حوريّة الصحراء

 

حوريّة الصحراء

من قصص التشويق والرعب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ارتفع صوت صفير مخنوق في البعيد واقترب من الشاحنة بسرعة مع الريح التي حملته، ثم عبرها من الجهات الأربع المحيطة بها فانشدّت عضلات وجهيهما وتصلّبت قبضاتهما، ثم حاولا الابتسام ليخففا عن بعضهما بعضاً لكن المحاولة فشلت فازداد تصلبهما وأنزل كل منهما عنقه حتى باتتا أقرب ما يستطيعان رصّه إلى كتفيهما، وانتظرا موجة أخرى من الصفير. فجأة شعر السائق أنه اكتفى. لا يمكن محاربة الخوف بخوف آخر ما لم يكن الخوف نفسه ومصدر الخوف نفسه ولن يحدث هذا ولا ذاك لذا لا فائدة. سيبقى خوفه القديم معه حتى يومه الأخير وسيتمنّى أن يجنّب أولاده خوفاً مشابهاً. إن حدث له ما حدث لوالده فلن يكون مع ابنه الكبير في حقل بعيد. سيموت في الشاحنة على جنب طريق أو في استراحة صغيرة وسيكون مدفنه في أقرب مكان إلى مكان موته لذا لن يحملوا إلى دمشق إلا ذاكره وما كان معه من مال.

رفع كمّه إلى عينيه يمسح عنهما النوم لكنه ظل يشعر بثقل جفنيه فأعاد يده إلى مقود السيارة وراح يحدّق في الطريق الذي بدا أمامه بلا نهاية.

فكر بأولاده وزوجته في دمشق وسمح لمخيلته الاسترخاء قربها على الفراش ومداعبة وجوه أولاده النائمين لكن ذلك زاد رغبته في النوم فأبعد خواطره الدافئة وفكّر بالمبلغ الذي سيضيفه غداً إلى الأوراق الخضراء المكدسة تحت مقعده، ثم مدّ يده بخفية وتحسس الانتفاخ الخفيف تحته.

انتبه المعاون إلى حركة السائق لكنه تصنّع النوم لئلا يلفت انتباه السائق إلى صحوته فيفتح معه حواراً لا يريده الآن ولا قدرة له على احتماله، ثم كان لا يزال غاضباً لأن السائق رفض قضاء تلك الليلة في دير الزور قبل الانطلاق فجراً إلى اللاذقية لتسليم الحنطة إلى سلطة الميناء.

حاول إقناع السائق بالعدول عن السفر ذلك المساء لكن دون جدوى إذ ادعى السائق انه يريد الوصول إلى اللاذقية في الصباح لكي يتمكن من التوجه إلى دمشق بعدها ويصل إلى العاصمة ليلة وقفة عيد الأضحى. وكان في ما قاله بعض الحقيقة لكن ليس الحقيقة كلها إذ كان صاحب الحمل وعده بعلاوة إذا وصل إلى اللاذقية قبل ان تغادر السفينة المتجهة إلى إيطاليا الميناء، فلو غادرت دون هذا الحمل الإضافي من الحنطة فلربما بقي في الميناء فترة طويلة ولربما هطل المطر وأفسد الأكياس.

اشتد غضب المعاون فأصدر أنّة لايهام السائق بنومه لكن الأخير التفت اليه وأفرج شفتيه بامتعاض.

تجدد الثقل في عيني السائق فقال: ”عباس!”

اعتدل المعاون في جلسته ونظر إلى السائق بجفاء مكبوت ولم يقل شيئاًًًً.

”أكاد أنام،“ قال السائق، ”أين الشاي؟“

حرّك المعاون رأسه بامتعاض وقال بكلام بطّأه ليزيده امتعاضاً: “هذا وقت شاي يا رجل؟”

”الشاي مشروب كل الأوقات.“

”حتى في أنصاف الليالي،“ قال المعاون، ”ماذا فيه غير البول؟“

اغتاظ السائق فأزّ صوته من بين أسنانه: “بال عليك ثعلب. أنت يا طربوخ تعلمني ماذا أفعل؟ لو كنتَ ذكياً كنتَ في مكاني وكنتُ في مكانك”، ثم أوقف السيارة ونظر إلى المعاون بابتسامة عريضة بلا روح، ثم فرج شفتيه قليلاً وقال والابتسامة الميتة لا تزال على شفتيه: “شاي”.

التفت المعاون إلى الظلمة المحيطة بكل شيء حوله، ثم نظر إلى السائق ورأى الإصرار الذي يعرفه فيه فكتم غيظه وهبط من السيارة قاصداً الصندوق الكبير.

هامت خواطر السائق لحظت وتصوّر زوجته تعود إليه بالشاي، ثم رأى نفسه يرفع صينية الشاي من يديها ويضعها أرضاً، ثم يشدّها إلى الحشيّة فتحتج بدلال، وتستر رغبتها بالقول إن الأولاد لم يناموا بعد. ستقول له أشياء أخرى لا تقصد أياً منها، ثم ستستجيب وستنسى الاطفال وآذان الجيران الممشوقة دائماً خلف الجدران الرقيقة.

“أبو مصطفى”، قال المعاون يوقظه من خواطره القصيرة، “ليس لدينا ماء؛ البرميل فارغ”.

رفع السائق رأسه ثم حرّكه عدّة مرات، “ولماذا البرميل فارغ يا ذكي؟”

“نسيت ملأه قبل مغادرة دير الزور. استعجلتني وقتها؛ أتذكر؟”

“كيف تنسى شيئاًًًً مهما مثل الماء؟ لو سخن المحرك فجأة فماذا سأفعل؟ أبول في الراديتور؟”

“لم تشرب الشاي لذا لن تجد بولاً كافياً؛ ماذا نفعل الان؟”

قال السائق: “يجب أن نجد ماء”.

“سأملأ البرميل في حلب”، قال المعاون.

لم تكن الفكرة جيدة ولم يكن يتوقع من معاونه فكرة جيدة فقال: “حلبك القرد! بيننا وبين حلب أكثر من خمس ساعات؛ أتريد ان أحرق السيارة؟ كل ما فوقنا وتحتنا في هذه السيارة”.

صمت المعاون وشعر السائق ان ندمه صادق فاختفت الحاجة الأولى لانتقاده وقال: “اطلع! سنتوقف في خربة العفاريت ونأخذ بعض الماء من البئر”.

كان المعاون بين الأرض ومدخل السيارة حين سمع الجملة الأخيرة فلم يعد يعرف إن كان يريد العودة إلى الأرض أو الجلوس مع هذا المجنون في مكان واحد. “خربة العفاريت؟”، قال برعب، “هل قلت خربة العفاريت؟”

هز السائق رأسه وقال يقلد المعاون متهكماً: “هل قلت خربة العفاريت، هل قلت خربة العفاريت؟ طبعاً قلتها. هل أنت خائف؟ ماذا فيها غير بيوت مهدمة وجدران لا نوافذ فيها ولا أبواب؟”

“هذا بالضبط ما يخيفني”، قال المعاون، “إنها قرية ميتة ولا يلحق من يدخلها إلا الأذى”.

“علاك معلوك!”، قال السائق، “أنا توقفت فيها مئة مرة ولم أر شيئاًًًً”.

“عندما لا يكون القمر مكتملاً، ربما”، قال المعاون، “لكن القمر بدر هذه الليلة وإذا اكتمل فأبعد عن الشر وغني له”.

لم يفهم السائق: “وما دخل اكتمال القمر بخربة العفاريت؟”

“أنت ابن الشام لذا لا تعرف هذه المناطق جيداً؛ تعرف الطريق فقط، لكني من حلب وسمعت الكثير عن خربة العفاريت”.

“كيف لا أعرف؟”، قال السائق متهكّماً.

“طبعاً لا تعرف”، قال المعاون، “هل تعرف مثلاً أن الطريق العام كان يمر قرب الخربة إلى أن أضرب السائقون وامتنعوا عن سلوك الطريق حتى حوّلته الحكومة إلى مكانه الحالي؟”

لم يكن السائق يعرف فتجاهل السؤال: “أنت خائف؟”

“طبعاً خائف”، قال المعاون، “أنا أؤمن بالله والخوف، وإذا لم أجد نفسي خائفاً في حال مثل هذا فعندها فقط أشعر بالخوف”. شعر المعاون أنه شدّ انتباه السائق فقال يزيده انتباهاً، “وإذا أردت العودة إلى أولادك وزوجتك التي تحلم بها دائماً وهي تحمل إليك الشاي فأنصحك أن تخاف مثلي”.

كان السائق يريد معارضة السائق لكن شيئاًًًً في جملته الأخيرة استوقفه: “زوجتي وهي تحمل إليّ الشاي؟؛ ما أدراك؟”

رفع المعاون يده في الهواء، “أنت تنام لكنك لا تتوقف عن الكلام”.

“وتسمعني أقول أشياء مثل هذه؟”

“وأكثر منها”، قال المعاون ضاحكاً، ثم استوقف نفسه وقال: “وافقني هذه المرّة يا أبا مصطفى؟ لنترك خربة العفاريت للعفاريت ونتابع نحن الأنس طريقنا إلى الشهباء”.

نظر السائق أمامه وفكر بالخوف لحظة ثم أزاحه من عقله جانباً وأحل محله النقمة على المعاون لأنه تعدّى على خواطره عن زوجته حتى لو من دون قصد، ثم أومأ إلى المعاون، أن أصعد. مدّ بعدها رأسه من النافذة وتفحّص الطريق ثم نقل عصا علبة السرعة إلى وضعها الأول وعاد بالشاحنة إلى الطريق ببطء.

التفت بطرف عينه إلى المعاون ورأى ارتياحاً على وجهه كان يعرف أنه لن يستمر طويلاً عندما يكتشف ما الذي ينوي فعله. نقلته خواطره إلى زوجته لحظة فاستبعدها بسرعة لئلا ينتبه المعاون إليها، ثم سلط عينيه على الطريق وتزاحمت الأفكار في عقله ثم توقفت عند الخوف. استبعده هو الآخر لكنه عاد إليه ثم استقر وفتح باباً وجد نفسه يعبره دون مقاومة.

منذ وعى العالم وعى الشغل، بل يظن انه لم يعرف العالم إلا عن طريق الشغل الذي تحوّل مع الزمن ليس إلى وسيلة لاستمرار الحياة بل إلى حياة قائمة بذاتها. هذه هي حياته الآن، وهكذا كانت منذ وعى العالم. كان والده يوقظه في الخامسة صباحاً ويأخذه معه إلى الحقل فلا يعود به إلا لتناول العشاء والنوم.

العمل في الحقل بلا نهاية: إذا انتهت الحراثة بدأ البذار، وإذا انتهى البذار بدأت السقاية، ثم التشذيب ثم الانتظار، وبين كل مرحلة وأخرى صلاة لا تنتهي كي لا تصيب النبت آفة فيضيع الموسم، وتبدأ مرحلة انتظار أشد قسوة في انتظار الموسم الجديد. تعلم من الزراعة الأمل، لكنه تعلم منها الخيبة، وتعلم مع الوقت كيف يتعايش مع الحالتين.

وهكذا كان منذ وعى العالم.

وكان في الخامسة عشرة حين بدأ موسم قطاف الذرة. أيقظه والده في ذلك الصباح كالعادة، وقضما رغيفاً قسماه نصفين وهما في الطريق إلى الحقل ثم تمنيا وحلما وابتهلا معاً إلى الله، ثم طلب والده من الفلاحين الذين انضموا إليهما أسفل التل أن يتمنوا على الله حصاداً جيداً.

دخلوا الحقل ونسوا أنفسهم على الفور، وتحوّلت أيديهم إلى مقاطف ومغارف تقطع وتلف وتدس أكواز الذرة في أكياس الخيش، ولم ينتبهوا إلى حلول الظهيرة إلا عندما حملت أمّه الطعام إليهم في الحقل. أكلوا واستراحوا قليلا ثم حشوا أكواز الذرة في الأكياس مرة أخرى حتى حل المساء فترك الرجال الحقل، وعادت أمه إلى البيت لطبخ طعام العشاء لكن والده بقي في الحقل فبقي معه.

أظلمت الدنيا واستمر والده يحشو أكواز الذرة في أكياس جديدة، أما هو فلم يعد يستطيع الوقوف فجلس قرب الأكياس وأسند ظهره إلى أكبرها ولم يعد يستطيع تحريكه بعد ذلك فصار امتداداً للكيس، ونام.

لا يذكر متى نام بالضبط ومتى فتح عينيه. لا يزال في الحقل مستنداً إلى كيس الذرة التي عبقت رائحتها الطرية المكان حوله، لذا لا بد أن تكون الليلة نفسها لكن الظلمة كانت أشد مما يذكر قبل أن ينام.

وجد نفسه والظلمة تحيط به مرات كثيرة في الماضي، لذا لم تقلقه لكن شيئاًًًً آخر أقلقه. أنصت فلم يسمع شيئاًًًً. حبس أنفاسه وانصت طويلاً ثم انفرجت شفتاه قلقاً عميقاً وتمتم: أبي! أبي!

لا يمكن أن يكون أباه تركه في الحقل وعاد إلى البيت، ولا يسمع أصوات انتزاع أكواز الذرة. ربما كان أباه يقضي حاجة، قال لنفسه يحاول طمأنتها، وربما تعب فجلس أرضاً ليستريح، وربما …

انتصب ونظر حوله. نظر حوله وأنصت. حبس أنفاسه وأنصت ودار بعينيه؛ دار بعينيه في الحقل وأنزل جسمه قليلاً لعله يرى خيال والده في أفق زاوية النظر الأخفض لكنه لم ير شيئاًًًً فوقف على رؤوس أصابعه فلم ير شيئاًًًً.

“أبي!” قال بصوت خفيض رفعه بعد ذلك: “أبــــــي!”، ثم أطلق سراح صوته: “أبـــــــــــــــــــــــــي!”

ثم وجده.

كان فوق كيس لا بدّ أن يكون ملأ نصفه بأكواز الذرة ثم جلب كمية أخرى وكان يريد وضعها في الكيس لكن شيئاًًًً حدث له فأفلت أكواز الذرة وتساقطت حول الكيس ثم سقط فوقه.

تلفت حواليه يبحث عن خيال بعيد أو ضوء أبعد، وأنصت لعله يسمع صوتاً لكنه كان وحيداً وزادته الظلمة وحدة ثم جمعت الوحدتان نفسيهما في والده الميت وغمرت روحه. انحنى فوق والده وحاول دفعه شمالاً لإنزاله من على الكيس لكنه كان ثقيلاً فمال الجثمان ببطء ثم سقط على جنبه وظلت ذراعاه ممدودتان أمامه كما كانتا عندما سقط فوق الكيس.

لن يستطيع حمل والده إلى البيت لذا عليه أن يعود إلى القرية ليأتي بمن يساعده. إذا جرى بأقصى سرعته سيكون هناك خلال ساعة وربما أقل لكن لن يستطيع ترك والده طول هذه المدة لذا سيكون عليه أن يجد سرعة أقصى، وهو مستعد.

ملأ رئتيه بهواء الليل وقفز قفزتين في اتجاه القرية ثم تجمد فجأة. من مكان ما إلى شرقه أو إلى الشمال الشرقي سمع صوتاً يعرفه جيداً فتوقف. لم يسمع آخر صوت أو أنّة أطلقها والده لكن الضباع تسمع وتعرف وتشم. حتى لو لم تسمع ولم تعرف ولم تشم فإن شيئاًًًً فيها سيدلها على وجبة تنتظر، ولن تنتظر طويلاً وستبدأ الجري في أي لحظة، وها هي اللحظة تقترب.

مرة سمع والده يقول لأحد الجيران إن الضباع كانت تحوم في القرية ليلاً حين لا تجد طعاماً في الخلاء، لكن إن حل الشتاء ولم تجد طعاماً كانت تحوم نهاراً وتنتقل من حوش بيت إلى آخر فلا يتمكن أحد من مغادرة منزله أياماً حتى يحضر الجنود ويقتلوا بعضها ويفر الباقي. ويذكر مرة أن عنزة كان يحبها ماتت في الحوش ولم يستطع والده دفنها لأن المساء كان حل ولما قصداها في الفجر لم يجداها وأخبره والده أن الضباع لا بدّ جاءت في الليل وأخذتها.

تدافعت دموعه دون بكاء مسموع وهمس: “لمَ مت الآن يا أبي؛ ماذا تريدني أن أفعل الآن؟”

كان والده يرشده إلى كل شيء لكن ليس الآن. الآن عليه أن يتصرف، وسيفعل أي شيء لكن لن يترك والده وحيداً لأنه إن تركه وعاد إليه مع العون في ما بعد ستكون الضباع أخذته ولن يرحمه أحد من اللوم، لكن الأهم من ذلك أنه لن يرحم نفسه ولن ينسى … أبداً.

في البعيد سمع عواءً فهاجت نفسه وغمره رعب عظيم منعه من ترك الدموع تتسلل عبر عينيه إلى برودة الليل.

تحاشى العينين الجاحظتين وانحنى فوق والده وأمسك بأبطيه خلفاً وبدأ يجرّه لكن مضى وقت طويل ولم يقطع المسافة التي توقعها، فانحنى فوقه ثانية، وأسند صدر والده إلى ظهره وحاول القيام به.

كان الحمل ثقيلاً لكن الليل الموغل والضباع لم يتركا له خياراً آخر فدفع بكل قوته إلى ركبتيه ووقف مترنحاً ثم ثبّت نفسه، ورسم الطريق إلى القرية في مخيلته وخطا خطوته الأولى والثانية وكان في الطريق.

تصبب العرق من جبينه وابطيه، ثم شعر بالبلل يزحف إلى كل أنحاء جسمه لكنه تابع المسير في اتجاه القرية، وكانت الظلمة تتلاشى عندما وجد نفسه أمام المنزل.

2

”أما زلت تفكر بالتوقف في خربة العفاريت؟“

انتفض السائق في مقعده ونظر إلى معاونه وأعاد نفسه إلى المكان الزمان اللذين هما فيه. ”للماء فقط. الطريق طويل وأريد شيئاً يساعدني على البقاء صاحياً. هذا الشيء بالنسبة لي هو الشاي.“

قال المعاون: ”أنا لا أريد شيئاً. أنت تنزل وتجلب الماء وأنا أعدّ الشاي. اتفقنا؟“

ضحك السائق. ”عرب واتفاق لا يجتمعان في بلد فكيف يجتمعان في قمرة سيارة شحن؟“

رفع المعاون حاجبيه بإصراره. ”لن اتزحزح. أنت تجلب الماء ثم نخرج من الخربة ونتوقف في المكان الذي يعجبك فأعدّ لك شاياً لم تذقه في حياتك. اتفقنا؟“

لم يجبه السائق. كان اقترب من خربة العفاريت وبدأ يبحث في ذاكرته عن أفضل الطرق المؤدية إليها.  بطّئ السرعة وعبر إلى مفرق الطريق القديم الذي كان يقطع الخربة. سلط الأضواء العالية على الاسفلت المتآكل المشقق من قلة الاستعمال وحرارة الشمس، ثم قاد الشاحنة بالسرعة الأدنى نحو كيلومترين وتوقف.

أطل من النافذة وتفحّص الطريق على امتداد نظره. من الشقوق وسط الطريق ارتفعت شجيرات يزيد علو بعضها على متر لكن جذوعها لم تكن صلبة وبدت أغصانها الصغيرة غضة ملتمعة الأطراف تحت ضوء القمر. قاد السيارة فوق الشجيرات بحذر فارتفع صوت احتكاكها بقاعدة المحرك وعامود نقل الحركة قبل ان يتلاشى ويترك المحرك مصدر الضجة الوحيدة في سكون شامل. أوقف السائق الشاحنة فجأة وأطفأ المحرك فتدفق السكون عبر النافذتين المفتوحتين كما الماء المتدفق إلى سيارة غارقة وسطا على روحيهما.

نفخ السائق وتصنّع مسح جينه باصبعه. التفت إلى معاونه فوجده متصلب الظهر متوفزاً فضحك. ”ما رأيك؟“ قال له.

”رأيي في أي شيء؟“ قال المعاون وهو يمسح الأرض أمامه بعينيه.

”ها نحن في خربة العفاريت ولم يحدث شيء.“

انظر المعاون إلى السائق بطرف عينه. ”لم نصل بعد. عندما نصل إلى الخربة سترى.“

بل وصلنا،“ قال السائق، ”انظر يمينك،“ ثم أطفأ أنوار السيارة.

نظر المعاون الى يمينه فسرت في جسده ارتعاشة قوية.  على بعد ثلاثين أو أربعين متراً انتصبت بقية من جدار مرتفع تراكمت أمامه حجارة مربعة ومستطيلة كانت تشكل بقية الجدار في زمن ما. إلى يسار الجدار والأمام كان يستطيع أن يرى هياكل تسعة منازل صغيرة، وفي البعيد أشجار قصيرة انحنت إحداها حتى كادت تلامس شيئا بدا من مكانه برجاً دائرياً صغيراً فيه فجوات دائرية توزّعت كما اتفق. في كل ما تبقى من مساحات بانت من مكانه تداخلت شجيرات وأعشاب طويلة مع أكوام من الحجارة التي استسلمت أطرافها للحت فلم تعد تقبل الوصف لكنه متأكد من أنها فتات منازل كانت عامرة بأهلها ثم بعثرها الزمن والطبيعة كما يبعثران عظام الهياكل البشرية في مقبرة مفتوحة.

نفرت روح المعاون من المكان وأحس بكره شديد لكل ما فيه. زار أماكن أثرية كثيرة لكنه لا يذكر أنه شعر بالنفور الذي يشعر به الآن في أي مكان. جلس على حجارة قديمة لا بد جلس عليها مئات البشر قبله بمئات السنين لكنه لم يشعر بنفور. تصوّر حياة بشر الزمان القديم. كانوا يجلسون مثله ويأكلون مثله وربما يفكرون بآلاف الأشياء التي يفكر بها وكان بينه وبينهم إلفة لكن ليس في هذا المكان. القمر قمر في كل مكان باستثناء هذا المكان. الصمت واحد في كل مكان لكن ليس هنا. دارات خواطره في عقله كما يدور عقرب الثواني لكن بسرعة رهيبة ثم توقفت عند استنتاج واحد أخافه فقرر أن يشرك السائق فيه لعله يقاسمه الخوف ويخرج من الخربة بأقصى سرعة: ”اسمعني جيداً يا أبا مصطفى. اشعر أنني صرت الآن جزءاً من الخوف المحيط بنا في هذا المكان لذا لم أعد خائفاً كما كنت. حدث شيء رهيب هنا لا أعرف ما هو بالضبط. أنظر مثلك إلى هذه الاطلال بعيني لكن قلبي يقول لي إنني أنظر إلى مقبرة – أشعر أنني في مقبرة. إذا لم نخرج من هنا بسرعة فسنضيف جثتين أخريين.“

رفع السابق سبّابته وأشار بها إليه ثم إلى نفسه، يقصد جثة المعاون وجثته، فوافقه المعاون فقال: ”إذا كنّا في مقبرة فأين القبور؟ لا أرى شاهدة واحدة.“

رمى المعاون يده عبر النافذة إلى يمينه: ”ربما كانت هناك جثة تحت كل حجر، ربما كانت الجثث كلها تحت ركام بيت أو … في بئر. لا أعرف لكن أعرف أن الزمن، هذا القاتل الأكبر، لم يكن مسؤولاً عن فناء أهل هذه الخربة. شيء فظيع حدث هنا. هذه برّية لكنني لا أشم رائحة البرية. أشم رائحة مقبرة.“

تنفس السائق عميقاً. نظر إلى الأطلال طويلاً ثم إلى معاونه وسأله: ”تخاف الموت؟“

تطلع المعاون حوله مستغرباً: ”هل هناك إنسان لا يخاف الموت؟“

”أنا،“ قال السائق. ”أنا لا أخاف الموت.“ ضرب كتفه بيده وأضاف: ”أنا حملت الموت هنا، على ظهري. ظهري كان مقبرة … لأبي؛ مقبرة لليلة كاملة. كيف أخاف الموت وأنا حملته على ظهري؟“

فكّر المعاون بما سمعه ثم نظر في عيني السائق فلم ير فيهما الشك.” أنت فاجأتني بهذا،“ قال له. ”إذا كنت فعلاً تعرف الموت جيداً فلماذا لا تستطيع أن تراه هنا؟“

أومأ السائق بالايجاب. ”أراه. أنا نظرت مثلك إلى المكان وعرفت أنه مقبرة لكن قلت لك إنني لا أخاف المقابر. مم أخاف؟ من عظام؟ متى رأيت هيكلاً عظمياً يهرول وراء شاحنة؟ مم أهرب؟  من أموات؟ أحرى بالأموات أن يهربوا عندما يروننا. هل تعتقد أنهم يحسدوننا على حياتنا؟ جرّبوا كل شيء جرّبناه؛ عانوا من كل شيء نعاني منه؛ مرضوا وفجوا بأحبتهم وجاعوا وعطشوا وتحملوا الذل الذي يصاحب المرء في حياته كما يصاحب القراد الماشية فلماذا يريدون الحياة مرة أخرى؟“

استعرض المعاون الأطلال مرة أخرى. ما سمعه من أبي مصطفى أضعف خوفه لن كرهه للمكان لا يزال قوياً. ربما فني أهل الخربة عن آخرهم وربما هجروا البلدة القديمة إلى بلدة أفضل فلماذا يريد أن يبقى في مكان هجره أهله؟ هذا الصمت ليس الصمت الذي يساعد على التفكير بالخلق وأشياء أقل سمواً: إنه صمت الموت في مكان ميت بلا روح. أين هو من أطلال المعلقات التي كانت تنادي باسماء سكانها في ليل البرية؟ أراد أن يقول كل هذا وغيره للسائق لكنه استوقف نفسه. نظر الى السائق فوجدوه ينظر إلى الخربة باهتمام لكن لم ير خوفاً في عينيه. يعرف أن السائق يريد أن يصل إلى اللاذقية قبل الثامنة صباحاً ليضيف علاوة الوصول المبكر إلى فاتورة الشحن فلماذا يتوقف في الخربة من أجل شيء مثل الشاي يستطيع أن يشربه في أي مقهى على الطريق؟

”همممم،“ قال في سره. ”أبو مصطفى يمكن أن يبدو ساذجاً لمن لا يعرفه لكنه بندوق. لم يتوقف في الخربة إلا ليختبر شجاعته. يريد أن يلقّنه الدرس الأول في مقاومة الخوغ ووساوس الصدر والعقل المتعب. يريد أن يقول له إن الخوف من الشياطين والجان والعفاريت والنسانيس وهم، وأن الخوف الحقيقي من الناس. يريد أن يتأكد أنه يستطيع الاعتماد عليه في الملمات. يريد أن يتأكد أنه سيواجه قطاع الطرق في الليل إن استوقفوا الشاحنة. إن لم يثبت نفسه في خربة العفاريت فأين سيثبت نفسه؟ أن خاف أو هرب لن يعلمه السواقة، ولن يساعده على شراء شاحنة خاصة به. سيدفع له راتبه بعد الوصول إلى اللاذقية ثم سيصرفه.

دفع الباب وترجل بنشاط. فتح الصندوق الكبير وأخرج الدلو،ثم دار حول السيارة ووقف أمام باب السائق: ”أين  البئر التي تعرفها؟“.

دهش السائق. ابتسم مُشجعاً، ثم أشار إلى  وسط الخربة. ”هناك! يمين الجدار الكبير. رايته؟“

حرّك المعاون رأسه. ”لا أراه لكن ليست مشكلة. لم أنس البداوة بعد. استطيع أن أشم رائحة الماء من بعد فرسخ،“ ثم رسم طريقه إلى البئر ونقل قدميه بخطوات واثقة إلى أن استوقفه السائق. ”أقول لك،“ صاح به ولم يكن قطع بعد أربعين خطوة، ”يمكن تأخرنا. لنترك الشاي الآن. سنشربه في حلب. تعال.“

ابتسم المعاون لنفسه. رفع الدلو عالياً ثم صاح: ”وعدتك بالشاي، وستشرب الشاي. ربع ساعة بالكثير،“ ثم تابع طريقه.

ضحك السائق. كان يريد أن يقول للمعاون إنه جاء البئر في ليلة مقمرة مرة ووجده جافاً لكنه ترك المعاون يكتشف هذا بنفسه. على الأقل سيتأكد عندما يعود ويقول له إنه لم يجد ماءً في البئر أنه أزال الحجارة الكبيرة في بلاطة الفوّهة فعلاً ودلّى الدلو فيه فوجده جافاً. ظلت الابتسامة العالقة من ضحكته على شفتيه لحظات بعدها ثم صمت  ونظر حوله. جاء الخربة في تلك الليلة المقمرة منذ ثلات سنوات وربما أكثر قليلاً بعدما سمع من سائقين آخرين أشياء تخطت أبعد درجات الاحتمال بأشواط لذا لم يستطع تصديقها. ثم قال لنفسه بعد حين إنه لا يمكن أن يكون الجميع على خطأ وهو وحده على صواب. ربما لم تحدث كل الآشياء التي ادعو حدوثها لكن إن حدث جزء بسيط منها فهذا المكان ليس طبيعياً. إذا كان هناك مكان في الدنيا يستطيع فيه مواجهة الموت القديم فهو هنا. من يدري؟ ربما ينسى بعد ذلك تجربته القديمة مع الموت ونظر إلى الحياة من زاوية جديدة، وربما … نعم!، ربما عاد ونظر إلى الحياة كما رآها منذ عشرين سنة: غلالة مطرزة بدبيب الحياة وإشكالها ويمكن أن تُزاح في أي لحظة فتكشف الموت المتوفز وراءها كما النمر الذي أبرز مخالبه وأقعى حابساً أنفاسه واستعد للانقضاص على فريسته في اللحظة التي يعتقد فيها أن الدنيا أمان في أمان وبامكانه الاستراخاء بعد يوم عمل طويل والاستمتاع بالحياة.

وما الذي سمعه بالضبط؟ روايات كثيرة لا تجمع التفاصيل الصغيرة للكثير منها الصورة الكبيرة التي يريد الراوي تقديمها، وأخرى نالها التضخيم المتراكم فتضخمت بقصص عن الجان والشياطين والعفاريت وما أنزل الله به من سلطان فلم تعد تمت حتى إلى أبعد قصص الخيال بأي صلة. إحدى الروايات سمعها من سائق حمصي لعلها أغرب ما سمع ملخصها الآتي: نصبت قافلة مضاربها على أطراف الخربة لقضاء الليل فسمع بعض رجالها قرقعة وصياحاً من بين هياكل المنازل فقفز شاب اسمه طرفة على ظهر جواده ودخل الخربة والبدر اكتمل أو كاد، فرأى من بعيد مقاتلين مسلحين بسيوف ورماح تحاول شق الطريق إلى بئر قرب الجدار الكبير فيما وقف دونهم وغايتهم فريق من المقاتلين أكثر منها عدداً، وكلما اقترب مقاتل من الجماعة الأولى من البئر التفوا حوله وقطّعوه بسيوفهم. وفجأة رأى الجواد شيئاً يقترب منه بسرعة فصهل شديداً فتوقف المقاتلون عن احترابهم، وما أن تبينوا طرقة حتى انطلقوا في اتجاهه فأمال رأس جواده وفر لا يلوي على شيء فلحقوه حتى توقفوا على تخوم الخربة. ”ومنذ سمعت هذه القصة،“ قال له السائق الحمصي، ”حلفت ألا أتوقف في الخربة في أي وقت حتى لو كان في بئرها آخر قطرة ماء في الدنيا.“

أما الرواية الثانية –

أقشعر جسد السائق ولما يجمع في ذاكرته بعد أولى خيوط تلك الرواية. أقشعر واهتر كتفاه فجأة وطغى عليه شعور غريب فصار يبسمل من دون وعي وهو يتلفت حواليه فيما ارتسمت على شفتيه المرتعشتين ابتسامة غريبة وانفتحت عيناه واسعاً بلا قصد . ثم حدث شيء عجيب إذ كلما اسرع يلهج بالبسلمة تسارع اضطرابه فتوقف وما هي لحظة حتى توقف ارتعاشه أيضاً.

توقف ارتعاشه لكن لم يشعر بأمان. في مكان ما كانت عينان أو شيئاً مثل العينين ينظر إليه من بعيد. خاف ورفع زجاج نافذته فلم يشعر بأمان. مال يساراً ورفع زجاج النافذة الأخرى وبحث في داخله فلم يشعر بأمان. فجأة خيل إليه أن اصابع كبيرة في يد جد صغيرة تنقر زجاج المعاون فالتفت ليرى فسمع النقر على زجاج نافذته فالتفت فسمع النقر على زجاج النافذة الأخرى.

لم يعد السائق يحتمل فرمى يده على مفتاح التشغيل وأداره فسمع طقة مخنوقة. حاول مرة أخرى فسمع الطقة المخنوقة نفسها. عرف سبب المشكلة لكن دونه ودون حل المشكلة صاحب، أو صاحبة، هذه الأصابع الكبيرة في اليد الصغيرة. ينظر حواليه فلا يرى شيئاً ثم ينظر داخله فيرى شيئاً لا يستطيع التعرّف عليه. إذا ترجل وفتح الصندوق يسار الشاحنة فهو متأكد أنه سيرى كابل البطارية وقد انفصل عن المقبس لأن العزقة التي تشد حلقة الكابل سقطت في الطريق ولم يجد عزقة بقطرها فربط الحلقة بسلك ولا بد أن السلك انحل أو سقط هو الآخر كما حدث عندما كان يقود السيارة خارج مدينة دير الزور.

وجه أذنه صوب يسار الشاحنة وحبس نفسه. كان حسب أنه توهّم سماع وشيش خفيف منذ لحظات لكنه لم يتوهم. يستطيع الآن سماع الوشيش الخفيف ثانية. توقف الصوت ثم ارتفع ثانية واستمر خمس ثوان أو ستة وربما أكثر لأنه استمر حتى عندما جحظت عيناه من انقطاع النفس عن رئتيه. لعلها الريح، قال لنفسه. لعلها الريح تحرّك أغصان شجيرة أو أكثر فتحتك ببرميل المازوت. راقب قضيب الهوائي فوق غطاء العجلة الأمامية اليسرى لحظات فلم يره يهتز. ارتفع صوت الوشيش مرة أخرى وركز عينيه على القضيب لكنه لم يهتز.

توترت أعصابه وشعر بضغط هائل على صدغيه وبات التنفس صعباً ثم انفجر.

انفجر ضاحكاً وضرب ساقيه بكفيه وقهقه عالياً وأنزل زجاج نافذته بسرعة. ”محمود!“ قال يخاطب المساحات حول الشاحنة، ”غلبتني أيها المعلون هذه المرة. كنتُ قصدتُ أن اخيفك في هذا المكان فأخفتني أنت. لعنك الله. اكبس الحلقة الفالتة في البطارية وأطلع!“ ثم مال وفتح الباب اليساري له. وانتظر خروجه من مخبأه. انتظر لحظات ثم تذكر رعبه الشديد فابتسم فلم يجد ذلك كافياً فضحك فلم يجد ذلك ايضاً كافياً لإخراج كل ما بقي من الرعب في جوفه فقهقه عالياً وصاح: ”محمود! افعل ما قلته لك ويلا!. اصعد. كفى مزاحاً. تأخرنا.“

سمع صوتاً ضعيفاً فمال بأذنه يساراً في اتجاه الباب المفتوح وانصت لما سيقوله معاونه. سمع الصوت لكن اضعف من الأول فزاد ميلانه يساراً ووجهه إلى الأمام فسمع الصوت وسرت قشعريرة على طول عاموده الفقاري. لم يستطع استعادة ما سمعه بالضبط … لا يوجد حلق في الدنيا يستطيع إخراج الصوت الذي سمعه، أو توهّم، أنه سمعه، لا يوجد فم يستطيع نطقه، لا توجد شفتان. إذا وضع فمه في أول كاتم الصوت وقال بين الهمس والفحيح: محمود! افعل ما قلته لك ويلا!. اصعد. كفى مزاحاً. تأخرنا، فربما خرج الكلام من آخر كاتم الصوت بالرنة التي سمعها شرط  أن يكون آخر أنبوب كاتم الصوت مغروساً في حفرة عميقة … أو في بئر.

أغلق الباب اليساري ورفع زجاجه بسرعة البرق ثم ضغط الرّتاج. فعل الشيء نفسه في بابه ثم التقط سترته ووضعها فوق رأسه وزلق نفسه إلى أخفض مستوى ممكن. انصت فسمع الجزء الأول من الجملة التي كان أطلقها في ليل البرية فسد أذنيه وهبط مجدداً فدس أطراقه بين مقبض الكابح اليدوي وعصاة تغيير السرعة وصار يغب الهواء بدفعات صغيرة من فمه أملاً في ألا يسمع أحد، أو شيء، صوت تنفّسه.

3

مشى المعاون ثلاثة أضعاف المسافة التي قدّرها في البداية للوصول إلى البئر ومع ذلك ظل بعيداً. توقف والتفت خلفه. لم ير الشاحنة إلا عندما دقق النظر جيداً. كانت أبعد بكثير مما تصوّر. كان يرى الجدار الكبير من مكانه لكنه لا يعرف حجمه الحقيقي لذا لم يستطع تقدير المسافة الباقية بينه وبين الجدار وبالتالي البئر بالتحديد. لم تعود العودة بلا ماء ممكنة. سيتهمه السائق بأنه خاف ولم يصل إلى البئر. نقل خطواته بسرعة أكبر وتبين بعد دقائق شكل بناء دائري صغير قرب الجدار افترض أنه البئر. اقترب مسافة أكبر فتأكد أنه البئر فعلاً. أسرع خطاه وما هي إلا ثلاث دقائق أو أربعة حتى وجد نفسه أمام البئر. كانت فوهته مغطاة ببلاطة مربعة تراكمت عليها حجارة متباينة الحجم لم يكن أي منها بحجم لا يستطيع التعامل معه.

رفع الحجر الأول بحذر متوقعاً أن يجد تحته عقرباً فلم يجد شيئاً. تحوّل به ليسقطه يمين البئر قبل رفع الحجر الثاني لكنه توقف. وضع أنفه بين البلاطة وحجارة الفوهة وهو لا يزال يحمل الحجر وشم بعمق فلم يمتلاً أنفه بالهواء المشبع برطوبة عالية تدل على وجود ماء. شم ثانية وثالثة وتأكد. ”لا يوجد ماء في هذا البئر،“ همس لنفسه. ”غريب.“ أعاد الحجر إلى مكانه ونظر حوله. لا يعرف بلدة لا يوجد فيها بئر واحد على الأقل وما يراه ليس هياكل بلدة بل مدينة صغيرة. ضم شفتيه وابرزهما وأصدر صوتاً يشبه صوت طير القطا كأنه ينبّه الماء الموجود في بئر في مكان ما من الخربة إلى وجوده، أو ينبه شيئاً في داخله لكي يدله على الطريق الماء: ”بكبك، بكبك، بكبك، بكبك، بكبك.“ هبط برأسه كي يرى خيال حافة فوهة البئر حوله وبدأ يسير في كل الاتجاهات حوله: ”بكبك، بكبك، بكبك، بكبك، بكبك بكبك.“

توقف أمام القبّة فشمّ رائحة الماء. استغرب. وضع أنفه بين شقوق الحجارة وشمّ بعمق. ماء، قال لنفسه، لا شك في ذلك أبداً. يوجد في هذه القبّة ماء. ابتسم يهنّأ نفسه وراح يردد الصوت ثانية: ” بكبك، بكبك، بكبك، بكبك — “

توقف، لا لم يتوقف، تجمّد في مكانه. سمع صوت زحزحة حجر وراء القبّة، ثم أنّة قوية ورأى ظل الحجر وهو ينقذف يمين القبّة ثم سمع صوت ارتطامه بأحجار أخرى. شجع نفسه على التقدم كي يرى من الذي رمى الحجر فشجعته نفسه على التراجع والفرار. انصاع لها. رفع قدمه ووضعها خلفه ثم رفع القدم الثانية وساواها بالأولى والتفت بسرعة ليبدأ العدو في اتجاه الشاحنة فوجد نفسه قبالة شخص لا يعرف من أين جاء ولا كيف.

صرخ الاثنان في الوقت نفسه، ودارا في الوقت نفسه وهربا من بعضهما البعض في الوقت نفسه لكن المعاون توقف قبل أن يتوقف الآخر. لا يعرف بالضبط ماذا حصل بعدما تلاقيا فجأة. كان متأكداً أنه دفع الشخص بيديه ليبعده عنه لكنه لا يذكر اصطدام يديه بشيء. ربما كان مخطئاً لكنه لم يتوقف كي يتأكد إن كان مخطئاً أم مصيباً. توقف لأنه استجمع ما رأه فعلاً فجمع ذهنه المشتت صورة صبية لم ير أجمل منها في حياته. صبيّة لا يعرف لماذا هرب منها ولماذا هربت منه لكنها يعرف إنها لم تختف إلا بعدما سلبت منه شيئاً ثميناً لا يعرف ما هو بالضبط. إذا كان الجان والشياطين والعفاريت بهذا الجمال، قالت نفسه توسوس له، فأهلاً بالجان والشياطين والعفاريت ووداعاً أيتها البشرية الحمقاء بمن فيهم السائق الجاحد.

نظر حوله فلم يجدها لكنه تذكر صورتها ثانية فرق لها. لعلها تريد شربة ماء، قال لنفسه. لعلها كانت تريد أن تعد الشاي لأهلها وجاءت القبّة لأنها تعرف أن فيه ماء. لعلها ضاعت في البرية، قال نفسه توسوس له بصوت أعلى، لعلها خائفة، لعلها تبحث عن رجل يحميها، وسوست له نفسه صراخاً، لعلها أحبته من النظرة الأولى، ولولوت نفسه فيه. استجاب للولولة. نادها وانتظر. نادى ثانية وانتظر ثانية. ثم خطر له خاطر غريب. ضحك أولاً ثم زمّ شفتيه وأبرزهما وضحك ثم أطلق الصوت ضمن وصلات من الضحك: ”بكبك، بكبك، بكبك، بكبك، بكبك بكبك! “

صمت ووجه أذنه في كل الاتجاهات فسمع صوتاً مخنوفاً.

”بكبك، بكبك!“

سمع الصوت المخنوق نفسه ثم صوت ضحكة مخنوقة خفيفة.

”بكبك، بكبك، بكبك!“

سمع ضحكة أتته من داخل غرفة مهدمة بلا سقف.

تقدم نحوالغرفة المهدمة ببطء: ”بكبك، بكبك، بكبك، بكبك، بكبك!“

لم تعد الصبية قادرة على ضبط نفسها فأطلقت ضحكة عالية ورفعت رأسها وأبانت له وجهها من خلف جدار قصير وهي لا تزال تضحك.

”بكبك، بكبك — ،“

لم يستطع اسكمال البكبكة. كلنت وضعت يديها على وجهها وضحكت طويلاً فضحك هو الآخر. أبعدا وجهيهما عن بعضهما البعض وضحكا جانباً حتى استقر صدراهما كما يستقر سطح الماء بعدما يرمي الصبي حصوة فيه.

”عطشانة؟“ سألها. ”تريدين ماءً من البئر،“ قال وهو يشير بيده إلى القبّة.

نظرت إلى القبّة فلمعت عيناها في ضوء القمر وأومأت له مراراً، ثم خرجت من الغرفة المهدمة بسرعة وهرولت إلى القبّة. انتظرت حتى لحقها فأشارت إلى ثغرة في القبّة وهي تهز يديها بإلحاح. ”هنا الماء،“ قالت له بلهفة، في القبّة، تحت البلاطة.“

شمْر عن ساعديه.

لا، لم يشمر عن ساعديه. كان سيجلب لها الماء حتى لو اضطر إلى  جمعه من الندى قطرة قطرة. إن لم يجد ماءً في البئر فسيخوض في الفرات وسيجلبه لها لذا انحنى وشمّر عن ساقيه احتياطاً، وهرول خلفها إلى القبّة بنشاط.

نظر حيث أشارت فرأى ثغرة في جدار القبّة تأتت من إزالة خمسة أحجار متوسطة الحجم. وضع رأسه في الحفرة وشمّ عميقاً فعبقت في خياشيمه رائحة الهواء المشبع بالرطوية العالية والزمن القديم لكنه لم ير شيئاً. أخرج رأسه ونظر إليها فتطلعت إلى السماء بقلق ثم نقلت قلقها إليه مضاعفاً. أومأ برأسه لها ولنفسه. سيسألها ما اسمها ولمَ هي وحيدة وما الذي تفعله في خربة العفاريت قرب منتصف الليل ولماذا لا ترتجف من البرد وهي ترتدي ثوباً تستطيع عيناه أن ترى عبر رقّته تحدّب ثدييها وتكوّر شيئين آخرين خلفها عندما تقف إلى القمر بزاوية معينة؟ سيسالها أيضاً إن كانت تريد زوجاً شهماً سيصبح قريباً سائق شاحنة كبيرة. سيطرح أيضاً أسئلة أخرى لكنه لن يقول شيئاً قبل أن يعطيها شربة الماء التي تتعطش لها.

ومع ذلك هناك سؤال يحيره. ”تعرفين لماذا بنوا هذه القبّة فوق بئر ماء؟“

”أعرف،“ قالت له. ”هذا البئر للأمير حسّان ولبيته ولاتباعه المقربين. والقبّة فوقه لئلا يدس له أحد السمّ في الماء.“

”والناس؟ من أين يشربون؟

أشارت إلى البئر الآخر. ”من هناك.“

”لكنه جاف.“

حركت رأسها. ”لم يكن جافاً. طمره أتباع الأمير فراس. الماء تحت الحجارة والتراب.“

ابتعد عن القبّة ودرس بناءه. إذا نزع حجراً آخر فربما سقطت الحجارة التي تعلوه فوقه. تفحص الشقوق فلم يجد اسمنتاً بينها. دسّن سبّابته في شق وقلع الحشوة فخرجت من دون جهد كبير. نظر حوله والتقط حجراً صلباً. أبعد الصبية وابتعد وعاين هدفه بدقة ثم قذف الحجر بكل قوته. دفع الحجر الطائر حجراً في مكان أعلى من منتصف القبّة بقليل فبانت ثغرة لحظة ثم انهار كل ما دونه من حجارة وسقط بعضها قريباً من قدميه.

شهقت الصبية عميقاً حتى خيل إليه أنها شهقة الحياة في الغريق بعد رفعه من الماء. جرت لتزيل الحجارة فاستوقفها. استوقفها وتفحص جدار القبّة المطل عليه ثم بدأ ينقل الحجارة واحداً واحداً بحذر شديد.

تلمّس قاع القبّة فلم يجد حجارة تتطلب نقلها منفردة. أمال الدلو على جانبه ودفعه في جوف الثغرة ثم جرف طبقة قاسية من الحصو المخلوط بالتراب وفتات الخشب القديم لا تخالطها سهولة. جرف طبقة أخرى فطبقات ثم سمع ارتطام حافة الدلو القصديري بطبقة قاسية وجرف فأصدر احتكاك الدلو بالطبقة صوتاً خشناً وسمع الصبية وراءه تشهق بترقّب وربما بخوف أيضاً.

”البلاطة،“ قالت وصوتها يرتجف، ”البلاطة. آراها من هنا.“

لم يلتفت إليها. كان يرى البلاطة أيضاً لكنه لم يجد حلقة تساعده على رفعها فأمال رأسه يساراً ونظر إليها بتساؤل.

عرفت قصده. اقتربت من الثغرة وأشارت بسبّابتها إلى الوسط وقالت: ”أزل التراب وستجد ثقباً وسط البلاطة.“

أزال بقايا تراب مخلوط بقطع صغيرة من الخشب القديم فانكشف ثقب دائري أملس يشبه في نعومته ثقوب الأحواض الرخامية التي يفور منها الماء. دس إبهامه في الثقب فوجود مناسباً. التقط الدلو واخرج طرف الممسك من حلقته ثم الثانية ودس طرف الممسك في الثقب وبرمه نحو الأعلى. شدّه فوجده ثابتاً. ربط الحبل إلى الحلقة الحرة ولفه حول ساعده واسند قدمه اليمنى إلى جدار ثم دفع نفسه إلى الخلف بعزم. تحركت البلاطة قليلاً لكنها لم تنقبع من الفوهة.  لف الحبل حول وسطه، ثم لف ما بقي من الطرف الحر حول ساعده وأسند قدمه إلى الجدار وهمّ بدفع نفسه خلفاً لكن نفسه انتصبت فجأة من إغفاءة جد طويلة ووشوشته بخبث.

أشار إلى الصبية فجاءته قفزاً. أشار برأسه إلى الخلف فلم تفهم ما يريده بالضبط. جذب يمناها وأحاط بها خصره من وراءه فعرفت فأحاطت خصره بكلتا اليدين واستعدت للاندفاع خلفاً به عندما يكون مستعداً. وشوشته نفسه بخيث أكبر فحرّك رأسه يقصد أن يقول للصبية أن وضعها ليس مناسباً، ثم جذب يدها ومركز جسمها أمامه وأنزل يديه حتى  استند رسغاه على ثدييها. سكنت لحظات بين يديه وانتظرت أن يبدأ الدفع. كان سكن هو الآخر. انتظرت لحظات أخرى فلم ترتح. التفتت ونظرت في عينيه وعرفت قصده فنزعت يديه عن صدرها ودارت ووقفت إلى يساره. لف ذراعه بسرعة وأسقط الحبل فسقطت دموعها قبل أن يسقط الحبل على الأرض.

نظرت إليه بأسى ثم إلى القمر بأسى أكبر واضطرب صدرها ببكائها لكنها لم تقل شيئاً. نظرت ثانية إلى القمر بقلق ثم إلى البلاطة التي بان طرفها على حافة الثغرة وتحرّكت. مشت إليه بسرعة. وقفت أمامه وهي ترتجف بعنف، ثم رفعت جسدها على أطراف أصابعها ووضعت شفتيها على شفتيه فسال دمعها فوق حافتي شفتيها وبللت ذقنه. رجعت به وأسندت ظهرها إلى جدار القبّة ثم قرّبته من جسدها وشدت ظهره إليها ومالت برأسها يميناً وبدأ جسمها يرجّ بعنف. لم يفعل شيئاً فهمست من بين بكائها الصامت: ”افعل لكن لا تنظر. لا تنظر أبداً. بعدها أريد أن أرى البلاطة على الأرض، هنا. فهمت؟“

فهم لكن حدث شيء غريب لم يتوقعه. سأل نفسه الحائرة سؤالاً مفاجئاً فأجابته فجاءت الاجابة أكثر حيرة من السؤال فسأل الصبية وهي بين يديه: ”تقبلين كل هذا من أجل شربة ماء؟“

حركت رأسها. ”ليس من أجل شربة ماء.“

”من أجل ماذا، إذاً؟“

لم تجب. أبعدت رأسه المُكب فوقها ونظرت إلى البلاطة. ”لم يبق وقت. هذه آخر ليلة. الله سيسامحني لكن لا تنظر، لن أحتمل.“

كبرت في عينه وصغر هو في عين نفسه فبدت له المسافة بينهما كأنها بين السماء والأرض وأبعد.

ابتعد عنها والتفت يساراً وهوى بظاهر أصابعه على شيء نافر فيه بغضب، ثم شدّ ذراعها بحزم. طاوعته بصمت دون سؤال. لف الحبل حول خصره مرة أخرى ثم حول ساعده ثم أشار لها فأحاطت جسمه بذراعيها ودفعا جسميهما خلفاً بعنف فانقلعت البلاطة وتوازنت على الحافة في مكان قريب من الوسط ثم هوت وانغرست حافتها في التراب الذي أزاله من على البلاطة.

جرت حوله ملتاعة تقصد البلاطة فأطاح بذراعه وجرفها من وسطها ورمى بجسميهما معاً بعيداً عن ستة أو سبعة أحجار كبيرة سقطت متلاحقة من طرف البراج الأعلى بعد لحظة من سقوط البلاطة واستقر أكبرها عند قدمها اليمنى حتى كاد يلامسه.

استوت الصبية ثم رفعت نفسها وأعادت جسمها نقلة إلى الوراء لكنها لم تستقر أكثر من لحظة قفزت بعدها ووقفت خلفه وراحت تعاين فوهة البئر المنكشفة.

”البئر مملوء،“ قال لها بحيرة، ”لكن يوجد شيء على سطح الماء… يشبه الصندوق.“

شهقت الصبية. ”أخرجه، أرجوك.“

تذكر أنه في خربة العفاريت فتردد. ”ماذا فيه؟ تعرفين؟“

لوّحت برأسها حيرة ثم برقت عيناها فاستوقفته. ”كنز،“ قالت بسرعة، ”كنز كبير، أخرجه بسرعة.“

دس الحبل في حلقة مقبض صدء أعلى الصندوق وقرّبه من حافة البلاطة ثم رفعه بالتوافق مع شدّة قوية من الصبية فاستقر رأس الصندوق على حافة البلاطة. هدّأ انزاله على سطح البلاحة المنحدر، ثم أوماً لها. شدّت الحبل فانزلق الصندوق فوق سطح البلاطة بيسر، واستقر على جانبه. دفعاه معاً فاستقر في وضعه الطبيعي. تنفس عميقاً ودفع ظهره خلفاً فاستوت حلقات عاموده الفقاري وهي تصدر طقات متلاحقة خفيفة، ثم قعّر كفيه وغرف ماءً وغب بسرعة. تجمد لحظة، ثم بصق ما بقي في فمه من الماء، وسعل شديداً وبصق.

”الماء مالح،“ صاح بها.

”أعرف،“ قالت بلا اهتمام. ”كنت اسألني قبل أن تشريه.“

استغرب ردها فنظر إلى الصندوق فإليها فإلى الصندوق فازداد استغرابه وقال كمن يخاطب نفسه ويخاطبها في آن: ”كيف يمكن أن يحوي الصندوق كنزاً كبيراً ويطفو على سطح الماء؟“

التقطت الدلو بسرعة ورفعته فوق رأسها والتفتت إليه وقالت: ”كنت اسالني قبل أن ترفعه،“ ثم هوت بحافة السطل السفلى على جسم القفل الكبير.

عبثت به فلم تجده انكسر فرفعت السطل ثانية وهوت به على حلقة القفل بقوة أكبر.

رأت عيناه شيئاً فلم يصدقهما لغرابته فاستبعده.

لا، لم يستبعده تماماً.

راقب يدها ترتفع بالسطل مرة ثالثة وتأكد. فتح عينيه واسعاً ولاحق حركتها الأخيرة بدقة. رآها تهوي بالسطل على الحلقة لكنه لم ير الشيء الذي توقعه فشعر كأن صدره يتقوّض على نفسه مثل البيضة المداسة، ثم بمعدته تسقط قرب قدميه.

أصر أسنانه حتى ضبط خوفه منها ثم اقترب. أخذ السطل ورفعه فوق رأسه وهوى به على القفل فانكسر وطارت حلقته بعيداً. هبت تريد رفع غطاء الصندوق فاستوقف يدها. رفعها إلى فمه وقبّل ظاهرها وتمتم: ”سامحيني … لأجل الله،“ ثم زحف بقدميه بعيداً عنها ببطء شديد، والتفت وراءه بسرعة وبدأ يجري.

4

قطع الوقت الثواني كما يقطع الأيام والدقائق كما الأشهر ثم تباطئ وتوقف في اللحظة نفسها التي تمنّى السائق أن يتسارع كي يخرجه من الخوف الذي سيطر عليه تماماً. كان كره الصمت الذي ذكره بالمقابر بعدما توقف في خربة العفاريت، ثم سمع الوشيش المرعب فتمنى لو عاد الصمت، وها قد حاول أن يختفي عن العالم لعل العالم يختفي عنه فغطى رأسه بسترته ودفن جسمه الكبير في مكان لا يتسع إلا لقدميه كي لا يرى العالم ولا يراه لكنه صار يتمنى أن يعود الوشيش المرعب ويطرد هذا الدبيب الذي يشعر بصوته وحركته في كل مكان من الشاحنة. ”خفافيش،“ قال يهوّن على نفسه في البداية وهو يصف لها الدبيب. ”خفافيش،“ قالت نفسه له متهكمة، ”خفافيش بسيقان طويلة وأيد أطول منها تصعد فوق صندوق الشاحنة ثم تهبط بحركتين فقط.“

خطر له ألف مرة أن يجرّب تشغيل السيارة مرة ثانية لكنه خشي أن تسمع ”الخفافيش“ الطقة وتكتشف مخبأه فتتسرب إليه عبر الشقوق و…

كان يأس ايضاً من عودة معاونه.

لا، لم ييأس.

كان تمنى ألا يعود المعاون أبداً لكنه كان يأس من عدم عودة المعاون إليه. سيأتي، وسيأتي معه الخوف الأكبر.

كان تصوّره في خربة العفاريت.

لا، لم يتصوره في خربة العفاريت.

تصوّره على خربة العفاريت. رأسه على القبّة، وجذعه مصلوب في الجدار الكبير، وذراعه مرفوعة السبّابة على كوم من الحجارة في اتجاه سبّابته الأخرى المدلاة فوق كوم من الحجارة في الطرف الآخر من الخربة.

لا، لم يتصوّره هكذا، ليس بعدما تصوّره مرة ثانية. كان مكتملاً في تصوّره الثاني برأسه وجذعه وأطرافه لكن الأطراف لم تكن في مكانها المعتاد، ولا الرأس، ولا حتى الجذع. لا يمكن لمخلوق مثل هذا أن يمشي في أي مكان في العالم لكنه ليس في أي مكان من العالم. إنه في خربة العفاريت لذا سيمشي هذا الشيء الذي كان معاونه قبل ساعتين — سيمشي بطريقة ما، وسيصل إليه في أي لحظة وسيؤُذن مجيئة بالخوف الأكبر.

ثم حدث شيء غريب.

سمع قرقعة في بطنه فضغط عليه ليوقف الصوت خوفاً من أن تسمعه ”الخفافيش“ فشعر بامتلاء. كاد السائق يبكي لكنه ضحك. ضحك بصوت خنقه وهو يضغط على فمه بقوة ثم خلّى سبيل ضحكته. رفع ظهره جانباً وخلّى سبيل الامتلاء في بطنه فخرج الصوت صاخباً وتوقف الدبيب على الفور لكنه لم يشعر بخوف.

خرج منه شخص يعرفه ووقف قبالته وشدّ طرفي  قبّته حتى كادا يلتصقان ثم قال له: أبا مصطفى! تريد أن تعيش حتى تخرف؟ فرد: لا. فقال له الشخص: ممَ أنت خائف إذاً؟ لم يجب فقال له: أنت أسكنتَ الموت مرة على ظهرك ومات أبوك ودفن لكن الموت لا يزال على ظهرك. أنتَ تعيش مع الموت، أتريد أيضاً أن تعيش مع الخوف؟

جلس بصخب. رفع مقعد السائق بصخب. بحث في العدّة الاحتياط عن أكبر آلة فوجد مفتاحاً انكليزياً قديماً. أدار قرص العيار بسرعة فانقبض الفكّان على بعضهما وصارا كتلة ثقيلة واحدة.

تنفس بعمق ثم فتح باب السييارة وقفز واقفا. هز المفتاحً وصاح: ”تعالوا إليّ، تعالوا.“

ارتفع صوت الدبيب متسارعاً ثم توقف. شعر بعشرات العيون تحدق فيه من أعلى الشاحنة ومن تحتها ومن كل الاتجاهات الأخرى لكنه انتقل من مكان إلى آخر بخفة يبحث عن أصحابها وهو يهز مفتاحه. لم يواجهه أحد فدار حول السيارة وفتح صندوق العدّة وثبّت حلقة البطارية، ثم عاد إلى بابه.

وكان يهم بارتقاء الدرجة إلى القمرة عندما سمع صوت أقدام تضرب أرض الخربة في الطريق إليه. أسند ظهره إلى بابه ورفع المفتاح واستعد. اقترب الصوت منه فمال يميناً ويساراً في مكانه ليتبين مصدر الصوت فرأى معاونه من بعيد. عاينه وهو ينطلق في الطريق إليه فوجد رأسه في المكان الطبيعي وكذا جزعه وأطرافه فشعر برهبة لأن ما رأه غير ما توقعه.

رفع المفتاح فوق رأسه واستعد للمعركة.

كان المعاون على بعد أربعين متراً عندما صاح به وهو يجري: ”اركب! اركب بسرعة ولنهرب من هنا.“

لم يتحرك السائق. شدّ قبضة المفتاح وتهيّأ.

غير المعاون اتجاهه ليدور حول السيارة من الأمام ثم يعود ليرتقي الدرجة إلى بابه فجري السائق وقطع عليه الطريق.

كان معاونه لكنه لم يكن متأكداً أنه يرى شخصاً يشبهه.

”ابو مصطفى!“ صاح به المعاون. ”لأجل الله، اصعد ولنهرب من هناك،“ وحاول الالتفات حول السيارة فقطع عليه الطريق. ”قل لي أولاً ماذا تعشينا في دير الزور؟“

نظر المعاون إلى الخربة بهلع. ”كباب حلبي،“ قال بسرعة، ”كباب حلبي وبعدها شاي ثم تفاحتين صفراوين بعمر جدتي. اقتنعت؟“

لم يقتنع تماماً. ”ونحن ذاهبان إلى أين؟“ سأله.

”إلى جهنم،“ صاح المعاون بغضب، ”إلى اللاذقية. ما بالك؟ أنا مجنون أو أكاد، وأنت؟“

كان تأكد واقتنع لكنه سمع كلمة ”مجنون“ فعاد إليه شكه ورفع المفتاح ثانية وسأله وهو يراقبه بحذر: ”مجنون؟ لماذا؟“

”يا الله!“ صاح المعاون وهو يضرب الأرض بقدميه من الخوف والغيظ. ”أنت رأيتها حتى تسألني؟“

”رأيت من؟“ قال السائق والخوف يطرق باب قلبه بحزم.

هز المعاون يده باتجاه الخربة مراراً لكنه لم يجد الكلمة المناسبة لوصفها وصفها بكل الكلمات التي جاءت على لسانه: ”الجنيه، العفريتة، الشيطانة، الصبية، الـ –“

لم يكمل. هاجت وسط الخربة أصوات يستحيل وصفها واندفعت في اتجاههما وصعقت أسماعهما فانقطع كلام المعاون بالتزامن مع انقطاع نياط قلبه فيما انقبض صدر السائق من الخوف.

هبّا ليهربا فاصطدما ببعضهما البعض وارتفاعا قليلاً في الهواء معاً ثم سقطا معاً في مكان أبعد بكثير. قاما معاً وجريا في اتجاه البابين فوجد السائق نفسه أمام باب المعاون فيما وجد المعاون نفسه أمام باب السائق. جريا في الاتجاه المعاكس فاصطدما ببعضهما في الطريق ثانية، ثم وجدا نفسيهما يتدافعان على فتح باب السائق. كان المعاون أسبق من زميله ففتح الباب ودخل القمرة وارتج الباب لكنه انتبه إلى أنه ليس على مقعده ففتح الباب وجذب يد السائق ثم زلق نفسه إلى مكانه ولم يكد يستقر حتى كان السائق ادار المحرك وانطلق في اتجاه الطريق العام.

قاد الشاحنة اكثر من ربع ساعة قبل ان يصل الى الطريق العام. ولج إليه بزاوية حادة ونقل علبة السرعة إلى المستوى الأعلى لكنه لم يشعر بأمان إلا عندما شاهد أنوار السيارات تعبر الطريق في الاتجاه المعاكس. رفع سيجارة إلى فمه ومج عميقاً. أنزل زجاج نافذته قليلاً ونفث في هواء بات يميل إلى البرودة، ثم استرق نظرة إلى معاونه فوجده يهزّ راسه خفيفاً كأنه لا يزال يصارع الذهول. انتظر دقائق أخرى. أطفأ سيجارته ونظر إلى المعاون فتلاقت نظراتهما وابتسم كل منهما للآخر مهوّناً ما حدث لهما.

”إذاً رأيتَ حوريّة الصحراء؟“ قال السائق.

”رأيت صبية مذهلة الجمال. هي نفسها؟“

”نفسها،“ قال السائق، ”لكنها حورية الصحراء في الروايات.“

”حوريّة إذاً. تستأهل،“ قال المعاون، ثم تذكر شيئاً فضحك خفيفاً وتذكر أشياء أخرى فعاد خوفه لحظات ثم حل الحزن محل الخوف واستقر على تقاطيع وجهه. ”هذه الحوريّة جبل أحزان،“ قال للسائق، ”لكنها تعرف كيف تضحك.“

صفر السائق. ”وتضحك أيضاً؟ لها فم تضحك منه؟“

لم يعجبه كلام السائق: ”إن قال لك سائقون آخرون إن ساقيها تزحفان خلفها كما الثعبانين وإن رؤوس أصابعها عقارب ووجهها مجعد مثل قدم الفيل فقد كذبوا عليك. هؤلاء لم يروها في حياتهم.“ صمت لحظة وأضاف: ”وأنت لم ترها أيضاً.“

ضحك السائق نصف ضحكة اعترفت بنصف اعتراف وأوماً له برأسه. ”صحيح. أنا لم أرها بنفسي. سمعت أنها تأتي في ليالي البدر إلى البئر لتخرج شيئاً منه فأوقفت الشاحنة مرة قرب المكان الذي توقفنا فيه وتسللت إلى البئر واختبأت خلف جدار قصير يطل على البئر معظم الليل فلم أرها. لكن من رآها قال إنها سلبت عقله ولم يهرب من الخربة إلا عاشقاً.“

استغرب المعاون. ”إذاً، لماذا سألت إن كان لها فم تضحك منه؟“

”لأنني رأيتك تجري مثل المجانين والخوف نصب مضاربه في عينيك فافترضت أنك رأيت شيئاً مفزعاً. رأيتَ أم لم تر؟“

نظر المعاون في المرآة الجانبية وفكر لحظة. كان متأكداً وهو في الخربة لكنه ابتعد عنها كثيراً الآن فلم يعد متأكداً أن ما رآه يستحق كل هذا الفزع. رفع كتفيه خفيفاً. ”لا أعرف. رأيت يدها ترتفع بالسطل وتهوي به على قفل الصندوق بعدما سحبناه من البئر ورايت خيال السطل يهوي لكن لم أر في الظل نفسه يدها تمسك به. تلك الحوريّة بلا ظل. أنا متأكد، لهذا هربت من وجهها كالمجنون لكن لست متأكداً الآن لماذا هربت. كثيرون منا بلا ظل لكننا لا نهرب منهم، ثم من هو الأهبل الذي يريد أن يرى ظلها إن كان يستطيع أن يرى وجهها؟ أنا نظرت إلى القمر بعدما رأيتها تضحك وقلت له أن يجد كوكباً غير كوكبنا بسرعة لأن في الأرض الآن كوكباً ينافسه بامتياز.“

ضحك السائق للصورة الأخيرة لكن ما سمعه قبلها استوقفه فسأل: ”انت سحبت صندوقاً من البئر، كيف؟“

”رأيته يطفو على سطح الماء. سألتها فقالت إن فيه كنزاً كبيراً لكن لا أعتقد. كيف يطفو صندوق مملوء بالذهب والجواهر؟ كذبتْ عليّ لكن لا ألومها. تلك الحوريّة كانت يائسة وكانت مستعدة لفعل أي شيء لكي تفتح الصندوق.“

نظر المعاون إلى السائق فوجده يحدق فيه باستغراب قبل أن يساله: ”قلت إنك وجدت الصندوق طافياً؟ على ماء؟“

لم يعرف للاستغرب سبباً لكنه أومأ برأسه. ”نعم. كان يطفو على جانبه قريباً من الفوهة.“

نفخ السائق بضيق. أشعل سيجارة نفث دخانها بسرعة عبر الشق بين الزجاج والاطار ثم نفخ بضيق أيضاً. ”أنت لم تر شيئاً،“ قال له غاضباً. ”كل ما سمعته منك لا علاقة له بالحقيقة. ماذا حدث في الخربة؟ خفت فحاولت إخافتي بالوشيش والدبيب؟“

”أنت كنت معي؟“ قال المعاون بغضب مقابل. كل ما قلته لك حدث لكن لن اقسم. أنا لا أقسم لأي سبب.“

”لاحاجة للقسم. الكذب عليّ يكفي. الكذب عليّ وعلى الله كثير.“

واجهه المعاون. ”تتهمني بالكذب؟ على أي أساس؟“

صرف السائق المعاون بظاهر يده. ”هذا البئر جاف. رفعتُ البلاطة بنفسي وتأكدت. ليس فيه سوى الحجارة. كنت سأقول لك إنه جاف لكنك أصريت على الذهاب فقلت في نفسي: اتركه، على الأقل سيتعلم كيف يواجه الخوف … إن وجده. صحيح أم لا؟“

”صحيح،“ قال المعاون.

”أرأيت؟“ ردّ السائق. ”أحدنا ليس مصيباً، وهذا الواحد ليس أنا.“

هز المعاون رأسه. ”كلانا مصيب. أنت مصيب لأن البئر الذي دللتني عليه كان جافاً فعلاًً. أنا مصيب لأن في الخربة بئراً آخر – تحت القبّة، وهذا البئر طافح بالماء حتى الفوهة.“

شفط السائق الهواء. ”بئر تحت القبّة؟“

”أحسب أنه عميق، لكن ماءه مالح.“

تذكّر السائق تفاصيل الرواية الثانية فحرّك رأسه. ”ليس ماءً، دموع،“ قال وهو يحدق في الطريق أمامه، ثم التفت إلى معاونه، ”القبّة ليست قبّة عادية. إنها قبر الحوريّة. بنوها لها ووضعوها داخل القبة وطيّنوها بسبع طبقات. الجميع يعرفون هذا لذا لم يقرب القبّة أحد قبلك. هذه الرواية أكيدة كما يبدو لكن من رواها عن الأولين افترض أن البئر هو البئر القريب من الجدار الكبير. لهذا لم يجدوا فيه الصندوق الذي دفنوا فيه حبيبها الأمير حسّان حياً، ولهذا لم يجدوا البئر مملوءٌ بدموعها، كما في الرواية الثانية، لأنهم لم يعثروا على البئر الحقيقي.“

سند السائق مقود الشاحنة بابهاميه وبدأ يقرأ الفاتحة فحذا المعاون حذوه، ثم مسح وجهه بيديه ومسح من عينيه دموعه. ”هذه الرواية صحيحة وأنا أشهد على صحتها،“ قال للسائق بحزن. ”الآن فقط عرفت لماذا لم أسمع صوت خطواتها ولم تسمع هي صوت خطواتي وأنا أقترب من القبّة – لم تكن خارج القبّة في تلك اللحظة وإلا كنتُ سمعتها وكانت سمعتني. كانت داخلها.“

”كبيرة؟“ قال السائق.

فهم المعاون ما قصده السائق. ”القبّة ضيقة من الداخل. حتى الحوريّة لا تستطيع أن تتمدد فيها. أتصورها هكذا،“ أضاف وهو يجمع ركبتيه إلى بطنه، ”أتصورها جالسة هكذا في ذهول يقارب الموت. أتصوّر كيف وضعوا الأمير في الصندوق، وكيف أنزلوه في البئر، وكيف وضعوا البلاطة على الفوهة التي صارت مسطبة قبر الحوريّة المسكينة.“

توقف وجهش. ”هل تستطيع أن تتصوّر عذابها؟ كم طال يا ترى؟ ساعات؟ أيام؟ أسابيع؟“

”سنوات،“ قال السائق بحزن مماثل. ”عشرات السنين … ربما المئات.“

”مئات؟“ صرخ المعاون، ”مئات السنين؟“

فتح السائق يديه بسرعة. ”لا أعرف بالضبط، لا أحد يعرف. هل تستطيع أن تملأ بئراً بالدموع في سنة أو سنتين؟“

”من يفعل هذا بصبية مثل هذه؟“ قال المعاون وهو يحوم برأسه في كل مكان كأنه يسأل الكون. ”المسكينة كانت تُسقط دموعها في ثقب صغير في البلاطة كي يمتلأ البئر ويرتفع الصندوق لتكون قريبة منه. هل سمعت بقصة عشق مثل هذه في حياتك؟ هل سمعت بمثل هذا الظلم في حياتك؟ من يقوى قلبه على تعذيب صبية بهذه الطريقة؟“

”الجبابرة، من غيرهم؟“ قال السائق. ”ذوو الخطر، من سواهم؟ هؤلاء لا يفكرون مثل باقي البشر ولا يخشون الله. نحن نخاف من العفاريت والشياطين في خربة العفاريت لكنهم هم العفاريت والشياطين. من يجرؤ أن يقول لهم هذا؟ من يجرؤ على مخالفتهم؟“

أمال المعاون راسه بين اليسار والخلف ليحدد اتجاه الخربة: ”هي … الحوريّة. ماذا فعلت المسكينة؟ أبت أن تفتح ساقيها لأمير زمانها فدفنها حيّة في قبّة ودفن من أحبته في صندوق تحتها كي يجعلها تتعذب في حياتها البائسة وموتها الأكثر بؤساً؟“

تنهد السائق. ”ليس لأمير واحد، كلهم عشقوها وكلهم نظموا فيها قصائد الهوى أو اشتروا القصائد ونسبوها لأنفسهم لعلهم يستميلونها، لكنها عشقت من أحبته وصدّتهم فامتلأت قلوبهم بالشر.“

قال المعاون وهو يشد يدين مستعدين للخنق: ”نعرفهم؟“

”نعرف قصيدة مشهورة كُتبت فيها: أراك عصي الدمع.“

شهق المعاون. ”أبو فراس دفنها حيّة؟ مستحيل؟“

”أبو فراس كتب القصيدة لابنه ليتخلص من كثرة إلحاحه.“

”ابنه فراس دفنها حية لأنها رفضت أن تنكحه ولم يمنعه أبوه؟“

رفع السائق كتفيه. ”هكذا يُقال. أنا كنت معهم؟“

”لا يصح،“ قال المعاون. ”هذه جريمة فظيعة ولا يمكن اتهام اي شخص بارتكابها من دون اثبات.“

وافقه السائق. أنا قلت هذا أيضاً فقالوا إن الاثبات في القصيدة نفسها. ألا تذكر قوله: إذا متّ عطشاناً فلا نزل القطر؟ ما معنى ذلك؟ معناه إذا لم تروه الحورية من رضابها فلن يتروي من رضابها أحد، أي أنه سيحرم كل رجال الدنيا منها وعلى رأسهم الأمير حسّان.“

”هممم،“ قال المعاون. ”وماذا قلت لهم بعدما قالوا لك هذا؟“

”قلت لهم ما قالوه لي في البداية.“

ضاع المعاون. ”لم أفهم. ما الذي قلته لهم بالضبط بعد الكلام الذي قالوه لك؟“

استغرب السائق وفتح بديه. ”كلامي واضح لا حاجة لتكراره. وافقتهم بأن عجز البيت يتضمن تهديداً صريحاً لكن قلت لهم أيضاً إن التهديد مقصود به الابتزاز أيضاً لذا فالجريمة مضاعفة.“

”وماذا قالوا لك بعدما قلت لهم هذا الكلام المقنع؟“

رفع السائق كتفيه. ”نسيت. لكن أقول لك الآن إن الله يمهل ولا يهمل. ها قد أعطاها الصبر الطويل ومدّ بحياتها وبعثه من قبره الخشبي لعلهما يستمتعان بالحياة التي منّ بها عليهما فجاء الجبابرة وحرموهما منها ظلماً. الأمريكان يحسبون أن صدام أول الجبابرة العرب لكنهم مهابيل فلا هو أولهم ولا هو آخرهم.“

”تعرف يا أبا مصطفى،“ قال المعاون. ”لا أعرف كيف يحرّم الله على نفسه الظلم ثم يأتي الجبابرة فيحللونه على الضعفاء من الناس. لماذا لم نقرأ رواية هذين العاشقين في أي كتاب؟“

رفع السائق حاجبيه. ”لن تقرأ طالحاً عن جبّار ما لم يأمر جبّار آخر مؤرخ زمانه بذمّه. أغلبهم بيّاع امتهن الكذب والنفاق. وبصراحة أنا لا استبعد أي شيء. تاريخنا مثل الحفاضات – لا تتلوث مرة إلا اشترى الجبابرة مؤرخاً ليغسله ويعطّره لهم، لكن أظن يا محمود أن الحفاضات تظل أصدق انباء من كتب تاريخ كثيرة لأننا على الأقل نعرف من الرائحة العالقة فيها ماذا كان فيها  في الأصل، وأظنها تظل يا محمود أطيب رائحة على رغم كل شيء.“

ذكره الحديث عن الحفاضات بشيء كان فكّر به لنفسه لحظة فضحك. نصّب إبهامه ووكز به الفراغ الممتد عبر الليل إلى الخربة وسأل: ”تظنهما يا أبا مصطفى قادرين على إنجاب البنات والصبيان بعد كل ما جري لهما؟“

أجاب بحركة راسه مؤكداً ثم بالكلام: ”إن شاء الله. إذا أكرمهما الله بحياة جديدة فله حكمة في ذلك. لعله يريد أن يملأ نصف الدنيا بأولادهم وبناتهم.“

”من فمك لباب السما،“ قال المعاون. ”والله لن يُظلم في زمانهم أحد لأنهم ذاقوا مرارة الظلم كما لم يذقه مخلوق قبلهما.“

قال السائق: ”صدقت، لكن لا تنس أيضاً أنهما سيملأان العالم بجيل من الجميلات والوسيمين.“

”والاذكياء ايضاً. الله يعطي بعضهن الجمال وبعضهن الذكاء لكن من يجمعن الاثنين نادرات.“

ضحك السائق. ”نادرات مثل ابنة عمك،“ ثم قرقر طويلاً.

أخرج المعاون صوتاً يائساً من بين اسنانه ورفع رأسه. ”مثل الحوريّة،“ ثم أسقط رأسه وأضاف بأسى: ”حليمة مسكينة. لا أعرف ماذا تقول لها أمها. لي سنتين وأنا أحاول اقناعها بأن البوس وحده لا يأتي بعيال لكنها لا تريد أن تقتنع.“

استذكر السائق صورة خطيبة معاونه فضحك. ”أنا لو كنت مكانك كنت وافقتها. حتى البوس كثير.“

أصلح المعاون جلسته. ”والله صحيح. ما لي وحليمة وما لحليمة بي.؟ أنا من الآن سأكرّس حياتي لفك لغز الخرائب. تعرف خربة أخرى؟“

”تقصد خربة فيها حورية مثل التي رأيتها؟ لا اعتقد، لكن إن وجدتها فستجد لها عشيقاً أو زوجاً تحبه. كل الحوريات هكذا.“

”إذاً لا أمل؟“

وافقه السائق. ”الأميرات للامراء، يا صدبقي. الحل الوحيد أن تتزوج حليمة وتوهم نفسك بأنك تنام مع الحورية.“

”أعرف حلاً اسهل بكثير،“ قال المعاون.

قال السائق: إفدنا، أفادك الله.“

تذكر المعاون اشياء جميلة فزادها المحيط المحزن التي عرفها فيه جمالاً. برق في خاطره مشهد معين لم يكن متأكداً أنه ليس حلماً فابتسم للحلم أولاً ثم للحلم. ”سأتزوج أحلامي،“ قال المعاون. ”لن أخدع أحداً هكذا سوى نفسي.“

”كنت قلت لك،“ أجابه السائق. ”كلنا متزوج من أحلامه.“

قال المعاون: ”أنا متزوج حتى العظم لكن من دون قبلة واحدة.“

كان السائق يريد أن يسأل المعاون شيئاً لكنه عرف قبل أن يسأل فصمت.

لا، لم يصمت.

استذكر أشياء سمعها من معاونه فشعر بالأسى ولم يعد الكلام مفيداً.

الحورية أيضاً شعرت مثله بالأسى، لا بدّ. لها قلب لذا لا بدّ. ليس في ساعات ما بعد اللقاء الثاني لكن بعداً. لا بدّ. لجأت إلى شاب لا تعرفه ليفك أسر حبيبها من سجنه القديم وتركت وراءها أسيراً جديداً فمن يفك أسره؟

لم يفكر السائق طويلاً. ”الزمن،“ قال لنفسه.

نظر ثانية إلى معاونه فوجده أسند جبينه إلى حافة الباب وبدا مستعداً للبكاء.

”بكبك!“ همس له جانباً.

أصلح المعاون جلسته ونظر إليه.

” بكبك، بكبك!“

ابتسم المعاون مكرهاً.

” بكبك، بكبك، بكبك!“

حاول المعاون ضبط ضحكته فلم يستطع فخرجت من صدره الحزين مثل القرقعة الصاخبة.

”بكبك، بكبك، بكبك، بكبك!“

هوى المعاون بكفيه على فخذيه وقرقر طويلاً.

أنزل زجاج النافذة ودفع بجسمه عبرها، ثم نظر وراءه في اتجاه الخربة وصاح: ”بكبك، بكبك، بكبك، بكبك، بكبك!“

حملت الريح صوته بعيداً. أنصت جيداً. أنصت طويلاً وكاد ييأس من الجواب عندما سمع صوت ضحكة مخنوقة في البعيد تلتها ضحكة عالية أطلت عليه الحورية بعدها من وراء كتف حبيبتها وأغمضت له عينيها طويلاً ثم ابتسمت برضا.

الصورة: Giant Bomb