مساعدته ضد الأمراء البروتستانت في ألمانيا وتخلّى لكارلوس عن نابولي في مقابل إعادة دوقية برغندي.وكان قبل ذلك فشل في حملته على الجزائر ثم خسر بودابست فالمجر كلّها لصالح العثمانيين.

واقتضى تمويل كل هذه الحروب ضخ المال في الخزانة أكثر مما اقتضى ضخ مزيد من الأندلسيين المُعمدين في الكنيسة الإسبانية، إلا أن الحصول على مال الأندلسيين في مقابل اعطائهم الحرية الدينية المحدودة، لم يكن وقتها العامل الأساسي إذ كان العثمانيون والمغاربيون يعرفون ما يحصل في إسبانيا وكان حرق الأندلسيين واضطهادهم دافعاً لتنظيم مزيد من الحملات الجريئة على إسبانيا ومعاملة الأسرى الإسبان في بعض الحالات بقسوة تماثل قسوة معاملة الأندلسيين خصوصاً على يد البحّارة الأندلسيين الذين كانوا هربوا من إسبانيا إلى الجزائر وتونس.

ولا يمكن بسهولة معرفة تأثير “عامل الردع” هذا لكن لا بدّ أن يكون، إضافة إلى الأسباب التي تقدم ذكرها، لعب دوراً في انتقال سياسة كارلوس الخامس جزئياً من العقوبات البدنية إلى عقوبا ت مالية يقول مؤرخ فرنسي هو فنسان برنارد ان قيمتها بلغت 6.597 بليون مرابطي بين اعتلاء كارلوس العرش ونشوب الثورة الأندلسية الكبرى عام 1568.

الأندلسيون ومحاكم التحقيق في عهد فيليب الثاني

أطلق صلح “كريسبي” Crespy عام 1544 مع فرنسا يد كارلوس في التصدي للأمراء البروتستانت وأنزل بهم هزيمة منكرة في وقعة مهلبرغ Muhlberg عام 1547لكن الحظ خانه عام 1552 فهرب من وجههم بعد هزيمة شنيعة. وفي العام الأخير نفسه وقف في وجه كارلوس أكبر عدوين أوروبيين له بعدما أيدت فرنسا الأمراء البروتستانت لقاء الحصول على ثلاث مناطق ألمانية محاذية لفرنسا هي ميتس وتول والفردان. وقامت حرب بين إسبانيا من جهة والفرنسيين والأمراء الألمان استمرت خمس سنوات أخفق كارلوس خلالها في استعادة المناطق الثلاث فتنازل لابنه فيليب عام 6551عن عرش تربّع على إسبانيا والمنطقة التي نعرفها اليوم باسم بلجيكا ونابولي ومعظم الأميركتين الوسطى والجنوبية (استكملت إسبانيا فتحهما في حدود 1550)، وأخيراً هولندا التي كانت أغنى ممالك فيليب الثاني وأهم دولة تجارية ومالية في أوروبة.

ودفع كارلوس بإخفاقه ثمن عجزه عن فهم الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت وراء صعود حركة اللوترية بتلك السرعة إذ كان يحاول مصالحة هدفين لم يعد ممكناً مصالحتهما آنذاك هما رغبته في إقامة امبراطورية دولية كاثوليكية مضادة للإصلاح يسيّرها سياسياً ودينياً من خلال الضغط على البابا ويكون فيها حاكماً مطلق الصلاحية وفق مفاهيم العصور الوسطى، ورغبة الأمراء الألمان في إقامة الدولة الوطنية التي يستطيعون المشاركة في صنعها وتسييرها في أجواء عصر النهضة الفكرية والحريّات الفرديّة. وإذا كان هذا الهدف يقتضي تأييد مذهب غير المذهب الكاثوليكي الذي يؤيده الامبراطور فليكن لأن هؤلاء الأمراء وجدوا أنفسهم يقاومون كارلوس والبابوية والكاثوليكية في شخص واحد هو كارلوس.

وكان كارلوس كاثوليكياً تتلمذ على يد الكاهن الذي اصبح في ما بعد البابا أدريان الرابع لكنّه لم يكن متعصباً لأن المكان الذي ولد فيه (غنت) لم يكن يعرف العصبية السائدة في إسبانيا. ومع ذلك نجده يلجأ إلى حل قشتالي طوّرته جدته إيزابيلا القشتالية لمواجهة مشكلة في أوروبة فسيّر الجيوش إلى خصومه ومنتقديه في البداية ثم سلط عليهم محاكم التحقيق التي احرقت أول ضحاياها الأوروبيين في بروكسل عام 1523، أي بعد أقل من سنتين من إهدار دم لوتر. وباتت هذه المحاكم أهم الأسلحة التي استخدمها كارلوس في هولندا ضد اللوتريين وفي إسبانيا ضد الأندلسيين.

ووجد فيليب الثاني بين يديه هذه الممالك الهائلة ومعها كل المشاكل التي عجز أبوه عن حلّها. وإضافة إلى العثمانيين الذين زادوا إلى قوتهم العسكرية البرية التي لا تُقهر قوة بحرية لا تُقهر أيضاً، كان الفرنسيون مستعدين للتحرك ضد عدوهم الأكبر إسبانيا عند أول فرصة سانحة، وكانت البروتستانتية تنتشر بسرعة في شمال أوروبة وبدأت تهدد بتقليص مساهمة هولندا الغنية في خزانة إسبانيا. ولم يحاول فيليب معالجة مشاكله بطريقة تختلف عن أبيه أو عن جدة جدته إيزابيلا فعزز محاكم التحقيق في هولندا وأعطاها صلاحيات واسعة وسيّر هو الآخر الجيوش لقتل الهولنديين حتى ليُقال إن القائد العسكري الإسباني دوق ألبة الملقب بـ”الحديدي” تبجح بعد عودته من هولندا إلى قشتالة عام 1573 بأنه سبب قتل 18.900 هولندي وإجبار 60 ألف شخص على الفرار من البلاد. وظل الهولنديون يعانون عسف الإسبان نحو 80 سنة ولم يتمكنوا من التخلص منهم إلا بعد حرب استقلال طويلة تُوّجت بإبرام صلح لاهاي عام 1648.

وكانت محاربة انتشار اللوترية وتفرّعها الآنابابتيستي في هولندا واحدة من الأسباب التي دفعت إسبانيا إلى ارتكاب فظائع هائلة هناك، غير أن السبب الأهم بكثير كان استمرار السيطرة الإسبانية على الثروة الهائلة التي تمتعت بها هولندا إذ كانت الأموال التي تدخل خزانة إسبانيا من مختلف الضرائب المفروضة على الهولنديين سبعة أضعاف قيمة الفضة التي تدفقت إلى مدريد من العالم الجديد. وكانت روتردام وأنتويرب محطتين يمر من خلالهما نصف التجارة العالمية، فيما كانت بورصة أنتويرب تؤدي في تلك الفترة الدور الذي تلعبه لندن اليوم كأهم سوق مالية في أوروبة. ولم تقتصر أهمية هولندا على قدراتها التجارية والمالية الهائلة إذ كانت أيضاً “قلعة أوروبة”، وكانت أقاليمها تحيط بفرنسا لذا كان استمرار الوجود الإسباني فيها حاسماً. وتسبّب الخوف من خسارة هولندا في زيادة تشديد إسبانيا قبضتها الحديد فاشتكى الناس من جور محاكم التحقيق وظهرت معارضة لوجود الأيقونات في الكنائس وتطورت حركة مقاومة شعبية قادها نبيل شاب يُدعى إيغمونت Egmont وزعيمان آخران هما وليام الأورانجي (الملقب بالصامت) وهورن Hoorn. واشتدت هذه المقاومة فأرسل فيليب الثاني دوق ألبه إلى هولندا عام 1566 فقمع الحركة بالقوة وشكّل محاكم عسكرية بعد سنة من ذلك قررت اعدام إيغمونت وهورن عام 1568-، ولم يبق من قادة الحركة الشعبية سوى وليام الأورانجي الذي سيتولى تنظيم المرحلة الأولى من التصدي للوجود الإسباني إلى حين اغتياله.

وفي العام الأخير نفسه اندلعت الثورة الأندلسية الكبرى لاسباب يتماثل عدد مهم منها مع الاسباب التي أدّت إلى الاضطرابات في هولندا. وكانت سياسة فيليب الثاني حيال الأندلسيين السياسة نفسها التي اختطها حيال الهولنديين بعناصر تضمّنت التدخل العسكري الواسع النطاق وتكثيف دور محاكم التحقيق. وكان دور القوة العسكرية حاسماً لكن في البداية فقط. فبعد سحق أي تمرد بقوة السلاح تأخذ القوة العسكرية مكاناً خلفياً مُراقباً فيما ترمي محاكم التحقيق كل ثقلها لضمان استمرار”تهدئة” كلا الأمتين الأندلسية والهولندية من خلال أساليب اتبعتها المحاكم خلال حكم كارلوس الخامس وأساليب جديدة أقرها فيليب الثاني عندما منح المحاكم صلاحيات شبه مطلقة. وتمكّن اليهود والأندلسيون دائماً تقريباً من شراء حرياتهم المحدودة من إيزابيلا وفرناندو وكارلوس الخامس، وسيستمر الأندلسيون في تقديم الثمن إلى فيليب الثاني لكنهم لن يحصلوا في مقابله على الحريات التي كانوا يحصلون عليها أيام أبيه كارلوس الذي مات عام 1558 ومات معه تعهّده كفّ يد محاكم التحقيق عن الأندلسيين في مملكة غرناطة ومعظم مناطق أرغون مدة 40 سنة.

وورث فيليب من ابيه أمبراطوريته لكنه ورث من إيزابيلا تعصبها الكاثوليكي ذا الصبغة القشتالية، ومن توركيماده تقشفه ومن خيمينس صليبيته، وبدا في قصر الاسكوريال الذي عاش فيه ملكاً ينتمي إلى العصور الوسطى أكثر من انتمائه إلى عتبات العصور الأحدث. وأمضى فيليب معظم عمره وهو يحاول إبقاء أمبراطوريته في الماضي الذي تصور وجودها فيه، وسخّر لهذا الهدف معظم قدرات ممالكه وطاقاتها المالية والبشرية. أما المواصفات التي وضعها لهذا المكان العتيق في عقله العتيق فهي المواصفات نفسها التي وضعها للعالم الذي يريده ورمز إليه بقصر الإسكوريال الذي عاش فيه. والإسكوريال (بدأ بناؤه عام 1563) مجمّع كبير يقع على بعد 48 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدريد يحتوي كنيسة كاثوليكية مُقببة وكلّية وديراً وقصراً تحيط به أسوار تحيط أسوار أكبر منها بالمجمع كلّه، أي عالم فيليب الثاني كلّه. ولم يأتمن فيليب الثاني عالمه لأحد، ولم يكن يتخذ قراراً قبل التفكير فيه إلى حد الإفراط أحياناً، وإذا اتخذه فهو كتابة لا يحتمل التأويل الممكن في القرارات الشفهيّة. وكان البابا رأس الكنيسة الكاثوليكية إلا أن فيليب اعتبر نفسه زعيماً للكاثوليكية في كل مكان، وأخضع كل الإرادات البابوية المتصلّة بممالكه لموافقته المسبقة فبدت البابوية في بعض فتراتها جزءاً من الممالك الإسبانية، والبابا واحداً من رعيّة فيليب الثاني.

محاكم التحقيق كذراع للسلطة

وجد الأندلسيون أنفسهم عام 1568 مجبرين على التصدّي لاستفزاز محكمة التحقيق الغرناطية بإعلان الحرب على أكبر قوة أوروبية. وتوجد أسباب عدّة أشعلت شرارة الثورة أهمها الأوضاع الاقتصادية المتردّية. فبين عام 1550 وعام 1570 استولت محاكم التحقيق على أملاك 1400 أندلسي في مملكة غرناطة وحدها، وصادرت أموال عدد كبير آخر وأوقعت بحق أعداد كبيرة أخرى غرامات مالية وعقوبات اخرى تضمّنت الحرق والسجن والجلد والعمل في القواديس. ولا نملك أي أدلة قاطعة تثبت أن الوضع نفسه لم ينطبق على مجموعات كبيرة من الأندلسيين في أرغون. فبعد قسر عدد كبير من الأندلسيين في مملكة غرناطة وبلنسية وغيرهما على التعميد صارت محاكم التحقيق تعتبر اتهام الأندلسيين بممارسة أي شعائر إسلامية أو عادات عربية من تلك الواردة في لوائح الوشاية ارتداداً عن الكاثوليكية. وكانت الخطوة الأولى التي تُقدم عليها محاكم التحقيق في حال توجيه هذه التهمة الحجز على أموال المتهم وأملاكه. ولم يكن عدم إثبات هذه التهمة يؤدي دائماً إلى رفع الحجز عن هذه الأموال والممتلكات إذ وجدت المحاكم دائماً تقريباً ممارسة معينة كانت يمكن استخدامها مسوّغاً لاستبقاء الحجز. إلا أن ثبوت هذا الارتداد كان يعني في معظم الحالات الموت حرقاً أو إعداماً، ومثله أيضاً ثبوت محاولة الأندلسيين نشر الإسلام بين النصارى الإسبان.

وفيما عهد فيليب الثاني إلى دون خوان قيادة الجيوش للقضاء على الثورة الأندلسية الكبرى (1569- 1571)، أوكل مهمة مراقبة الأندلسيين للمحقق العام اسبينوزا الذي أمر عمّاله بأهمية متابعة أي شبهة أو وشاية ضد أي أندلسية أو أندلسي. وكان يكفي آنذاك تقدّم شاهد واحد بشهادة أو وشاية على أندلسي لاعتقاله فوراً وإيداعه سجون محاكم التحقيق وتعذيبه أو معاقبته بالعمل ثلاث سنوات في السفن، في حين كان اتهام شاهد واحد شخصاً غير أندلسي لا يكفي. وإذا حدث ولم يعترف الأندلسيون لعمال المحاكم بالجرم المسند إليهم فإن أقل العقوبات التي كانت تطبّق بحقهم هي الجلد أو دفع الغرامات المالية الكبيرة. وكانت هذه المحاكم تفرض على السجين دفع مبلغ فوري تصرف منه جزءاً لإطعامه وتأخذ الجزء الآخر مساهمة إجبارية من السجين في تغطية نفقات محاكم التحقيق. وإذا لم يتوافر المبلغ المطلوب (أحياناً 20 دوقة ذهبية) كان العمّال يصادرون أملاكه ويبيعون منها ما يكفي لتحصيل المبلغ.

وعندما نقول إن اسبينوزا أمر عمّاله بمتابعة أي شبهة أو وشاية على أي أندلسي، أو أن المحقق العام الآخر فرناندو فالديس Fernando Valdés أمر جميع الكنائس بوجوب إبلاغ محاكم التحقيق بأي معلومات تتضمن هرطقة أسرّ بها أي أندلسي خلال اداء الاعتراف للكاهن في الكنيسة، فإننا لا نريد بذلك تجنيب فيليب الثاني مسؤولية هذه السياسة الاضطهادية بحق الأندلسيين. نحن لسنا هنا حيال بطانة فاسدة حول ملك عادل لا يعرف ماذا يدور في مملكته، بل حيال ملك ذكي واثق من نفسه كان يخوض بكامل وعيه حرباً بلا هوادة ضد خصومه أياً كان دينهم لخدمة مصالحه التي رأى أنها متوافقة مع مصالح الكاثوليكية. ولا نعرف أي محقق عام عارض إيزابيلا ومن جاء بعدها. ولا نملك أي دليل على أن المحققين العامين وضعوا سياسات لم يوافق عليها الملك أو لم تكن “تفسيراً” اجتهادياً لتلك السياسات، بل يمكن القول ان محاكم التحقيق تعدّت حتى على بعض أهم حقوق الكنيسة الكاثوليكية مثل اعطاء الأمان لمن يلتجىء إلى الكنيسة، والمحافظة على سرّية الاعترافات، ووضعت قراراتها فوق قرارات البابا لأن ما أمر به المحقق العام فالديس مخالفة واضحة لأمر وجّهه البابا بولس الرابع إلى كهنة الاعتراف في الكنائس الإسبانية بتاريخ 32 حزيران (يونيو) عام 1556 خوّلهم قبول الاعترافات من دون الرجوع إلى محاكم التحقيق.

وتكشف دراسة ممارسات محاكم التحقيق في إسبانيا في القرن السادس عشر دوراً لهذه المحاكم يختلف كثيراً عن الدور الذي تصوّره الباباوات الذين أعطوا هذه المحكمة شرعيّة التأسيس. فالهدف هنا لم يعد يقتصر على محاربة أعداء الكنيسة الكاثوليكية بل على محاربة أعداء الامبراطورية الإسبانية السياسيين تحت غطاء اتهامهم بالهرطقة سواء كانت هذه الاتهامات حقيقية أو مجرد اختلاق. ولم تستطع محاكم التحقيق التحوّل إلى سلطة ضمن سلطة في أي وقت من الأوقات، ولم تتعد ممارساتها ما سمحت به الدولة. فهيمنة ملوك إسبانيا على المحاكم مطلقة دائماً فإذا منعوها من التدخل في شؤون الأندلسيين امتنعت بلا جدال، وإن أفلتوها على الأندلسيين فلا خلاص من سجونها وتعذيبها ومصادراتها. وهكذا باتت محاكم التحقيق “أداة أساسية في ضمان سلطة مطلقة” لملوك إسبانيا. وليس لدينا من الحقائق ما يكفي للاستنتاج بأن كارلوس أو فيليب كانا أكثر اهتماماً بوسائل تحقيق الأهداف التي رسماها لمحاكم التحقيق من اهتمامهما بالغاية. وكانت أهداف كارلوس وفيليب كبيرة لذا كانت الصلاحيات المُعطاة إلى محاكم التحقيق كبيرة، وكلاهما، كما إيزابيلا من قبلهما، منعا البابا من “التدخل” في قرارات المجلس الأعلى لمحاكم التحقيق على الرغم من أنه هو الذي يعيّن المحقق العام رئيساً لهذا المجلس الذي كان يُطلق عليه اسم “رئيس مجلس جلالته المقدس والعام التابع لمحاكم التحقيق المقدسة”.

إن هذه المهمة المنفصلة المزدوجة في آن هي التي قادت بعض المؤرخين إلى اتهام محاكم التحقيق بأنها كانت أكبر جهاز استخبارات إرهابي عرفه العالم، وإلى إفراغ معظم المحتوى الديني من مهمة محاكم التحقيق، وإلى إدانة جميع المشاركين فيها، وإلى دعوة البابا إلى الاعتذار عن كل ما حدث في الماضي. أما أهم هدف من كشف ممارسات محاكم التحقيق على الإطلاق فهو توعية الناس لكي يمنعوا قيام مثل هذه المؤسسات في المستقبل. ويمكن ان تبدأ هذه المحاكم بمجموعة مُحددة من الضحايا لكنها لا تلبث أن تكتسب زخماً بالقدرة الكامنة فيستخدمها الملوك الزمنيون والدينيون على حد سواء لإحراق أعدائهم ومصادرة أملاكهم كما حدث عندما “أقنع” الملك الفرنسي هنري الثامن البابا كليمنص بتسليط محاكم التحقيق على فرسان الهيكل الذين قال بابا قبله ان السيطرة على المناطق المقدسة في المشرق ما كانت ستستمر من دونهم ومن دون الفرق الدينية الأخرى.

محاكم التحقيق كدائرة للجباية

نعود بداية إلى التذكير والاستذكار بأهمية تجنّب التعميم فلا بدّ أن عدداً كبيراً من عمّال محاكم التحقيق كان مقتنعاً بأهمية عمله للمحافظة على وحدة الدولة والدين، وربما اعتقد كثيرون أن جهدهم ما هو إلا إسهاماً عن صدق وعقيدة في إصلاح حال الخطأة ودفعهم في اتجاه الخلاص كمقدمة لدخول الجنة. ومع ذلك لا بدّ من التذكير والاستذكار أيضاً بأن صلاحيات عمّال محاكم التحقيق تضمّنت أعظم صلاحية يمكن امتلاكها وهي تقرير الموت والحياة. وعلينا أن نفترض القداسة في جميع عمّال محاكم التحقيق بلا استثناء لكي نبعد عنهم شبهة استغلال سلطتهم لتحقيق مآرب شخصية أو للحصول على الرشوة أو قسر النساء الأندلسيات على الرضوخ لرغباتهم الجنسية أو استغلال ضعف الأطفال للغاية نفسها. وليس في وثائق محاكم التحقيق المُتاحة للباحثين ما يثبت أن عمّال محاكم التحقيق فعلوا هذه الأشياء، إلا أن بعض الأندلسيين وجه إليهم هذه التهمة وغيرها فقالوا إنهم «ذئاب مفترسة بلا رحمة، ومحكمتهم تعجرف واختلاس ولواط وفجور وشتيمة وجحود وغرور وتكبّر واستبداد وسرقة وظلم».

ومن الثابت المدعوم بالوثائق والأرقام أن العاملين في محاكم التحقيق ساهموا في اقتطاع جزء كبير من الثروة الأندلسية وتحويلها إلى خزانة الدولة أو استخدامها لتغطية نفقاتهم وربما الصرف على نشاطات الرهبانيات التي كانوا ينتسبون إليها. ويجب القول إن محاكم التحقيق لم تكن السبب في إيقاع نفسها في هذا المأزق الذي حولها إلى مؤسسة تشبه الشركة. فالسبب هو النظام التأسيسي لمحاكم التحقيق الذي فرض عليها تغطية نفقاتها ذاتياً، أي من إيرادات مصادرة أموال ضحاياها وممتلكاتهم والغرامات المالية المفروضة على الخطأة. ولم يكن تأمين التمويل الذاتي مشكلة كبيرة عندما كانت في إسبانيا محكمة واحدة لها مهمات محددة ومحدودة. لكن محاكم التحقيق في القرن السادس عشر أصبحت مؤسسة كبيرة تطلّب تمويلها مبالغ طائلة وكان عليها ان “تجبي” هذا التمويل من ضحاياها لأن كارلوس الخامس وفيليب الثاني وسّعا مهماتها لكنهما لم يوفرا الاعتمادات المالية لتغطية هذا التوسّع. ومع ذلك لم يكن تأمين التمويل الذاتي مشكلة عندما كان ضحاياها من الاثرياء اليهود أو الأندلسيين فربما استطاعت محاكم التحقيق تغطية نفقاتها طول السنة من مصادرة أموال وممتلكات ثري كبير واحد، وتحويل الباقي إلى الخزانة فأصبحت المحاكم من القنوات المهمة لتدفق الأموال على الخزانة العامة. واقتضى هذا الدور بناء كادر إداري كبير ضم جباة الضرائب ومخمّني أسعار العقار وخبراء بيع الممتلكات المحجوزة في المزادات العلنية والمحاسبين والإداريين وغيرهم. وهكذا تضخّم كادر محكمة التحقيق من بضع عشرات يوم ولادتها في عهد إيزابيلا إلى واحدة من المؤسسات البيروقراطية المهمة في إسبانيا.

ومع ذلك لم تسمح الخزانة لمحاكم التحقيق ترحيل جزء من إيراداتها إلى صندوق احتياط تستخدم أمواله عندما لا تتمكن من تغطية نفقاتها. لذا وجدت المحاكم نفسها مضطرة إلى الصرف على نفسها أولاً بأول فارتبط جزء من عملها ليس بملاحقة الهرطقة بل بالبحث عن مصادر التمويل لتسديد رواتب العاملين فيها والمعرّفين وأحياناً خبراء التعذيب المحترفين. وأيضاً لم تكن هذه مشكلة كبيرة عندما كانت محاكم التحقيق تصادر أموال الأثرياء، لكن مع الزمن قلّ عدد هؤلاء وبات على محاكم التحقيق مضاعفة عمليات المصادرة والغرامات للحصول على المقدار نفسه من التمويل. ووصل الأمر في بعض الحالات إلى ان جرد ممتلكات بعض الضحايا وبيعها لم يكن يغطي نفقات هذه العمليات، وتطوّرت بعد ذلك سياسة جديدة قامت على إجبار الأندلسيين على المساهمة في تغطية نفقات محاكم التحقيق في شكل “أتاوات” خاصة. ولدينا أمثلة عدّة على ذلك منها أن أندلسيين في مدن أريفالو Arevalo وديل كمبو (وكانت مركزاً مالياً مهماً) وأبلة Avila طالبوا محكمة التحقيق بعد إعلان اعتناقهم الكاثوليكية حديثاً بخفض الأتاوات المفروضة عليهم من 5000 مرابطي الى 4000 في بعض الحالات ومن 2000 مرابطي إلى 1000 مرابطي في حالات أخرى مما يعني أن هؤلاء كانوا يدفعون الأتاوات على الرغم من أنهم لم يتعمّدوا وبالتالي لم تشملهم صلاحيات محاكم التحقيق. أما محكمة التحقيق في مدينة بلد الوليد “فتحصلت على أمر بإجبار الموريسكيين على دفع ضريبة مالية استجابة للحاجة الماسة التي تعيشها محكمة التحقيق في مدينة بلد الوليد”.- وفي بلنسية “وجب على هاته المحاكم أن تعيش وعليه أجبر الموريسكيون على تسديد مبلغ 50.000 صولة بعملة بلنسية على دفعتين احداهما بتاريخ 30 أيلول (سبتمبر) والأخرى بتاريخ 30 آذار (مارس) من كل سنة وهذا يساوي بعملة قشتالة 2500 جنيه. وحتى يتمتعوا بالامتيازات هذه نفسها، وجب على موريسكيي أرغون أن يسددوا لمحكمة التحقيق في سرقسطة ما قيمته 32.171 صولة ودينارين”.

محاكم الشيطان

«سوف تُفتح إسبانيا من جديد»، كان الأندلسيون يهتفون من عتمة الاضطهاد السياسي والديني والاجتماعي الذي أحاط بهم من كل جانب، «سوف تُفتح من جديد، وسوف يفتحها عرب المغرب. وساعة النجاة قريبة وسوف تأتي من شمال أفريقية وبجّاية ووهران. وسوف تُفتح سبتة أولاً ثم سوف تُغزى إسبانيا من جديد، وسيمشي الفاتحون في خطى طارق وسينفتح الطريق أمامهم في صورة خارقة، وفي مضيق جبل طارق سوف يظهر جسر من الحديد وسوف يعبر العرب فوقه، وسوف يفتحون إسبانيا وسوف يصلون إلى جليقية».

وإلى يسار جليقية الواقعة في أقصى الشمال الغربي من إسبانيا إقليم مشهور هو الباسك تحالف أهله مرة مع الأندلسيين وهاجموا مؤخرة جيش شارلمان فمزّقوه وقتلوا رولان بعدما اجتاح جيشه العاصمة بمبلونة ونهبها. وقرب طرف المثلث الذي يجمع قشتالة القديمة ونافار وجليقية مدينة صغيرة تقع على نهر إبرة اسمها لوغرونيو Logrono، يسكنها نحو 82 ألف نسمة، وربما كان العدد نصف هذا عام 1576 عندما سلّم عمّال محاكم التحقيق إلى السلطات المدنية سيدة غرناطية اتهموها بالارتداد عن الكاثوليكية. ولا نعرف أين كانت هذه السيدة تسكن في غرناطة قبل نفيها إلى شمال إسبانيا بعد الثورة الكبرى، ولا نعرف إن كانت متزوجة ولها أولاد أم أن زوجها انتهى منفياً في مكان ما من قشتالة وانتزعت الكنيسة أولادها من بين يديها ووزعتهم على بيوت المسيحيين القشاتلة الذين اخذوا بيوت أهل غرناطة المنفيين. كل ما نعرفه عن حياة هذه السيدة الأندلسية الغرناطية أن أسقف مدينة كالهورة (قلهرة) فرض عليها توبة سرّية، ثم اعتقلتها محكمة التحقيق وأدانتها بالارتداد وسلمتها إلى السلطات المدنية “متوسلة إليها التصرف معها بكل رأفة وشفقة”، كما يرد في حاشية كل أوامر تنفيذ الإعدام بضحايا محاكم التحقيق كأن المحكمة لا علاقة لها بإعدام الضحايا.

وفي ساحة لوغرونيو نصب الجلادون المشنقة لهذه السيدة المسلمة، ثم نقلوها بعد فيضان روحها إلى المنصة المعروفة وأضرموا فيها النار. وكان مضى على استشهاد هذه السيدة 180 سنة عندما ولد في تلك المدينة مؤرخ شغلت محاكم التحقيق الإسبانية تفكيره في معظم سنوات عمره الناضج، ووضع قبل وفاته عام 1823 مؤلفاً ضخماً من أربعة أجزاء عن محاكم التحقيق الإسبانية يُعتبر إلى اليوم مرجع مراجع تاريخ تلك المحاكم. ولنا أن نتساءل ماذا كان يدور في خلد خوان أنطونيو لورنتي Juan Antonio Llorente وهو يطالع ملف هذه السيدة الغرناطية التي قضت في مدينته. ربما كان ملفاً من آلاف الملفات التي اطلع عليها، أو مجرّد رقم في إحصاءات ضحايا محاكم التحقيق، وربما وقف في ساحة المدينة يوماً وتصور تلك المرأة الغريبة التي عاشت عمرها المقتطع في مكان غريب ولم يبق منها بعد الحرق ما يمكن دفنه. ربما تخيل سماع صراخها أو صراخ عشرات الالاف من ضحايا محاكم التحقيق، وربما نستطيع نحن أيضاً أن نتخيلها ورأسها يتدلى فوق صدرها بعد انكسار عنقها وشفتاها لا تزالان مفتوحتين على آخر كلمة نطقتها. ما هي تلك الكلمة يا ترى؟ ما هو آخر شيء رأته في خيالها قبل أن تغمض عينيها للمرة الأخيرة؟ ابنها؟ ما اسم ابنها يا ترى؟ ابنتها؟ ما اسم ابنتها يا ترى؟ هل كبرت وتزوجت وأصبحت أمّاً قشتالية صالحة أم أصبحت شيئاً آخر؟

لا نعرف. لا نعرف ما هي آخر كلمة نطقها الأندلسيون الذين احرقتهم محاكم التحقيق، ولا نعرف عددهم بالضبط؟ لورنتي الإسباني الذي تمكّن من وثائق لمحاكم التحقيق لم يتمكّن منها غيره توصّل إلى أن عدد الأندلسيين الذين قضت محاكم التحقيق بحرقهم كان 31912 أندلسياً وأندلسية، واستنتج أن عدد الأندلسيين الذين أوقعت بهم محاكم التحقيق عقوبات وغرامات مختلفة كان271150 شخصاً فيما احرقت محاكم التحقيق تماثيل رمزية لـ7659 أندلسياً تمكّنوا من الفرار خارج إسبانيا أو اختفوا داخل تلك البلاد الشاسعة. هذه الأرقام المخيفة تعني ان مجموع ضحايا الأندلسيين، بين حرق وعقوبات، 302362 أندلسياً وأندلسية، أي واحد من بين كل ثلاثة أندلسيين كانوا يعيشون في إسبانيا. فهل نصدّق هذا المؤرّخ، حتى بعد الأخذ في الاعتبار ملاحظات المؤرخين الأحدث على عمله، أم الكتاب الباقين الذين زعموا أن عدد الأندلسيين الحرقى كان أقل من اليهود (2000 شخص تقريباً)، وأقل من البروتستانت (مئات فقط).وإذا لم يكن لورنتي يعرف وهو الذي شغل منصب الأمين العام لمحكمة التحقيق في مدريد فمن هو الذي يزيده معرفة؟

ويقول المؤرخ أوين تشادوك إن الفرنسيين عندما دخلوا إسبانيا عام 1808 كلّفوا لورنتي مهمة ضبط أرشيف محاكم التحقيق فاستفاد من منصبه هذا لجمع مادة الكتاب الذي ألّفه في ما بعد. وعندما انسحب الفرنسيون غادر لورنتي البلاد معهم وظل خارج إسبانيا عشر سنوات وضع خلالها مرجعه المشهور ونشره في باريس بين عامي 1817 و1818. وأثار الكتاب استياء الكثيرين من الإسبان وحظرت محاكم التحقيق تداوله على الفور. ويضيف تشادوك: “إن ما ساقه لورنتي لم يكن عرضاً بلا انحياز لكنه كان العرض الأول حتى ذلك الوقت لشخص كانت بين يديه وثائق أصلية ولذا اعتبر هذا العرض مادة لا يمكن الاستغناء عنها”.

وحتى مع التسليم بأن مؤرخين مثل لورنتي وهنري تشارلز ليا (1825-1909) من بعده ربما بالغا في تصوير فظائع محاكم التحقيق الإسبانية يجب التأكيد أنهما لم يخترعا تلك الفظائع ولم يشهّرا بتلك المحاكم لأن شهرتها كانت ملأت الآفاق آنذاك. وهكذا تبقى تركة محاكم التحقيق تركة كاثوليكية وإسبانية ثقيلة، مثل تركة الحروب الصليبية المشرقية. ومن المهم التأكيد أيضاً أن الإسبان، وحتى معظم الأوروبيين قبل صعود البروتستانتية، لم يجرؤا على انتقادها أو الحديث عن جرائمها. لكن المؤيدين كانوا كثرة أحدهم هو المؤرخ الإسباني المعاصر لتوركيماده سباستيان دو أولميدو Sebastian de Olmedo الذي يصف توركيماده بأنه «المطرقة التي تضرب الهراطقة، ونور إسبانيا، ومخلّص الدولة، وشرف رهبانيته (الدومينيكية)».

ولا يبدو لي بعيداً جداً عن المنطق والقبول إقتراح تقدير اعتباطي سنوي لعدد من حكمت عليهم محاكم التحقيق الإسبانية كلّها بالحرق بنحو 200 شخص فقط (عشرة لكل محكمة فرعيّة) على مدى النصف فقط من حياة هذه المحاكم التي استمرت 356 سنة بمجموع يبلغ 35600 ضحية، وهو رقم غير بعيد عن مجموع ضحايا المحاكم من اليهود والأندلسيين. ونجد أن مجموع الحرقى في مدينة مرسيّة الصغيرة مقارنة بغيرها من المدن الإسبانية، حسب احصاءات لورنتي، كان 132 شخصاً خلال سبع سنوات فقط بين 1557 و1563 (أي بمتوسط سنوي قدره 19 شخصاً) فيما كان عدد المعاقبين 227 شخصاً خلال الفترة نفسها.

وتظهر وثيقة لمحكمة التحقيق في طليطلة أن محصلة الضحايا بين عامي 1575 و1610 كانت 411 شخصاً منهم 174 شخصاً اتهمتهم المحكمة بممارسة الشعائر اليهودية، و47 شخصا بممارسة البروتستانتية، إلا أن عدد المتهمين بممارسة الدين الإسلامي كان 190 شخصاً وهي نسبة لا تقل عن النصف كثيراً. ويبدو أن المتهمين بممارسة الإسلام كان يشكّلون جزءاً مهماً من المحكوم عليهم بالحرق حتى بعد أكثر من 100 سنة من تغريب الأندلسيين ولدينا مثال على ذلك في ما حدث عام 1827 عندما قضت محكمة التحقيق في غرناطة بحرق 73 من نسل الأندلسيين على دفعتين: الأولى في آيار (مايو) تألفت من 45 أندلسياً إلى جانب عدد آخر من المتهمين بالهرطقة، والثانية في تشرين الأول (أكتوبر) حين أحرق 28 أندلسياً. وجاء تنفيذ هذه العقوبة بعد عام تقريباً من التحقيق والتعذيب خضع لهما عدد من القساوسة والعسكريين والإداريين المسلمين ومجموعة كبيرة من المسلمات بعد مداهمتهم وهم يؤدّون الصلاة في منزل أحد الجماعة.

وتنقل الكاتبة جين بليدي عن مؤرخ محاكم التحقيق الأميركي هنري تشارلز ليا عثور محاكم التحقيق في غرناطة على مسجد سرّي عام 1769. ولا تشير الكاتبة إلى مصدرها، لكن نعرف أن المؤلف الأميركي بحث جيداً في أرشيف مدينة بلنسية، ولم يجد أي إشارة إلى اعتقال محاكم التحقيق أي موريسكيين خلال فترة امتدت 40 عاماً بين 1780 و1820.

ومن المهم جداً استمرار كل الجهود الممكنة للوصول إلى تقدير فعلي لفداحة المأساة التي تعرّضت لها الأمّة الأندلسية الشهيدة في إسبانيا. والرقم النهائي من وجهة النظر هذه بالذات ليس مهماً فربما كان إحراق امرأة واحدة فقط أو رجل واحد فقط لأنه لا يريد أن يفكّر مثل الآخرين جريمة لا يمكن تسويغها في أي مكان وزمان. وربما وجب التفريق بين شيء مثل العنف وشيء مثل القسوة. إن العنف شيء مؤسف مهما كان سببه لكنه من طبيعة الإنسان كما يبدو. أما القسوة فشيء آخر. يوجد شيء شيطاني في القسوة، ويوجد شيء شيطاني في إصرار محاكم التحقيق على قتل الأمل الذي ظل بريقه في عيون الأندلسيين قوياً يخطف الأبصار على رغم كل شيء وحتى اللحظة الأخيرة. لهذا اعتبر الأندلسيون حكّام محاكم التحقيق «حلفاء الشيطان»، ولهذا رأوا في محكمة التحقيق مكاناً يحكمه «الشيطان الذي اتخذ من الخديعة والتضليل مستشارين له» ولهذا قال أحد الأندلسيين لعمّال محاكم التحقيق «جلالة الملكة الكاثوليكية إيزابيلا ليست موجودة في الجنة كما يقول المسيحيون بل في الدرك الأسفل من جهنم لأنها أسست هذه “المظلمة”، ومعها اليهود الذين يجب ألا يخرجوا منها بل أن يبقوا تحت رحى الطاحونة التي تطحن رؤوسهم».

الأمة الأندلسية الشهيدة: مراجعة وعرض صحيفة السفير اللبنانية

عرض كتاب: الأمة الأندلسية الشهيدة

الاربعاء ٢٥ نيسان (أبريل) ٢٠٠٧

(تاريخ 100 عام من المواجهة والاضطهاد بعد سقوط غرناطة)

المؤلف: عادل سعيد بشتاوي

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت

المصدر: صحيفة السفير – بيروت

 

كتب المؤلف تصديراً للكتاب أن هذا الكتاب هو ثمرة ربع قرن من الاهتمام بتاريخ الأندلس، وهو أكثر من تعديل وتعقيب وتطوير لكتاب: “الأندلسيون المواركة” الذي صدرت طبعته الأولى منذ 17 سنة، إنه كتاب جديد خصص لرحلة الأندلسيين بعد سقوط غرناطة إلى أبعد مدى اهتدى إليه المؤلف في ما يخص فهم تطور العلاقات بين الأندلسيين والأسبان في القرن السادس عشر الميلادي مع تسليط الضوء على علاقاتهم في القرن الثامن لفهم أسباب تبدل طبيعة العلاقات الدينية في شبه جزيرة أيبرية.

أعقب المؤلف تصدير الكتاب بفهرس محتوياته التي تضم مدخلاً تاريخياً، وملاحظات على متن الكتاب وخمسة فصول وملاحق ومصادر وجداول.

يمكننا تصنيف “المدخل التاريخي” في باب فلسفة التاريخ إذ يقرر الكاتب أننا “نحن أبناء الماضي، وإذا كان الماضي هو التاريخ فنحن أبناء التاريخ أيضاً (…) صنيعة الماضي الذي هو في وجداننا، وكما يحاول الطفل أن يتعرف على نفسه من خلال التعرف على أبيه فإن معرفة التاريخ فرسخ مهم في الطريق إلى معرفة أنفسنا، كما ستكون هذه المعرفة مهمة كي يعرفنا الآخرون عندما نصبح جزءاً من التاريخ المجبول بخلطة الأحداث التي كونت حضارات الأسرة البشرية، وقبل أن تصبح معرفة الماضي طريقنا إلى معرفة الحاضر يجب أن نتحقق من أن صورة التاريخ هي صورة الأحداث الحقيقية التي صنعته، وليس المرآة التي نسج بعض المؤرخين على نولها ما قُدّم لنا في المئة سنة الماضية على أنه التاريخ…”.

ويبدي الكاتب أسفه لوجود دعاة التاريخ الذين “ما يزالون يبحثون عن منافذ جدلية لاستخدامها جسراً يعبرون عليه إلى ساحة الهجوم على الإسلام، وتأجيج الروح الصليبية التي نريد أن نعاقد أننا انتهينا منها”. ويقدم المؤلف وجهة نظره في التاريخ والمؤرخ، والدين والمصالح، ومكانة الأندلس وأهلها بين شعوب الأرض باعتبارهم جسراً حضارياً بين الشرق والغرب، ويبدي رأيه بانهيار الخلافة القرطبية، والحروب الصليبية الغربية، وصولاً إلى القرن الثالث عشر الميلادي “عندما اجتاح القشاتلة والبرتغال والأرغونيون وسط الأندلس”.

وبحث المؤلف في سقوط غرناطة، وبدء اضطهاد الأندلسيين، والتطورات الدولية أثناء سقوطها، وقيام الثورة الأندلسية الكبرى التي استمرت ثلاثة سنوات أيام الملك فيليب الثاني الذي أصدر مرسوماً يخول الجنود قتل الأندلسيين وسبي نسائهم ابتداء من 19 تشرين الثاني سنة 1570 م، ودفع الأندلسيون ثمن الحرية من دون أن تتحقق بل وقعت مأساة الأمة الأندلسية، وتمثلت المأساة “بمحاكم الشيطان” وتغريب الأندلسيين، واستيلاء أوروبا على تركاتهم، وبطش البرابرة بالحضارة الأندلسية التي تحولت إلى طيف يداعب الخيال. “ووجد الأندلسيون المنفيون وطناً بديلاً في المغرب وتونس ومصر ودمشق والقسطنطينية وعشرات الدول والمدن، لكن آخرين عانوا كثيراً، فيما لقي بعضهم نهايته على يد الأخوة في الدين والقومية كما يؤكد المقري: (فتسلط عليهم الأغراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من المضرة…)”.

وعنون المؤرخ الفصل الأول بـ “لماذا سقطت الأندلس” فضّمنه أحوال “أيبرية قبل الفتح” ابتداء من نزول الفينيقيين أجداد القرطاجيين على السواحل الجنوبية منذ سنة 1100 قبل الميلاد تقريباً وسيطرتهم المطلقة حين بنوا مدناً أعطوها أسماء مدنهم اللبنانية مثل (قادس، وعدرة، وترشيش، ومالقة) ثم أسسوا قرطاجة في تونس سنة 850 ق.م، ومنها انطلقوا إلى الأندلس فأسسوا (قرطبة، وأشبيلية، (أسفيلية)، وميورقة، ومنورقة، وقرطبة (برج قرطجنة).

وبعد الحروب البونية انتصر الرومان على القرطاجيين من سنة 255 ق.م حتى سنة 241 ق.م. ولما آلت زعامة القرطاجيين إلى هنيبعل سنة 221 ق.م. قاد حرباً ضد روما انطلاقاً من الأندلس سنة 218 ق.م ومروراً بجبال البيرنيه ثم جبال الألب، وهزم الرومان قرب روما، ولكنه هزم في معركة زامة سنة 202 ق.م. بعدما انضمت أيبرية إلى روما منذ سنة 212 ق.م. ثم أصبحت روما إمبراطورية عالمية أخضعت أيبرية لسلطتها بعد مئتي سنة من الحروب، ثم نقل قسطنطين عاصمة إمبراطوريته إلى بيزنطة سنة 330 م. وسماها “قسطنطينوبل” وصارت عاصمة للإمبراطورية البيزنطية الشرقية الرومية الأرثوذكسية، وضعفت الإمبراطورية الرومانية الغربية بعدما مات الإمبراطور ثيوديسيوس سنة 395 م، وغزاها القوط حيث دخلها زعيمهم أدواسر سنة 476 م وعزل آخر أباطرتها رومولوس أوغسطوس، وقام الصراع بين القوط والوندال ولكن الإمبراطور البيزنطي جوستنيان قضى على الوندال سنة 534 م. ثم قضى على القوط سنة 553 م. بعدما ضم شبه جزيرة أيبرية إلى الإمبراطورية البيزنطية سنة 535 م. ثم نشأت المملكة القوطية الغربية في أيبرية سنة 575 م. وقرر المجمع المسكوني الثالث اعتماد المذهب الكاثوليكي سنة 589 م. وبدأ الصراع على السلطة منذ سنة 623 م. حتى سنة 708 م. حيث نصّبوا لزريق (رودريك) ملكاً وخلعوا غيطشة (فيتسيا)، وساد الاضطراب السياسي والصراع المذهبي شبه جزيرة أيبرية.

في فترة الاضطراب الأيبرية كان الدعاة المسلمون يتوسعون شرقاً وغرباً في عهد الخلافة الإسلامية الأموية كامتداد للفتوحات التي عقد رايتها الأولى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وسار على سنته الخلفاء الراشدون ثم الأمويون فوصل المسلمون الأندلس بناء عل أمر الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رضي الله عنه) إذ أمر عبد الله بن أبي سرح بتوجيه جيش إلى الأندلس لفتح القسطنطينية التي “تفتح من الغرب” بحسب ما رواه الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله.

وهذه المحاولة الأولى لم يذكرها المؤرخ عادل بشتاوي على رغم أهميتها؛ إذ اعتبر طليعة الفتح حملة طريف بن مالك النخعي سنة 91هـ/710 م، ثم قاد الغزوة الكبرى طارق بن زياد سنة 92هـ/711 م وخاض المعركة في 19 تموز 711 م بعد نزوله على البر الإسباني في 28 نيسان 711 م وحقق النصر بعد معركة استمرت ثمانية أيام ثم توالت انتصارات المسلمين ودخل الأندلسيون في دين الله أفواجاً.

وقامت في الشمال حركات معارضة للمسلمين تزعمها بلايو (بلي، أو بلاي) الذي خلفه ابنه (فافليه) سنة 119 هـ/737 م، ثم مات بعد سنتين فحل محله الفونسو الأول الكاثوليكي فامتدت زعامته حتى سنة 757 م وسيطر على “منطقة استرياس وجليقية وليون، ثم خلفه ابنه فرويلة الأول فسار على نهج أبيه” وحينذاك شهدت الأندلس تمرد البربر ضد الأندلسيين والأمويين، ثم ساد التناحر وانتصر البشكنس (الباسك) على يوسف بن عبد الرحمن الفهري (746-756 م) وحينذاك وصل الأندلس صقر قريش عبد الرحمن الداخل الأموي، وغلامه بدر، وقاد الصراع ضد الفونسو الثاني (743-791م). وبعد ذلك قاد المسلمين الأمير محمد بن عبد الرحمن (852-886م) ضد الملك أردون الأول (850-866 م) ثم استغل الفونسو الثالث (866-910 م) مرحلة الاضطراب التي عصفت بالمسلمين فتقدم إلى نهر دويرة. ثم جاء الخليفة عبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله فقضى على حركات التمرد الداخلية وامتد حكمه من سنة 912 م. حتى سنة 961 م، وأعلن الخلافة الإسلامية الأموية في الأندلس سنة 316 هـ/929 م.

وفي عهده ازدهرت الحضارة الإسلامية في الأندلس ووصلت القمة، وخاضت صراعاً مع ردمير الثاني (932-950 م) وأصبحت الخلافة الإسلامية الأندلسية أقوى قوة عسكرية في عهد المستنصر بالله (961-976م) وخلفه ابنه هشام الثاني، المؤيد بالله وكان صغير السن فبدأت الانشقاقات وظهر ملوك الطوائف مع مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، وجابهتها قوات قشتالة وأرغون والبرتغال الموحدة التي أخضعت دويلات الطوائف فسقطت سرقسطة سنة 512 هـ/1118م، وانقضّت البرتغال على الأندلس جنوباً، وساهم الفرنسيون (الفرنجة) في سقوط الأندلس ابتداءً من معركة تولوز (طلوزة) سنة 107 هـ/725م، ثم معركة الزلاقة 1086 م/479 هـ، وساهموا في إسقاط سرقسطة، وموقعة العقاب الحاسمة سنة 1212م/609 هـ. التي دعمها البابا أنوصان الثالث، وسار على خطاه البابا غريغوريوس التاسع (1227-1241 م) بإضفاء صبغة الحروب الصليبية على حرب الأوروبيين مع مسلمي الأندلس، وكرس فرناندو الثالث قديساً (1217-1252 م).

ولما اعتلت ايزابيلا عرش قشتالة سنة 879 هـ/1474 م، واعتلى فرناندو عرش أرغون بارك البابا سيكستوس الرابع (1471-1484 م) اتفق فرناندو وايزابيلا على مملكة غرناطة المسلمة كرد انتقامي على فتح السلطان العثماني محمد الفاتح لمدينة اسطنبول سنة 1453م، وفتحه “120 مملكة و 200 مدينة في جنوب أوروبا”. وهكذا مول البابا سيكستوس الحملة (كروثادا) ضد الغرناطيين وساهم في تمويلها “اليهود والإيطاليون والهولنديون والألمان وبعد موت فاسيكستوس استكمل البابا أنوصان الثامن (1484-1492 م) ما بدأه سلفه، فأحيا الحملة البابوية على غرناطة سنة 890 هـ/1485 م، وكتب فرناندو إلى البابا يبشره بإنهاء آخر وجود إسلامي سياسي في شبه جزيرة أيبرية في اليوم الثاني من كانون الثاني سنة 1492م”.

وتناول المؤلف في الفصل الثاني الثورة الأندلسية الأولى بعد توزع الأندلسيين الذي أعقب سقوط غرناطة، وإطلاق البابا اسكندر السادس لقب: الملكين الكاثوليكيين على فرناندو وايزابيلا سنة 1494 م، فضّيقا الخناق على المسلمين بالتجسس عليهم بواسطة الكاهن خيمينس ومخبريه مما سبب مقتل بعض مخبريه وأدى إلى ثورة حي البيازين الغرناطيين ابتداء من تشرين الثاني سنة 1499 م وامتدت الثورة إلى الجبل الأحمر، وكان الرد بإصدار ايزابيلا مرسوم تنصير الأندلسيين في 12/2/1502م الأمر الذي أدى إلى استشهاد وتهجير الكثيرين على أيدي قوات الإمبراطورية الإسبانية الكاثوليكية.

ثم قامت الثورة الأندلسية وشهدت غرناطة تنفيذ أحكام محاكم التفتيش بالحرق وازداد الصراع الكاثوليكي الإسباني مع الخلافة الإسلامية العثمانية في أوروبا الشرقية وسواحل البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا فشدد الأسبان على المسلمين الحصار، وتنازل كارلوس عن العرش الإسباني لابنه فيليب سنة 1556 م فأعلن الحرب على المسلمين وعلى فرنسا وعلى البروتستانت، واعتبر البروتستانت هراطقة وأمر بإحراقهم ودعم محاكم التفتيش، واتهم الأندلسيين بالتعاون مع العثمانيين سنة 1565، ووقف البابا بيوس ضد التسامح الديني (1504-1572م) ودعا إلى تحالف إسبانيا والبندقية ضد العثمانيين سنة 1571م، وجراء ازدياد الضغط على مسلمي الأندلس بدأت شرارة الثورة في 25/4/1568م في جبل البشرات، ثم دخل الثوار غرناطة بقيادة فراس بن فراس ثم عادوا إلى جبل البشرات مقر القائد العام للثورة ابن أمية (ابن همية) الذي سماه الإسبان هرناندو دي بالور.

وكلف الملك فيليب أخاه غير الشرعي وابن محظية أبيه النمساوية، دون خوان النمساوي بالقضاء على ثورة المسلمين وبدأت المواجهات الشرسة منذ سنة 1569 م وانتهت الثورة في منتصف سنة 1571 م بعدما استشهد 20 ألف مسلم وجرح 60 ألفاً. وأعدم عشرات الآلاف، ومات فيليب الثاني سنة 1598 م وخلفه فيليب الثالث وبدأ تفكك الإمبراطورية الإسبانية.

تناول الكاتب في الفصل الرابع طبيعة العلاقات الدينية في الأندلس وما أفرزته محاكم التحقيق، وهذا الفصل غني بالإحصاءات لأعداد الذين حكم عليهم بالموت قتلاً وحرقاً وخنقاً، وأوضح دور البابوية الكاثوليكية في إذكاء نيران فتن الاضطهاد الديني واتهام غير الكاثوليك بالهرقطة، وإباحة تعذيبهم وقتلهم بالوسائل اللا إنسانية كافة التي ابتكرها الطغاة عبر التاريخ وجمع صور ما أنتجته محاكم التفتيش من ماس المؤرخ الإسباني خوان أنطونيو لورنتي الذي جمع أربعة مجلدات قبل موته سنة 1823 م وضمنها وثائق المحاكم اللا إنسانية بما فيها من قصص القضايا المحزنة.

وذكر أن عدد الأندلسيين والأندلسيات الذين حرقوا هو 912،31 رجلاً وامرأة وعدد الذين غرموا 150،271، فبلغ عدد ضحايا المحاكم 362،303 أندلسياً وأندلسية، هذا باعتراف لورنتي الذي شغل منصب الأمين العام لمحكمة التحقيق في مدريد، ونشر كتابه في باريس سنة (1817-1818 م). وتفيد الوثائق أن المحاكم استمرت ضد الأندلسيين حتى سنة 1769 م، وكان إلغاء محاكم التحقيق بأمر من الملك الفرنسي جوزيف الذي نصبه أخوه نابليون بونابرت ملكاً على إسبانيا سنة 1808 م بعدما خلع ملكها فرناندو السابع.

وقام نابليون باعتقال البابا بيوس السابع وسجنه إذ كانت البابوية مؤيدة لمحاكم التفتيش. لكن الإسبان استعانوا بالإنكليز على الفرنسيين فأخرجوهم من إسبانيا 1814سنة وأطلق سراح البابا بيوس السابع. وعاد فرناندو إلى الحكم فأعاد تأسيس محاكم التفتيش بموافقة البابا بيوس السابع، فقامت ثورة إسبانية ضده فاستعان بالفرنسيين فدخلوا إسبانيا سنة 1823 وأخمدوا الثورة وعطلوا “محاكم التفتيش” إلا أنه حولها إلى منظمات إرهابية عرفت باسم “عصب الإيمان” وشنقت معلماً سنة 1826 بتهمة الهرطقة. وحلت محاكم “عصب الإيمان” سنة 1835 بعد وفاة فرناندو سنة 1833. وفي 19/9/1998 اعتذر البابا يوحنا بولس الثاني “للبروتستانت عن الأذى الذي لحق بهم في القرن السادس عشر وما بعده على أيدي الكاثوليك …” وخلص المؤلف إلى وصف ما خلفته محاكم التحقيق الإسبانية: بالتركة اللاأخلاقية الثقيلة.

عُقد الفصل الخامس تحت عنوان “تغريب الأندلسيين من إسبانيا” وتضمن مأساة الأمة الأندلسية قبل التغريب، وأسباب التغريب لاعتبارات إسبانية، وما صادف ذلك من انتفاضات الأندلسيين المغربين، ثم عرض مواطن الأندلسيين الجدد بعد التغريب وذكر أن “هناك حالات كثيرة عن إسبان ظلوا مسلمين حتى القرن التاسع عشر وربما بعده أيضا”. وقدم معلومات مفيدة عن المسلمين في المغرب وتونس والجزائر وجنوب فرنسا وكورسيكا وألمانيا وهولندا وسويسرا وولايات السلطنة العثمانية في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية، ومستعمرات إسبانيا في أميركا الجنوبية

 

المصالحة في ذروة العنف الجسماني والنفساني

بقايا الوشم: مراجعة وعرض الكاتب والصحافي صلاح حزين

 

(عندما تتنفس ذكرى صلاح حزيّن من خرم إبرة الزمن)

 

tt_cut_edited-1

 

«الغربة عند عادل بشتاوي ليست سوى صورة اخرى للوطن انه يستحضر الوطن ولكن ذلك لا يتم من خلال حنين اليه بقدر ما يكون من خلال المواءمة بين الوطن والمغترب، من خلال الاستعانة بالحياة في احدهما على فقد الثاني.»

لا تشذ رواية عادل بشتاوي بقايا الوشم عن باقي روايات الاغتراب في طرحها موضوعة الغربة بوصفها الوجه الآخر لموضوعة الوطن. فرواية الاغتراب لا تكتمل الا باستحضار الوطن الذي تبدأ الغربة بفقده، وفيها يزداد الوطن حضورا بأحداثه وتفاصيله وشخوصه، وتصبح حياة الوطن ظلاً دائم الحضور لحياة الغربة، ففي الغربة ليس هناك ما هو اكثر حضوراً من الوطن.

الغربة من حيث المبدا تقيض الوطن، لكنها ايضا وجهه الاخر، ومن هنا فقد اعتدنا ان نقرأ روايات عن الغربة هي الاكثر احتشاداً بالوطن واحتفاءً بصوره ورموزه واستحضارا لشخوصه واحداثه من خلال حنين طاغ الى تلك المرحلة من العمر التي كان فيها للشخصيات وطن تسكنه قبل ان تأتي مرحلة الغربة التي يكن فيها الوطن تلك الشخصيات.

لكن الغربة عند عادل بشتاوي ليست سوى صورة اخرى للوطن انه يستحضر الوطن ولكن ذلك لا يتم من خلال حنين اليه بقدر ما يكون من خلال المواءمة بين الوطن والمغترب، من خلال الاستعانة بالحياة في احدهما على فقد الثاني. ففي غربته في لندن يتزوج بطل روايته هشام، وفيها تموت الزوجة الأنجليزية وتدفن هناك، ويدفن معها جزء من قلب هشام وذكرياته الحميمة. وهناك ينجب ابنه وسام الذي يكون في زمن الرواية في مقتبل عمره. ومثل والده هشام لا يجد وسام صعوبة في التعامل مع مغتربه، ولا يشير اليه بوصفه كذلك طوال الرواية، بل انه بعد ان يلتقي عروباً ويحبها في لندن يسافر الى عمّان ليتزوجها ثم يأخذها معه عائدا الى مغتربه دون ان يؤرقه شعور بفقد الوطن والابتعاد عنه وكان المغترب هو الموجه الآخر للوطن.

وبهذه المشاعر تجاه المغترب فإن وسام هو الابن الشرعي لابيه هشام باكثر من معنى فهشام الذي وصل مغتربه اللندني في مطلع السبعينات بعد قصة حب فاشلة وقصة نضال سياسي لا يبدو انها كانت اكثر نجاحا، وجد في مغتربه ذاك ما لم يجده في وطنه. وجد الزوجة المحبة ووجد حياة اكثر راحة واستقرارا، ساعده في ذلك انجابه ابنه وسام من زوجته الاوروبية ليصبح له ابن نصف اوروبي يشكل صلة الوصل بمجتمع لم تعزه وسيلة اتصال به اصلاً.

ثم… كان يا مكان

تبدأ الرواية بهشام متتقلا في شوارع لندن الرئيسية والفرعية التي يعرفها جيدا وينقل نظره بين حوانيتها ومحلاتها التجارية التي يكاد يحفظها عن ظهر قلب مستذكراً اياماً مضت كان خلالها يتجول في هذه الشوارع نفسها منتظرا زوجته الراحلة تصعد اليه من محطة مترو الانفاق ليعودا الى بيتهما.

لكن حادثاً يقع امامه وهو في هذه الحال يعيد هشاماً الى زمن آخر ومكان آخر. فمن خلال متابعته حركة الناس في الشارع يشاهد لصاً يحاول سرقة حقيبة امراة تسير وابنتها. وحين يقترب منهما يكتشف ان المرأة ليست سوى علياء، تلك الفتاة التي احبها في دمشق في مطلع السبعينات، غير انه لم يتزوجها فـ”ظفر” بها خليل وتزوجها قبل اكثر من ربع قرن عبر ملابسات نكتشفها من خلال مشاهد وومضات رجوع في الزمن وحوارات بينهما تصخب حيناً وتنساب بهدوء وعذوبة حيناً آخر ولكنها تبقي حزينة في كل الاحيان.

وتضطر علياء ومعها ابنتها عروب بعدما فقدتا كل ما معها من مال واوراق الى ان تقضيا بضعة ايام في شقة هشام في لندن وهناك تختلط حياة الغربة بذكريات الوطن، وذلك عبر مسارين مسار استرجاع هشام وعلياء الملابسات التي احاطت بحبهما الذي افضي به، بسبب ارتباطاته النضالية الفلسطينية، الى السجن، وافضت بها، بسبب قسوة المجتمع، الى الزواج من خليل. اما المسار الثاني فتشكله تلك العلاقة التي تنشأ بين وسام إبن هشام وعروب ابنة علياء وتتطور الى قصة حب جديدة تبدو حيناً كأنها تكرار للقصة القديمة لابويهما لكنها سرعان ما تعود الى حقيقتها قصة جديدة ومختلفة تماماً، فهي قصة تحدث في زمن مختلف وعلى ارض مختلفة.

بقايا الوشم رواية عادل بشتاوي الاولى، بعد خمس مجموعات قصصية ورواية قصيرة، هي قصة وسام وعروب. وعلى الرغم مما يبدو في كثير من الاحيان وكانها تنويع على قصة والديهما هشام وعلياء فانها سرعان ما تعود لتاخذ منحنيات جديدة تنأى بها عن تلك القصة التي حدثت قبل اكثر من ربع قرن وتشهر نفسها قصة جديدة لجيل جديد في زمن جديد وعلى ارض جديدة.

الجديد والقديم

ما يجمع القصة الجديدة بالقديمة روح الشباب وعنفوانه ونزقه وتهوره وجنونه والتى يتبادل الادوار فيها كل من وسام وعروب اليوم تماماً مثلما كان يتبادلها هشام وعلياء قبل ربع قرن. ويجمع القصتين وجود هشام وعلياء العاشقين السابقين اللذين يراقبان قصة حب العاشقين الشابين ورعايتهما لبذرة الحب التي انطلقت بين ولديهما، وحرصهما على الا تنتهي قصة الحب الجديدة الى فشل فيكرر التاريخ نفسه في صورة مأساة. ويجمع القصتين ايضاً وجود خليل فهو زوج علياء الذي ما زالت شكوكه بعلاقة زوجته بهشام حاضرة لم تخفف من وطأتها السنون التي مرت، وهو والد عروب وبصفته هذه فإنه قادر على افشال قصة الحب الجديدة بين وسام وعروب وهو أب، تماما كما كان افشل قصة حب هشام وعلياء وهو زوج قبل اكثر من ربع قرن.

لكن الزمن لا يبدو محايداً أبداً هنا، فالقصة الجديدة تدور احداثها في التسعينات وليس في السبعينات، وان كان صحيحاً ان عروب تحمل روحا رومانسية مثل امها فإنها في الوقت نفسه أكثر جرأة وهي اكثر ثقافة وعلما ومعرفة من امها وهي اكثر احساسا بنفسها روحا وكيانا وجسداً لا تعيبه احتياجاته حتى البيولوجية الخالصة منها. وهي اكثر قوة لذا تتصدى لآرلين صديقة وسام الانجليزية وتجبرها على الانسحاب من حياته. وبالرغم من ذلك فهي ليست مثل عرب المهجر (ص 99).

اما وسام فهو إن بدا حينا تنويعا على شخصية والده هشام فإن له من المزايا ما يجعله يبدو متجاوزاً له، وفي كثير من الاحيان نقيضاً له فهو ليس مغتربا مثل والده، وهو بذلك متحرر من أثقال الماضي وقيوده التي ما زالت تكبّل حركة والده، سواء كانت تلك القيود ذكريات حب فاشل، أو عمل يذهب به الى بلدان عربية في البحرين وقطر والامارات او إخوة واخوات واقارب يذهب لزيارتهم في عمان ودمشق. وسام هنا نصف مغترب، اي انه نصف اوروبي يحتفل بعيد الميلا ويحرص على اضاءة شجرة بهذه المناسبة وهو مولع بالاوبرا وهو في الوقت نفسه لا يجيد العربية تماما فهو لا يعرب ولا يكتب ويفكر بالانكليزية (ص 142).

وفوق ذلك فإن وسام يتعامل مع ارقى منجزات التكنولوجيا في مجال الكومبيوتر، فهو ليس ابن التسعينات فقد بل هو ايضا ابن المجتمع الاوروبي المتقدم اجتماعيا وتكنولوجيا بما لا يقاس عن المجتمعات العربية وحين يلاقي عروباً يكون منغمساً بالعمل في فيلم يحتاج مهاراته في هذه المجال ويتلخص دوره في العمل في برنامج يحرك شفتي الممثلين وفق اصوات حروف العلة. “الصور التي ترينها على الشاشة بلا حياة. لجعل المشاهد يتفاعل معها لا بد من احيائها عن طريق جعلها تتحرك وتتلوى وتتألم كالبشر وتنطق ليس بالكلمات فقط بل بالعاطفة التي تناسب الكلام” (ص 137). بل ان وساماً لا يتردد في استخدام الكومبيوتر في خداع عروب من خلال تركيب صوت على صوته والدخول في حوار هازل معها عبر المحيط.

المجاني والمكمل

هذه المعرفة بالكومبيوتر ودقائقه ليست مجانية في الرواية فهي المكمل لانتماء وسام الى عصره الجديد والى مجتمعه الاوروبي الجديد. هذه الانتماء الذي يبدو جلياً في اكتمال شخصيته واتساق افكارها مع مسلكها وخلوها من العقد المشرقية التي تدخله في ارباكات اساسها عدم الثقة بالنفس والهواجي الموروثة. وهو ما نلاحظه واضحا في شخصية عروب فبالرغم من كونها ابنة عصرها فإنها تبقى ابنة الشرق وليست ابنة الغرب. لذا فإنها كثيرا ما تدخل في حالات من عدم اليقين وتتمنع على ما ترغب فيه وتتصنع عدم الاكتراث بما تتلهف عليه وكلها سمات مشرقية بامتياز.

وهذه المعرفة بالكومبيوتر واسراره ليست سمة عصر مختلف فقط بل هي سمة مكان مختلف ايضاً فإن كان وسام هو ابن مجتمع التكنولوجيا والكومبيوتر فإن خليل والد عروب هو الابن الشرعي لمجتمع التقاليد البالية والشكوك والريبة وعدم الثقة بالنفس وعدم التسامح حتى مع اقرب المقربين اليه – الزوجة والابنة. لذا فهو حالما يعرف ان زوجته علياء وابنته عروب قضتا ليلة في لندن حتى يبدأ رحلة من الشك تتبعها رحلة من البحث الدؤوب من اجل اكتشاف ما يمكن ان يكون قد حدث مع زوجته وابنته في العاصمة البعيدة ويثمر دأبه في هذا الاتجاه.

ويصل خليل فعلا الى اكتشاف اقامة زوجته في شقة هشام فيتحول الى وحش كاسر يملأه الغضب وتستحوذ عليه الرغبة في الانتقام فيبدأ عملية مريعة من الاذلال والاهانة لزوجته والطعن في شرف ابنته التي لم يستوعب ذهنه المتخلف ارتباطها بعلاقة حب مع شاب غريب ويصر على اجراء اختبار للتأكد من عذريتها مع ما يعنيه ذلك من اهانة لانوثتها واغتصاب لكرامتها واعتداء صارخ على بكارتها بالمعني النفسي للكلمة فضلا عن الاعتداء على بكارتها الحقيقية. وامام هذا العدوان السافر على شخصية ابنته ينتقل الى الاعتداء الجسدي عليها حتى تنهار عروب من جراء ضرب والدها المبرح لها وتكاد تفقد نظرها.

ولكن مسار الرواية وقد شارفت على الانتهاء يعود ليأخذ منحى تصالحيا يعوزه المبرر الفني القوي بعد ذروة من العنف والقسوة البدنية والنفسية التي تستبد بخليل وتضعه على حدود طلاقه لعلياء ويسفر هذا المنحى التصالحي عن تحول لا مقدمات له في شخصية خليل فيعيد زوجته اليه ويبارك زواج ابنته من وسام ابن غريمه القديم هشام الذي يعود الى حزنه المقيم بفقد علياء مرة ثانية بعدما كان فقدها قبل ربع قرن، وبعدما كان فقد زوجته قبل اشهر، وتنتهي قصة الحب الجديدة لوسام وعروب بالنجاح مخلفة قصة الحب القديمة بقايا وشم في قلبي هشام وعلياء.

الإشكالية النسائية في رواية بقايا الوشم وقضايا أخرى

تفقد الرواية الحديثة بريقها ان اقتصرنا على نواتها الحكائية وإنْ جردناها من جزئياتها وتفاصيلها. وحيث ان هذا النحو من النظر عادةٌ تشكلت بفعل استراتيجية القراءة والذاكرة التي تميل الى مثل هذا الاختزال والإسقاط، والظن ان الدلالة أو الدلالات الروائية تستقر في نهاية المطاف في هذا الأصل أو تلك النواة، فإن هذه الاستراتيجية الاختزالية تفضي في غالب الأحيان الى تسطيح الرواية. الرواية التي ما تزال ترسي بناءها الجمالي وفاعليتها على ما يتجاوز هذه النواة، وتنتحل أشكالاً سردية وتعبيرية متعددة. وتتخذ اتجاهات ملتبسة ومُلغزة. وتكسر الحدود بين المعيش والمتخيل، وتهزّ تراتبية الأمكنة والأزمنة.

ولو حاولنا ان نقرأ رواية عادل بشتاوي الجديدة بقايا الوشم في ضوء المغريات التي تقدمها النواة الحكائية، أو رتابة السطوح، لما استقر بين أيدينا من الصفحات الخمسمئة والخمسين بعد أن نتخفف من حمل وأعباء ما لا يتعلق بالنواة الحكائية سوى بضع صفحات تحكي قصة بسيطة تدور حول رجل وامرأة شاءت الأقدار ان يلتقيا بعد ربع قرن من الفراق. فيجدد ابنه وابنتها قصة حب تماثل قصتهما السابقة.

يبد ان تناول الرواية من هذه الزاوية الضيقة دون الإطلالة على طبيعة الكتابة السردية لدى الكاتب، وطريقة بنائه وتكوينه لمتنه ولأشكال التخييل الروائي، وقدرته على خلق ايقاع الرواية الداخلي المتفرّد، وابتكار سياقاتها وحواراتها الواقعية وتداعياتها الاستيهامية. هذا التناول لن يؤدي بنظرته المحدودة إلا الى تعرية الرواية من مقوماتها الأساسية ومن كثافتها وتمايزها.

بقايا الوشم لعادل بشتاوي لا تنغلق على هذه الحكاية العادية، إنما تنفتح عبر بنية روائية متعددة الروافد والحواشي على كثير من الأسئلة والقضايا الحضارية، وفي مقدمتها الإشكالية النسائية التي عاينها من قبلُ روائيون عرب فوضعوا العلاقة الملتبسة بين الشاب العربي والفتاة الأوروبية تحت عدسة مجهرهم. بيد ان ªبقايا الوشم’ تتمثّل هذه الإشكالية من زاوية أخرى، فتتناول العلاقة بين الجيل الثاني أو الثالث من العرب المهاجرين المتشبّع بالحضارة الغربية وسلوكياتها وتقنياتها من طرف. والجيل النسائي العربي المثقف والمتعلم الذي ما فتىء يرزح في بلادنا تحت وطأة التقاليد من طرف آخر.

اختار القاص مدينة لندن، ولعل في هذا الخيار بعض ما يمت الى تجربة شخصية، لتكون محطة عبور لامرأتين: عروب ووالدتها، المنتقلتين الى الولايات المتحدة الأميركية لحضور حفل زفاف شقيق الوالدة. ولكنّ لندن تحوّلت بمحض الصدفة، أو بمشيئة الروائي الى حالة اختبار حضارية قاسية ومضنية، فبدلت نفسية المرأتين، كما قلبت حياة الرجلين هشام حبيب الأم السابق، وابنه وسام الحبيب اللاحق لعروب، خلال ثلاثة أو أربعة أيام فحسب أمضيتاها في منزل الرجلين مضطرتين بعد أن سُرق منهما جوازا سفريهما في مكان عام للتسوق في قلب العاصمة البريطانية.

خلال هذا الزمن القصير جداً من المساكنة المؤقتة نسج بشتاوي عقدة من العلائق المتشابكة بين أبطاله، وحوّل، عبر عملية تكثيف زمني، الأيام المعدودة الى زمن حضاري استغرق في روايته أكثر من ثلاثمئة صفحة، فقلبَ أمزجة وأفكاراً ومصائر. وبدون مراعاة هذا المنحى التكثيفي الترميزي يتحول ما يرويه القاص في هذه الصفحات العديدة الى أطناب لا جدوى منه. وإلى تحشية لا طائل تحتها. وبشتاوي في حقيقة الأمر يستهويه هذا الالتفاف على النفس، وهذا التوغل العميق في دهليزية العواطف، واستنباش المكنون والدفين.

«ومن ميزات الرواية أنها ترصد أبطالها رصداً دقيقاً في صمتهم وكلامهم وحركاتهم. وتتبّع ما يساورهم من انفعالات ومخاوف عميقة وغامضة وإحساس بالذنب والقلق. وتقبض على ارتعاشات العاطفة ودبيب اللذة وخدرها في النفس والجسد. حتى لكأنها بقوامها وأصواتها ولغاتها موشور يعكس طيف العالم والوجود.»

أفضت التجربة في لندن بالمرأتين والرجلين الى اجتياز مسافة حضارية هائلة اختصرتها بضعة الأيام هذه. فطرأت تحولات في العواطف والأفكار والعلائق بين الطرفين. حرّكت عروب وأمها في البيت الدفء والحرارة الإنسانية والعاطفة الشرقية التي حملتاها من بلادهما بعد ان جمّدت البيت ميكانيكية الحياة الغربية. وفي المقابل أيقظهما الرجلان من غفوتهما وأخرجاهما من شرنقتهما ودفعاهما الى الانصات الى دقات القلب ونداء الذات، وأضحت الرحلة العابرة بين البلدين والمطارين مغامرة في الزمان، وتجربة حضارية بقدر ما هي تجربة ذاتية. وكشفت عمق الهوة بين المرأة الشرقية والمرأة الغربية، واختلاف موقعهما ومآلهما، ودلّ الحوار بين آرلين عشيقة وسام وعروب التي أدعت أمامها أنها حامل منه، على طريقتين متمايزتين في التفكير والممارسة، إحداهما تمثلها عروب، أو بالأحرى المرأة العربية التي تحاول البطلة أن تتماهى بها. وتقوم على فكرة امتلاك الرجل من خلال الانجاب والتعلق بالبيت والأولاد. أما الثانية فمبنية على العلاقة الحرة والمتكافئة بين الرجل والمرأة.

وضع القاص المرأتين وجهاً لوجه وهما تتنازعان رجلاً واحداً. فبدا ان عروباً وإن انتصرت ظاهرياً فهي ترسف بأغلال غير مرئية. وقصتها تماثل قصة أمها ومعاناتها وقهرها رغم ثقافة الأم والبنت، وكأنما هما حلقتان ضعيفتان من سلسلة واحدة تشدها الذاكرة القمعية. فترى الأم في عروب التي يعذّبها أبوها صورتها القديمة وهي تجأر بالشكوى “تنظر الى الشمال فترى نفسها. تسمعها تبكي بكاء مخنوقاً حتى لا يسمعها أبوها فتسمع فيها نفسها”.

وعروب التي يداهمها على درج البيت في لندن إحساس مفاجىء باللذة، وتساورها نوازع إيروسية مكبوتة، تُحجم عن إظهار ما تشعر به، أو التعبير عنه حتى ولو بالإشارة أو الحركة خوفاً من الفضيحة والشين. بينما آرلين حرة طليقة تعامل الرجل معاملة الند للند، ولا تخجل في اشهار رغباتها وصبواتها الجنسية أمام الملأ. وتكشف وقفة القاص المسترسلة عند عروب وهي تلجم شهوتها وتتقوقع على ذاتها أمام وسام أعمق طبقات الكبت المترسّب في نفس المرأة العربية والخوف من المحظور.

بيد ان الرحلة وما لابسها من أوضاع وأطوار شكّلت لعروب مخاضاً فكرياً استدركت في ضوئه واقع أنوثتها المحبطة، فسعت بعد الإياب الى بلدها الى تحقيق ذاتها والتحرر من استلابها الأنثوي المزمن، ولو على جمرة العذاب الذي سامه لها أب غيور ارتاب من عذريتها ومن عفة زوجته فعبث بأغراضهما وملابسهما ªفتش وفتشت معه هواجسه ومخاوفه وعقله وقلبه وغيرته’. وآثر البقاء على ارتيابه رغم كل القرائن الداحضة. والغيرة كما يصفها وسام مثل الفيروس، لا تبدأ في التكاثر إلا في المحيط الملائم، وليس أفضل من محيطنا الشرقي الأبوي لنمو هذا الفيروس وتكاثره.

وكما طرأ التحول على عروب طرأ أيضاً على وسام الذي عاش في الغرب وتعلم في أرقى جامعاتها وتخصص في أحدث اختصاصات العصر “ميكانيكية الإخراج الرقمي” فعثر في عروب على ضالته، وبعد سوء تفاهم مرجعه اختلاف النظرتين الحضارتين المختلفتين لديما، غامر بنفسه لينقذها من براثن الأبوة المتزمتة.

ووجه الطرافة في الرواية أنها تنيط الفضل في بقاء التواصل بين الحبيبين البعيدين واستنقاذ الفتاة باستخدامهما معاً جهاز الكومبيوتر أو الأنترنت. فبواسطته تبادلا الرسائل والآهات. وأرسيا استراتيجية للعواطف وبرمجتها. وحلّ الكومبيوتر من قبل محل المخبرين والمفتشين البريطانيين، ودلّ بمعادلة رياضية أجراها وسام على مكان جوازي السفر الضائعين. وفي وسعنا ان نفترض ان احتفاء القاص بالكومبيوتر، على علاقة بقراءته الجديدة التي ترى أن هذه التقنية الحديثة قادرة على تحرير الإنسانية وخدمة البشر، وخلق جيل عالمي جديد ªيتكوّن فوق الحضارات المعروفة ويمدّ جسوراً لم تكن ممدودة في أي وقت من الماضي’. وعلى رأس هذا الجيل الفتاة العربية التي تستطيع عبر العقلية الجديدة أن تخطط لبناء شخصيتها المتحررة من العبودية والاستضعاف. وإن صحّ ما زعمناه فلا ندري كيف يمكن للرموز الرياضية أن تحل محل الرموز الميتولوجية، وللخطاب العلمي ان يُقصي الخطاب الإيديولوجي بسهولة من عقولنا، دون ان يزعزع قناعاتنا ومسلماتنا. ولبرامج الحاسوب ان تسيطر على بديهيات الأعراف والتقاليد.

سياق روائي

في سياق روائي يحافظ على تعاقب زمني ظاهري لكنه يقوم على تنوع المستويات السردية، وعلى حركة انسيابية، متوترة أحياناً ومفتتنة بالكلام الذي لا ينقطع حواراً أو وصفاً أو مناجاة، يتواشج الحدث اليقيني بالاحتمالي، والواقعي بالمتخيل، ويتداخل صوت الراوي بصوت الأبطال، ويستدمج القاص قصة بطلته بقصة شهرزاد فيضع إصبع القارىء على الدلالة الأعمق لظلم المرأة العربية والشرقية. الدلالة التاريخية والأسطورية الكامنة في تلافيف اللاوعي الذكوري الجماعي الذي تمثّله هذه القصة التراثية التي ما زال الروائيون يلقون عليها اسئلتهم المتجددة والمتكررة.

وما يضفي على ªبقايا الوشم’ فرادتها وخصوصيتها ان الرواية لا تقتصر على وقائع وأحداث مألوفة فحسب، وإنما تنفتح على حدوس وتداعيات وتخيلات ميتولوجية وأشعار، وعلى حركية الأعماق فتُرَدُّ الرواية الى دلالاتها غير المباشرة، والى أسئلة الوجود حول الحياة والموت والقدر التي تتردد في ذهن بطلها هشام المفجوع بوفاة زوجته الإنكليزية.

ومن ميزات الرواية أنها ترصد أبطالها رصداً دقيقاً في صمتهم وكلامهم وحركاتهم. وتتبّع ما يساورهم من انفعالات ومخاوف عميقة وغامضة وإحساس بالذنب والقلق. وتقبض على ارتعاشات العاطفة ودبيب اللذة وخدرها في النفس والجسد. حتى لكأنها بقوامها وأصواتها ولغاتها موشور يعكس طيف العالم والوجود، بقدر ما تنطوي على إشكاليتها الأساسية التي يتحرك عليها محورها الروائي. إشكالية المرأة واستتباعاتها: الشرق والغرب، التكنولوجية والتخلف، وكل الثنائيات وجدلية الأضداد التي لا تتوقف في ذهن الكاتب العربي.