تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية: الأنظمة اليوم هي الخائفة لا الشعوب

هل عرفت الأمة حتى في عصور التتار والاستعمار أنحس من عصر الأنظمة الوطنية؟

إن العربي المتمعّن في حال الأمّة العربية عشية تحررها من الخوف الاميركي في العراق ما كان سيراها خير أمّة أخرجت للناس بعد ستة عقود من الظلم الذي لم يعرفه البيت العربي في تاريخه الحديث. وإن العربي المتمعن في حال الأمة العربية بعد ستة عقود من التجهيل ما كان سيراها أمّة التنوّر والعلم والحضارة التي أضاءت عتمة عصور الظلام في أوروبا وآسيا وقدمت المثال على العظمة التي يمكن أن تجسّدها روح الإنسان عندما تحرر ذاتها من سلاسل الجهل والانغلاق والتخشّب الفكري.

وإن العربية المتمعنة في شعر الأمة وأدبها والغائصة في روحها ستجدها أمة تفتخر بأنها ولدت على صهوة الجواد ونشأت على الحرية وإذ بها بعد ستة عقود من عصر الأنظمة الوطنية الأسود قعيدة حفر الحضارة بعدما صارت الأنظمة رواهصها. وإن المتمعنة في حظ هذه الأمة العاثر ستراها كما لو ان القدر وضع كل أنظمة العالم في غربال حكمه ثم هزه عنيفاً وأفرغ ما بقي من عوالق فسقط فوق الأمة من الطائشين والجاهلين والولدان والمتخشّبين والبيّاعين والكذابين وتلاميذ هتلر وستالين أرذل الخلق وأردأهم وأقدرهم على الظلم وامتهان الكذب وصنع التخلف وفعل الشر والفجيعة.

وإن الباحث في حضارة الشعوب وثقافاتها ما كان سيجد كتاباً واحداً أهدته أمّة من أمم الأرض إلى الأمم الأخرى فاستولى على أحلام أطفال العالم مثلما استولت عليها العربية من خلال كتاب واحد هو ألف ليلة وليلة. هذا هو الكتاب الذي صار أجمل ما يمكن أن يُهدى إلى الصبي والصبية في أوروبا في عيد الميلاد، وهذا هو الكتاب الذي خرج الأدب الرومانسي في أوروبا من تحت عباءته، وهو الكتاب الذي اقتدى به جل المؤلفين الذين كتبوا لأطفال العالم، ومنه وجدت اللوحات الملونة طريقها إلى معظم الكتب الأخرى فلينظر العرب إلى ما أهدته الأنظمة الظالمة إلى العالم في عصرها المظلم: الإرهاب والظلم والتجهيل والتهجين والتسلط والتعذيب والتخلّف والفساد والرشوة المؤسساتية ومداهمات بيوت الناس واعتقال المئات بانتقال حرس الأنظمة من بيت إلى آخر واغتيال الضمير وتمزيق حقوق الإنسان وانتهاك الحريات الشخصية والعامة حتى بات العالم العربي يشغل الحيز الأكبر من تقارير جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات العفو الدوليّة والمؤسسات الديمقراطية بعدما شغلت حضارته العالم، فأين هذه الحضارة بعد ستة عقود من التخريب سوى الظل الباهت لجلال هذه الأمة الغارب؟

وخلال ستين عاماً عاشت الأمة جحيم ظلم أذاقتها الأنظمة كل نكهة منه: ظلم باسم الحرب على الإرهاب، وظلم باسم الحرب على المتشددين، وظلم باسم الدفاع عن الدين، وظلم بالتصدي للدين، وظلم باسم الوحدة، وظلم باسم الانفصالية، وباسم التقدمية وباسم المحافظة وباسم الوطنية وباسم القومية وباسم الاشتراكية وباسم الحزب وباسم العيلة المنحوسة الحاكمة. كان من ينادي بالحرية وحكم القانون يُتهم بالعمالة للاستعمار. وذهب الاستعمار فصار يُتهم بأنه عميل للإمبريالية، ولم يعد لهذا الاتهام معنى فصار يتهم بأنه شيوعي، وسقطت الشيوعية فصار يتهم بالإرهاب.

ستون سنة والأمة تعيش هذا الظلم. ما طالب مواطن في دولة عربية بشيء من الحرية إلا اتهموه بأنه عميل لوكالة الاستخبارات الأميركية. ما اشتكى مواطن في دولة عربية من قهر إلا اتهموه بأنه عميل للموساد. ما قال قائل كلمة حق في حاكم جائر إلا قالوا إنه إرهابي أو جاسوس أو خائن أو رجعي أو إمبريالي أو متآمر أو جمعوا فيه الصفات كلها فصار بيت العرب أكبر معسكر اعتقال مفتوح في العالم، ثم صارت ساحات مدنه ساحات المذابح والقصف والتدمير والتعذيب.

هذا وطن يقول المظلومون للنظام كفاية! فيرد كمن نفخ إبليس الاستكبار في أنفه: كلام أيه ده؟ مش كفاية أبداً! هذا وطن يقول الناس فيه للنظام: “كفانا من الأب ما كفانا!”، فيرد عليهم النظام: “الأب والابن وابن الابن أيضاً وبموافقة كل جنين في رحم كل أم أيضاً” وبنسبة فوز في انتخابات ملفة لا تقل عن 99 في المئة، عدّ من عدّ وصدر من رد. هذا وطن يطالب فيه الناس بالإصلاح وتأسيس البرلمان المنتخب للاعتراف بحقوق المواطنين فتتهمهم السلطات بالخيانة أو باستخدام مصطلحات غربيّة أو بالخروج على طاعة ولي الأمر.

في أي العهود البائدة تعيش هذه الأنظمة؟ اسمعوا: ثم دخل سعد بن مالك على معاوية بن أبي سفيان وقال: “السلام عليك يا أيها الملك”. فغضب معاوية وقال: “ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟” فقال سعد “ذلك إن كنّا أمّرناك”. والوالي؟ ذلك إن كنّا وليناك. والرئيس؟ ذلك إن كنّا رأسناك. ومن ولاهم ومن رأسهم ومن أمّرهم على الناس سوى الأخ وابن الأخ وابن العم وابن الخالة وأهل الثكنات والمخابرات ومن يهرولون وراء دفتر شيكاتهم التي يصرفون بها أموال الناس؟

بئس الأزمان هذه لكن لا تستغربوا فهذا وطن يقول الناس فيه للنظام نريد الحرية فيبني لهم سجناً، وهذا وطن تكفل فيه الأنظمة للمعارضين الحرية إن عادوا إلى وطنهم الذي أخرجوا منه على وجوههم وما أن ينزلوا أرض المطار حتى تكون المخابرات في انتظارهم، وهذا وطن لم تُبقِ فيه الأنظمة من فصول الأمة الأربعة سوى الخريف.

يجب أن يعرف العرب أن خوف الأنظمة الأكبر ليس في بقاء جنود الإمبراطورية الأميركية الجديدة في بيت العرب بل في خروجهم منه. يجب أن يعرف العرب أن خوف الأنظمة الأكبر ليس في استمرار التوتر والعنف مع إسرائيل بل في تحقيق السلام العادل المبني على الشرعية الدولية. يجب أن يعرف العرب أن الأنظمة لا تخاف أعمال العنف والقتل والاختطاف فهي تملك كل أدوات مقاومته وبعضها متهم بتشجيع من اختطفت عقولهم عليها وبمسرحة العمليات الإرهابية، بل تخاف المظاهرة السلمية لأنها تعبير حضاري ونتاج تفكير عقلاني والأنظمة لا تريد أن يفكر الناس إلا بعاطفتهم لأنها تعرف كيف تستغل العاطفة وتنشّط الكره لكنها عاجزة أمام العقل. وبالعاطفة والتأليب والتجهيل والتهجين تستفز الأنظمة بعض من اختطفت عقولهم للقيام بعمليات مثل هذه لكي تضرب كل المعارضة باسم ضرب الإرهاب، وتبرهن للغرب الكائد أنها تقف إلى جانبه فيمنحها المال والسلاح والشرعية ويتابع تأييد الظلم والتجويع وزراعة العنف والإرهاب في النفوس المُستفزة.

في سورية عشرة آلاف موقع أثري. في إبلة السورية أضخم مكتبة صلصالية في العالم القديم. على ضفاف وادي الفرات أقدم المستوطنات البشرية قبل أكثر من عشرة آلاف سنة. هي دولة عرفت العمارة وعرفت الهدم، عرفت العز وعرفت القهر. جيوش كثيرة عبرت دروبها إلى الداخل، وجيوش كثيرة هربت بمن بقي من جنودها أحياء.  انظروا إلى مدنها اليوم، إلى أحيائها، إلى مقابرها الكثيرة ثم لا يقارن أحد ما حدث في سورية أو ما حدث في ليبيا بما حدث في العراق أيام التتار.  في التاريخ هولاكو واحد، كم هولاكو في أوطان العرب؟ هذه الأنظمة وجيوشها أدواتالاستبداد والتسلط والعجز والقصور والفساد والتخشّب وقهر شباب الأمة وشاباتها. زعماء كثيرون أثبتوا أنهم أقدر على الهدم من البناء وأقدر على الظلم من العدل وأقدر على تضييع حقوق العرب من استردادها وأقدر على تحقيق التخلف من التنمية وأقدر على تشجيع الإرهاب من تشجيع الاعتدال وأكثر خبرة في تأسيس المافيات الأسرية والمخابراتية من تأسيس الجمعيات التي تنفع الناس. هؤلاء لا مكان لهم في عالم اليوم لأن العالم تغير. عليهم أن يتنحّوا ويتركوا الساحة للشعب كي يحكم نفسه بنفسه من دون حاجة للسلطان لأن السلطان لم يجلب للناس خلال ستين عاماً سوى المذابح والمحارق والاحتلال والظلم والقسوة والتخلف والجوع والتخريب.

إن الأنظمة ترتجف من البرد بعد خمود نار التأييد الأميركي لها. إنها  تعرف أن الجدار الذي اقامته لحماية نفسها مقبل على السقوط لأن الغرب لم يعد راغباً في حمايتها. هي اليوم في الخنادق والأقببية وحيدة وخائفة ويدها على الزناد. لكن هذه الأنظمة الظالمة تعرف سراً كبيراً: جدار الأنظمة لن يسقط ما لم تشأ له الشعوب أن يسقط. أنتم، أيها العرب، من يمسك بهذا الخيط الأخير الذي يُبقي الأنظمة فاوقفوا نزيف الأمة وظلم الأمة وخوف الأمة واقلعوه من أساسه، وليفعل كل عربي وكل صديق للعرب ما يقدر عليه: من لا يجد بندقية يدافع بها عن أسرته ونفسه من إجرام الأنظمة وجيوشها فليجد معولاً ينقب به الجدارالذي يحميها. من لا يقدر على نقبه فليرسل فيه مسماراً. من لا يقدر على ثقبه فليخدشه. من لا يقدر على خدشه فليقف أمامه ويتظاهر سلماً ويستصرخه السقوط. من لا يقدر فليلعنه في قلبه. من لا يقدر حتى على هذا لخوف ساكن فيه فليتمنّى في سره سقوط الجدار.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA
0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

أضف تعليقاً