تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية: قراءة وعرض

1- تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية: قراءة وعرض حسام الدين محمد

 

fireinaleppo

جميع الانقلابيين في العالم العربي واجهوا أزمة شرعية واعتمدوا على البيعة الخارجية للدول العظمى الغرب لا يريد تدمير الإسلام والصراع اليوم ليس بين الغرب والشرق بل بين الأنظمة الظالمة وشعوبها.

تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية كتاب عادل بشتاوي الصادر مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر يقدّم خبرات الكاتب الطويلة في مجالات الرواية والقصّ والاعلام والصحافة الاقتصادية والتكنولوجية في مؤلّف فريد من نوعه، فأسلوب الكاتب كثيرا ما يذكّرنا بالكتابة الكلاسيكية القديمة، التي يقمّشها كتّابها بالقصائد والقصص الشخصية والعامة، لكن مواضيعه ومطالعاته تنتمي في توجهها العام الي التحريض السياسي المباشر، غير ان عمقها يمتح من التحليل النقدي الحديث، بما فيه من احصاءات ومعلومات دقيقة.

واذا كان الموضوع الحارق الكتاب لا يسمح للناقد بترف الشغل المطوّل علي الأساليب الأدبية التي اشتغل عليها الكاتب بقدر اشتغاله علي موضوعه، فان التلخيص المحض لأفكار الكتاب لن يفيه حقّه، رغم ان قوة الكتاب، في رأيي، كامنة في هذه الأفكار بالذات وليس في طريقة ايصالها فحسب.

زمن الظلم

يعيد الكاتب أصول قضايا كتابه الي فترة نهايات السلطنة العثمانية ممسكا بما يشبه مروحة تاريخية مفتوحة علي الكثير من التفاصيل والنقاط التي علينا استيعابها لفهم ما يدعوه بـ تاريخ الظلم العربي في الانظمة الوطنية ، لكنه ما يلبث ان يأخذنا من حين لآخر في رحلة الي تفاصيل عميقة في التاريخ العربي الأقدم (كالصراع بين الأمين والمأمون ومصير ابو مسلم الخراساني وسيرة الملك بيبرس الخ…).

يستخدم الكاتب أدوات حرفته الأدبية للسير بنا لحلّ الغاز الحاضر التي لا تزال مربوطة بجذور الماضي، القريب منه والبعيد، والمثال الأول علي ذلك اشارة بشتاوي مرارا الي احدي النقاط المهمة دون ان يسميها (انظر صفحات43، 46، 53) والتي نكتشف ان مقصوده منها هو دور المقدّس الاسلام وتأثير القادرين علي توجيه اتباعه الهائل علي العالم بحيث يعتبره الكاتب (في توصيف يجمع بين الطرافة والجدّية المأساوية ربما) سلاح التدمير الشامل!

سلاح التدمير الشامل هذا، كان، برأي الكاتب، يمثّل رعبا كبيرا لكل من بريطانيا وفرنسا المتأهبتين للدخول الي الحرب العالمية الأولي فلو استجاب واحد في المائة من المسلمين لدعوة الجهاد فإن ثلاثة ملايين مسلم رقم هائل خصوصا ان المسلمين في الهند كانوا من الأمم الحربية القوية (ص 54)، ومن جهة اخري فان الألمان ايضا كانوا يسألون أنور باشا كل يوم متي سيعلن الشريف حسين الجهاد الأكبر علي بريطانيا وفرنسا وروسيا.

ضمن هذا السياق يناقش بشتاوي التصوّر الشعبي الاسلامي لما سمي بالثورة العربية الكبري التي قادها الشريف حسين وابناؤه معتبرا اياها صدمة عربية كبري لجماهير المسلمين في العالم الذين تشكلت لديهم قناعة بخيانة العرب للاسلام لا تزال في عقول الملايين من الهنود والباكستانيين والاتراك وغيرهم حتي الآن (ص 59) كما يناقش بشتاوي ـ بطريقة تجيب وتفتح أسئلة بالوقت نفسه ـ اشكاليات علاقة الاسلام بالعرب والجروح المزمنة التي فتحتها قضية الثورة العربية الكبري ضمن هذه الاشكاليات، والتخبّط الذي عاشته تركيا والعرب والمسلمون عموما بعدها.

تبدو معالجة الكاتب لقضايا كتابه كأنها تتابع اكتشافي لأرقام في معادلة لفكّ خزانة سرّية ضخمة، ومثال ذلك انه بعد الحديث عن الملابسات التي احاطت بالغاء المفهوم الجامع للمسلمين وهو الخلافة الاسلامية يشرح الكاتب الرابط بين هذا الالغاء والعديد من الهزائم (والانتصارات) علي الجبهات العربية والاسلامية، فيلاحظ ان العثمانيين اختفوا من تركيا كأنهم لم يكونوا فيها لكنهم ظلوا في العالم العربي وتجذّروا في السياسة والمجتمع والاقتصاد والجيوش وان هذه المسألة سبب رئيس في انهزام البريطانيين في العراق (خلال الحرب العالمية الأولي) وانتصارهم من جهة اخري في غزة ومرج بن عامر (ص 61).

يقارب بشتاوي الفكرة بطريقة اشكالية مثيرة تجعلها مفتوحة دائما علي اكثر من اتجاه، او للتبسيط يمكننا اعتبارها مفتوحة علي حالة تحمل بذرة نقيضها داخلها، فمقاربة بشتاوي لفكرة الجامعة الاسلامية تتبدي للقاريء احيانا مقاربة ايجابية، كما في شرحه لأسباب انهزام تاونشند وحملته البريطانية علي العراق بأن جيش المدافعين ضم عددا كبيرا من الجنود العراقيين قادتهم مجموعة من الضباط العراقيين المنضوين تحت لواء بني عثمان .

وهو ما يحصل ايضا في مقاربة الكاتب للفكرة العلمانية (كما في التجربة التركية مثلا) تتبدي ايجابية هي الأخري، وكذلك الأمر في نقده للطبيعة العاطفية في الشخصية العربية، وفي خلاصته التي يقول فيها ان سر نجاح تركيا وسر اخفاق العالم العربي ان السلطنة العثمانية خرجت من بلاد العرب لكن من حكم بعدها هم عثمانيون فكرة وأساليب وكانوا جزءا من المشكلة وكان الاكبر منها الدخول الي عمق العقل العربي وازالة الهياكل الثقافية والاجتماعية العثمانية واحلال هياكل جديدة تقوم علي العلمنة والتحديث (ص 65).

هل يمكننا اعتبار هذا تناقضا في أفكار الكتاب؟

من ناحيتي، أري الي اعتبار ذلك شكلا من اشكال تلمّس الروائي لشخصيات الواقع/ظواهره المتناقضة، ففي الفكرة الاسلامية قوة هائلة لكنّ تركها مزجاة علي عاطفيتها فحسب قادر علي نكب العرب والمسلمين أكبر النكبات (كما علي انتصارهم احيانا!).

الاسلام في روع الكاتب، علي ما اري، هو المسلمون انفسهم، ولو قدّر لهؤلاء تحديث عميق في مجتمعاتهم لكانت القوة الاسلامية تهذّبت واستفادت من منابعها دون الابتعاد عن السياق العام للعصر.

التأريخ بأدوات الرواية

وذات يوم تراءي لعمر فخر الدين في منامه ان الرسول تبدّي له وأومأ اليه، أي اتبعني يا عمر، فمشي وراءه خطوتين او ثلاثا ثم افاق. وكانت تركيا استسلمت وقتها فأصدرت اليه القيادة العسكرية التركية أمرا بالاستسلام واخلاء مواقعه فرفض وراح يحصّن مواقعه، وظلّ يصد الهجوم تلو الهجوم بعد ثلاثة اشهر من توقف القتال في سائر جبهات الحرب العالمية الأولي. وانتشرت انباء هذا الصمود العظيم في اراضي الاسلام فضج الناس ورفعوا ايديهم الي بارئهم إي انصر فخر الدين من عندك يا ناصر الاسلام (…) ولم يعد امام فخر الدين خيار فصلّي طويلا عند قبر الرسول ونشيجه يختلط بكلامه، ثم أنام سيفه امام الضريح وخرج الي بئر درويش ومعه نحو عشرة آلاف جندي وضابط (ص 58).

يرد هذا النص في سياق تحليل الكاتب للعوامل التاريخية المعقّدة التي شهدت الغاء الخلافة والانضمام الرمزي للعرب بزعامة الشريف حسين الي البريطانيين في حربهم علي العثمانيين مرورا بالاحتلال البريطاني للعراق وفلسطين وسورية وما تلي ذلك من احداث خطيرة أدت الي تكوّن المنطقة العربية علي الشكل الذي آلت اليه.

وهو مثال لأسلوب أدبي استخدم فيه عادل بشتاوي حرفته المهنية التي برع فيها منذ كتبه القصصية الأولي وصولا الي رواياته.

لكن هذا الأسلوب ليس إلا واحدا من أساليب عدة يستخدمها الكاتب، فاذا كانت قراءة التاريخ بعين الناقد المتفحص، والتنبيه علي الأخطاء الاستراتيجية الجسيمة التي أدت بالعرب الي ما هم عليه لا تكفي، فان الكاتب، راغبا في إعطاء كتابه شحنة قصوي من التأثير، يقوم احيانا بما يشبه الخطابة الحادة التي تقوم بنخز واستفزاز القاريء وتحريضه.

كما أن بشتاوي يقوم باستدخال شرائح وموتيفات من وسائط أدبية أخري غير معتاد استخدامها في الكتب التاريخية، ففي شرحه لحالة الحميّة التي اجتاحت الوجدان العربي بعد انقشاع الغيمة العثمانية علي حد تعبير الكاتب، يقدّم بشتاوي قراءة لمطلع قصيدة احمد شوقي سلام من صبا بردي أرق ، بحيث يتضمن الفصل الذي يتناول هذه القضية شروحا من الكاتب لهذه القصيدة واستدخالا لها في الحالة النفسية العامة التي عاشها العرب آنذاك.

أغلب فصول الكتاب تشبه في تسلسلها الحبكات القصصية التي تقوم بالتقديم والتأخير ابتغاء لتشويق القاريء (كما في فصل أنظمة الظلم حيث يقوم بـ فلاش باك ثم يعود للمقارنة بالحاضر) او مفاجأته (كما في فصل هرقلة الحكم الذي ينتهي بطرفة لكوميدي امريكي سبق للكاتب ان اشار اليها داخل النص)، او تبسيط القضايا المعقّدة، او شرح الطبقات العدّة للفكرة، وغير ذلك… وينثر بشتاوي في أرجاء كتابه كثيرا من التفاصيل التي قد تدهش القارئ غير المتخصص، من قبيل ان محمد علي وقبل مذبحته التي قضي فيها علي الممالك هزم البريطانيين عام 1807، وان حجر رشيد عثر عليه الفرنسيون وتمكنوا من فك طلاسمه لكن البريطانيين هم من سرقوه ووضعوه في متحفهم الوطني، وان الجيش الفرنسي الذي هاجم سورية وانتصر علي الجيش العربي في ميسلون كان يضم عددا غير معروف من الموارنة، وان اول مذبحة لليهود في اوروبا القرون الوسطي كانت علي يد الانكليز عام 1190، وان سبب شهرة صلاح الدين عائدة الي وجود مؤرخ جيد هو بهاء الدين بن شداد وليس لأنه من قضي علي الصليبيين وهو الأمر الذي يجب ان يعزي الي المماليك الخ…

إساءة قراءة النصوص

ولعلّ طول اشتغاله الحرفيّ علي النصوص جعل الكاتب ينتبه الي قضية اهمال العرب ونخبهم عموما أهمية الدقّة في النص والدقّة في قراءته واستشفاف معانيه الباطنة والظاهرة، ويستنتج بشتاوي ان العرب ومسؤوليهم اساؤوا قراءة التعهدات والقرارات الدولية وان ذلك أدي لكوارث حقيقية عليهم وعلي شعوبهم، ويستحضر علي ذلك مثالي تعهدات مكماهون (1915) ووعد بلفور وقرار مجلس الأمن بانهاء حالة الحرب في الشرق الاوسط بعد حرب حزيران (يونيو) 1967. ويشرّح بشتاوي هذه المسألة من خلال مقاربة رائعة لوعد بلفور وملابساته وكيف قرأه العرب واليهود، حيث لعب غياب أل التعريف فيه دورا كبيرا، كونه نص علي اقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ولم ينصّ علي اقامة الوطن القومي لليهود.

وهو الأمر الذي حصل لاحقا مع قرار مجلس الأمن عام 1967 حول انسحاب اسرائيل من الأراضي التي احتلتها، فيري انه لو رفع دبلوماسي عربي يده في مجلس الأمن وسأل لورد كارادون لماذا أسقط أل التعريف من كلمة أراض فربما كنا وفرنا علي أنفسنا وعلي اليهود نهرا من الدم وتلالا من الذهب وستين سنة من التخلف وأربعين سنة من الظلم العربي !

ولو انتبه دبلوماسي عربي الي ما لم ينتبه اليه كارادون وقال حتي بعد صدور القرار بقليل ان بلاده وافقت علي القرار الصادر بالفرنسية (لا لبس فيه لوجود حرف التعريف des) المعترف بها لغة رسمية الي جانب الانكليزية وليس علي النسخة الانكليزية لكان هو الدبلوماسي المحنك في العالم وليس كارادون (ص 88 ـ 89).

والأمر نفسه ينطبق برأي الكاتب علي رسالة مكماهون فلو استفسر مفاوض عربي من مكماهون عن تفاصيل رسالته لاضطر مكماهون الي الاجابة ولتغيّر الوضع تماما ولكانت بريطانيا وافقت علي أي شيء لأنها لم تملك خيارا آخر للأسباب التي تقدم ذكرها (ص 89).

بهذه الطريقة الصادمة يقدم عادل بشتاوي قراءة لطريقة التعاطي العربية المفجعة مع الأحداث الخطيرة كما يقدّم درسا لا يمكن نسيانه في ضرورة التعامل المتأنّي مع النصوص والقرارات الدولية والمفاوضات. علي الرغم من اشتغال بشتاوي المستمر علي فكرتي العقل والعاطفة والمثاليات والمصالح (احد فصول الكتاب يحمل عنوان: صراع المثاليات والمصالح) فان هذه الفكرة تبدو مثالية للقاريء كونها تعتبر النصوص الموقعة قادرة علي الزام الأطراف المتصارعة، متجاهلة أن المصالح قادرة علي ليّ أي نصّ وتأويله او تجاوز أي عقبات قانونية او شرعية (كما فعلت الولايات المتحدة وبريطانيا عند غزوهما الأخير للعراق مثلا)، لكنها من جهة أخري تكشف ان الانتصارات والهزائم مرتبطة الي درجة هائلة بالوعي، وأننا، كعرب، ومن خلال تجاهلنا للتفاصيل والجزئيات والنصوص، قمنا بمساعدة اعدائنا مساعدة جمّة، وساهمنا في تراكب هزائمنا وتعقّدها.

وللأهمية الخطيرة لوعد بلفور وما جرّه من كوارث هائلة علي العرب يقوم بشتاوي بتحليل تاريخي لأسباب صدوره فيستنتج انه كان مكافأة بريطانية لليهود نتيجة مساهمة عظيمة لهم في اقناع الولايات المتحدة الامريكية بالدخول في الحرب العالمية الأولي ضد المانيا وهو أمر يراه بشتاوي علي غاية عظمي من الحساسية حتي اليوم لأن الأميركيين لا يريدون ان يقال انهم ضحوا بعشرات الآلاف من ابنائهم كي يساعدوا امبراطورية تريد ان تدفع ثمن المساعدة باقامة وطن لليهود في فلسطين (ص 96) كما ان يهودا كثيرين ايضا لا يريدون ان يبدو وعد بلفور مكافأة علي خدمة قدموها لبريطانيا، ولذا اختاروا الزعم بأن الوعد يعكس اقتناع بريطانيا بحق اليهود في وطن قومي لهم في فلسطين (ص 97). ويري بشتاوي ان وعد بلفور لم يعد بالكوارث علي العرب والمسلمين فحسب بل كان كذلك بداية النهاية لبريطانيا وان هدفها الخبيث عاد عليها وعلي المسيحية وعلي اليهود وعلي العرب بالوبال العظيم.

الانقلابات ومأزق الشرعية

الجزء الثاني من كتاب بشتاوي مخصص لـ أنظمة الظلم العربي ، وليس من المستغرب ان يقوم بتركيز علي مصر وبسرد تاريخي للأحداث الممهدة لحركة 23 تموز (يوليو) 1952 فقد لعب الانقلاب المصري في العالم العربي علي حد قول الكاتب الدور الحاسم الذي لعبه في ما بعد انقلاب اوغسطو بينوشيه في امريكا اللاتينية (ص 120) ولأن ثورته جلبت الي مصر تغييرا عميقا ما لبث ان عم معظم العالم العربي واستقدم اليه اطول حرب عرفها القرن العشرون وهي الحرب الباردة (ص 121).

وهكذا فرغم انها لم تكن الحركة الانقلابية الأولي في العالم العربي فان حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبدالناصر طبعت المنطقة بطابعها بحيث وسمت تاريخ العرب الحديث وأسست لكل ما سيحصل بعدها.

وبينما ركزت أدبيات حركة عبدالناصر علي الفساد الذي كان معششا في اجهزة الملكية المصرية ـ يوضح بشتاوي ـ فانها من ناحية أخري تجاهلت الشعبية الهائلة التي كانت للإخوان المسلمين، فهل يلمح الكاتب الي ان حركة الضباط الأحرار كانت ضربة استباقية لامكانية استلام الاخوان المسلمين للسلطة؟ يقارب الكاتب ايضا مرحلة اضطهاد الشيوعيين المصريين التي بدأت عام 1954 ويستغرب ذلك لهشاشة قوّتهم ولكنه يشير الي ان ذلك مرتبط بمرحلة الحرب الباردة بين امريكا والاتحاد السوفييتي والي ان المجتمعات العربية دفعت ثمنا باهظا لها ظلما وفقرا وسلب حريات (ص 136).

يترك الكاتب سؤال الاخوان مفتوحا ليبحث في ما يسميه طوابير الانقلابات التي بدأت في العراق ثم في سورية، ثم يشير الي أن عدد الانقلابات في البلدان العربية بلغت اكثر من عشرين انقلابا ويربطها ايضا بالصراع بين الجبارين. في الفصول اللاحقة يقوم بشتاوي بتوضيح اكبر للصورة العامة للعالم التي شكّلت خلفية لما يجري في بلادنا بدءاً من حرب الكوريتين وحرب فيتنام وصولا الي استدراج الاتحاد السوفييتي لأفغانستان وسقوط نظام الشاه في ايران. لكن الكاتب يعود بنا مرة أخري الي التاريخ فيحكي سيرة المماليك ويركّز علي الملك الظاهر بيبرس مؤكدا علي نقاط شديدة الأهمية في طليعتها مسألتا الشرعية والبيعة.

يعتبر الكاتب ان الحاكم الذي يأتي الي السلطة بالقوة يعاني دائما من مسألة افتقاره للشرعية ويقدّم للتدليل علي الفكرة بسيرة بيبرس الذي اغتال السلطان قطز واغتصب عرشه و مع ذلك كان قلقه شديدا لأنه كان يعرف انه اغتصب الملك و كان يملك كل شيء لكن ما ملكه لم يعطه الشرعية (ص 156). يقوم بيبرس باكتشاف احد اعمام العباسيين فيستقدمه للقاهرة ويبايعه الناس باسم المستنصر الذي يقوم بعد ذلك بتولية بيبرس مصر والشام فيبايعه الناس علي ذلك. فهم بيبرس بيعة الناس له باعتبارها تكليفا شرعيا له فدك حصون الصليبيين وقضي علي الحشاشين واصلح امور المملكة وسك العملة ونظم البريد وسيّر السفارات الي ملوك اوروبا وآسيا وأمر بالعمران فكثر في عهده. ويعلّق بشتاوي علي ذلك بالقول ان الظاهر بيبرس يستطيع فرض نفسه علي الناس ورميهم في السجون واختطاف حاضرهم ومستقبلهم وقسرهم علي أداء يمين الولاء له كما فعل الكثيرون من المستبدين في هذا العصر لكن هذا العجمي الذي لم يتقن العربية كان يعرف ان يمين الاكراه باطل فالبيعة ليست سوي صك تعاقدي بين الحاكم والشعب ولهذا سميت بالبيعة لأنها عمليا صك يبيع المحكوم بموجبه ولاءه للحاكم في مقابل تعهد الحاكم بتحسين معاشه وفتح ابواب الرزق امامه وتمكينه من العمل والانتاج وبناء الحضارة والمساهمة في تمويل الخزانة (ص 158). يعتبر بشتاوي ان الشرعية هي أم المشاكل التي واجهت جميع الانقلابيين في كل العالم العربي وان وضعهم القانوني الضعيف هو الذي أدي لاستناد هذه الأنظمة علي الدول العظمي في العالم (يسميها بشتاوي البيعة الخارجية ) لكي تتحكم بالداخل، وعندما تتفاجأ القوي العظمي التي تدخّلت لانشاء ودعم هذه الانظمة العربية بالنتائج وتكتشف عدم امكان اقلمة سياساتها مع الواقع العربي فان مصالحها تدفعها للعودة الي المنطقة المرة تلو الأخري للمساهمة في تفتيت النجوم التي ساعدت هي في نشوئها لكن مسارها أدي لانقلابها ضدها عن طريق ضربها مباشرة او وضعها في سكة الاصطدام مع النجوم الوليدة او الصنيعة (ص 159).

يستعيد عادل بشتاوي فرانكو، دكتاتور اسبانيا الراحل، ليناقش فكرة الشرعية وحاجة الدكتاتور لحلها وهو ما أدي بحالة فرانكو الي قرار باعادة الملكية الي البلاد قبل وفاته، فيما يلاحظ ان الطغاة العرب لا يزالون يعمهون في غيّهم، فبدل الاقرار الواقعي بانتهائهم فإنهم يحاولون الاستمرار من خلال توريث ابنائهم الحكم رغم انهم زعموا الانقلاب علي الملكية واشكال الحكم الرجعية ! ينطلق الكاتب في الفصل اللاحق ( أنظمة الظلم ) لعمل جردة تاريخية مؤسسة علي سؤال واحد: أي عصر هو أسوأ عصور العرب في التاريخ؟ وبعد رحلة شاقّة ومؤلمة يستنتج ان الأنظمة الوطنية العربية جعلت من هذا العصر الذي نعيشه أسوأ عصور العرب علي الاطلاق بما في ذلك القرن الثالث عشر الذي غزا فيه الصليبيون العالم العربي وخسرت الأمة العربية معظم الأندلس ففي ذلك العصر، علي كل سوئه، استطاع المماليك التصدّي للصليبيين والمغول وأن يجلوهم عن بلادنا. ويسرد الكتاب مطوّلا أسباب اعتبار هذا العصر الذي نعيش فيه أسوأ الأنظمة العربية وهو ما أمكنني تلخيصه بالنقاط التالية:

1.     انقطاع التواصل بين العرب لأول مرة في التاريخ، فقد أغلقت الأنظمة الابواب بين العرب وفرضت الفيز والتأشيرات وحولت الحدود الي سدود منيعة (ص 189).

2.     الهزائم الكبيرة فـ من نحو 250 حربا شهدها العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انتصرت الدول في بعضها مرة وانهزمت في اخري الا نحن فهزمنا في كل واحدة منها (ص 191).

3.     نماذج السفك والكبت والظلم واختطاف الأمم والشعوب (…) كانت فريدة في التاريخ (ص 192).

4.     قيام الأنظمة بحروب بشعة ضد جيرانها وشركائها في الدين كما فعل النظام العراقي السابق ضد ايران في حرب استمرت 7 سنوات و 11 شهرا وكانت ثالث اكثر الحروب التي عرفها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية دمارا واكثرها دموية (ص 198) وأدت الي مليون قتيل ومليون مصاب بعاهات وكلّفت 350 مليار دولار. وهنا يستفيض بشتاوي ليصل الحديث الي احتلال العراق والنتائج الكارثية التي تأدّت عنه، كما لو أنه يقول ان سياسات الانظمة العربية هي التي جلبت الاحتلال للأرض العربية مجددا: عندما بدأت القوات الاميركية غزو العراق (20/3/2003) … كان العراق دار دورة اقتصادية وثقافية كاملة فزال معظم ما قام خلال السبعينات والثمانينات (ص 199)، و بنهاية نحو سنتين من الاحتلال الامريكي كان الاقتصاد العراقي دخل مرحلة الاحتضار (ص 200).

5.     نشر الشمولية والسلطة المطلقة والاستبداد والخوف وتدمير أي معارضة داخلية في العالم العربي والمنطقة. وقد دخل الخوف، برأي بشتاوي، من بوابة الهزيمة ومن بوابة الخوف دلفت الأنظمة لتحقيق النصر علي الشعب ، و عبر بوابات الثكنات والمعسكرات والقلاع القديمة بدأ التدجين العظيم ولا يزال مستمرا (ص 213).

رعاة الفكر التصادمي

مستقبل المواجهة بين الغرب والاسلام هو عنوان الجزء الثالث من الكتاب، وباختياره هذا الموضوع ليشكل ثلث كتابه المخصص لـ تاريخ الظلم العربي في عصر الانظمة الوطنية يجعلنا نفترض ان المواجهة مع الغرب هي بأهمية المواجهة مع هذه الانظمة، لكن تحليل بشتاوي لا يقدّم المعادلة بهذه البساطة، فهو يقوم بتجريد المواجهة مع الغرب من عدد من أساطيرها المؤسسة في التفكير العربي، نافيا وجود مسار رابط بين غزو الصليبيين وبين مراحل الاستعمار الحديثة، فلكل حدث سببه التاريخي والمنطقي.

كما يقوم الكاتب بتفكيك لنظرية المؤامرة بادئا اياه من جذرها اللغوي وصولا الي معانيها السياسية، مؤكدا وجود سوء فهم عربي لمعني هذه الكلمة عند الغربيين.

العامل الوحيد الذي يجده بشتاوي مناسبا لفهم العلاقة بين العالمين هو الخوف المتبادل بينهما، الذي يقوم أحد الطرفين كل مرة، وبانتهازية، باستثماره لتنفيذ أغراض سياسية، كما تفعل الأنظمة العربية في شحنها للشباب العربي بالكره للغرب، ثم تقتيلهم وعرضهم علي الشاشات لتقول انها تحارب الارهاب، وكما تفعل الادارة الامريكية التي وظّفت الخوف الامريكي من العرب والمسلمين لتحقيق هدفها في غزو العراق.

لكن بشتاوي يعتبر الكراهية العربية للغرب القائمة علي التاريخ وحده ظلما كبيرا لهذا الغرب وان امعاننا في هذا الغشيان العاطفي والتخشب الفكري والتيبس في حقبة زمنية زالت ظلم لنا ولأبنائنا وأحفادنا قبل جميع الآخرين، وأهم أسباب اخفاقنا في فهم الخطاب الدولي الموجه لنا (ص 241).

بحرارة خطابه السابق الذي عرّي الأنظمة وكشف ضعفها وخواءها وضرورة سقوطها، يبدأ الكاتب هذا الفصل بخطاب لا يقلّ حرارة كاشفا الخطايا الشائعة في مقاربة مفهوم الغرب ككلّ ثابت لا يتغيّر، ويؤكد ان الحضارة الاوروبية الحديثة ودخولها للبلدان العربية لا يشبه بحال غزوة الصليبيين، فهو يعتبر ان اوروبا قطعت حبل السرة الذي كان يربطها بأوروبا القبائل الجرمانية والنورمانية الوحشية سواء في فرنسا او في انكلترا.

يقول بشتاوي ان الاستبداد والقتل في بلادنا لم يمارسا علي يد فرنسا وانكلترا بل علي يد العثمانيين، كما يشير الي الدور الذي لعبته الشعوب الاوروبية في مكافحة قرارات حكوماتها باحتلال بلدان الاخرين، وهذا فارق كبير يؤشر الي الطور الذي بلغته الحضارة الانسانية والغربية تحديدا.

واذا وافقنا الكاتب الرأي في اختلاف الشعوب الاوروبية حاليا عنها في أيام الصليبيين، فان قضية ان سلطات بريطانيا وفرنسا لم تمارسا القتل والاستبداد في بلادنا مسألة فيها جدل، وأول ما يمكن ان يردّ به القاريء هو الاحالة الي احتلال الجزائر والعنف الهائل الذي مورس ضد الجزائريين من قبل الجيش والادارة الفرنسيين هناك، اما في التمييز الذي يقيمه بين الاوروبيين والامريكيين، وخصوصا ادارة بوش الحالية، فهو نفسه يشير في كتابه الي ان فرنسا سعت لتسليم امريكا حربها في فيتنام، بما يشبه الوارث والموروث. ان مرحلة الاستعمار، في ظني، حتي لو تم تغليفها بالكثير من القيم الاخلاقية الانسانية، كانت ادخالا قسريا لشعوب العالم في طور جديد، مما أدي الي كوارث تاريخية، اجتماعية وانسانية هائلة.

وبغض النظر عن نتيجة هذا النقاش فان ما يحاول عادل بشتاوي فعله، باعتقادي، هو اخراج منطق المواجهة بين الاسلام والغرب من الحالة العاطفية التي تحيطه والمملوءة بمشاعر الخوف والكره اللاعقلانية ودافعه في ذلك انه عندما لا نركز الا علي السلبي فان السلبي يتراكم في ذاكرتنا من دون ان ندري ويتحوّل هذا التراكم الي موقف لا نستطيع ان نقدم برهانا اكيدا يسوّغه لأنه قرار عاطفي (ص 352)، وهو في معارضته للسلبية في التعامل مع هذه المسألة يقدّم الكثير من الوقائع التي تعاكس النظرة السائدة في اعلامنا وبين شعوبنا عن الغربيين ومن ذلك ان في اوروبا 17 مليون عربي ومسلم خرجوا من بلادهم والفقر يتعقبهم فصاروا في غير بلادهم رجال الاعمال والمستثمرين وأساتذة الجامعات، ومعظمهم صار قادرا علي مساعدة أسرته في وطنه الأول (ص 253).

يقول الكاتب ان تركيز الاعلام العربي علي أخبار متفرقة لعربي اهين او ضرب وتجاهل قصص النجاح وهي بمئات الآلاف سببه ان ذلك يشجع علي المقارنة المفزعة بين ما يتعرّض له المواطن العربي في بلاده وما توفّره اوروبا وامريكا له من طرق للنجاح. لكن الكاتب يدرك ان عكس ستين سنة من التجهيل والحقن وبناء الفكر التصادمي ليس بالأمر الهين لكنه لن يكون مستحيلا (ص 253).

مستقبل الأمة

يقوم بشتاوي في هذا الفصل بتقديم جردة للنكبات التي تعرّضت لها العلاقة بين العرب والمسلمين، ويعود بطريقة جديدة لاستقراء فكرة الخلافة وتأثيراتها علي مصائر الشعوب الاسلامية وخصوصا في شبه القارة الهندية، وينبهنا الي الخيط الواصل بين هذه المصائر والمآلات التي آلت اليها الشعوب العربية والاسلامية فالعمليات الاستشهادية في فلسطين انتقلت الي كشمير ثم افغانستان فالشاشان ومن ثم الي العراق فالسعودية والكويت وغيرها.

في سرده للمآخذ التي تأخذها الشعوب الاسلامية علي العرب ينتقل من القتل (حرب العراق لايران) الي الظلم والقسوة والكذب والتكاسل، لكنه يعتبر اكبر المآخذ هو الاخفاق الهائل في تحقيق النهضة التي كانت ستكسب الاسلام القوة التي اكتسبها الغرب (ص 369).

التنمية المستنامة واحد من اقسام هذا الفصل ومن اكثرها متعة وفائدة لأنه يناقش أسباب فشل التنمية بطريقة تنمّ عن خبرة اقتصادية خطيرة ـ وهي احدي خبرات بشتاوي العديدة ـ مقارنا في البداية بين حاجة الدول المتقدمة الهائلة للشباب، والفائدة العظيمة التي يمكن ان يؤدوها لهذه الدول، وبين ضيق الدول العربية بشبابها ودفعهم للعطالة ومضايقتهم في معاشاتهم واحوالهم واعتبارها اياهم عبئا عليها: اذا كانت هناك أمة شابة في العالم فهي الأمة العربية فمعظم عدد العرب المقدّر بنحو 330 مليون نسمة دون سن السادسة والثلاثين، او نحو 244 مليون نسمة، مما يعني انهم الشرائح التي يعتبرها وزراء المالية في الدول المتقدمة مثالية. هل يمكننا ان نتصور ما الذي تستطيع دولة عملاقة مثل الولايات المتحدة ان تفعله لو توافر لها 200 مليون شاب؟ (ص 274).

وهو يري ان هذه الحالة تجعل من الشباب العرب قنبلة موقوتة تنتظر اشعال فتيلها، ويحدد بشتاوي العبء الحقيقي في هذه الدول وهو الانظمة الظالمة التي تري في الشباب العبء الحقيقي (ص 274).

لا يكتفي الكاتب بنقده الكبير للأنظمة بل يشير الي الدور المتواطيء والسلبي والسيء لرجال الاعمال العرب التي يشتكون من القوانين في بلادهم كي لا يعترفوا بأن تلك القوانين هي التي اتاحت لهم جني مئات المليارات (ص 276). ويقول ان الفرق بين كثيرين من رجال الاعمال العرب ونظرائهم في كوريا او الصين وتايوان ان الفئة الثانية تستدين من مراكز التمويل العالمية لكي تبني المصانع في بلادها فيما ينقل بعض اصحاب الفئة الاولي عائدات مبيعات النفط من بلادهم الي مراكز الاستثمار الاوروبية والاميركية لشراء العقارات والمطاعم (ص 276)، ولا يكتفي هؤلاء بذلك بل ان رجال اعمال من الامارات ومصر والسعودية وقطر وغيرها ذهبوا بعيدا في تعاونهم لحماية استثماراتهم الخارجية وصاروا يروجون لعصر بوش وشارون في بيت العرب علنا وبالفعل لا بمجرد القول (ص 772) والنتيجة التي يستخلصها هي ان الناتج الاجمالي للتخلف الاقتصادي العربي ليس مسؤولية الانظمة فقط فرجال اعمال كثيرون يشاركون الانظمة المسؤولية في عملية التخريب الاقتصادي الهائلة ، ويكتشف بعد احتساب نسبة النمو ومتوسط معدل التضخم ان العالم العربي يعيش في العموم واحدة من اطول مراحل الركود في العالم اذ تزيد الآن علي 21 عاما (ص 277).

والنتيجة في قراءته لمستقبل المواجهة بين الاسلام والغرب هي ان الغرب لا يريد تدمير الاسلام وان الصراع الكبير اليوم ليس بين الغرب والشرق والمسيحية والاسلام بل بين الانظمة الظالمة وشعوبها.

وفي استقرائه لما ستفعله الانظمة قبل انهيارها الأكيد يقول انها ستحاول البرهنة علي ان المعركة ليست بين العدل والظلم بل بين السلطة والارهاب (ص 492)، ولكنه يري انه اما ان تتحرك الانظمة فتلغي نفسها، او ان تماطل بالريش والمكياج فيتحرك الشعب فيلغيها (ص 298)، لكن التحدي الذي يواجه العرب اليوم ليس في تغيير النظام فقط بل في تغيير الفكر الذي خلقته الانظمة في العقول (ص 300).

يمكننا ان نقول ان تاريخ الظلم العربي ليس تأريخا بالمعني الاكاديمي للكلمة، ولا يحيل بالتالي الي السرد الكرونولوجي للأحداث، فميزته انه يقدم خيطا ناظما يعيد تشكيل المجريات التاريخية انطلاقا من محاكمة ظاهرة ظلم الانظمة الوطنية العربية لشعوبها وقراءة لاشكالاتها وتحليل اسباب سقوطها القادم.

وهو ما يتأدّي بنا الي نوع جديد من التاريخ . تاريخ يمتدّ من الماضي وينسحب علي مستقبل هذه الانظمة وهو لذلك ايضا دعوة لصناعة تاريخ لا تلحق به صفة الظلم.

واذا كان انجبال قراءة الكاتب للأحداث بطين الخبرة الشخصية (الروائية والاعلامية والاقتصادية والسياسية الخ…) واضحا ومفهوما، غير أن حميّته وغيرته الهائلتين علي البشر، وحماسه ضد الظلمة والطغاة، امر قد يحيّر بعض القرّاء في كتاب ينهض علي هجاء العاطفة وتوقير العقل. رد بشتاوي علي ذلك: العاطفة خصلة حميدة ما بقيت في محيطها ولم تهيمن علي العقل، ومن يحاول ان يقتل العاطفة في نفوس العرب فإنه يحاول ان يقتل الدين ولا يعرف ماذا سيحل محلها (ص 289).

وأغلب ظني ان الكاتب اراد، من خلال تجربته الأدبية والاعلامية الطويلة، تجنّب المآل المؤسف لكثير من الكتب التحليلية الثقيلة التي تتوجه لنخبة قليلة من المهتمين بشؤون التاريخ السياسي، أو كما يقول المتصوفة، لم يكن كتابه مصنوعا لخاصّة الخاصة. وفي مشروعه هذا فان الاساليب الادبية والبلاغية التي ارتآها لكتابه عكست رغبة في تعميم التأثير وتوسيع مجاله وايصال مؤلّف في قضايا شديدة التعقيد وتتناول عصرا بأكمله.

خلال قراءتي للكتاب تذكرت تعريفا غريبا للشعر اجترحه الشاعر والتشكيلي السوري نزيه ابو عفش الذي كتب في احدي مقالاته عن فتاة صبية من قريته اصابها مرض مفاجيء وشخّص الطبيب موتها فدفنت من يومها ليكتشف مارّ في اليوم التالي صراخا مكتوما طالعا من بطن القبر، فالفتاة كانت ما تزال حيّة. ابو عفش شبه الشعر بصراخ تلك الفتاة.

كتاب بشتاوي شبيه بصرخة شعوبنا التي تحاول الأنظمة دفنها حيّة. الصرخة وصلت وبقي ان نخرج كلّنا من القبر!

حسام الدين محمد

مدير التحرير في صحيفة القدس العربي – لندن

boy_outside_a_shattered_home

2- تاريخ الظلم العربي في عصر الأنظمة الوطنية: قراءة وعرض مصطفى عبد الرازق

قراءة وعرض مصطفى عبد الرازق

روح التخوين كانت هي سلاح الأنظمة فمن كان ينادي بالحرية وحكم القانون يتهم بالعمالة للاستعمار وذهب الاستعمار فصار يتهم بأنه عميل للإمبريالية ولم يعد لهذا الاتهام معنى فصار يتهم بأنه شيوعي وسقطت الشيوعية فصار يتهم بالإرهاب

يقدم هذا الكتاب صورة بالغة المأساوية لأوضاعنا في عالمنا العربي وهو ينطلق من فرضية أن الأمة خلال ستين عاما عاشت جحيم ظلم أذاقتها الأنظمةكل نكهة منه. فمن ظلم باسم الحرب على الإرهاب إلى ظلم باسم الحرب على المتشددين إلى ظلم باسم الدفاع عن الدين، وظلم باسم الوحدة وباسم التقدمية وباسم المحافظة وباسم الوطنية وباسم القومية وباسم الاشتراكية.

وحسب المؤلف فإن روح التخوين كانت هي سلاح الأنظمة فمن ينادي بالحرية وحكم القانون يتهم بالعمالة للاستعمار وذهب الاستعمار فصار يتهم بأنه عميل للإمبريالية ولم يعد لهذا الاتهام معنى فصار يتهم بأنه شيوعي وسقطت الشيوعية فصار يتهم بالإرهاب.

وضمن الصورة التي تكشف فداحة الشعور بالظلم وسوء الأوضاع في عالمنا العربي يشير المؤلف إلى أنه في وطننا العربي يقول المظلومون للنظام كفاية» فيرد كمن نفخ إبليس الاستكبار في أنفه: مش كفاية. ويقول الناس للنظام «كفانا من الأب ما كفانا» فيرد عليهم أيضا الأب والابن وابن الابن أيضا وبموافقة كل جنين في رحم كل أم أيضا.

ويشير المؤلف إلى أن الأنظمة العربية في ذلك إنما تستدفئ بنار التأييد الأميركية الخامدة ومباركة إداراتها ظلم العرب كل هذه السنين رغم علمها أن جدار الظلم الذي يشبهه المؤلف بجدار برلين مقبل على السقوط.

وعلى ذلك يدعو إلى نوع من الوحدة لإسقاط هذا الجدار، مشيرا إلى أنه لا توجد أمة في التاريخ اتحدت لإسقاط جدار الظلم إلا سقط وأنه قد جاء الآن الدور على جدار هذه الأمة. ويحذر في هذا الصدد من دعاوى إعطاء الأنظمة فرصة أخرى كي تصلح أحوال الأمة ، مؤكدا أن دعاة مثل هذه الفرصة لن يأخذوا منها سوى الريش والمكياج.

ويقول المؤلف: واعلموا أن خلايا السرطان لا تفكر إلا في بقائها الأزلي وإن استكانت لحظة فلا تحسبوها ماتت لأنها ستفيق فجأة وستكبر حتى تخنق الصدر الذي استعمرته. وعلى مدى ثلاثة أجزاء يتناول المؤلف تاريخ الظلم العربي

عادل سعيد البشتاوي مادته متناولا في الجزء الأول الصدمة العربية الكبرى وفي الجزء الثاني أنظمة الظلم العربية وفي الثالث المواجهة بين الغرب والإسلام.

في حديثه عن الصدمة العربية الكبرى يبدأ المؤلف من المرحلة العثمانية والتي يرى أننا ما زلنا نعيش ملامحها بشكل أو بآخر مشيرا إلى أنه لا يمكن لأمة أن تتحمل ما تحملته الأمة العربية على مدى خمسة قرون من ظلم من قبل سلاطين عثمان والذي استمر أربعة قرون ثم تركع أمام ظلم سلاطين بني عثمان العرب.

ويعرج المؤلف في إطار تناوله لهذا الجزء على الكثير من القضايا التي تمثل تحولات في تاريخنا العربي الحديث مثل الحرب العالمية الأولى والخداع الذي تعرض له العرب آنذاك إثر الوقوف إلى جانب الحلفاء والانقلاب على الأتراك وإقدام بريطانيا على منح اليهود وعد بلفور فيما بعد.. ويحرص المؤلف على الإشارة إلى أن هدفه هو استعراض مجموعة من الأحداث التاريخية التي تساعد على فهم خلفية نشوء الظلم في عهد الأنظمة الوطنية وأن التأريخ ليس من أهدافه الأساسية.

ومن الجوانب التي يؤكد حرصه على إبرازها للقارئ الإشارة إلى أن الدول المتقدمة لا تجد غضاضة أو خروجا على المألوف في التحالف مع عدو الأمس لمحاربة عدو اليوم كما حدث في القرن التاسع عشر عندما تحالفت فرنسا مع الإمبراطورية العثمانية لمقاومة أسبانيا المتحدة مع انجلترا.

وفي سياق تناوله في هذا الجزء يشير إلى أن أكبر انتصار حققته بريطانيا على الإسلام نتيجة فوزها في الحرب العالمية الأولى بمساعدة الإسلام هو إلغاء الخلافة الإسلامية التي ساهمت في توحيد كلمة المسلمين والعرب نحو 1400سنة وتحقق الإلغاء بسبب سوء تصرف الأتراك والعرب على حد سواء وضعفهم.

بعد ذلك وفي سياق استعراضه لأنظمة الظلم العربي يشير المؤلف إلى أن العالم العربي لم يكن بادية كله حتى بعد 400 سنة من الوجود العثماني لكن معظم الأرضيات السياسية والاقتصادية في ممالك الإمبراطورية كان من النوع الذي أكل عليه الدهر وشرب لذا لم يكن قادرا على مسايرة التقدم الذي حققه الغرب خلال المئتي سنة السابقة ولم تكن الأرضيات صالحة لإضافة تلك الطبقة الجديدة من التأثيرات الإيجابية التي حملتها القوى الغربية معها إلى المنطقة أو بناء طبقة تمزجهما معا.

وقد أثار هذا الوضع القائم في بلاد الشام استغراب الدول العظمي وما لبث ان امتد إلى العرب أنفسهم عندما أفاقوا من سباتهم العاطفي إذ كانت الإمبراطورية العثمانية أعلنت في بدايات القرن العشرين عن تطبيق برنامج إصلاح كبير يطال النواحي القانونية.

يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى ما يعتبره طبيعة فريدة تسم الأنظمة العربية جعلتها تلد أنظمة على شاكلة حيوان البلاتيبوس الذي يجمع بين البطة والثعبان في جسد واحد.. لقد تم اختراع نظام تم تسميته «النظام الجمهوري الملكي» أو «النظام الجملكي» على حد ما يسميه اختصارا، وهو الاسم الذي اقترح بعض المعلقين السياسيين على الوارث أن يطلقه على ملك الحارث الجملكية العراقية أو الجملكية.. الخ.

وفي عروج على الديكتاتورية التي تسم أنظمة الحكم يقول المؤلف انه باستثناء صدام حسين فإن جميع المستبدين في العالم العربي لا يساوون نصف حجم الجنرال فرانكو، موضحا ان هذا الأخير ظل وهو شيخ الديكتاتوريين، يعتقد حتى اللحظة الأخيرة من نزاعه الأسطوري مع الموت أن شعبه يحبه حبا جما فلم تسمح المخابرات أبدا بإعلامه بأن الاسم الذي يشتهر به عند الناس هو «فرانكو الضفدع».

وعلى طريقة من كل بستان زهرة ينقلنا المؤلف في حديثه عن مشاكل الأنظمة العربية التي يكيل لها كل نقيصة إلى عامل الخوف الذي يراه يحكم علاقة الفرد مستعينا بشهادات محللين آخرين يرون أن أخطر ما يواجه بناء الدولة في مختلف دول العالم العربي هو شخصنة السلطة وتوارثها وأن السلطة تستخدم لتحقيق هذا الهدف الخوف الذي يعد واحدا من أهم أسلحتها..

وهنا فإن الخوف لا يقتصر على الجماعة الشعبية وحدها بل يمتد إلى من يراكمون السلطة طريقا للثروة ثم يراكمون الثروة التي تنتج بدورها سلطة جديدة.

ومن الخوف إلى الحديث عن مأزق الأنظمة يقول ان الأنظمة في مشرق العالم العربي ومغربه وجدت أن الشرعية الدولية التي تسعى إليها رهينة الشرعية المحلية فحجبها الناس عنهم لظلمهم فاختطف النظام الشعب وحبس حريته ومستقبله وقوته وكان الظالم المستبد يخرج إلى الشعب في المناسبات ويسأله الشرعية في مقابل الحياة والخبز لكن الشعب اكتسب الصلابة التي يكتسبها المسجون المظلوم في وحدته في الزنازين فكان يرفع سبابته عاليا في كل مناسبة سنحت ويلوح بها يمينا وشمالا بصمت لئلا يسمعه النظام.

وخلال الستين سنة الماضية قدمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي للأنظمة المعونات وقدمتا لها الدعم في المحافل الدولية وأنزلتا قادتها في أفخم الفنادق وعرضتاهم على شاشات التلفزيون لكنهما لم تستطيعا أن تقدما لهم الشرعية.

وهذه هي المعادلة الأصعب التي لم تستطع الأنظمة حلها فصارت تسترضي الغرب بضرب الشيوعيين وتسترضي الشيوعيين بضرب الديمقراطيين فحارب قسم من الأنظمة بسيف هذا وحارب القسم الآخر بسيف ذاك وانقض الضباط الأحرار على الإخوان المسلمين وانقض البعثيون على الشيوعيين في سوريا والعراق وانقض اليسار على اليمين والتقدمي على الرجعي.

وهنا يرد المؤلف على ما يثيره بعض الغربيين من زعم بأن الإسلام دين الاستبداد مشيرا إلى أنه لا توجد قدسية من أي نوع في الصراع على السلطة ولا مبرر للقدسية عند الحديث عن أطراف الصراع على السلطة ولا علاقة للدين بكل ما فعلوه من أجل الاستفراد بها. مضيفا:

نعرف اليوم ما كان العرب يعرفونه قبل أكثر من 1200 عام بان الدين زج في الصراع ولم يكن أساسه ولذا رأوا آنذاك ما يرونه اليوم من أن الحق والباطل لا يستويان ولا الإيمان والكفر أو العدل والظلم أو الشرعية والاغتصاب حتى لو أدخل الصراع السلطوي نفسه عبر بوابة الدين او الأقليات المظلومة.

وعلى ذلك وفي معرض خلاصة ينتهي إليها من استعراض هذا الجانب بالتفصيل يؤكد عادل بشتاوي على انه مهما كان عمر الحاكم الظالم فإن الشعب أطول منه عمرا ومهما حاول طمس آثار خطواته لاغتصاب السلطة فإنه سيعجز لأنه يستطيع أن يرمي الناس بالمدفعية وأن يدخل إلى كل عقل والى كل ذاكرة وينتزع منها الحقائق التي يعرفها

ولكن لا يمكن نسيان الظلم لأنه لا يمكن نسيان الألم ولذلك لم يفقد أسبان كثيرون الأمل بالعثور على أمهاتهم وآبائهم في بلدة أسبانية نائية أو قرية على رأس جبل بعيد لم يسمع أخبارهن أو أخبارهم منذ سار فرانكو بجيشه وفتك بكل من وقف بطريقه كما فتك الفاتحون الأسبان بالأزتك والمايا في أميركا الجنوبية.

في سياق البحث عن ملاذ يتساءل الكاتب: أين تهرب كل هذه الملايين من ظلم أنظمة الظلم إن لم يكن إلى الديمقراطية الصحيحة؟

ويضيف لقد جرب العرب كل شيء فلم ينفع شيء وعادت هذه الدمية الهلامية التي يلهو بها الأطفال فتأخذ بين يديهم كل الأشكال التي يريدونها فأخذت شكلها الحقيقي وإذ به نظام الظلم الذي يعرفه العربي جيدا..

فالأنظمة لم تترك شكلا لم تدعيه لنفسها للدخول إلى البيت العربي من أي نافذة او بوابة أو ثقب جانبي في جدار لكنها عادت دائما لتأخذ شكلها الحقيقي واذ به نظام الظلم العربي الذي يعرفه العربي جيدا.

الحل الوحيد في رأى بشتاوي هو الحل المجرب الذي اعتمدته تركيا وماليزيا وعشرات الدول غيرها لكن يجب ان ننتبه إلى شيء مهم ونحن ننظر إلى هذا النظام الإنساني في القرن الواحد والعشرين، اذا كانت الديمقراطية الصحيحة نقيض الاستبداد فإن وضع الخطوط الحمراء والحواجز التي لا يمكن تخطيها أمام مثل هذه الديمقراطية يفقدها الهدف النهائي من اعتمادها وهو السماح للشعب بأن يحكم نفسه بنفسه وسيجد المستبدون طريقا يدخلون منه إلى البيت العربي مرة أخرى.

وفي عبارة تجمع بين اليأس والأمل يقرر المؤلف أن المظلوم والخائف والمقهور والمفجوع لا ينتج والأمة التي لا ينتج فردها لا تنتج جماعتها ولن تصبح أمة الإنتاج والتطور والتنور مهما فعلت ومآلها إلى التخلف ومد يد الاستعطاء أمام أبواب الدول المانحة أما الأمة القادرة على الإنتاج والتطور والتنور وتحقيق الثراء فهي الأمة الشجاعة التي تكسر قيد اليأس فيكبر فيها الأمل وتخرج من سديم عصر الظلم وتنهض نهضة قوية فوق صلابة أرضية الديمقراطية الصحيحة وعدالة القانون والمساواة وتماثل الفرص والواجبات والحقوق.

وعلى ذلك لا يرى خروج مما نحن فيه إلا بالتخلص من الاستبداد الذي يعتبر السمة العامة في المجتمع.. فمشكلة الأمة اليوم لا تكمن في استبداد الحاكم وحده بالوطن فقط، فابنه أيضا مستبد وأخوه مستبد أيضا وابن أخيه وابن عمته وخاله. إن المشكلة أن وزير المستبد مستبد مثله في وزارته وهي قطاع استبداده، قائد الفرقة مثله ومدير المدرسة المتشبع بأيديولوجية الظلم لا بالعلم يستبد أيضا بالمدرسة والمدرس والطالب.

ومن هنا فإن التحدي الذي يواجه العرب اليوم ليس في تغيير النظام فقط بل في تغيير الفكر الذي خلقته الأنظمة في العقول ولكي يحدث هذا التغيير الكبير كان لا بد من حدوث شيء كبير يكسر الخوف الأكبر على غرار ما حدث في العراق كي تنكشف لعبة الغرب والأنظمة على حقيقتها وتظهر للناس.

مصطفى عبد الرازق

جريدة البيان – دبي – الامارات العربية المتحدة

 

 

syria_bodies

 

 

3- أقرأ عرض الشاعر السوري المشهور نوري الجراح (تنسيق بي دي اف)

نوري الجرّاح

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

أضف تعليقاً